عناية المسلمين بالوقف خدمة للقرآن الكريم (عبد الوهاب أبو سليمان)القسم: علوم القرآن وأصول التفسير
الكتاب: عناية المسلمين بالوقف خدمة للقرآن الكريم
المؤلف: عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان
الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن الاهتمام بتعليم القرآن الكريم ونشره هو مفتاح التعرف على مبادئ الإسلام وشرائعه من مصدره الأول، كتاب الوحي المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين، المنقول إلى الأجيال اللاحقة بطريق التواتر، فمن ثمّ كان هاجس القادة الفاتحين والخلفاء، والملوك، والسلاطين، والأمراء المسلمين، تعليم القرآن الكريم، ونشره بين أبناء البلاد الذين كتب الله لهم الهداية، فكان الشأن المهم الذي يبادرون إليه قبل كل شيء؛ ذلك أن رسالتهم هي هداية الأمة وإنقاذ شعوبها من الضلال، وما ترسف فيه من أغلال الظلم، وتحريرها من الاستعباد، اقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفقيه حديثي الإسلام وتعليمهم القرآن. " روى الرقيق (1) - مؤرخ القيروان أن موسى بن نصير أمر العرب أن يعلموا البربر القرآن، وأن يفقهوهم في الدين. ونقل غيره:
أن موسى بن نصير ترك سبعين رجلاً من العرب يعلمون البربر القرآن، وشرائع الإسلام، وكان عقبة بن نافع ترك فيهم قبله بعض أصحابه يعلمونهم القرآن منهم تابعه (شاكر) ، وغيرهم.
وهنا تجدر الإشارة إلى البعثة الدينية المؤلفة من عشرة من وجوه التابعين--------------------------------------------
(1) اسمه إبراهيم بن القاسم، المعروف بالرقيق القيرواني، كاتب، شاعر، مؤرخ، عاش في القرنين الرابع والخامس الهجري، انظر ترجمته في: تراجم المؤلفين التونسيين لمحمد محفوظ، الطبعة الأولى، (بيروت: دار الغرب الإسلامي سنة 1982م) ، ج2 ص: 379.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
التي أرسلها الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى القيروان بقصد تفقيه البربر، وإرشادهم إلى شرائع الإسلام، وتعاليمه العالية، فما كان من هؤلاء المرشدين إلا أن اختطَّ كل واحد منهم داراً لسكناه، وبنى بحذائها مسجداً لعبادته ومجالسه، واتخذ بقربه كُتَّاباً لتحفيظ القرآن، وتلقين مبادئ العربية لصغار أطفال البلد (1) .
وقد ظهرت في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي الحاجة إلى موارد تكفل للقائمين على تعليم القرآن ونشره، موارد رزقهم، وتكفيهم حاجاتهم، لينصرفوا بكليتهم لتعليم القرآن الكريم، فأصبح رصد الأوقاف، وتحبيس العقارات على المساجد وحلقات القرآن سنة لدى المسلمين على اختلاف حالاتهم الاجتماعية والمادية.
يسجل التاريخ " أن الوليد بن عبد الملك في سنة 88هـ وقف بعض القرى والمزارع لمسجد أمية بالشام، ويقال: إن هذا كان أول وقف من نوعه، لأن غلة هذه القرى، والمزارع كانت تصرف للمسجد، ثمّ توسعت مجالات الأوقاف، وشملت مرافق الحياة كلها.
وفي أيام الدولة العثمانية اتسعت مساحة الأوقاف كثيراً، وكانت المدارس، والزوايا، والمساجد، وخدمات البلدية، والمستشفيات، وما إلى ذلك، كل هذه كانت تدار بالأوقاف، ويصرف عليها منها" (2) .--------------------------------------------
(1) عبد الوهاب، حسن حسني، كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين، الطبعة الأولى، مراجعة محمد العمروسي المطوي، وبشير البكوش، (تونس: بيت الحكمة، سنة 1990م) ج1، ص 46.
(2) أوزاك، علي، بحث (إدارة الأوقاف الإسلامية في المجتمع المعاصر في تركيا) ، (أهمية الأوقاف الإسلامية في عالم اليوم) ، (الأردن: مآب مؤسسة آل البيت، سنة 1417هـ، 1996م) ، ص:339.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 2)
تركز الدراسة هنا على جانب خاص هو خدمة الأوقاف للقرآن الكريم، وهو موضوع جدير بالدراسة، فقد كان تجربة ناجحة ورفيعة في تاريخ الأمة الإسلامية، ومن الصعب، بل من المستحيل الإحاطة الشاملة بهذا الموضوع عبر القرون في البلاد الإسلامية المترامية الأطراف؛ ذلك أن الاهتمام بالقرآن الكريم هو ما دأبت عليه الأمة الإسلامية حتى في أقصى الظروف وأحلكها، فمن ثمّ يكتفي البحث بتقديم نماذج منها، بقدر ما يوضح الصورة. وقد أدى الوقف خلال القرون الطويلة نتائج فاعلة في الحفاظ على القرآن، وتخريج أجيال من القراء والحفاظ، والمفسرين في شرق بلاد الإسلام وغربها، في جميع القرون منذ بدء عصر النبوة المبارك.
وإذا كان للماضي تجاربه الناجحة في هذا المجال فمن الواجب إنصاف الحاضر الذي لم يفتقد مَنْ يعمل على هدى وبصيرة من العلماء والمخلصين من أبناء الأمة الإسلامية في النهوض بتعليم القرآن وحفظه في شتى بقاع العالم الإسلامي على مستوى العصر إدارةً، وتنظيماً، وتخطيطاً، فمن ثمّ تخيَّر البحث من بين النماذج للعصر الحاضر الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
خطة البحث
جاءت موضوعات البحث بعد هذه المقدمة على النسق التالي:
الفصل الأول: تطوير العناية بالقرآن الكريم ومؤسساته.
الفصل الثاني: مشروعية الوقف على القرآن الكريم.
مقاصد الواقفين على القرآن الكريم:
أولاً: الوقف على المدارس القرآنية.
ثانياً: الوقف على القراء.
ثالثاً: الوقف على تدريس القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، أو المذاهب الفقهية.
رابعاً: الوقف على خدمة القرآن تلاوةً، وتأسيس مرافق اجتماعية.
خامساً: الوقف على قراءة القرآن لهبة ثوابها للآخرين.
أ - الوقف على قراءة الربعات بالمسجد الحرام على نظام (الخصفة) .
ب - الوقف على قراءة القرآن على الترب (المقابر) .
سادساً: الوقف على الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في مكة المكرمة الوقت الحاضر.
تمام البحث: خاتمة تلخص أهم النقاط.
كما تضمن بعض التوصيات، يليها ملحق بقائمة دور القرآن في دمشق والقاهرة، ثم قائمة المصادر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وصلى الله وسلم على من نزل عليه الوحي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)
الفصل الأول: تطور العناية بالقرآن الكريم ومؤسساته
أولا: جمعه منذ نزوله
…
الفصل الأول: تطور العناية بالقرآن الكريم ومؤسساته
حظي القرآن الكريم وعلومه باهتمام المسلمين وعنايتهم بما لم يحظ به كتاب سماوي، حفظاً، ودرساً، وشرحاً وتدويناً، ورواية بالتواتر، وقد تجلت هذه المظاهر من العناية الفائقة والإجلال والتعظيم له في مظاهر عديدة، من أهمها:
أولاً: جمعه منذ نزوله:
تخصص لهذا نفر كريم أمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرصد كل ما ينزل به من الوحي. ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: "جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، فقيل له: "مَنْ أبو زيد؟ " قال: "أحد عمومتي".
وفي لفظ للبخاري عن أنس قال: "مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه" (1) .
"وحكى القرطبي في أوائل تفسيره عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه قال، بعد ذكر حديث أنس بن مالك هذا،"فقد ثبت بالطريق المتواترة أنه جمع
(1) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، كتاب فضائل القرآن، الطبعة الأولى، تحقيق محمد إبراهيم البنا، جدة: دار القبلة للثقافة الإسلامية، بيروت: مؤسسة علوم القرآن، سنة 1408هـ/1988م، ص22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
القرآن: عثمان، وعلي، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو ابن العاص.
فقول أنس: لم يجمعه غير أربعة يحتمل أنه لم يأخذه تلقياً مِنْ في رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء الأربعة، وأن بعضهم تلقى بعضه عن بعض.
وقال:"وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم".
قال القرطبي:"لم يذكر القاضي ابن مسعود، وسالماً مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن" (1) .
وقد عدّ العلماء أنَّ من أحسن، وأجلّ، وأعظم ما فعله أبو بكر الصديق جمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارئ من حفظه كله (2) .
يقول العلامة ابن كثير تعليقاً على ما تقدم:
"فجمع الصديق الخير، وكشف الشر رضي الله عنه، ولهذا روى غير واحد من الأئمة…عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
"أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين" (3) .--------------------------------------------
(1) ابن كثير، كتاب فضائل القرآن، ص25.
(2) ابن كثير، كتاب فضائل القرآن، ص25.
(3) ابن كثير، كتاب فضائل القرآن، ص25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
ثانياً: حفظ القرآن الكريم واستنباط علومه:
منذ تلك الآونة عكف المسلمون على القرآن تعبداً وتعلماً، ودراسة، فاستنبط منه العلماء علوماً عديدة، واشتقوا منه فنوناً رفيعة على مدى القرون، فألفت فيه المؤلفات الواسعة، ولا يزال العلماء في المجال العلمي الشرعي يستخرجون أسراره، ويكتشفون دقائقه، دون توقف لتياره المعرفي، ومعجزاته التي لا تنتهي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
ثالثاً: دور المساجد في العناية بالقرآن الكريم.
المساجد هي ساحات الدرس والتعليم، والمكان المناسب لتعليم القرآن ودراسة علومه، ومدارسته. وقد شهدت الأمصار الإسلامية عبر العصور الإسلامية المختلفة نهضة علمية بالعلوم الإسلامية، وبخاصة القرآن وعلومه، وكان من وراء هذا بعد توفيق الله علماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، ومن بعدهم من علماء الأمة في كل عصر وجيل حتى وقتنا الحاضر.
إن الرمز الأول الذي حقق المعنى وجَسَّده دروس حبر الأمة عبد الله بن العباس رضي الله عنهما في ساحات المسجد الحرام، فقد تخصص في العناية بالقرآن الكريم تفسيراً، وتأويلاً، وكان المرجع لعلماء الأمة، تحقيقاً للدعوة النبوية المباركة: "اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل" (1) ،فقد كان رضي الله عنهما يعقد حلقة درسه في التفسير والحديث، والأدب والمغازي والسير، وأيام
(1) هو التفسير، وهو اصطلاح ابن جرير في تفسيره، حيث يقول:" القول في تأويل قوله تعالى، ثمّ يذكر تفسير الآية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
العرب وأشعارهم بالمسجد الحرام.
وكان لحلقته بالمسجد الحرام الفضل في تأسيس مدرسة في علم التفسير لها خصائصها وأعلامها من كبار التابعين مثل عطاء بن أبي رباح الذي خلفه في حلقة العلم تفسيراً، وفقهاً وفتيا، ثمّ صارت هذه الحلقة لابن جريج، وقد تخرج فيها كثيرون، وبرغم وفاة ابن عباس سنة 78هـ ظلت مدرسة مكة قائمة يتلقى أبناؤها العلم طبقة بعد طبقة (1) .
ولئن صح هذا عن المسجد الحرام وأثر حلقات العلماء فيه على تطور النهضة العلمية بالقرآن الكريم وعلومه، وهو المحور الأساس في التعليم الإسلامي، إنه لصحيح أيضاً وصادق في حق كافة الأمصار والمدن الإسلامية التي انتشر فيها الصحابة رضوان الله عليهم، فورَّثوا القرآن وعلومه إلى أجيال التابعين وتابعي التابعين وإلى مَنْ بعدهم، حتى وصل إلينا القرآن الكريم محفوظاً من التغيير والتبديل، تقرؤه أجيالنا كيوم نزوله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وتُبرز الدراسات العلمية الموثقة فيما يخص أثر المساجد في المحافظة على القرآن الكريم والعناية بعلومه، أنه لم يتوقف بنشوء المدارس وتأسيسها فيما بعد، والمسجد الحرام بحلقاته العلمية أنموذج صادق على أهمية هذه الحلقات العلمية في القرنين السابع والثامن للهجرة، بل ظل على مدى القرون الإسلامية، يزدحم برجال الحديث والقراء وأصحاب الفتيا، وظلت حلقاتهم تتدبر تفسير آيات الذكر الحكيم، وأخذ اتساع الحلقات يتضاعف في مواسم--------------------------------------------
(1) انظر: العبيكان، طرفة عبد العزيز، الحياة العلمية الاجتماعية في مكة في القرنين السابع والثامن للهجرة، (الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، سنة 1416هـ/1996م) ، ص54.55.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
الحج، ولا يخفى أن المقصود بالحلقات هنا، ذلك هو النظام التعليمي القائم على إحاطة الطلاب بشيخهم، وهو نظام يعود إلى العصر النبوي. وقد استمر هذا الشكل بعد إنشاء المدارس الإسلامية" (1) .
وكان إلى جانب هذا النوع من التعليم الحر في مناهجه، وأوقاته، المدارس والمؤسسات العلمية المنتشرة بمكة المكرمة، والتي كان من أعظم اهتماماتها تعليم القرآن حفظاً وتجويداً وتفسيراً، إذ هو القاعدة العلمية المتينة التي تكوِّن العالم الشرعي على أسس ثابتة.--------------------------------------------
(1) العبيكان، طرفة عبد العزيز، الحياة العلمية والاجتماعية في مكة في القرنين السابع والثامن للهجرة، ص53 خصصت الباحثة دراستها بالقرنين السابع والثامن كما هو ظاهر من العنوان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
رابعاً: الزوايا
جمع زاوية، وزاوية البيت ركنه، وتزوي صارفيها (1) . وأصبحت تطلق عرفاً على المسجد الصغير الذي يخلو فيه الناس للعبادة كما كان الحال في الماضي في مكة المكرمة، وكان لكل زاوية شيخ يقوم بشؤونها، وتعليم القرآن فيها (2) .
أما في الغرب الإسلامي بلاد المغرب والأندلس فإنه: "يطلق على مجموعة البنايات المستخدمة لأغراض دينية، وتعليمية، واجتماعية، وذلك منذ القرن الخامس للهجرة/الحادي عشر للميلاد" (3) .--------------------------------------------
(1) ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد، لسان العرب، الطبعة الثالثة، (بيروت: دار صادر، عام 1414هـ/1994م) ،ج14،ص365. (مادة زوى) .
(2) انظر لهذا: العجيمي، محمد حسن الصوفي، خبايا الزوايا. مصور، خاص.
(3) سعيدوني، ناصر الدين، مؤسسة الزوايا في الجزائر العثمانية بحث في المؤتمر الدولي حول العلم والمعرفة في العالم العثماني بمناسبة الذكرى السبعمائة على قيام الدولة العثمانية عام 1999م (إستانبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، 2000) ، ص48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
وقد أدَّتْ الزوايا في البلاد الإسلامية وظائف تعليمية، ودينية جليلة، وأسهمت إسهاماً كبيراً في نشر القرآن تعليماً، وحفظاً ومدارسة، وقامت بآثار جليلة في تربية الناشئة.
إن تخطيط هذه الزوايا ومكوناتها يعطي تصوراً كاملاً عن الوظائف التي تؤديها، وهي وإن اختلفت من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر فإنها تجتمع كلها في الأهداف التي بنيت من أجلها.
يتحدث الأستاذ الدكتور ناصر الدين سعيدوني عن طبيعة تنظيم الزوايا ببلاد القبائل بالجزائر فيقول:
"وتشتمل الزوايا بالبلاد الجزائرية، وخاصة بمنطقة القبائل على مجموعة بناءات تتوزع على المرافق الضرورية للزاوية، فهناك مكان مخصص لحفظ القرآن وتلاوته (قراءة الحزب) ، وأداء فريضة الصلاة، وهو بمثابة مسجد الزاوية، ومكان آخر للدراسة يعرف عادة بالعمرة، وقد تقتصر الزاوية عليه فتعرف بالعمرة، وبالإضافة إلى دار للضيافة، وغرف لإيواء الطلبة، وبناء لاستقبال الزوار والضيوف، وملحق لإقامة أهل الزاوية، أو لسكن القائمين عليها، وغير بعيد عنهم المصالح الضرورية من مطبخ وإسطبل، ومخازن لحفظ المؤونة، ورحى لطحن الحب، ومعصرة لعصر الزيت وغيرها
إن الزاوية بهذه المواصفات أصبحت بمثابة مجمع متعدد الخدمات، فهي المسجد، والمدرسة، والملجأ، والمأوى، والمزار، الأمر الذي جعلها محور الحياة الروحية، والثقافية وحتى الاجتماعية في الوسط الريفي ببلاد القبائل" (1) .--------------------------------------------
(1) مؤسسة الزوايا بالجزائر العثمانية، ص 49.48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
القرآن الكريم هو الأساس الذي يقوم عليه التعليم بالزوايا في كل حواضر الإسلام وقراه، والكثير من العلوم والمعارف الدينية (1) .
هذه هي الصورة العامة للزوايا في معظم البلاد الإسلامية، وبخاصة في عهد الخلافة العثمانية، وهو ما لاحظه الباحثون من خلال استقراء النشاط العلمي للزوايا في عهد العثمانيين فقد "كثر عدد الزوايا في القيروان خلال العصر العثماني، ولقي بناؤها تشجيعاً من الحكام، بل إن بعضهم ساهم في إنشاء العديد منها، ووقفوا عليها العقارات الكثيرة، وأعفوا بعضها من أداء العشر، وخصصوا لها جرايات دورية" (2) .
كان للحرمين الشريفين منها نصيب كبير، ومما يؤكد هذا أن العلامة المحدث الشيخ محمد حسين العجيمي المكي المتوفى عام 1113هـ خصَّها بمؤلف مستقل بعنوان (خبايا الزوايا) ،وكان لها وظائفها التعليمية والدينية، والأوقاف الجليلة التي تسد احتياجاتها، وتغني القائمين عليها ليتفرغوا للوظائف التعليمية والدينية المنوطة بهم.--------------------------------------------
(1) انظر: سعيدوني، ناصر الدين محمد، (مؤسسة الزوايا في الجزائر العثمانية، بحوث المؤتمر الدولي حول العلم والمعرفة في العالم العثماني) ، ص69.
(2) عثمان، نجوى، (الزوايا والمدارس العثمانية بالقيروان) ، بحوث المؤتمر الدولي حول العلم والمعرفة في العالم العثماني، (إستانبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، سنة 2000م) ، ص137.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
خامساً: الكتاتيب:
عادة ما تكون في زوايا وأماكن خاصة، وتلحق أحياناً ببعض المساجد، ولهذا النوع من المؤسسات التعليمية أثر كبير في تعليم القرآن ونشره في القرى والمدن، وبين طبقات المجتمع المختلفة، يعود لها الفضل الكبير في تعليم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
الصبيان، وتحفيظهم للقرآن الكريم في البلاد والقرون الإسلامية كافة.
لها أثر مشهود، ودور كبير مهم لا ينكر في تعليم الصبيان، وتلقينهم القرآن، فهي أول ما يستقبل الصبي المسلم، وهي أول ما تنقش على صفحات صدره البيضاء النقية آيات الذكر الحكيم التي تظل راسخة في ذاكرته مدى الحياة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
سادساً: تأسيس المدارس القرآنية في الأمصار الإسلامية:
تطورت مظاهر الاهتمام بالقرآن الكريم مع تطور الحياة في المجتمع الإسلامي، فبدأت تستقل بدورها، وأصبح للوقف الإسلامي أثر كبير في نشاطها، والقيام بما ينبغي لاستمرار أداء إرسالها، وإغناء القائمين عليها بما يكفل لهم حياة معيشية رخية، وتطوير مرافقها، وتشجيع الطلاب المنتسبين إليها.
وقد أسهم في تأسيس هذه المدارس، ورصد الأوقاف عليها طبقات المجتمع كافة من الملوك، والسلاطين، والأمراء، والأثرياء، ومتوسطي الحال على مدى التاريخ الإسلامي حتى وقتنا الحاضر، فكان من ثمار هذا الاهتمام والإسهام إنشاء مدارس لتدريس العلوم الإسلامية، وفي مقدمتها القرآن وعلومه، وأنشئت دور ومدارس للقرآن بخصوصه. يؤرخ لهذا الظاهرة العلمية الحضارية العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر العبيدي المقريزي قائلاً: "والمدارس مما حدث في الإسلام، ولم تكن تعرف في زمن الصحابة ولا التابعين، وإنما حدث عملها بعد الأربعمائة من سني الهجرة، وأول من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبُنيت بها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
مدرسة البيهقية
وأشهر ما بني في القديم المدرسة النظامية ببغداد، لأنها أول مدرسة قرر بها للفقهاء معاليم، وهي منسوبة إلى الوزير نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي وزير ملك شاه بن ألب أرسلان في مدينة بغداد، وشرع في بنائها في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وفرغت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة" (1) .
فمن ثم انتشرت المدارس في جميع أصقاع العالم الإسلامي متطورة في تخطيطها، وتنظيمها، ومناهجها حتى عصرنا الحاضر.--------------------------------------------
(1) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، الطبعة الأولى، وضع حواشيه خليل المنصور، (بيروت: دار الكتب العلمية، سنة 1418هـ/1998م) ، ج4، ص 199.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
سابعاً: تأسيس جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في العصر الحديث:
تطور الاهتمام بالقرآن الكريم والعناية به في العصر الحديث من النشاط المحدود الذي يقتصر على تأسيس مدرسة محدودة المكان، محدودة الإمكانات والموارد، محدودة الطلاب والأساتذة، إلى نشاط أوسع من حيث أماكن التدريس، وبإمكانات مادية، ووقفية من مصادر متعددة، وأعداد متزايدة للطلاب، والمدرسين، والمشرفين، وبأجهزة إدارية كاملة تعليمية، ومحاسبية، وإشراف، لها أنظمتها وقوانينها، وبأهداف وطموحات غير مسبوقة في مناهج المدارس القرآنية القديمة.
هذا التطور في الكم والكيف هو الصورة السائدة التي يحظى بها القرآن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
الكريم في المملكة العربية السعودية التي انبثقت فكرتها من مكة المكرمة عام 1382هـ، وإخاله كذلك في جميع البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر. "إن فكرة إنشاء الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة كانت في شهر شعبان سنة 1382هـ عندما وصل من الباكستان فضيلة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني رحمه الله، حيث طرح هذه الفكرة على أعيان مكة المكرمة وعلمائها فلقيت منهم ارتياحاً واستحساناً ثم رفعوا هذه الفكرة إلى المسؤولين في هذه البلاد المباركة، فشجعوا العمل النبيل، والمشروع الحسن، وكان على رأسهم معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزير المعارف آنذاك رحمه الله، ومعالي الشيخ محمد سرور الصبان، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي آنذاك رحمه الله، ومعالي الشيخ محمد سيتي الذي كان يتحمل ثلث رواتب المدرسين بالجمعية.
وكان من أعضائها وممن تولى رئاستها بعد وفاة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني رحمه الله عدد من علماء مكة المكرمة الذين بذلوا جهوداً طيبة في العناية بالقرآن الكريم" (1) ، وللجمعية عدة فروع: فرع محافظة جدة، فرع محافظة الطائف، فرع وادي ليه، فرع محافظة رنية، فرع محافظة تربة. تتابعت بعد هذا جمعيات تحفيظ القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية متبعة في هذا المنهج السوي الذي خطته لنفسها الجمعية الأولى الرائدة جمعية تحفيظ القرآن الكريم في مكة المكرمة، وهي في المناطق التي سميت بها كالتالي:
أولاً: الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة المدينة المنورة، وتأسست--------------------------------------------
(1) التقرير السنوي التاسع والعشرين من العام 1419هـ للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة، ص 8-9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)