"الحجة في علل القراءات السبع " وقِرنُه أبو عبد الله الحُسَين بن أحمد بن خالويه (ت 370 هـ) كتاب "إعراب القراءات السبع وعللها" وألّف من هذه الطبقة أيضاً، أبو منصور الأزهري (ت 370 هـ) كتاباً في "معاني القراءات". ثم ألّف بعدهم أبو الفتح عثمان بن جني (ت 392 هـ) ألّف كتاب "المحتسِب في تبيين وجوه شواذّ القراءاتِ، والإيضاح عنها" وقد أراد به أن يستكمل عمل شيخه أبي عليّ. كما ألّف في آخر هذا القرن أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة كتابه "حُجَّة القراءات".
وفي القرن الخامس ظهر مكّيّ بن أبي طالبٍ (ت 437 هـ) فألّف كتابه "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" وغيره، ثمّ تواتر التأليف في جمع القراءات والاحتجاج فألّف في القرن السادس ابن الباذش (ت 540 هـ) كتابه " الإقناع ".
والكتب في القراءات تخريجاً وتوجيهاً واحتجاجاً أكبر من أن نأتي عليها في هذه العجالة، ولسردها مقامٌ آخر، لكن يكفينا أن نشير إلى بعضها إشارة خاطفة، وفيه غنيةٌ، وكفاية، لما قصدنا إليه.
وقد أسهم هذا النوعُ من التأليف في إثراء العربيّة، وخدمة لغة القرآن، وكان إضافةً لدرس العربيّة اتخذ القرآن محوراً، وجعله مداراً يدورُ حولَه، وكم من مسألةٍ عازبة، يعزُّ عليك أن تجدها في المطوّلات النحوية، ثمّ تجدها منشورةً مبسوطةً في كتب توجيه القراءات.
ثمّ إنّ كتب توجيه القراءات تمزج مستويات الدرس اللُّغويِّ الأربعة ببعض: الصوتي، والصرفيّ، والنحويّ، والدّلاليّ، وتعدُّ من أرقى الدراسات التطبيقية في اللغة العربية، وهي تمثِّل اللحمة القويّة بين علوم العربيّة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
وعلوم القرآن، وتصوّر التآخي بينهما في أعلى مراتبه، وأسمى درجاته؛ لأنّها تتخّذ النَّصّ المقدَّسَ مجالاً للدرسِ، وترومُ خدمته، ورفع ما يحيق بفهمه من حواجز، وتيسير ذلك الفهم من خلالِ تناوُلٍ لغويّ ميسَّرٍ يعتمد التحليل، والإعراب، وذكر النظائر، والاستئناس بالرأي أو الآراء الأخرى، وتخريج ما في القراءة على كلام العرب، أو آراء العلماء ومذاهبهم.
وممّا يتّصل بموضوع الاحتجاج للقراءات إعرابُ القرآن، وهو أمرٌ جذب أنظار اللُّغويين منذ عصور الازدهار اللُّغويِّ، نجد أمثلةً لذلك في التصنيف خلال القرن الرابع الهجريّ؛ ألَّف ابن خالويه كتابه “إعراب ثلاثين سورة” وينسب من قبل لمحمد بن يزيد المبرّد (ت 286 هـ) كتابٌ في إعراب القرآن، بل لقطربٍ محمد بن المستنير (ت 206 هـ) ينسب كتابٌ أيضاً. ولثعلبٍ أحمد بن يحيى (ت 291 هـ) ولابن فارس (ت 395 هـ) .
وهناك كتب في إعراب القرآن، شُهِرت، مثل“ البيان في إعراب غريب القرآن ” للكمال بن الأنباري (ت 577 هـ) ، ولأبي البقاء العكبري (ت 616 هـ) كتابٌ أيضاً طبع باسم “إملاء ما منّ به الرحمن”و“ التبيان في إعراب القرآن”. ولابن هشام (ت 761 هـ) تأليف في إعراب القرآن باسم “المسائل السفريّات” في إعراب مواضع من القرآن.
وللمتأخرين كتب كثيرةٌ، يصعب حصرها، لعلّ من أشهرها كتاب
“ البحر المحيط ” لأبي حيَّان الأندلسي (ت 745 هـ) و“ دراسات لأسلوب القرآن الكريم ” لشيخنا محمد عبد الخالق عضيمة (ت 1406 هـ) ، وكتب الإعراب لا تعرض لإعراب الواضحات من الكلمات، وإنّما تعنى بما يكون في إعرابه إشكالٌ أو خلافٌ، أو اختلاف في المعنى، أمّا ما فعله بعض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
المتأخرين من إعراب كُلِّ كلمةٍ في القرآن، فهذا أقرب إلى العبث، وهو إخراجٌ للقرآن عمّا أنزِلَ من أجله.
والملحوظ أنّ النحويّين يتباينون حين تناول إعراب القرآن، فمنهم من يحشد لجمع أكبر عددٍ من أوجه الإعراب الممكنة والمفترضة، بل المحالة، ومنهم من يسلك طريقاً أقربَ إلى القصد، فلا يتّسع في إيراد الأقوال إلاّ بقدر، ومنهم من يربط هذا الاتّساعَ بصحّة المعنى، واستقامة التركيب، وتحقُّق القصد، وهذا أقربُ إلى بيان القرآن؛ إذْ من الضّروريِّ مراعاةُ الجوانب البلاغيّة والأسلوبية عند التخريج النحويّ، وذكر الأوجه الممكنة في الإعراب، فلا يكفي لصحّة الإعراب استقامة التخريج النحويّ، وهو أمرٌ النحاةُ بحاجةٍ إلى تطلّبه والبحث عنه، وعدم الغفلة عنه، وليتهم يبحثون حين تخريج الآيات على أوجه الإعراب عن أعلى الوجوه بلاغةً، وأرفعها فصاحةً، وأقواها بياناً، فلا يكتفى بمجرَّد الجواز والإمكان، الّذي إن قبلناه في كلامِ الأعراب والشعراء، فلا ينبغي لنا أن نقبله في كلام الله.
ثمّ إنّ الاشتغال بالتكثر من أوجه التخريج والإعراب، وترجيح بعضها على بعضٍ قد يشغلنا عن “معاني القرآن”، ويجعل ما نقوم به أقرب إلى درسٍ في الإعراب، لا يكادُ يتّصل بالقرآنِ، وهو يُعْرِبُ القرآن.
وهناك فنٌّ من التأليف حول القرآن يُعْنى بوقوفه، وابتداءاته، وهو شديد الارتباط بالدّرس اللُّغوي؛ لأنه يتّصل بالمعنى المراد، أو بالصنعة اللفظية، والأدب، والحكم النّحويّ، وقد تتوقَّفُ عليه أحكامٌ شرعيّة.
وألّف في هذا الفنّ جماعة من أهل العربية، منهم أبو بكر بن الأنباري (ت 328 هـ) ألّف كتاب “إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
عزّ وجلّ”. وأبو جعفر النّحاس (ت 338 هـ) كتابه “القطع والائتناف”.
وهو فنٌّ عُنِي به الصحابة، وتلقّوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلته الأجيالُ من بعد، وقد جعلوا من صفات من يتقن الوقوفَ ما حكي عن مجاهدٍ أنّه قال: "لا يقومُ بالتّمام إلاّ نحويٌّ عالمٌ بالقراءة، عالم بالتفسير، عالم بالقصص" (1) . كما يحتاج إلى معرفة علوم وفنونٍ أخرى كي يتقن الوقف، وقال أبو جعفرٍ النحاس:" قد صار في معرفة الوقف والائتناف التفريق بين المعاني، فينبغي لقارئ القرآنِ إذا قرأ القرآن أن يتفهّمَ ما يقرؤه، ويشغل قلبه به، ويتفقّد القطع والائتناف، ويحرِصَ على أن يفهم المستمعين في الصلاة وغيرها، وأن يكون وقفه عند كلام مستغنٍ أو شبيه، وأن يكون ابتداؤه حَسَناً" (2) . وهذا يتطلّب من القارئ أن يعرفَ علوماً وفنوناً.
ثم إنّ من الوقف ما هو واضح مفهومٌ معناه، ومنه مشكل لا يدرى إلاّ بسماعٍ، وعلم بالتأويل، ومنه ما يعلمه أهل العلم بالعربيّة واللّغة، فيدري أين يقطع؟ وكيف يأتنف " (3) .
وكُلُّ من ألّف في وقوف القرآن كان يعوِّلُ على العربية والمعاني اللُّغوية، وتمام المعنى، وكان من هذا عملٌ رائع خدم العربيّة، ولفت الأنظار إلى ما وراء وقف المتكلّم من سرٍّ معنويّ أو لفظيّ.
ثمّ إنّ هذا العلم قد قصرتِ العناية به في العصور المتأخّرة، خاصَّةً لدى--------------------------------------------
(1) النّحّاس أبو جعفر أحمد بن محمد (ت 338 هـ) كتاب القطع والائتناف/ تحقيق د. أحمد خطّاب العمر، وزارة الأوقاف العراقية / ط الأولى، بغداد / عام 1398 هـ - 1978 م، 1 / 94.
(2) أبو جعفر النحاس، القطع والائتناف 1 / 97.
(3) السابق 1 / 98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
طُلاّب العربيّة، وهو علم على قدر من الأهمية كبير، خاصَّةً في فهم المعنى بطريقة وقف القارئ، إن كان الوقف كاملاً، أو كان ناقصاً، بطريقة تشعر السامع بالمعنى المراد، ويعمد إليها القارئ.
وكم من معنىً لاح بسبب وقفةِ قارئ، وكم من معنى اختلط، أو لُبِّس، أو عُمِّي بسبب وقفة، وهذا هو معنى قولهم "ينبغي لقارئ القرآن أن يتفهَّم ما يقرؤه" وهذا أمرٌ زائد على ما يدرسه أهل العربيّة في باب “الوقف” لأنّه إنّما يعنى بالصورة اللّفظيّة للفظ الموقوف عليه، ولا يبحث فيما وراء ذلك.
ولم تَخْلُ الدراسات العامَّةُ التي كتبت حولَ القرآن من تفسيرٍ نقليّ، أو تفسيرٍ موضوعيّ، أو أحكام، أو أنماطٍ أخرى من التفسير، أو ما حول التفسير، لم تخل من توظيف اللغة، كما لم تخلُ من خدمةٍ للغة العربية بوجهٍ ما، لا تخفى على أحدٍ، وبيانها من توضيح الواضحات، وهو ثقيلٌ على النّفس.
أمّا ما يتعلّق بالإعجاز والبلاغة فهذا الأمر من الوضوح بما يكفينا ويغنينا عن أن نردِّدَ ما قاله الآخرون، فلولا القرآن لم يكن ثمَّ بحثٌ في إعجاز، ولا عمل في البلاغة، فالبلاغة إنّما وُلِدَتْ لتبينَ عن إعجاز القرآن.
وهذا الموضوع لم يكفّ أهل العلم عنه منذ نشأة علوم العربيّة حتّى عصرنا الحاضر، كُلّها تحاول بيان وجهٍ من وجوه الإعجاز، وبلاغة القرآن والكثير منها مُتَّجه إلى الجانب البيانيّ. وقد قدّمت هذه الدراسات للعربية نمطاً فريداً من الدراسات البيانيّة لم تَنْعَمْ بها لُغةٌ من اللُّغاتِ، وهذا كاف، ولاتساع الموضوع، ولأنّه خُصَّ بمحورٍ خاصٍّ يَجْملُ بنا أن نتركه لغيرنا، لأنّهم أحقَّ به، وأولى، وأقدر على الكتابة فيه، وفيما قدّمناه عن عناية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
المسلمين باللغة العربية خدمة للقرآن كفاية.
وبعد، فقد آن لنا أن نثني عنان القلم بالقول:
إنَّه لا يمكن المسلمين أن يقيموا دينهم، أو أن يفهموا قرآنهم من غير استعانةٍ باللغة العربية، وإنه لولا القرآن لما تقدّمت علوم العربية، وتميّزت عن غيرها من علوم اللّغاتِ الأخرى، ولما كان فيها الأنماط التي مازتها عن غيرها، بل إنّ بعض أنماط علوم العربيّة لولا القرآن ما كانت ولا وُجِدتْ، ولا فَكَّر فيها أحد.
وإنّ هناك فئة تحاوِلُ فصل الأُمَّةِ عن دينها بحيلة بَتِّ صلة اللغة العربية بالقرآن والحديث، وإبعاد علوم العربيّة عن الصبغة الدينيّة، ويتظاهرون مع ذلك بحبِّ العربيّة، والحرص على تعليمها، لكن بشرط أن تفصل عن العلوم الشرعية، وأن لا يكون للدين وتعليماته هيمنة عليها، فظهرت دعواتٌ إلى إقامة أقسامٍ للعربيّة على هذه الأسس، تربِّي أبناءها على غير لغة القرآن، وإن كتبت بالحرف العربيِّ، ويدرسون غير لغة القرآن، وإن سمّوها بعلومٍ عربيّة.
إنّ هناك حرباً يستهدف بها القرآن؛ لكنّها لا تستطيع أن تخلع قناعها وتهجم على ما تريد مباشرة، لأنّها سوف تُرَدُّ وتُصَدُّ، فيصرفون حربهم إلى لغة القرآن، فيحاربون كُلّ لسانٍ يحاكي بيان القرآن في جزالته، وفصاحته، ويستبدلون بذلك كُلَّ أسلوبٍ فجّ، وتركيبٍ ركيكٍ، وهم في ذلك لا يحاربون نمطاً من أنماط التعبير، ولا يحاربون اللّغة العربيّة نفسها، ولكنّهم يعلنون حرباً ضروساً على القرآن (1) .--------------------------------------------
(1) ينظر كلمة لشكيب أرسلان، ضمن كتاب “ تحت راية القرآن ” للرافعي ص 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
ومن مظاهر فصل اللُّغة عن قرآنها أن يدَّعيَ بعض الكُتَّاب أنّ اللُّغةَ إنّما حُفِظَتْ لا بسببِ ارتباطها بالقرآن، ولكن بسبب انكفائها على نفسها وانغلاق أهلها، كما هو الحال في اللُّغة الصينية، كما يقولون، وقد غاب عن هذا وأضرابه "أَنَّ العربيّة بنيت على أصل سحريّ، يجعل شبابها خالداً عليها، فلا تهرم، ولا تموتُ؛ لأنّها أُعِدَّتْ من الأزل فلكاً دائراً للنيِّرين الأرضيّين العظيمين، كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثمَّ كانت فيها قُوَّة عجيبة من الاستهواء كأنّها أخذةُ السحر، لا يملك معها البليغ أن يأخذ أو يدع" (1) .
ويزعم هؤلاء أنّ البلاغة يمكن أن تكون بمعزلٍ عن القرآن، وأن الفصاحة يمكن اكتسابها من غير القرآن، وهذا ما لم يقل به أحد من قبل، وليأتنا هؤلاء بواحدٍ استطاع بمعزلٍ عن القرآن، وما كان على نمطه من الكلام جزالةً وقُوَّةً، وحلاوةً وطلاوةً أن يجعل من نفسِه أديباً ذا بيانٍ ولسان.
والغَضُّ من قدر العربيّة، والنيل من مكانتها، وأنّها ضرورة لكلِّ علمٍ شرعيّ، ليس بِدْعاً عصريّاً، بل أشار الزمخشري إلى بعض منتحليه، وردَّ عليهم فقال: " … وذلك أنّهم لا يجدون علماً من العلوم الإسلاميّة، فقه?وكلامها، وعلمي تفسيرها وأخبارها إلاّ وافتقاره إلى العربيّة بَيِّنٌ لا يُدْفَعُ، ومكشوفٌ لا يتقنَّعُ، ويرون الكلامَ في معظم أبواب أصول الفقه، ومسائلها مبنيّاً على علم الإعراب، والتفاسير مشحونةً بالرِّوايات عن سيبويه، والأخفش، والكسائيّ، والفرّاء، وغيرهم من النحويّين البصريّين والكوفيّين، والاستظهار في مآخذ النّصوص بأقاويلهم، والتّشبُّث بأهداب فسرهم،--------------------------------------------
(1) الرافعي، تحت راية القرآن ص 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
وتأويلهم، وبهذا اللسانِ مناقلتهم في العلم، ومحاورتهم، وتدريسهم، ومناظرتهم، وبه تقطر في القراطيس أقلامهم، وبه تَسْطُر الصُّكوكَ والسِّجّلات حُكّامهم، فهم ملتبسون بالعربيّة أَيّةً سلكوا غير منفكين عنها أينما وجَّهوا، كُلٌّ عليها حيثما سيّروا … " (1) . ثم قال: "وإنّ الإعراب أجدى من تفاريق العصا، وآثاره الحسنة عديد الحصى، ومن لم يتَّقِ الله في تنزيله، فاجترأ على تعاطي تأويله، وهو غير معرب، فقد ركِبَ عمياءَ، وخَبَطَ خَبْط عشواء، وقال ما هو تَقُوّلٌ وافتراءٌ وهُراءٌ، وكلاّمُ الله منه براء، وهو المرقاة المنصوبة إلى علم البيان، المطلع على نكت نظم القرآن، الكافل بإبراز محاسنه، الموكل بإثارة معادنه، فالصادُّ عنه كالسَّادِّ لطرق الخير كيلا تسلك، والمريد بموارده أن تعاف وتترك" (2) .
وبعد، فقد وضح لنا مدى التلازم أو التآخي بين علوم العربية، وعلوم القرآن حتّى غدا كُلُّ واحدٍ لا يتم إلا بالآخر، وهذه لحمة أكدها افتقار كُلٍ إلى الآخر، كما اتضح من خلال ما قدّمته، إذْ لا يستطيع دارس علوم القرآن أن يفيد منها كما ينبغي إلاّ بدرسٍ للعربية وعلومها المختلفة جادٍّ، في حين لو تخلّت علوم العربية عن القرآن، أو نأتْ لتحوّلت جُثَّةً هامدةً، ولفقدت روحها الفاعلة، ولفقدت ما فيها من مُقوّماتٍ أسلوبيّة، وبيان ناصع.
كما وضح لنا مدى خطورة الدعوة إلى التخلِّي عن مزايا الجملة القرآنيّة، ولغة القرآن؛ التي تغذوها النُّصوصُ من القرآن والسُّنَّةِ، والتراث العربيّ--------------------------------------------
(1) الزمخشريّ أبو القاسم محمود بن عمر (ت 538 هـ) المفصّل في علم العربيّة / ط الثانية / دار الجيل / بيروت ص 3.
(2) الزمخشري، المفصّل ص 4 - 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
الأصيل شعراً ونثراً، وهذه الدعوة من الخطورة بحيث تخفى إلاّ على اللبيب، وقليلاً ما هو، والسُّموّ يتطلَّب شيئاً من المجاهدة، والعمل الشاقّ.
إنّ القرآن هو السِّرُّ في بقاء العربيّة وخلودها، أدرك هذا أعداؤها، كما أدركه أهلها، نجد تأكيد ذلك في دراساتٍ عربيَّةٍ، وأخرى غير عربيّة، بل إنّ هذا هو الّذي خلّد العربيّة، ورفعها إلى أن تكون ممّا يتسامى الناسُ في تحصيله؛ إِذْ صارت العربيّة فيما بعد لغة الدين، ولغة العلم، ولغة علية القوم، فتسامى النّاسُ في تعلُّمها، وتباروا في إتقانها لمجموع هذه الدّوافع، حتّى صار من غير أهلها من امتاز على أهلها، وهذه الدّوافع تعود كلها إلى القرآن، فالقرآن هو الدَّافع الحقيقيّ الّذي جعل من العربيّة مقصداً يتبارى الجميع في تحقيقه.
إنه يجب الحذر أشدَّ الحذر من دعواتٍ تدعو إلى فصل القرآن عن العربيّة، بل فصل سلطة القرآن على العربيّة، وأنّه يجب أن ندرس العربيّة باعتبارها لغةً لا ترتبط بالقرآن، مثلها في ذلك مثل أيِّ لغة، وقد جرَّت هذه الفكرة إلى أن يفكر أناسٌ بإيجاد أقسام للعربيّة لا تهيمن عليها السُّلْطة الدّينيّة، ولا تهيمن عليها الاتجاهات القرآنية.
كما يجب أن نكون في حذرٍ شديدٍ من تجريد تعليم العربيّة عن الدّوافع الدينيّة، خاصّةً في مجال تعليمها لغير أهلها؛ إذْ قد تغرينا بعض مكاسبَ عاجلة محدودة، أو طلبات وقتيّة من شركاتٍ عاملةٍ في بلادنا، أو راغبين في تعلُّمها من غير المسلمين، هذه العلوم قد تغري بعضاً، وينادي بأن لا نثقل عليهم بربط العربية بالدين، ونصوصه، وعلينا أن نجرّدها من كلّ ما يربطها بالدين أو القرآن، شأنها في ذلك شأن أيِّ لغةٍ أخرى، وأذكر أنّني مَرَّةً قابلت صينيّاً تعلّم العربيّة، وهو يقول: إنكم في المملكة العربية السعودية في برامجكم عيب،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وهو ربطها بالدين والقرآن، وكان بعض الحاضرين قد أعجبه كلامه أو رأيه، ورأى فيما يقوله وجهةَ نظرٍ مقبولة.
ثم إنّ هذا التجريد أو الفصل يرفع عنها هيبتها وقداستها التي اكتسبتها من ارتباطها بالقرآن، ويجعلها لغةً من اللُّغاتِ، ليس لها أَيُّ امتياز.
إنّه لا يسعُنا في هذا المقام إلاّ أن نشيد بتلك الجهود الضّخمة التي بذلها المسلمون من غير العرب في خدمة اللغة العربية كتابةً وتأليفاً، ودرساً، ودفاعاً عنها، ونشراً لها في مواقع من العالم، وفِئاتٍ من المجتمع.
وقد كان للعربية، وهي لغة القرآن أثر بارزٌ في لغات العالم الإسلاميّ الأخرى، كالفارسيّة مثلاً؛ إذِ امتزجَتِ اللُّغتانِ في تكوين لغةٍ جديدةٍ، اعتمدت الحرف، العربيّ ورسمه، وحاكت اللغة العربيّة في معجمها، وأوزانها، وعروضها، وقد أخذت الفارسيّة الألفاظ الإسلاميّة، كما هي من غير تغييرٍ يذكر، ولا يغيبُ عن أذهاننا محافظة المسلمين من غير العرب على الخطّ العربي في كتابة لغاتهم، وتمسُّكهم به، ممّا يُعَدُّ خطّاً من خطوط الدفاع عن العربيّة ويعدّ دافعاً لتمسُّك العرب بخطّهم ورسمهم.
إنّه يجب علينا أن نعيد الترابط بين علوم القرآن وعلوم العربيّة، وذلك بربط الثانية بالأولى حين تدرس الأصوات، وحين ندرس الأبنية والتراكيب، وحين ندرس المعجم، فتجعل الدراسة الصوتية دراسةً تطبيقية من خلال الصوت العربيّ المتمثّل في قراءة القرّاء المجيدين، وفيما سطره التجويد من أصواتٍ في صفاتها ومخارجها، كما نعني بكلماتِ القرآن، وأنّها أصلُ اللُّغة ولبُّها، كما يقول أهل اللغة، وأن نعنى بدراسة إعراب القرآن وأحكامه النحويّة بما ينمّي الذَّوقَ ويرقِّيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
كما يجب من طرفٍ آخر تقوية عناية المشتغلين بعلوم القرآن بعلوم العربيّة؛ لأنّها ضرورةٌ لهم، ولأنّها تعين في تكوين حِسٍّ لُغَويّ تدرك به أسرار التعبير، ويفرق بين الأساليب، ولأنّها تقومُ مقام التكوين الفطريّ الّذي يعتمد على تلقِّي اللّغةِ عن البيئة، كما كان العرب يفعلون، وكما هي حال الجيل الأوّل الّذي تلقّى وبدأ درسَه بمعارف بسيطة، استحالت فيما بعدُ إلى علومٍ.
إنّ عودة دارسي القرآن وعلومه إلى اللغة العربية، نصوصاً وعلوماً ليست بدعاً، أبدعه عصرنا، بل دعوة مدويَّةٌ أرسلها الخليفة الراشد الثاني عمر الفاروق حين قال، وهو على المنبر عن قوله تعالى {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47] فقال له رجلٌ من هذيل: التخوّف عندنا
التنقُّص، ثمّ أنشده:
تخوَّف الرَّحْل منها تامكاً قرِدا … كما تخوّف عُودَ النّبعة السَّفِنُ
فقال عمر: أَيُّها النّاسُ، تمسَّكوا بديوان شعرِكم في جاهليّتكم، فإن فيه تفسير كتابكم " (1) .
هناك من يلحّ أن تكون علوم العربيّة في تنظيم التعليم الجامعيّ تابعةً لعلوم القرآن، ويعيبُ أن تكون مادّةٌ مثل القراءات من اهتمامات أقسام اللغة العربيّة، وما ذلك بعيبٍ، بل يعيب أن يكون للقراءات قسم في كلية اللغة العربيّة، والحق أن لا عيبَ في ذلك لشدّة اللحمة، والترابط بين النوعين: علوم القرآن وعلوم العربية. ولا يعني هذا تبعيّة علمٍ لعلم، فالأصل هو القرآن وعلومه، والعربيّة وعلومها إنّما هي خدمٌ للقرآن وعلومه. وقد تغلغلت علوم العربية في صلب علوم القرآن، من قراءةٍ وتفسير، حتّى إنّه ليعسُر على الدارس فَصْلُ تلك العلوم عن بعض.--------------------------------------------
(1) القاسمي، محاسن التأويل 1 / 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وإن من الواجب أن لا تخلو أقسام اللغة العربية من موادّ الدراسات القرآنية خاصة ما يتعلَّق بالتجويد والقراءة، وإعراب القرآن، وتفسيره، وإنّ القرآن الأولى أن يكون مجالاً للدروس التطبيقية في اللغة العربيّة، لأسبابٍ لا تخفى على ذي بصيرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم على محمد وآله وصحبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)