خلال القرآن، بل شاركوا أصحاب القراءة، والمبدعين في التجويد عملهم، فلا يكادُ يخلو كتابٌ من ذكر آرائهم، والاستناد إلى ما قرَّروه، ممّا لا تدعو حاجة إلى بيانه وشرحه.
"والقراءة والأداء - كما يقول الرافعي - أمران يتعلّقان باللفظ، ويبنيان على وجوه اللغة التي قام بها " (1) وأحْكِمَتِ الصِّلةُ بين القراءة واللغةِ، حَتَّى عُدَّتْ موافقة القراءةِ العربيةَ بوجهٍ من الوجوه شرطاً في صحّتها وقبولها، سواء أكان هذا الوجه أفصح أَمْ فصيحا، مجمعاً عليه، أم مختلفاً فيه اختلافاً لا يضرُّ مثله (2) ترى ذلك بيّناً في كلماتٍ لأهل اللغة، مثل قول الفرّاء "اتباع المصحف إذا وجدتُ له وَجْهاً من كلام العرب، وقراءة القُرّاء أَحَبُّ إليَّ من خلافه" (3) .وكلام الفرّاء وإن كان صريحاً في رسم المصحف، إلاّ أنّه ينطبق على القراءة والأداء.
وقد جَعَلَ المتأخِّرون من القُرّاء شروط القراءة الصحيحة ثلاثة جمعها بقوله:--------------------------------------------
(1) الرافعي، مصطفى صادق (ت 1356 هـ) تاريخ آداب العرب / دار الكتاب العربي / بيروت / ط الثانية / 1394 هـ - 1974 م، 2/46.
(2) ينظر في هذا كتب القراءات، ومعاني القرآن للفرّاء 2 / 293، والصاحبي ص 15، وتاريخ آداب العرب 2 / 55.
(3) الفرّاء، يحيى بن زيّاد (ت 207) معاني القرآن، تحقيق أحمد يوسف نجاتي وآخرين، ط أولى / القاهرة 2 / 293.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
فكُلُّ ما وافَق وَجْهِ نَحْوِ
وكان للرسم احتمالاً يَحْوي
وصَحَّ إسناداً هو القرآنُ
فهذه الثلاثة الأركانُ" (1)
وقال البنّا: "فإذا اجتمعت هذه الثلاثة في قراءةٍ وجَب قبولها، سواء كانت عن السَّبْعة أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، نصّ على ذلك الدانيُّ وغيره ممّن يطول ذكرهم " (2) .
وبإقامة أحكام العربية بنية وتركيباً، يتحقّق الإيقاع الجيِّد في الأداء، وبه يرتّل القرآن كما قال أبو حاتم الرّازيّ: "النحو معيار جميع كلام العرب، ما كان منه منثوراً، وما كان منه شعراً، وما كان منه سجعاً، وغير ذلك من وجوه كلام العرب، وبالنّحو يرتَّل القرآنُ الّذي هو كلام الله عز وجل فيعرب كُلُّ حرفٍ منه به، ويقوَّم عليه، حتى لا يترك حرفٌ واحد إلاّ ويُعطَى حَقَّه من الإعراب، وهكذا كان الفصحاء من العرب يفعلون في كلامهم كُلّه، يُعْطُون كُلَّ حرفٍ حظّه من الإعراب" (3) .
صحيحٌ أنّ مُقَوِّماتِ الإيقاع ليست محصورةً في إقامة الإعراب على وجهه، لكنّه من أهمِّها، إلى جانب إتقان أحكام التجويد، خاصّة ما يتعلق بالغنة، والمدّ، وأنواع المدود وقدر حركاتها، ومعرفة الأحكام الخاصَّةِ لبعض--------------------------------------------
(1) ابن الجزريّ، محمد بن محمّد (ت 833) طيبة النشر في القراءات العشر ضمن إتحاف البررة بالمتون العشرة في القراءات والرسم والآي والتجويد، مطبعة مصطفى الحلبي / مصر / عام 1354 هـ - 1935 م ص 169.
(2) البنّا، أحمد بن محمد (ت 1117هـ) إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر/ تحقيق د. شعبان محمد إسماعيل / الناشر عالم الكتب / بيروت/ مكتبة الكليات الأزهرية/ القاهرة / ط أولى عام 1407هـ - 1987م، 1 / 70.
(3) أبو حاتم، الزينة ص 90 - 91.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
الحروف، مع تحقيق الحروف بأدائها من مخارجها وعلى صفاتها، وهي أمورٌ إذا لاقَحَتْ موهبة فطرية، وطبيعةً طَيِّعةً، مع دربةٍ وممارسة، وتثقيف، وحسن تأتٍّ، مع جمالٍ فطريّ للصوت، وسلامةٍ لأعضاء النطق، وتأثّر القارئ بما يقرأ، كان منها تلاوة هي الغاية في الإيقاع والسلاسة، من دون نكير أو نشازٍ، وهذا من مقاصد القراءة "ليس مِنّا من لم يتغنَّ بالقرآن" (1) و "ما أَذِن الله لشيء كأَذَنِهِ لنبيٍّ حَسَنِ الصّوتِ أن يتغنَّى بالقرآن" (2) .
وهذا لا يقلّل من أهمية اللغة أصواتاً وبنية وتركيباً في تحقيق الإيقاع في القراءة، بل هي شرط لا يمكن أن يتحقّق إيقاعٌ بدون الأمور اللغويّة المذكورة وقد أدرك القرّاء ذلك ووعوه، فقاموا به على وجهه.
أمّا ألفاظ القرآن فهي ميدانٌ برزتْ فيه صلةُ علوم اللُّغة بعلوم القرآن بأجلى معانيها؛ "إِذْ في القرآنِ ألفاظٌ تسمَّى الغريب أو الغرائب، لا من جهة نكارةٍ في لفظها، أو شذوذٍ في بنيتها، أو استكراهٍ لمعناها، لأنّ القرآنَ نزل بأحلى لغة العرب لفظاً، وأجملها صوتاً وأوفاها تركيباً، وبأوضحها دلالة في المعنى، وإنّما يراد بوصف الغرابة أن تكون حَسَنةً مستغربةً في التأويل، بحيث لا يتساوى في العلم بها أهلها وسائر الناس" (3) .--------------------------------------------
(1) الحديث عند البخاري، الصحيح الجامع، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} 13 / 418، وأبو داود في السنن كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، 2 / 156، وأحمد في المسند رقم (1469) .
(2) الحديث عند البخاري، الصحيح الجامع، كتاب فضائل القرآن، باب "من لم يتغنَّ بالقرآن" 9 / 60 - 61 وكتاب التوحيد باب قول الله تعالى {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} وباب قوله {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} ومسلم كتاب صلاة المسافرين باب (استحباب تحسين الصوت بالقرآن) 1/545 رقم الحديث (792) ورواه من أصحاب السنن أبو داود والنسائي.
(3) الرافعي، تاريخ آداب العرب 2 / 71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
وقد أسهم أهل العربيّة في هذا الجانب، وأبدعوا فيه، ولا غرو في ذلك، فهذا الجانبُ أقربُ الجوانب إلى إبداعهم، وهو أقربُ الميادين إلى ميدانهم، بل هم فرسانه، وأصحاب الكلمة فيه، يتّضح هذا من نظرةٍ عجلى في بداية التصنيف في الغريب، أو في كلماتِ القرآن وألفاظه.
ومن تقرير الحقيقة أن نقرِّر أنّ ظهور التأليف في غريب القرآن، وألفاظه، وكلماته، تُعَدُّ البداية الحقيقيّة، أو بداية نشأة التأليف في معجم العربيّة، بل كان "تفسير غريب القرآن ومشكله أولى الحركات العلمية التي رآها العرب، ورأى بعضُ من فسَّر الغريب أنّ كثيراً منه غريبٌ عن الأفهام؛ لأنّه ليس من لغة قريش، وإنّما جاء في القرآنِ من لغاتِ القبائل الأخرى، فأشار إلى ذلك، وسمع بعضهم الآخر ممّن اختلط بهم من أهل الكتاب، ومن أهل البلادِ القريبةِ من الحجاز، ومن أهل الأقطار المتاخمة لبلاد العرب، والتي دخلت تحت سيطرة الإسلام، أنّ بعض هذه الألفاظ موجودٌ في لغاتٍ أخرى، فأشاروا إلى ذلك، فكأنّما جمعت هذه المحاولات الأولى بين تفسير الغريب، والمشكل، والإشارة إلى أصله في اللّغات القبليّة والأجنبيّة، وكانت هذه المحاولاتُ العين التي استقى منها اللُّغويُّون بعد، وسبحوا فيما خرج منها من جداول، أصبحت أنهاراً" (1) .
إنّنا لو رجعنا إلى تاريخ التأليف في ألفاظ القرآن لوجدنا مثل ما يعزى إلى ابن عبّاسٍ ت 68 هـ وكتاب أبان بن تغلب (ت 141 هـ) وكتاب محمد بن السائب الكلبي الكوفي (ت 146 هـ ) وعبد الرحمن ابن محمد الأزديّ الكوفيّ--------------------------------------------
(1) نصّار، حسين، المعجم العربي نشأته وتطوّره / دار مصر للطباعة / القاهرة / ط الثانية / عام 1968 م ص 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
(من أهل القرن الثاني) .
ثمّ جاء من بعدُ أبو فيدٍ مُؤَرِّج بن عمروٍ السدوسيّ البصري (ت 174 هـ) فألّف كتاباً لم يصل إلينا، ومثله أبو سعيد البكري (من أهل القرن الثاني) ثمّ تلاهما طائفةٌ، منهم أبو محمّد يحيى بن المبارك اليزيديّ (ت 202 هـ) والنضر بن شميل (ت 203) وأبو عبيدة معمر ابن المثنّى ت 210 هـ) وأبو الحسن الأخفش سعيد بن مسعدة ت 215 هـ) وأبو عبيدٍ القاسم بن سلاّم (ت 224 هـ) ومحمد بن سلاّم الجمحي ت 231 هـ) وأبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد العدويّ (ابن اليزيديّ) تلميذ الفرّاء، وابن قتيبة ت 276 هـ) وأحمد بن يحيى ثعلب (ت 291 هـ) ومحمد بن الحسن بن دينارٍ الأحول، وأبو جعفر بن محمد بن يزداد الطبري (1) ، وهؤلاء عاشوا في عصر واحد، تقاربت وفياتهم، وتأثّر بعضهم ببعضٍ، وأغلب كتبهم ضاعَتْ إلاّ ما نُقِلَ منها في الكتب اللاّحقة.
وقد وصل إلينا منها غريب القرآن لابن قتيبة، وقد طبع، وقد قال في مقدمته: "وكتابنا هذا مستنبطٌ من كتب المفسِّرين، وكتب أصحاب اللغة العالمين، لم نخرج فيه عن مذاهبهم، ولا تكلَّفْنا في شيءٍ منه بآرائنا غير معانيهم، بعد اختيارنا في الحرف أولى الأقاويل في اللغة، وأشبهها بقصَّةِ الآية" (2) . وهذا يؤكّد التلازم أو التآخي بين علوم القرآن وعلوم العربية.
ثمّ توالى المؤلِّفون في غريب القرآن في القرون التالية، وكان من أشهرهم--------------------------------------------
(1) نصّار، المعجم العربي ص 40.
(2) ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم (ت 276 هـ) تفسير غريب القرآن / تحقيق السيد أحمد صقر / الناشر/ عيسى الحلبي / القاهرة / عام 1378هـ- 1958م ص 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
محمد بن عُزيز السجستاني ت 330 هـ) وكتابه مطبوع، وأبو القاسم الحسين بن محمد الرَّاغب الأصفهانيّ (من رجال القرن الخامس) وقد تجلّى في معجمه منهج لغويٌّ متميِّزٌ، صنعةً ومادّةً. ومحمد بن أبي بكرٍ بن عبد القادر الرَّازيّ (من علماء القرن السابع) ألّف كتابه "تفسير غريب ألفاظ القرآن العظيم" منتزعاً من مصادر لغوية، وكُتب تفسير، مثل كتب الزّجّاج، والفَرّاء، والأزهريّ، والجوهريّ، والزمخشريّ، وابن عزيز، وأبي عبيدٍ الهرويّ صاحب الغريبين (1) .
ولم ينقطع التأليف في لغة القرآن، وغريبه، وألفاظه حتّى عصرنا الحاضر، ومادّة هذه الكتب لم تكن حجراً عليها، وإنّما دخلت في صميم المعجم العربيّ، لم يخرج عنها إلاّ ما لا يُعَدُّ تفسيراً أو شرحاً للفظ، وهي تُمثِّل أساس المعجم العربيّ، أو هي كما قال الراغب: "ألفاظ القرآن هيَ لُبُّ كلامِ العرب وزبدته، وواسطته، وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء، والحكماء، في أحكامهم وحِكمهم، وإليها مفزعُ حُذَّاقِ الشعراءِ، والبلغاء، في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرّعات عنها والمشتّقات منها بالإضافة إليها كالقشور والنّوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحُثالة والتبن بالإضافة إلى لُبوبِ الحنطة" (2) .
وخدمة القرآن بإيضاح آيه، وبيان أحكامه، كانت غاية مُؤَلِّفي اللُّغة والمعاجم حتّى قال أبو إبراهيم الفارابيّ (ت 350 هـ (في مقدمة معجمه--------------------------------------------
(1) الرازي، محمد بن أبي بكر (القرن السابع) / تفسير غريب القرآن العظيم / تحقيق د. عبد الرحمن الحجيلي / ط. الأولى / عام 1417 هـ - 1996 م، 1 / 48.
(2) الراغب الأصفهاني (القرن الخامس) معجم مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق نديم مرعشليّ / دار الكاتب العربي / عام 1392 هـ - 1972 م، ص " ن " من المقدمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
"ديوان الأدب": "وقد أنشأت بتوفيق الله (تعالى) … كتاباً عمِلْتُ فيه عملَ من طَبَّ لمن حَبَّ، مشتملاً على تأليفٍ لم أسبقْ إليه، وسابقاً بتصنيفٍ لم أُزاحَمْ عليه، وأودعْتُه ما استعمِلَ من هذه اللُّغة، وذكره النّحارير من علماء أهل الأدب في كتبهم، ممّا وافق الأمثلة التي مُثِّلَتْ، والأبنية التي أوردت، ممّا جرى في قرآنٍ، أو أتى في سُنَّةٍ، أو حديثٍ، أو شعرٍ، أو رجزٍ، أو حكمةٍ، أو سجع، أو مثل، أو نادرة.
فأمّا القرآن فوحيٌ أو حاه الله تعالى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام مع رُوحِ القدسِ بلسانٍ عربيّ مبين، وهو كلام الله، وقول الله، وتنزيل الله، مفصّلاً فيه مصالح العباد في معادهم ومعاشهم، ممّا يأتون ويذرون، ولا سبيلَ إلى علمه وإدراك معانيه إلا بالتبحُّر في علم هذه اللُّغةِ " (1) .
وقد "نزل القرآن الكريم، والمخاطبون به قومٌ عرب، أولو بيانٍ فاضل، وفهمٍ بارع، أنزله (جَلَّ ذكره) بلسانهم، وصيغة كلامهم الّذي نشؤوا عليه، وجُبلوا على النطق به، فتدرّبوا به، يعرفون وجه خطابه، ويفهمون فُنونَ نظامه، ولا يحتاجون إلى تعلّم مُشْكِلِه، وغريب ألفاظه، حاجةَ المولَّدين النّاشئين فيمن لا يعلم لسانَ العرب حتّى يُعَلَّمَه، ولا يفهم ضُروبَه وأمثاله، وطرقه، وأساليبه حتّى يُفهَّمَها.
وبيَّن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للمخاطبين من أصحابه رضي الله عنهم ما عَسى الحاجَةُ إليه من معرفةِ بيانٍ لمجمل الكتاب وغامضه، ومتشابهه، وجميع وجوهه التي لا غنى بهم وبالأُمَّةِ عنه، فاستغنوا بذلك عمّا نحن إليه محتاجون، من معرفة لغات--------------------------------------------
(1) الفارابي، إسحاق بن إبراهيم (ت 350 هـ) ديوان الأدب، تحقيق د. أحمد مختار عمر / القاهرة عام 1395 هـ، 1 / 72 - 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
العرب، واختلافها، والتبحُّر فيها، والاجتهاد في تعلّم العربيّة الصّحيحة التي بها نزل الكتاب، وورد البيان.
فعلينا أن نجتهد في تعلُّم ما يتوصَّلُ بتعلُّمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب، ثُمَّ السُّنن المبيّنة لجمل التنزيل، الموضّحة للتأويل، لتنتفي عنّا الشبهة الداخلة على كثيرٍ من رؤساء أهل الزيغ والإلحاد، ثمّ على رءوس ذوي الأهواء والبدع، الذين تأوّلوا بآرائهم المدخولة، فأخطئوا، وتكلَّموا في كتاب الله (جلَّ وعزّ) بلكنتهم العجميّة، دُونَ معرفةٍ ثاقبةٍ، فضلّوا وأضلُّوا " (1) .
ثمّ أردف كلاماً للشافعيِّ ببيان "أَنّ على الخاصَّة الّتي تقومُ بكفاية العامة فيما يحتاجون إليه لدينهم الاجتهاد في تعلّم لسان العرب ولغاتها، التي بها تمام التوصُّل إلى معرفة ما في الكتاب والسُّنن والآثار، وأقاويل المفسّرين من الصحابة والتابعين، من الألفاظ الغريبة، والمخاطباتِ العربيّة، فإنّ من جَهِلَ سعة لسان العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها جَهِلَ جُملَ علم الكتاب، ومن علمها، ووقف على مذاهبها، وفَهِم ما تأوّله أهل التفسير فيها، زالت عنه الشبه الدَّاخلةُ على من جَهِلَ لسانها من ذوي الأهواء والبدع" (2) .
هذه النصوص، والكلمات، وكثير غيرها في التُّراثِ اللُّغويِّ تهديك إلى الدّافع الحقيقيِّ وراء هذا التراثِ اللُّغويِّ المعجميّ، وهو خدمة القرآن وتيسير فهمه وتلاوته، ورفع ما يحيط بفهمه من شبه، ودحض صرفه إلى التأويلات الفاسدة، والآراء الزَّائغة.--------------------------------------------
(i) الأزهريّ أبو منصور محمد بن أحمد (ت 370 هـ) تهذيب اللغة / تحقيق جماعةٍ / المؤسسة المصرية العامة للكتاب / القاهرة 1 / 4 (مقدمة الكتاب) .
(ii) الأزهري، التهذيب 1 / 5 (المقدمة) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
وقد كان الدَّافع الدّينيّ لهذه الأعمال اللُّغويَّة بارزاً واضحاً من كلماتهم، وعملهم، حتّى صار هذا الدّافع شعاراً يمتاز به التصنيف اللُّغويّ العربيّ، الّذي يخالِفُ كُلَّ تصنيفٍ لغويّ آخر في لغةٍ أخرى.
وأنت لو أردت أن تأخذ التصنيف اللُّغويَّ بمعزلٍ عن القرآن وعلومه والشرع وأحكامه، ما استطعْتَ؛ لأنّ هذه العلومَ قد تمازجت، وانفتح بعضها على بعض، وأصبح بعضها يفضي إلى بعض، ويخدم بعضها بعضاً.
وقد بلغ الأمر أن يعتقد أهل الإسلام أنّ علوم الإسلام لا تكمل إلاّ بعلم لغة القرآن، وفهم أساليب العرب في خطابها وحديثها، وهي عقيدة أيَّدتها الشواهد والأدلة، ومسالك علماء الأمصار في مختلف الأقطار، كلُّهم يجمعون على ذلك، ويردون ما سواه، وفي هذا ردٌّ على فئةٍ تدعو إلى عزل اللغة وعلومها عن القرآن وعلومه، زاعمة أن اللغة يمكن أن تقدّم لغير المسلمين، وحينئذٍ يصعُبُ إلزامُهم بالمعاني والقيم الإسلامية، وهي دعوى مآلها تجريد العربية وعلومها من روحها الحيَّةِ النّابضة، وسلخها من أُسِّ مقوّماتها وأمتنها.
ومن أنماط ألفاظ القرآن ما يسمَّى الوجوه والنظائر، وهو فرعٌ من فروع التفسير، ويقصد بالوجوه اللّفظ المشترك الّذي يستعمل في عِدَّة معانٍ كلفظ الهدى، له سبعة عشر معنىً في القرآن والنظائر الألفاظ المتواطئة التي تستعمل بمعنىً واحدٍ، مثل جوادٍ وكريم (1) . وكأن الأوّل من باب المشترك--------------------------------------------
(1) الزركشي، محمد بن عبد الله (ت 794 هـ) البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم / الناشر عيسى الحلبي / القاهرة 1 / 102 وينظر أيضاً مقدمة تحقيق الأشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان (ت 150هـ) لمحققه د. عبد الله شحاته ص 84 وانظر الدراسة المفصّلة التي كتبتها محقّقة كتاب" التصاريف تفسير القرآن ممّا اشتبهت أسماؤه وتصرَّفَتْ معانيه " لهند شلبي ص 28 فما بعدها وقد ذكرت المؤلفات في هذا الفنّ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
اللّفظي، والثاني من باب الترادف.
وقد أَلَّفَ في هذا الفنِّ أقوامٌ، منهم مقاتل بن سليمانَ البلخيّ
(ت 150 هـ) ويحيى بن سلاّم (ت 200 هـ) وأبو العبّاس محمد بن يزيد المبرّد (ت 285 هـ) ألَّف كتاباً صغيراً باسم "ما اتّفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد)) . وأبو عبد الله الحُسين الدَّامغانيّ
(ت 478 هـ) وكتابُه "إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم". والمؤلفات في هذا الفنِّ كثيرة، أوصلها بعضهم إلى ثلاثةٍ وعشرين مُؤلَّفاً.
وقد أَلَّف من أهل اللغةِ غير المبرّد أبو الحسين أحمد بن فارسٍ (ت 395 هـ) واسم كتابه الأفراد، وأبو منصورٍ عبد الملك الثعالبيّ (ت 429 هـ) ألّف كتاب "الأشباه والنظائر"، ومجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي (ت 817 هـ (خصّص أجزاءً من كتابه "بصائر ذوي التمييز" لذكر الوجوه والنّظائر.
وألّف غيرهم ممّن لهم مشاركاتٌ في علومٍ أخرى، كابن الجوزي، والسيوطيّ (i) ، وهذا النّمط ذو علاقةٍ قويَّةٍ باللُّغة، وهي تجمع بين الوضع اللُّغويّ، والاستعمال القرآني، ولهذه الصلة نكاد نجزم أنّ مادّة كتب الوجوه والنّظائر قد دخلت المعجم العربيّ باعتبارها أحد روافده.
وعلماء اللغة عنوا بهذا النمط عنايةً مستقلّة بمؤلّفاتٍ قائمةٍ بذاتها، أو بإدخال مادّتها في مادة المعجم، وهو فنّ يتّصل - كما أسلفت - بالمشترك اللّفظي، والمترادف، ولا نخرج عن القصد لو قلنا: إنّ هذا العلم يفتقر أساساً--------------------------------------------
(1) يحيى بن سلاّم (ت 200 هـ) ، التصاريف تفسير القرآن ممّا اشتبهت أسماؤه وتصرّفت معانيه، تحقيق هند شلبي / الشركة التونسية للتوزيع عام
1400 هـ - 1980 م ص 28 - 38 من مقدمة المحقِّقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
إلى اللُّغة لمعرفةِ أوضاع الكلمات، واستعمالاتها، وتتبع ما ورد منها في القرآن، وما يستشهد لها به من كلام العرب.
وقد أسهم اللّغويُّون بدراسة حروف المعاني والأدواتِ في القرآن من خلال مؤلّفاتهم النحويّة، من مثل مغني اللبيب لابن هشامٍ، وبصائر ذوي التمييز للفيروزآباديّ، ثمّ جاء في عصرنا شيخنا محمد عبد الخالق عضيمة، وألّف كتابه "دراسات لأسلوب القرآن الكريم" وخصّ مجلّداته الثلاثة الأولى لحروف المعاني والأدوات في القرآن، وقد استقرأ كُلَّ حرف وكُلَّ أداة في القرآن، وأورد استعمالاتها، ومعناها في كل موقعٍ وردتْ فيه، واستدرك على النحاة أشياء فاتتهم، وحشد كثيراً من أقوال النحاة والمفسّرين في عملٍ معجمي يُسهِّل لك الوصول إلى المادة المرادة.
وهم في درسهم حروف المعاني والأدوات قد جعلوا من الشواهد القرآنية أساساً لتحديد معاني الحروف والأدواتِ، وتعدّد تلك المعاني، بحسب السِّياقات والتراكيب. والقرآن في هذه الأعمال إمّا مفسَّر مشروح يستشهد لمعانيه وبما يؤيِّدها من أقوالِ العرب، وأمثالهم، وحكمهم، وأراجيزهم، وأشعارهم، وإمّا شواهد تبيَّن بها المعاني سواء وافقت معاني الأداة أو الحرف في معناه، أو زادتْ عليه.
وعلى كُلٍّ فألفاظ القرآن هي أساس الصنعة المعجميّة، وأساس التأليف في المعجم العربيّ، ولا يستطيع مؤرّخ المعجم العربي أن يتجاوز كلماتِ القرآن، وأنّها البداية الأولى للتأليف المعجميّ، بل الدافع الأساس لنشأة المعجم العربيّ، والدرس اللغويّ، وهو أمرٌ ظاهر لا يسوغ لأحدٍ تجاهله، أو التقليل من شأنه وأثره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
أمّا "معاني القرآن" فقد كان لعلماء العربيّة فيها إسهامٌ واضح، صار فيما بعد من مصادر التفسير، ولو رجعنا إلى كتب المعاني لوجدنا لأهل العربيّة الأوائل جهداً بارزاً واضحاً، تلقَّته الأُمَّة بالقبولِ، ويكفي أن نشير هنا إلى ثلاثة كتبٍ، هي:
1 - مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنّى (ت 210 هـ) من مقدّمة كتابه اتّفاق كلام العرب والقرآن في الألفاظ، والتراكيب، والمدلولات، والاستعمالات، وأنّ القرآن إنّما نزل بلغة العرب، وجاء على طرائقهم في البيان والكلام، قال أبو عبيدة: "قالوا: إنّما أنزِلَ القُرآنُ بلسانٍ عربيّ مبين، وتصداق ذلك في آية من القرآن، وفي آيةٍ أخرى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] فلم يحتج السَّلف ولا الّذين أدركوا وحيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه، وعمّا فيه ممّا في كلام العربِ مثلُه من الوجوه والتلخيص، وفي القرآن مثل ما في الكلام العربيِّ، من وجوه الإعراب، ومن الغريب، والمعاني)) (1) . ثم ذكر نماذج وأمثلة من القرآن قبل البدء بسوره (2) ثمّ أجمل الحديث بقوله: "ففي القرآن ما في الكلام العربيِّ من الغريب والمعاني، ومن المحتمل من مجاز ما اختصر، ومجاز ما حُذِف، ومجاز ما كُفَّ عن خبره، ومجاز ما جاء لفظه لفظ الجمع، ووقع على الجميع، ومجاز ما جاء لفظه لفظ الجميع، ووقع معناه على الاثنين، ومجاز ما جاءَ لفظه خبر الجميع على لفظ خبر الواحد، ومجاز ما جاء الجميع في موضع الواحد إذا أُشْرِكَ بينه وبين آخر مفردٍ، ومجاز ما خُبِّر عن اثنين، أو عن أكثر من ذلك، فجعل الخبر للواحد، أو للجميع، وكُفَّ عن خبر الآخر، ومجاز ما خُبِّر عن اثنين، أو أكثر من ذلك،--------------------------------------------
(1) أبو عبيدة، معمر بن المتنبّي (ت 210 هـ) مجاز القرآن، تحقيق فؤاد سزكين / ط الثانية عام 1390 هـ القاهرة، 1 / 8.
(2) أبو عبيدة، مجاز القرآن 1 / 8 - 18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
فجعل الخبر للأوّل منهما، ومجاز ما خُبِّر عن اثنين أو عن أكثر من ذلك، فجعل الخبر للآخر منهما، ومجاز ما جاء من لفظ خبر الحيوان والموات على لفظ خبر الناس؛ والحيوان كلّ ما أكل من غير الناس، وهي الدَّوابُّ كلُّها، ومجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الغائب، ومعناه مخاطبة الشاهد، ومجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد، ثمّ تُركت وحُوِّلتْ مخاطبة هذه إلى مخاطبة الغائب، ومجاز ما يزاد من حروف الزائد، ويقع مجاز الكلام على إلقائهن، ومجاز المضمر استغناءً عن إظهاره، ومجاز المكرّر للتوكيد، ومجاز المجمل استغناءً عن كثرة التكرير، ومجاز المقدَّم والمؤخَّر، ومجاز ما يحوّل من خبره إلى خبر غيره بعد أن يكون من سببه، فيجعل خبره للذي من سببه، ويترك هو. وكُلُّ هذا جائز قد تكلّموا به" (1) .
ويظهر من إيراد هذا النّصّ أنّ المقصود بالمجاز ليس تفسير الكلماتِ تفسيراً لغويّاً معجميّاً فحسب، وإنّما يخرج إلى الاستعمالات، والتراكيب، وأساليب العرب في الخطاب، وخروج الكلام عن ظاهر ما يَدُلُّ عليه، وكُلُّ هذه يجمعها أنها معانٍ. ولا يبعد عن كتاب "مجاز القرآن" كتاب أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش (ت 215 هـ (؛ إذْ عُنِي بما عُنِيَ به أبو عبيدة من تفسير الألفاظ، وشرح المعاني، وبيان أوجه الأساليب، وأغراض الخطاب، وخروج الأساليب عن ظاهرها، وزاد على ذلك عنايته بالظاهرة النحوية، والقراءات القرآنية، وقد أبان عن آراءٍ له في الرسم والقراءة.
ويقال: إنّ الكسائي طلب من الأخفش تأليف هذا الكتاب، فجعله إماماً،--------------------------------------------
(1) السابق 1 / 18 - 19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
وعمل عليه كتاباً في المعاني، ثم عمل الفرّاء كتابه في المعاني عليهما، كما يقوله الأخفش (1) . وقد خلا كتاب الأخفش المطبوع من مقدمة، كمقدمة أبي عبيدة.
أمّا كتاب "معاني القرآن" للفرّاء يحيى بن زياد (ت 207) فهو أمالٍ أملاها في مجالس في السنوات الثانية، والثالثة والرابعة بعد المائتين، وقد أفاد فيه من أعمالٍ سبقته، كما تقدّم، وعُنِي بما عُنوا به، وزاد عليهم عنايةً خاصّةً بالظاهرة النحوية، والرسم، والقراءة، ونثر في كتابه كثيراً من مصطلحات الكوفيين وآرائهم.
ويتّفق الثلاثةُ على أنّ الغرض من تأليفهم هو دفع الشبه عن القرآن، وما يرمي به الملاحدة والزنادقة القرآن من خللٍ واضطراب، وتناقض، وقد جعلوا عُدَّتهم وسلاحهم لردِّ تلك الشُّبه لغة العرب، وأساليبهم البيانية، وطرائقهم الكلامية، وتقرير أنّ القرآن لم يخرج عن طرائق العرب ورسومهم، ولا عن معهودهم وسَنَنِهم في الحديث والخطاب.
وقد استوفى المفسِّرون فيما بعدُ خلاصة ما في هذه الكتب الثلاثة وغيرها، فلو نظرنا مثلاً في تفسير الطبريّ لاستطعنا ردّ ما فيه ممّا يرجِع إلى المعاني، وتفسير الألفاظ، والكلام عن سَنن العرب في كلامها إلى كتب ثلاثة أو أكثر، وإن لم يصرّح بها، وهي " المجاز "، و" معاني القرآن " للفرّاء، و" غريب القرآن " وصنوه " تأويل مشكل القرآن " لابن قتيبة.
ثمّ إنّ المصنّفين في "معاني القرآن" كأنّهم شغلوا بأصل اللغات، وإن لم--------------------------------------------
(1) الزُّبيدي، أبو بكر محمد بن الحسن (ت 379 هـ) طبقات النحويين واللُّغويين، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة ص 70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
ينسوا فرعها؛ لأنّ الأصل يبحث في " رسوم العرب في مخاطباتها، ومالها من الافتنان تحقيقاً ومجازاً … وهذه هي الرُّتْبةُ العليا؛ لأنّ بها يعلم خطاب القرآن والسُّنَّة، وعليها يُعَوِّلُ أهل النظر والفتيا، وذلك أنّ طالب العلم العلويّ يكتفي من أسماء الطويل باسم الطويل، ولا يضيره أن لا يعرف الأشقَّ والأمقَّ، وإن كان في ذلك زيادة فضل.
وإنّما لم يضره خفاءُ ذلك عليه؛ لأنّه لا يكاد يجدُ منه في كتاب الله (جلّ ثناؤه) شيئاً فيحوج إلى علمه ولو أنّه لم يعلم توسُّع العرب في مخاطباتها لعيَّ بكثيرٍ من علم محكم الكتاب والسُّنَّة، ألا تسمع قولَ الله (جلّ ثناؤه) : {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 53] إلى آخر الآية، فسرُّ هذه الآية في نظمها
لا يكون بمعرفة غريب اللُّغة والوحشيِّ من الكلام، وإنّما معرفته بغير ذلك ممّا لعلّ كتابنا (أي الصاحبي) هذا يأتي على أكثره بعونِ الله تعالى) " (1) وقد صدق ابن فارسٍ في هذا، ووفّى بما وعد؛ فكُلُّ المباحث المتعلِّقة بالحروف، ومعاني الكلام إنّما هي في معرفة رسوم العرب في مخاطباتها، وقد قرنها بخطاب القرآن والسنة، وقد كان جُلُّ اعتماده على كتاب معاني القرآن، وكتب العربية، والتفسير.
وقد كان ميدان المعاني ميداناً فسيحاً، ولج منه الطاعنون على كتاب الله، الزّائغون عن نور اليقين، المحرومون من نور هدايته، وحلاوة بيانه وطلاوته، ونظرة عجلى فيما أورده ابن قتيبة في كتابه "تأويل مشكل القرآن" من طعونهم، وشبههم، وضربهم القرآن بعضه ببعض، واتباع متشابهه، وترك--------------------------------------------
(1) ابن فارس، الصاحبي ص 3 - 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
محكمه، وترك الرجوع إلى ما يناظر كتاب الله من كلام العرب، وبيانهم، وزعم التناقض في القرآن، وطلبهم أن يحوي كتاب الله كُلّ فنٍ عرفوه، ليكون جامعاً، ويصدق فيه قوله (تعالى) : {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] على حدِّ زعمهم، في أمورٍ سببها جهلهم، وجعلهم اختلاف القراءة اختلافاً، وليس باختلافٍ، ورميهم القرآنَ باللَّحن، والطّعن بحكمة إنزال المتشابه، وعيبهم مجازات القرآن، والمجاز - كما زعموا - نوع من الكذب، ودلالات ألفاظه، كالأضداد، والقلب، وأساليبه وما فيها من حذف واختصار، وزيادة وتكرار، وطرائق التعبير فيه من كنايةٍ وتعريض، ومخالفة ظاهر اللفظ ومعناه.
وقد قال ابن قتيبة في صدر كتابه: "وإنّما يعرف فضل القرآن من كثر نظره، واتَّسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خصَّ الله به لغتها دون جميع اللغات؛ فإنّه ليس في جميع الأمم أُمَّةٌ أُوتيتْ من العارضة والبيان، واتّساع المجال، ما أوتيته العرب خِصِّيصى من الله، لما أرهصه في الرسول، وأراده من إقامة الدليل على نبوَّتهِ بالكتاب، فجعله عَلَمَه، كما جعل عَلَمَ كُلِّ نبيّ من المرسلين من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه" (1) .
وقد كان اعتماد ابن قتيبة على أقوال سابقيه، ولغات العرب، قال: "فألَّفْتُ هذا الكتاب، جامعاً لتأويل مشكل القرآن، مستنبطاً ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملاً ما لم أعلم فيه مقالاً لإمامٍ مطّلع على لغات العرب؛ لأُرِيَ المعانِدَ موضِعَ المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن--------------------------------------------
(1) ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم (ت 276 هـ) تأويل مشكل القرآن، تحقيق السيد أحمد صقر، ط الثانية، دار التراث / القاهرة / عام 1393 هـ - 1973م، 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
أحكم فيه برأيٍ، أو أقضي عليه بتأويل" (1) .
وقد وصف هؤلاء الّذين عناهم بكتابه، فقال: "وقد اعترضَ كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا {ما تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] ثمّ قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة، واللّحن، وفساد النّظم، والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعللٍ رُبَّما أمالتِ الضّعيفَ الغُمرَ، والحَدَثَ الغِرَّ، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور" (2) .
فكان هؤلاء الزّنادقة يأخذون ما اشتبه من معاني القرآن، ويجعلون منه شُبهاً يقذفون بها في قلوب المؤمنين، كي ينتزعوا إيمانهم من جذوره، ويزرعوا الشكّ مكان اليقين، ظنّاً منهم أنّهم قادرون على إضلالِ الخلق وإهلاكهم، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
وقد جرتْ حكمةُ الله أن ينتدِبَ لهذا القرآن من يذبُّ عنه، وأن يستنبت من كُلِّ جيلٍ ذادة عن كتابه، وحراساً لدينه، يدفعون عنه حيف الظالمين، وشبه الملحدين، وأكاذيب المرجفين، وفرى الجاحدين، وطغيان الطاغين، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيّا عن بَيِّنةٍ.
وما ذكره هؤلاء من شبهٍ ترجع في غالبها إلى بابٍ واحد، هو باب اللُّغة والبيان، وكُلّ ما في القرآن جارٍ على طرائق العرب في الخطاب، وسننها في القول، وإن كان ظاهره غير ذلك، كما قال ابن قتيبة:
"وليستْ تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهبٍ من مذاهب أهل الإعراب … " (3) . وأكّد--------------------------------------------
(1) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن ص 23.
(2) السابق ص 22.
(3) السابق ص 56 - 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
هذا المعنى بقوله الآخر: "إنّ القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيءِ، وإغماض بعض المعاني، حتّى لا يظهر عليه إلاّ اللَّقِنُ، وإظهار بعضها، وضرب الأمثال لما خفي، ولو كان القرآن ظاهراً مكشوفاً، حتّى ليستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضُل بين الناسِ، وسقطت المحنةُ، وماتت الخواطر … " (1) .
ثمّ قال: "وعلى هذا المثال كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام صحابته والتابعين، وأشعار الشعراء، وكلام الخطباء، ليس منه شيءٌ إلاّ وقد يأتي فيه المعنى اللّطيف الذي يتميَّزُ فيه العالم المتقدِّمُ، ويقرُّ بالقصور عنه النَّقاب المبرِّز " (2) .
وتكفينا هذه النّصوصُ لمعرفة مكان "معاني القرآن" وما لها من أثرٍ في التصنيف اللُّغويِّ، الّذي قصد إلى الدّفاع عن القرآن، وبيان شبه المشبّهين، وزيغ الزَّائغين، وبيان وجه فريتهم، وأنّهم جهلوا لغة العرب، وخفيت عليهم أنماطها، فوقعوا فيما وقعوا فيه من شكّ، ولا يرفع هذا الشّكَّ، ولا يدفع هذا الزَّيغَ إلاّ معرفة ما للعرب من أساليب وافتنان في الحقيقة والمجاز، وهو عين ما قام به المؤلّفون في المعاني، وتجلَّى أكثر عند ابن قتيبة في كتابه "تأويل مشكل القرآن". فكان هذا العمل لدفع الشبه عن القرآن، بردِّ طعن الطاعنين، وتأييد ذلك بكلام العرب، وتعرّف طرائقه، وأنماطه، وتعدّد طرقه وأساليبه، وكان في هذا العمل مِنَّةٌ عظمى على العربيّة وأهلها، وخدمةٌ جُلّى--------------------------------------------
(1) السابق ص 86.
(2) السابق ص 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
للقرآن وبيانه.
وهذه البابة من العلم بحاجةٍ إلى أن تسترعي نظر طالبي علوم القرآن وعلوم العربيّة؛ لأنّها مّما دقَّ حتّى كاد يخفى، ومِمّا أهمل حتّى كاد ينسى، في ظلّ انصراف طلاّب العربيّة إلى قواعد يتحفّظونها، والاكتفاء بمصنفات متأخِّري النحاة، بمعزلٍ عن أصل البيان، وفي ظلِّ اشتغال طلبة علوم القرآن بمنظوماتٍ في التجويد والقراءة، يكرِّرونها بمعزلٍ عن أصول علمهم الشريف، ونشأته الأولى.
غنيٌّ عن التأكيد أن القرآن أعلى نصّ في العربية، وأقواه من حيث صحة سنده، وكيفية هذه الصحة، وينفرد عن غيره من نصوص العربية، بأنّه رُوِي سماعاً شيخاً عن شيخ يبلغون به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل
عليه السلام عن ربِّ العالمين. وليس في الدنيا نصّ تحقّقت فيه هذه الميزة. ولا غَرْو أن يجعله علماء العربية، كما جعله علماء الشريعة الحجّة الأولى لإثباتِ اللغة. وتقرير قواعده، وأن يجعلوه في مرتبةٍ أسمى وأعلى من قياساتهم النحوية، فكان من ذلك ما يسمّونه الاحتجاج بالقراءات ولها، وهو نمطٌ لم يكن وليد قرنٍ متأخر كالرابع الهجري مثلاً، كما قد يتبادر إلى الذهن من ظهور مؤلّفاته، وأنّ رجاله المؤسِّسين جميعاً، أو أكثرهم على الأقلِّ عاشوا فيه، بل نجد من هذا شيئاً غير قليل في كتب النحاة الأوائل، ومقالاتهم، ومجالسهم، وأماليِّهم، وما ذلك على العربيّة بغريبٍ؛ لأنّها في أصل وضعها، ونشأتها إنّما قامت لتخدم القرآن، وتبين عن وجه ما يخفى وجهه، بالتنظير له من كلام العرب شعرها ونثرها، ولعلّ ما مرَّ من حديثٍ عن "معاني القرآن" كافٍ في شرح الفكرة وبيانها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
كما لم تخلُ كتب "معاني القرآن" من توجيه للقراءات، وبيان نظائرها من كلام العرب، ومن آراءٍ في القراءة احتجاجاً وقبولاً وردّاً، وربطاً بالرسم، والرأي النحوي.
وقد أسهم علماء العربيّة في هذا النمط من العلم ابتداءً بجمع القراءات، الذي يقال: إنّ أوّل من عمد إلى التصنيف فيه رجلٌ من أهل اللغة في صدر القرن الثالث هو أبو عبيد القاسم بن سلاّم الهروي (ت 223 هـ (ألّف كتابه "معاني القراءات".
وقد ألّف بعده ابن قتيبة كتاباً في "وجوه القراءات" ويفهم من ذكره له في "تأويل مشكل القرآن" أنّه كتابٌ في توجيه القراءات، وتخريجها على مذاهب العرب في كلامها.
وقد كان الاحتجاجُ للقراءاتِ باباً واسعاً لخدمة اللُّغة العربيّة، وتقوية بعض وجوهِها، وقد عرف النحويُّون هذا الاحتجاج منذ بداية التأليف في علوم العربية، نجد ذلك في كتاب سيبويه، ومن تبعه من النحاة ينظِّرون للقراءة بكلامِ العرب شعره ونثره، فلمّا كان القرن الرابع سبَّع في أوّله أبو بكر بن مجاهدٍ (ت 324) "السّبعة"، وألّف كتابه، وتلقّت الأُمَّةُ تسبيعه بالقبولِ، وظهر منذ ذلك الزّمن توجيهاتٌ واحتجاجاتٌ للقراءات سواءٌ كانت سبعيَّةً أو غيرها.
ولو ألقينا نظرة على تآليف الاحتجاج للقراءات في القرن الرابع لوجدنا أبا بكرٍ محمد بن مِقْسَم (ت 356 هـ) يؤلِّف كتاباً بعنوان "احتجاج القراءات" وفي أوّل القرن وقبله ألّف أبو بكر بن السّرّاج (ت 316 هـ ("احتجاج القراءة". ويقال: إنّه شرع فيه ولم يتمَّه، ثمّ ألّف أبو عليّ الفارسيّ كتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)