وقبيل عن النظير مُتَخَلِّص. فإذا شئتَ أن تعرف عظم شأنه فتأمَّلْ ما نقوله في هذا الفصل لامرئ القيس في أجود أشعاره، وما نبيِّن لك مِنْ عَواره على التفصيل، وذلك قوله:
قفا نَبْك مِنْ ذكرى حبيبٍ ومنزل … بِسِقْط اللِّوى بين الدَّخول فحَوْمل
الذين يتعصَّبون له ويدَّعُون محاسن الشعر يقولون: هذا من البديع لأنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر العهد والمنزل والحبيب، وتوجَّع واستوجع، كله في بيت وإنما بيَّنَّا هذا؛ لئلا يقع لك ذهابنا عن مواضع المحاسن إن كانت، ولا غفلتنا عن مواضع الصناعة إن وُجِدَتْ)) .
ثم يمضي الباقلاني في نقد قصيدة امرئ القيس التي هي من غُرَر شعره، ويُبَيِّن مواضع سَقْطه، وتخلُّفه عن الأسلوب القرآني ثم يقول (1) : ((فأمَّا نهج القرآن ونظمه وتأليفه ورصفه فإن العقول تتيه في جهته، وتحار في بحره، وتَضِلُّ دون وَصْفِه، ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدلُّ به على الغرض، فلو لم يكن بين أيدي الباقلاني وأقرانه مثل هذه القصائد الشعرية لما استطاعوا أن يحققوا قاعدة ((وبضدها تتميز الأشياء)) ؛ وذلك لبيان روعة النظم القرآني وبلاغته، ومن هنا فإن عناية علماء العربية بالشعر عناية هادفة إلى تحقيق مقاصد كثيرة في مجال علوم العربية المتعددة.
وهذه الإفادة الرحبة من المادة الشعرية في سبيل الإحاطة بلغة القرآن مَهَّدَتْ الطريق لكثير من اللغويين للقيام برحلات علمية إلى البوادي لالتقاطها--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن 184.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
من أفواه الأعراب (1) ، ولولا هذا النشاط المبذول في جمع الشعر والعناية به لخدمة القرآن لاندثر الشعر الجاهلي (2) .
وكلما تباعد الناس عن عصر نزول القرآن برزت الحاجة إلى معرفة غريب القرآن، فكان الشعر مِنْ أهمِّ الوسائل لفهم هذا الغريب، والإجابة عن استفسارات الناس المتجددة (3) . ثم تدخل محاولات جمع الشعر مرحلة التنظيم والجمع من خلال المجموعات الشعرية التي جمعها الثقات من اللغويين كالمفضليات والأصمعيات وجمهرة أشعار العرب، وتضمُّ هذه المجموعات قصائد لشعراء يُستشهد بشعرهم في مضمار اللغة. وقد يَجْمَعُ أحد علماء اللغة شعر أحد الشعراء الجاهليين في ديوانٍ واحد ويشرح غريبه، وبذلك مدَّ الشعرُ العربي حركةَ التفسير القرآنية التي بدت تنمو وتزدهر مع مرور الأيام، كما مدَّ هذا الشعرُ معاجمَ اللغة وكتب النحو والصرف والبلاغة بشواهد غزيرة تساهم في تأصيل علومها. وقد كان للعلماء الثقات في هذه الخطوات دورٌ كبير في سَدِّ أبواب الانتحال والوضع؛ ليكون الاستشهاد مبنياً على أسس صحيحة (4) ، وكلما ابتعد الناس عن موارد الفصاحة وتقدَّمت بهم الأيام، صَعُبَ عليهم فَهْمُ الشعر والتعامل معه لكثرة غريبه المبثوث فيه،--------------------------------------------
(1) أثر القرآن في تطور النقد العربي 33.
(2) فصول في فقه اللغة 111.
(3) المفصل في تاريخ النحو العربي 32.
(4) أثر القرآن في تطور النقد العربي 194.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
فاستلزم الأمر شرحه، ولا سيما الجاهلي الذي يكثر فيه الحوشيُّ.
ويجد الباحث في المكتبة العربية الكثير من هذه الشروح التي يتخللها الاستشهاد بآيات القرآن الكريم، ومن ذلك كتب الأمالي والنوادر، ومن هنا صار فن الشعر فناً قائماً برأسه، وفرعاً من فروع المعرفة اللغوية والبيانية التي تخدم القرآن (1) . وليس غريباً أن يحتلَّ الشعر مكانة عالية في مجال البحوث القرآنية المتعددة التي تُعنى بالتأصيل، وبذلك خالف الشعر العربي آداب اللغات الحية التي لا نكاد نجد فيها مثل هذا التواصل اللغوي عبر هذه القرون المتطاولة، ولكن بفضل القرآن بقي الشعر العربي حياً طوال فترة سالفة (2) .--------------------------------------------
(1) التفكير البلاغي عند العرب 34.
(2) أثر القرآن الكريم على اللغة العربية، د. علي جميل 131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
المبحث الخامس: عناية المسلمين بتوجيه القراءات في ضوء العربية خدمة لقرآن
…
المبحث الخامس: عناية المسلمين بتوجيه القراءات في ضوء العربية خدمةً للقرآن
ثمة ارتباط وثيق بين القراءات القرآنية ولهجات القبائل العربية، وقد كان مِنْ حكمة نزول هذه القراءات أن يَسَّرَتْ تلاوة الوحي الكريم والتعامل معه، على الرغم من أن اللسان العربي تتعدَّد لهجاته على نحوٍ واسع. وفي الفترة التي سبقت نزول القرآن كان للهجة قريش السيادة على اللهجات العربية الأخرى في شبه الجزيرة العربية. وقد بلغَتْ قريش هذه المنزلة بعد مراحل عديدة من احتكاك اللهجات العربية بها، وذلك بفضل موقعها الديني؛ فهي المشرفة على خدمة الكعبة المشرفة، وتَهْفو إليها أفئدة العرب جميعاً، وبفضل النشاط التجاري الذي كانت قريش تعقده في حواضرها، وكانت اللهجة القرشية تستقي من لهجات القبائل ما تحتاج إليه من صفوة اللغات، حتى تمَّ تكوينُها قُبَيْل نزول الوحي.
وقد اشتملت لهجة قريش على خصائص كثيرة من لهجات القبائل الأخرى؛ إذ استوعبت صفوة العناصر الحميدة لهذه اللهجات. فإذا قلنا: إن القرآن نزل بلغة قريش فليس معنى هذا أننا نَغُضُّ الطرف عن تأثير اللغات الأخرى في مفردات القرآن ونسيجه الصوتي، وإنما نقصد أن لغة قريش هي اللغة النموذجية العالية التي تكوَّنَتْ عبر مراحل عديدة، واشتملَتْ على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
خصائص لهجات العرب الأخرى (1) . وقد تكفَّلَت كتب ((لغات القبائل)) بإسناد كل مفردة قرآنية إلى أصل قبيلتها التي انحدرت منها، على نحو ما تبيَّن لنا في موضوع اللغة.
والحق أنَّ هذا التطور التاريخي للهجة قريش التي نزل بها القرآن كان مَحْمَدة لصالح العرب جميعاً؛ وذلك لأنَّ هذه اللهجة أصبحت لغة الأدب والشعر وقاسماً مشتركاً لدى جميع القبائل، ولو كانت لهجة قريش مقصورةً عليها غير معهودة عند العرب لما استطاعت هذه القبائل أن تحقِّق الانتفاع بالقرآن الكريم والتعامل معه لأنه بلهجةٍ غيرِ لهجتها (2) ، وبذلك صار تحدِّي القرآن للعرب جميعاً يقوم بغرضه الذي سِيق من أجله، فهو معجزٌ بالإضافة إلى قبائلهم كلها،، ولو كان التحدي مُوَجَّهاً إلى قبيلة قريش وحدها لقيل: إن القرآن جاء بما لا قدرةَ للعرب على جنسه (3) .
وقد بذل النحاة جهداً فائقاً لخدمة القرآن بمختلف قراءاته المتواترة والشاذة، فوجَّهوها بالتعليل المستند إلى الأصول المعتمدة عندهم، واستشهدوا على ذلك بالشواهد الفصيحة التي جمعوها من البوادي عبر رحلاتهم العلمية المديدة، وقد استندوا إلى هذه القراءات في تأصيل قواعدهم، وإرساء معالم الصناعة النحوية والصرفية، وضبط مفردات اللغة. ومن المعلوم أن للقراءات الصحيحة شروطاً ومعايير تجعلها مقبولة، وقد اعتمدها النحاة واللغويون--------------------------------------------
(1) انظر: فصول في فقه اللغة 77، وأثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية 15.
(2) أثر القراءات في الدراسات النحوية 16.
(3) المصدر نفسه 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
والبلاغيون، واستنبطوا منها الأصول التي بَنَوْا عليها علومهم، وما خالف شروط القراءة الصحيحة عَدُّوه شاذاً.
وقد تحدث ابن جني عن الاحتجاج بالنوعين في مقدمة كتابه ((المحتسب)) (1) فذكر ((ضرباً اجتمع عليه أكثر قراء الأمصار، وهو ما أودعه ابن مجاهد كتابه الموسوم بقراءات السبعة، وهو بشهرته غان عن تحديده، وضرباً تعدَّى ذلك، فسمَّاه أهل زماننا شاذاً، أي: خارجاً عن قراءة القراء السبعة المقدَّم ذكرها، إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالروايات مِنْ أمامه وورائه، ولعله أو كثيراً منه مساوٍ في الفصاحة للمجتمع عليه، نعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنُف بغيره فصاحته (2) ، وترسو به قدم إعرابه. لكن غرضنا منه أن نُري وجه قوة ما يُسَمَّى شاذاً، وأنه ضارب في صحة الرواية بجِرانه، آخِذٌ من سَمْتِ العربية مهلة ميدانه؛ لئلا يرى مُرىً (3) أن العدول عنه إنما هو غضٌّ منه أو تهمة له)) .
فالقراءات المتواترة والشاذة حجة عند أهل العربية، وإن كانت الأُولى أعلى قدراً. وقد صنف علماء العربية ثلاثة أنواع من المصنفات لخدمة القراءات في ضوء صناعتهم: الضرب الأول يختص بالمتواتر، ومنه ((الحجَّة))--------------------------------------------
(1) المحتسب 1 / 32.
(2) يريد أن فصاحته متفوقة.
(3) أي: يظن ظان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
للفارسي و ((الكشف)) لمكي، والضرب الثاني يختص بالشاذِّ، ومنه ((المحتسب)) لابن جني، و ((إعراب القراءات الشاذة)) للعكبري، والضرب الثالث يجمع بين المتواتر والشاذِّ ومنه ((البحر المحيط)) لأبي حيان، و ((الدر المصون)) للسمين الحلبي. ويبدأ كل مصنف من هذه المصنفات بذكر صاحب القراءة وضبط قراءته، ثم يشرع في توجيهها حسب قوانين الصناعة، ويعربها ويشرح معناها، ويستشهد عليها من شعر العرب ومنثورهم، وقد يجتهد في إيجاد وحدة معنوية بين قراءتين أو أكثر، وقد لا يكون ثمة وحدة فيسعى المؤلف في التوجيه الذي يراه في ضوء علوم العربية المختلفة، مِنْ لغةٍ ونحو وصرف وبلاغة. ويمكننا أن نضرب ثلاثة أمثلة يمثِّل كل مثال منهجاً من مناهج التأليف المذكورة:
ذكر الشيرازي في ((الكتاب الموضِّح في وجوه القراءات وعللها)) (1) أن حمزة وحده قرأ {أَسْرَى} (البقرة: 85) بغير ألف؛ وذلك لأنَّ ((أَسْرى)) أقيس من ((الأُسارى)) ؛ لأنَّ فَعِيلاً إنما جاء جَمْعُه على فَعْلى نحو: قتيل وقَتْلى، وجريح وجرحى، وأصل ذلك إنما يكون لِما كان بمعنى مفعول، وقد حُمِل عليه أشياء وقعَتْ مقاربةً له في المعنى نحو: مَرْضى، لمَّا كان هؤلاء مُبْتَلين بهذه الأشياء التي وقعت على غير اختيارهم، شُبِّهوا بالجرحى، إذ كانوا أيضاً كذلك. وقرأ الباقون ((أُسَارى)) . ووجه ذلك أن ((أسيراً)) جُمع ههنا على ((أُسارى)) تشبيهاً بكُسالى، لَمَّا كان الأسير ممنوعاً عن--------------------------------------------
(1) الكتاب الموضح 1 / 288.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
الكثير مِنْ تَصَرُّفه شُبِّه بالكسلان الذي يمتنع عن ذلك، بما فيه من العادة المذمومة التي هي الكسل، فلمَّا أشبهه في المعنى شاركه في الجمع على فُعالى)) .
ويُخَرِّج ابن جني في ((المحتسب)) (1) قراءة الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وعيسى الهمداني {وَقُودُهَا النَّاسُ} (البقرة:24) فيقول: ((هذا عندنا على حذف المضاف أي: ذو وُقودها، أو أصحاب وُقودها الناس، وذلك أن الوُقود بالضم هو المصدر، والمصدر ليس بالناس، لكن قد جاء عنهم ((الوَقود)) بالفتح في المصدر لقولهم: وَقَدَت النار وُقوداً، ومثله أَوْلَعْتُ به وَلوعاً، وهو حسن القَبول منك، كلُّه شاذ والباب هو الضم)) . ويأتي ابن جني بتخريجات أخرى لهذه القراءة على منهجه في الاستشهاد بلغات العرب وأشعارها.
وأشار صاحب ((الدر المصون)) (2) إلى ست وعشرين قراءة في قوله تعالى: {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} (الأعراف: 165) ، وبدأ بعَزْو كل قراءة إلى أصحابها، ثم عُني بضبطها ضبطاً مفصَّلاً، ثم مضى يُخَرِّج كل قراءة على حِدة، سواءٌ أكانت متواترة أم شاذة في ضوء الصناعة العربية؛ ليكون لها وجهٌ من القبول والتوجيه، ثم ذكر أن أبا البقاء العكبري أضاف أربع قراءات أُخَر، وختم كلامه بقوله: ((فهذه ست وعشرون قراءة في هذه اللفظة، وقد حرَّرْتُ--------------------------------------------
(1) المحتسب 1 / 63.
(2) الدر المصون 5 / 496.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
ألفاظها وتوجيهها بحمد الله تعالى)) .
وهكذا اشتغل النحاة بتوجيه القراءات القرآنية، وليس غريباً أن يكون النحاة الأوائل الذين بنَوا صَرْحَ هذا العلم هم من القرَّاء كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل بن أحمد، ولعلَّ اهتمامهم بهذه القراءات دفعهم إلى الدراسة النحوية المفصَّلة؛ لكي يلائموا بين ما سمعوا من القراءات وما روَوْه من كلام العرب (1) .
وقد اجترأ بعض النحاة والمفسرين على تضعيف طائفة من القراءات المتواترة، التي خالفَتْ أصولهم المقررة في اللغة أو النحو والصرف، كما اجترؤوا على رَمْيها بالتخطئة، أو الخروج عن سنن العربية؛ ممَّا جعل فريقاً آخر من النحاة يَرُدُّون عليهم، ويُثْبتون خطأ هذا المنهج في التسرُّع إلى تضعيف قراءات تشتمل على شروط القراءة المتواترة. وفي هذا الإثبات والردِّ على المتسرِّعين مَحْمَدة حَفِظت لهذه القراءات هيبتَها، واستنادها إلى وجه صحيح، فالحكم على رَفْض ما تواتر بحجةٍ واهية ليس بالأمر السهل، وبذلك أصبح علم توجيه القراءات علماً أصيلاً يَرُدُّ على الطاعنين، ويجيب عن تعليلها الذي يُبَيِّن وجهها في المعنى أو الصناعة. ومن ذلك (2) قوله تعالى {إِلَى بَارِئِكُمْ} (البقرة: 54) فقد رُوي عن أبي عمرو بن العلاء في الهمزة الكسر والاختلاس، وهو الإتيان بحركة خفيَّة، والسكون المحض، وهذه الأخيرة قد--------------------------------------------
(1) انظر أثر القراءات في الدراسات النحوية 55.
(2) الدر المصون 1 / 361.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
طعن عليها جماعة من النحويين، وَنَسبوا راويَها إلى الغلط على أبي عمرو. قال سيبويه (1) : ((إنما اختلس أبو عمرو فظنَّه الراوي سكَّن ولم يضبط)) . وقال المبرد: ((ولا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شعر، وقراءة أبي عمرو لحن)) .
وبعد أن عرض السمين أقوالهم في تلحين القراءة وتضعيفها ينبري للردِّ عليهم، وتوجيهِ قراءة أبي عمرو، فيقول: ((وهذه جرأةٌ من المبرد وجَهْلٌ بأشعار العرب؛ فإن السكون في حركات الإعراب قد ورد في الشعر كثيراً، ومنه قول امرئ القيس (2) :
فاليومَ أشربْ غير مُسْتَحْقِبٍ … إثماً من الله ولا واغلِ
فسكَّن ((أشربْ)) . وقال جرير (3) :
سِيروا بني العمِّ فالأهوازُ منزلُكُم … ونهرُ تِيرى فما تعرفْكم العربُ
فهذه حركات إعراب وقد سُكِّنَتْ. وقراءة أبي عمرو صحيحة؛ وذلك أن الهمزة حرف ثقيل، ولذلك اجْتُرئ عليها بجميع أنواع التخفيف، فاستثقلت عليها الحركةُ، فقُدِّرت، وهذه القراءة تشبه قراءة حمزة رحمه الله في قوله تعالى: {وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا} (فاطر: 43) فإنه سكَّن همزة ((السَّيِّئ)) وصلاً، والكلام عليهما واحد، والذي حسَّنه هنا أنَّ قبل الهمزة راءً مكسورة، والراء حرف تكرير، فكأنه توالى ثلاث كسرات، فحَسُن--------------------------------------------
(1) الكتاب 2 / 297.
(2) ديوانه 122.
(3) ديوانه 48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
التسكين، وليت المبرد اقتدى بسيبويه في الاعتذار عن أبي عمرو وفي عدم الجرأة عليه، وجميع رواية أبي عمرو دائرة على التخفيف، ولذلك يُدغم المثلين والمتقاربين، ويُسَهِّل الهمزة ويُسَكِّن)) .
وهكذا نصل إلى أنَّ علماء العربية خدموا قراءات القرآن الكريم بالتوجيه والشرح، وبيَّنوا أصولها، وحقَّقوا في صلتها بقواعدهم الصناعية، ورَدُّوا على المجترئين عليها بالتلحين أو التضعيف، وتجاوزوا المتواتر منها إلى الشاذِّ، وتَعَدَّدت مناهجهم وطرقهم في هذه السبيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
المبحث السادس: عناية امسلمين برسم المصحف خدمة للقرآن الكريم
…
المبحث السادس: عناية المسلمين برسم المصحف خدمةً للقرآن الكريم
لو تأمَّلْنا في تاريخ الكتابة العربية ورسمها الإملائي لوجدناها سابقة للوقت الذي نزل فيه القرآن، ولكن الرغبة الشديدة التي كانت عند السلف للعناية بالقرآن الكريم من حيث تلاوتُه وصيانتُه من اللحن هي التي دفعَتْهم في القرن الهجري الأول إلى التفكير في وسيلة عملية تعصم تالي القرآن من الوقوع في اللحن؛ وذلك لأنَّ أصل كتابته في المصاحف العثمانية كانت خاليةً من رموز الحركات ونَقْط الإعجام، وكان الناس قريبين من موارده الصحيحة، فلم تكن قضية تلاوته تلاوة صحيحة مُعْضِلةً تُشْغل علماء السلف، ولكن بعد اختلاط العرب الفصحاء بغيرهم وفُشُوِّ اللحن، أصبحوا يفكرون فيما يهدي القارئ إلى القراءة الصحيحة (1) . وسوف نشير الآن بإيجاز إلى هذه الجهود التي بذلها علماء العربية في جانبين رئيسين ممَّا يتصل برسم المصحف:
1 - رموز الحركات:
ثمة روايات تَنْسُب إلى أبي الأسود الدؤلي بداية التفكير في وضع رموز للحركات الإعرابية في سبيل ضبط الرسم العثماني الخالي من هذه الرموز.--------------------------------------------
(1) فصول في فقه اللغة 113.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
وينقل أبو عمرو الداني في كتابه ((المحكم في نقط المصاحف)) رواية عن المبرد يقول فيها (1) : ((لمَّا وَضَع أبو الأسود الدؤلي النحو قال: ابْغُوا لي رجلاً، وليكُنْ لَقِناً. فطُلب الرجل فلم يوجد إلا في عبد القيس. فقال أبو الأسود: إذا رأيتني لفظت بالحرف فضممت شفتيَّ فاجعل أمام الحرف نقطة. فإذا ضممت شفتيَّ بغنة فاجعل نقطتين. فإذا رأيتني قد كسَرْت شفتيَّ فاجعل أسفل الحرف نقطة، فإذا كَسَرْت شفتيَّ بغنة فاجعل نقطتين، فإذا رأيتني قد فتحت شفتيَّ فاجعل على الحرف نقطة، فإذا فتحت شفتيَّ بغنة فاجعل نقطتين)) . قال المبرد: ((فذلك النَّقْطُ بالبصرة في عبد قيس إلى اليوم)) .
وكانت نُقَط الحركات هذه تُكتب بصبغ يخالف لون المداد الذي كُتبت به الحروف ونقطها، فكان ذلك يَشُقُّ على الكاتب؛ إذ يتحتم أن يكتب بقلمَيْن ومدادَيْن مختلفين (2) .
ويبدو أنه قد أتى على صنيع أبي الأسود في شكل الحركات الإعرابية حينٌ من الدهر، ثم طرأ عليها تعديل جديد قام به الخليل الفراهيدي، فقد أورد الداني في ((محكمه)) رواية ثانية عن المبرد يقول فيها (3) : ((الشكل الذي في الكتب من عمل الخليل، وهو مأخوذ من صور الحروف، فالضمة واو صغيرة الصورة في أعلى الحرف؛ لئلا تلتبسَ بالواو المكتوبة، والكسرة ياء تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوق الحرف)) . وصنيع الخليل هذا لم--------------------------------------------
(1) المحكم 6.
(2) فصول في فقه اللغة 114.
(3) المحكم 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
يستقرَّ لدى الكُتَّاب إلا بعد فترة من الزمن، فقد كانوا لا يجرؤون على استخدامه، ويُفَضِّلون عليه نَقْط أبي الأسود بحجة إتباع سُنَّة السلف، وكانوا يُسَمُّون طريقة الخليل بشكل الشعر (1) ، والغاية من هذا الاحتراز صيانة القرآن الكريم من التبديل والتغيير.
وتُعَلِّل مصنفات رسم المصحف شكل هذه الحركات (2) ، فالحركات كما هو معلوم: فتحة وكسرة وضمة، فموضع الفتحة من الحرف أعلاه؛ لأنَّ الفتح مُسْتعل، وموضع الكسرة منه أسفله؛ لأنَّ الكسر مُسْتفل، وموضع الضمة منه وسطه أو أمامه؛ لأن الفتحة لمَّا حصلت في أعلاه، والكسرة في أسفله، لأجل استعلاء الفتح وتَسَفُّل الكسر بقي وسطه، فصار موضعاً للضمة.
ويشرح الإمام أبو عمرو الداني (3) طريقة تنقيط التشديد. وثمة مذهبان، أحدهما: أن تجعل علامته أبداً فوق الحرف، وصورة التشديد على هذا المذهب شين. والثاني: أن تجعل علامة التشديد دالاً فوق الحرف المفتوح، وتحته إذا كان مكسوراً، وأمامه إذا كان مضموماً. فأما السكون، فأهل المدينة يجعلون علامته دارة صغيرة فوق الحرف، وآخرون يجعلون علامته خاء، يريدون بذلك أول كلمة خفيف، وبعض أهل العربية يجعل علامته--------------------------------------------
(1) فصول في فقه اللغة 401.
(2) المحكم 42.
(3) المحكم 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
هاء. قال الداني (1) : ((كان سبب نَقْط المصاحف تصحيح القراءة وتحقيق الألفاظ بالحروف؛ حتى يُتَلَقَّى القرآن على ما نزل من عند الله تعالى، وتُلُقِّي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونُقِل عن صحابته رضوان الله عليهم، وأدَّاه الأئمة رحمهم الله تعالى، فسبيل كل حرف أن يُوَفَّى حقَّه بالنَّقْط ممَّا يستحقُّه من الحركة والسكون والشدِّ والمدِّ والهمز وغير ذلك، ولا يُخَصُّ ببعض ذلك دون كله)) .
ومن هنا نخلص إلى أن جهود علماء السلف في شكل الفتحة والضمة والكسرة والسكون والتشديد بدأت منذ وقتٍ مبكر، واختلفت اتجاهاتهم في ذلك، إلى أن استقرَّ الأمر على صنيع الخليل الفراهيدي الرجل الفذِّ الذي كان له جهود كبيرة في تاريخ علوم العربية.
2 - نقط الإعجام:
أعجمتُ الكتابَ إعجاماً إذا نَقَطْتَه، وكتاب معجم: منقوط. والحروف المعجمة مثل الباء والتاء والثاء والنون. ومَنْ يتتبَّع الروايات التاريخية المختلفة في تاريخ الكتابة العربية يجد أن أبا الأسود الدؤلي وتلاميذه، وهم نصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز ويحيى بن يعمر وعنبسة الفيل وميمون الأقرن، هم الذين قاموا بنقط الإعجام، وهو اتخاذ نقط جديد للحروف المعجمة في المصاحف الخالية منها، تمييزاً لها من الحروف المهملة. ويذكر الإمام الداني في--------------------------------------------
(1) المحكم 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
((محكمه)) رواية يحيى بن أبي كثير حيث يقول (1) : ((كان القرآن مجرداً في المصاحف، فأول ما أحدثوا فيه النَّقْط على الياء والتاء، وقالوا: لا بأس به هو نور له، ثم أحدثوا فيها نُقَطاً عند منتهى الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم)) .
ويرى الداني (2) أن الصدر من السلف أخْلَوا المصاحف من التنقيط والشكل؛ لأنهم أرادوا الدلالة على بقاء السَّعة في اللغات، والفسحة في القراءات التي أذن الله تعالى لعباده في الأخذ بها والقراءة بما شاءت منها، فكان الأمر على ذلك إلى أن حَدَثَ في الناس ما أوجب نَقْطَها وشكلَها.
وقد سُئِل الإمام أحمد عن نَقْط القرآن (3) فأجاب: ((أمَّا الإمام من المصاحف فلا أرى أن يُنَقَّط، ولا يُزاد في المصاحف ما لم يكن فيها، وأمَّا المصاحف الصغار التي يتعلَّم فيها الصبيان وألواحهم فلا أرى بذلك بأساً)) .
ومثل هذه الروايات تُنْبئ عن خشية السلف الاجتراءَ على القرآن بالتبديل والتغيير؛ لأن مثل هذا التنقيط في العصور المتقدمة كان فيه مجال للاجتهاد، ولم يستقرَّ أمره بعد، ومن هنا اختلف اجتهاد السلف في نقاط الإعجام ما بين مترخِّص ومانع.
ويذكر الإمام الداني (4) أن الذي دعا السلف إلى نَقْط المصاحف بعد أن--------------------------------------------
(1) المحكم 2.
(2) المحكم 3.
(3) المحكم 11.
(4) المحكم 18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
كانت خاليةً من ذلك وعاريةً منه وقت رسمها وحين توجيهها إلى الأمصار ((ما شاهدوه من أهل عصرهم، مع قُرْبهم من زمن الفصاحة، ومشاهدة أهلها مِنْ فساد ألسنتهم، واختلاف ألفاظهم، وتغيُّر طباعهم، ودخول اللحن على كثير من خواصِّ الناس وعوامِّهم، وما خافوه مع مرور الأيام وتطاول الأزمان مِنْ تزيُّدِ ذلك وتضاعُفه فيمن يأتي بعد … لكي يُرْجَعَ إلى نَقْطها، ويُصار إلى شكلها عند دخول الشكوك وعدم المعرفة، ويتحقق بذلك إعراب الكَلِم وتُدرك به كيفية الألفاظ)) .
وثمة روايات تاريخية تُرجع عصرَ نَقْطِ الإعجام إلى زمن الصحابة وقبل أن يُكتب المصحف الإمام في عهد عثمان رضي الله عنه. وقد أشار بعض المؤرخين (1) إلى وثيقةٍ من وثائق البُرْدي، يرجع عهدها إلى عام 22هـ، وفيها حروف منقوطة.
كما أن الفراء (2) نقل عن سفيان بن عيينة أن زيد بن ثابت وجد حجراً مكتوباً عليه آية من غير تنقيط فنقَّطها، كما أن بعض الصحابة كره النقط، ودعا إلى تجريد المصحف منه كعبد الله بن مسعود (3) . وليس المقام هنا تحقيق مَنْ بدأ بهذا العمل الجليل، وإنما المقام أن نشير إلى أن غَيْرة علماء العربية من السلف على القرآن هي التي دفعَتْهم إلى هذين العملين: نقط الإعجام والحركات.--------------------------------------------
(1) المفصَّل في تاريخ النحو 68.
(2) معاني القرآن 1 / 172.
(3) المحكم 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وسارت الكتابة العربية على الصورة التي نجدها في الرسم العثماني، ولكن اتساع استخدام الكتابة العربية في القرون الهجرية الأولى أظهر الحاجة إلى قواعد للكتابة تكون أكثر تحديداً وضبطاً، فاتجه علماء السلف منذ القرن الهجري الثاني إلى تكميل ما قد يبدو في الكتابة العربية مِنْ ثَغَرات، وسَعَوْا إلى توحيد ما في الكتابة الأولى من قواعد متعددة (1) . قال ابن درستويه (2) : ((ووجدنا كتاب الله عز وجل لا يُقاس هجاؤه، ولا يُخالَفُ خطُّه، ولكنه يُتَلَقَّى بالقبول على ما أودع المصحف)) . والمذهب الذي نذهب إليه في هذه المسألة هو مذهب الجمهور في وجوب التزام الرسم العثماني في المصاحف، وذلك في كل زمان ومكان؛ خشيةَ تَسَرُّب الفوضى والاضطراب إلى رسمه، لو فتحنا باب كتابته بالرسم الإملائي المعاصر. وقد سُئِل الإمام مالك: أرأيت من استكتب مصحفاً اليوم، أترى أن يُكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟ قال: ((لا أرى ذلك، ولكن يُكتب على الكتبة الأولى)) (3) .--------------------------------------------
(1) رسم المصحف 735.
(2) الكُتَّاب 16.
(3) المقنع في رسم مصاحف الأمصار 119.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
المبحث السابع: عنايةالمسلمين بعلم الأصوات خدمةً للقرآن الكريم
امتدَّت جهود علماء العربية لتشملَ طرق أداء القرآن الكريم أداء صوتياً صحيحاً، كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما عُرِف في دراسات السلف بالتجويد، وعُرِف في دراسات علم اللغة الحديث بعلم الأصوات. والمقصود به إعطاء الحروف حقها، وإخراجها مِنْ مخارجها، ووصف الأصوات التي تخرج من جهاز النطق في الإنسان. والتجويد: مصدر جَوَّد الشيء تجويداً إذا أتى بالقراءة مجوَّدة الألفاظ، بريئةً من الجَوْر عند النطق بها (1) . وقد ترك علماء العربية في هذا الجانب مؤلفات غزيرة تشير إلى نضج وخبرة ومعرفة دقيقة بأصوات العربية، كما توصَّلوا إلى تحليلات دقيقة، وافقت في كثير من جوانبها جهود علم اللغة الحديث الذي توفَّرَتْ له معامل الاختبار، والأجهزة الدقيقة التي لم تتوفَّر للسلف.
إنَّ الوصف المتقن لحروف العربية ومخارجها في جهاز النطق لدى الإنسان (2) ، أعانَتْ قارئ القرآن كثيراً للوصول إلى الأداء الصحيح أثناء تلاوة القرآن. يقول القارئ عبد الله بن ذكوان: ((يجب على قارئ القرآن أن يقرأ بترتيل وتَرَسُّل، وأن يعرف مخارج الحروف في مواضعها، ويستعمل إظهار--------------------------------------------
(1) جمال القراء 2 / 525.
(2) انظر: شرح الهداية 1 / 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
التنوين عند حروف الحلق إظهاراً وسطاً بلا تشديد، وإخراج الهمزة إخراجاً وسطاً حسناً، وتشديد المضاعف تشديداً وسطاً، وتفخيم الكاف والراء والزاي والخاء والحاء والطاء، وترقيق الراء، وتصفية السين، وإظهار النون عند الخاء، وإظهار الهاء وإخراجها من الصدر، وإدغام ما يحسن فيه الإدغام، وإظهار ما يحسن فيه الإظهار)) (1) .
لقد عَدَّ السلفُ القارئ لاحناً لحناً خفيَّاً إذا لم يُوَفِّ الحرف حقَّه، أو كان مقصِّراً في معرفة صفته التي هي له، أو زاد على هذا الحق، فأعطى الحرف شيئاً من الصفات لا يستحقها (2) . وذكروا (3) أنه لايُتمكن التجويد، ولا يتحصل التحقيق إلى بمعرفة حقيقة النطق بالمحرك والمسكَّن والمختلس والمرام والمشم والمهموز والمسهَّل والمحقَّق، والمشدَّد والمخفَّف والممدود والمقصور والمبين، والمدغم والمخفى والمفتوح والممال، كما فصَّلوا في صفات الحروف وأحكام المدود، وتفخيم الحروف وترقيقها، والإدغام الصغير والكبير، وتحدَّثوا عن الصفات الأصلية الملازمة للحرف، ولا تنفك عنه بحال كالجهر والاستعلاء والإطباق، والصفات العَرَضية، وهي تعرض للحرف أحياناً، وتنفكُّ عنه أحياناً كالتفخيم والترقيق والإظهار والإدغام والمد والقصر، وفصَّلوا في أنواع المخارج وعددها. وجاء هذا التفصيل كله في كثير من--------------------------------------------
(1) جمال القراء 2 / 526.
(2) جمال القراء 2 / 529.
(3) شرح الهداية 1 / 78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)