كتابة الحديث بين النهي والإذن (أحمد بن محمد حميد)القسم: علوم الحديث
الكتاب: كتابة الحديث بين النهي والإذن
المؤلف: أحمد بن محمد حميد
الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة
عدد الصفحات: 87
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
كتابة الحديث بين النهي والإذن
الدكتور: أحمد بن محمد حميِّد
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله الذي علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كتب على نفسه الرحمة، وأشهد أن محمداً النبيَّ الأميَّ عبدُه ورسولُه أقام به الحجة على العالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام الطيبين وسلم تسليماً أما بعد:
فقد أكرم الله تعالى هذه الأمة بنعم عظيمة وآلاء جسيمة، فجعلها خير أمة أخرجت للناس، فهي أمة الوسط، الشهيدة على الناس، وأكمل لها الدين وأتمَّ عليها النعمة، وتعهد بحفظ الدين وإظهاره على الدين كله ولو كره الكافرون، وحمل هذا الدين أقوامٌ نصحوا لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، فحملوا العلم، واستفرغوا الوسع، وبذلوا الجهد، وواصلوا الليل بالنهار حتى وصل هذا العلم لمن بعدهم غضّاً طريّاً، وقد اتخذوا في نقله وسائل متعددة، واشترطوا شروطاً دقيقة في نقله ونقلته، بما لم يسبقوا إليه من الأمم السابقة، فرضي الله عنهم وأرضاهم وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء، وكان من جملة الوسائل التي ساهمت في حفظ مصدري الدين الأساسين الكتاب والسنة تدوينهما وحفظهما في صحف وكتب حتى وصلت إلينا، وهي وإن لم تكن شرطاً في نقل العلم فإن وجودها مع توافر الشروط التي شرطها الأئمة رحمهم الله يزيد العلم وثوقاً، ويحفظه من الزيادة والنقص. واندراس العلم لأن حملته يفنون، وأما كتبهم فلا، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على كتابة العلم وحفظه وتبليغه دل على هذا قوله وفعله والوقائع المتكاثرة وكلها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم الكتابة وحث على استعمالها، وقد ورد عنه أيضاً أحاديث فيها نهي صريح عن كتابة السنة، واستغلها المناوئون للسنة ليستدلوا بها على أن السنة لم تدون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأن الصحابة امتثلوا لهذا النهي فلم يكتبوا، وأن كثيراً من السنة لم تُدون، وهذا الأمر وإن كان عماده أوهى من بيت العنكبوت إلا أنهم طاروا به وزوقوه وجعلوه مطية لهم للطعن في السنة من وجه خفي، وهم يظنون أن عدم تدوينه - على زعمهم- أضاع كثيراً من الأحاديث، وأن ما حفظ لا يسلم من التبديل والتغيير؛ لأن الحافظة خوانة، والذاكرة عرضة للنسيان، وجهلوا أو تجاهلوا ما لهذه الأمة الأميّة من خصائص لم تكن لمن سبق وأغمضوا أعينهم عن الوقائع المتكاثرة التي حصل فيها تدوين للسنة النبوية، وأغمضوا أعينهم كذلك من أن كراهة بعض الصحابة لكتابة الحديث ليس من أجل ما ذكر من نهي المصطفى صلى الله عليه وسلم وإنما لأمور ذكروا عللها؛ ولذا كان لابد من تأصيل هذه المسألة وبيان أثرها، ولقد كان هذا الموضوع يراودني، وجمعت فيه نبذاً حتى هيأ الله لي هذه الفرصة الطيبة من خلال هذه الندوة المباركة - إن شاء الله تعالى- ندوة عناية المملكة العربية السعودية ـ وفقها الله ـ بالسنّة والسيرة النبوية، وكان أحد موضوعات محاورها "كتابة حديث النبي صلى الله عليه وسلم بين النهي والإذن" فوافق مرادي وتقوًّتْ بها النية على استكمال هذا الموضوع، وقد وفق الله تعالى أن كتبت هذا البحث وفق الخطة التالية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 2)
المقدمة.
الفصل الأول: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف الكتابة في اللغة والاصطلاح.
المبحث الثاني: إطلاقات الكتابة في الشرع.
الفصل الثاني: الكتابة زمن البعثة النبوية وفيه مبحثان:
المبحث الأول: علاقة العرب زمن البعثة بالكتابة.
المبحث الثاني: الكتبة في العهد النبوي، والسبل التي وجهت إليها كتابتهم.
الفصل الثالث: فضل الكتابة وأثرها وفيه مبحثان:
المبحث الأول: فضل الكتابة.
المبحث الثاني: أثر الكتابة في حفظ العلم وقيمته.
الفصل الرابع: كتابة السنة على ضوء الأحاديث وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي عن الكتابة.
المبحث الثاني: الأحاديث المتضمنة إباحة الكتابة.
الفصل الخامس: فهم الأحاديث السابقة وحكم كتابة الحديث وفيه مبحثان:
المبحث الأول: العلماء وموقفهم من الكتابة للحديث على ضوء ما ورد.
المبحث الثاني: فهم المخالفين لأحاديث النهي والإباحة.
الخاتمة وفيها نتائج البحث.
فهرس المراجع.
فهرس الموضوعات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
وكانت أبرز ملامح منهج البحث ما يلي:
1- تأصيل عناصره قدر الإمكان من الكتاب والسنة، وعزو الأقوال إلى قائليها وبيان موضعها.
2- عزوت الآية بذكر رقمها من السورة عقب إيرادها.
3- خَرَّجْتُ الأحاديث في الحاشية إلا أحاديث النهي والإباحة فإنها من صلب البحث.
4- عزوت إلى الكتاب والباب والجزء إذا كان الحديث في الكتب الستة، فإن ذكرت الرقم بين قوسين فهو رقم الحديث في الكتاب، وإن جردته منه فهو رقم الصفحة، وإن كان من غير الكتب الستة اقتصرت على الجزء والصفحة أو الرقم بالقيد المذكور.
5- الأحاديث التي أوردها للاستشهاد اقتصرت على ما في الصحيحين أو أحدهما، فإن لم يكن فيهما عمدت إلى الثابت من غيرهما ودراسة سنده والحكم عليه مع الاستعانة بأقوال أهل العلم إن وجدت.
6- ما أوردته من أحاديث وكان في الصحيحين أو أحدهما اقتصرت بالعزو إليهما عن العزو إلى غيرهما وكذا الحكم عليها، إذ وجودها فيهما كاف عن الحكم بصحته، ما لم يكن فيه علة نص عليها أحد الأئمة الذين يُعْتَدُّ بهم.
7- توسعت في تخريج ودراسة الأحاديث المتضمنة النهي عن الكتابة أو الإباحة؛ لأن قيمة الكلام عليها تقوم على مدى ثبوتها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)
8- اقتصرت في التخريج إذا ما كان من طريق شيخ واشترك أكثر من مصدر في تخريج هذا الطريق على أعلى المصادر، إلا إذا كانت هناك فائدة من زيادة أو نحوها.
9- إذا كان سبب حسن الحديث أو ضعفه أحد الرواة فإني أحيل على تهذيب الكمال أو لسان الميزان، وإحالتي عليهما من باب الاختصار إذ إن هذه الإحالة تقتضي الرجوع إلى مصادر ترجمة كل راو في تلك الكتب.
10- رأيت من تمام الفائدة أن أشير إلى من كره الكتابة من الصحابة رضي الله عنهم وتخريج ما ورد عنهم وعلاقة هذه الكراهة بما ورد من النهي عنها.
11- لما كان هذا البحث يخاطب المتخصصين فإني لم أترجم لأحد من العلماء الواردين في البحث؛ لشهرتهم عند أهل العلم.
12- اختصرت أسماء الكتب عن ذكرها كاملة ولا يخفى هذا عن أهل العلم.
13- كل ما ورد في هذا البحث من علماء الإسلام الذين لهم بادرة السبق، وأسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء سائلاً أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
ولا يسعني في ختام هذه المقدمة إلا أن أتقدم بالشكر لله تعالى أولاً أن وفقني إلى كتابة هذا البحث، وثم الشكر لولاة الأمر في هذا البلد المبارك على عنايتهم بالعلم وأهله، ثم إلى وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد‘ ممثلةً في مجمع الملك فهد حفظه الله لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة على إتاحة الفرصة لكاتب هذا البحث للمشاركة في هذه الندوة سائلاً الله للجميع التوفيق والسداد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
الفصل الأول: في تعريف الكتابة وإطلاقاتها في الشرع
المبحث الأول: في تعريف الكتابة في اللغة والاصطلاح
أولاً: الكتابة في اللغة
…
الفصل الأول: في تعريف الكتابة وإطلاقاتها في الشرع
المبحث الأول: تعريف الكتابة في اللغة والاصطلاح
أولاً: الكتابة في اللغة:
الكتابة مصدر من كتب الشيءَ يكتُبُه كَتْباً وكِتاباً، وكتابةً أصلها من الكَتْبِ - بفتح الكاف وإسكان التاء هو ضم أديم إلى أديم بالخياطة، والكُتْبَةُ بالضم السير يخرز به، وكتب الدابة يكتبُها ويكتِبها كتباً، وكتبَ عليها: خُزِمَ حياؤها بحلقة حديد، وجُمِعَ شفراها لئلا يُنْزى عليها.
وكتّبَ الشيء تكتيباً هيَّأه، وأكتبتُ القربة إذا شددتها بالوكاء.
فالكتابة إذاً مأخوذة من الضم والجمع، ولذا سميت الخيل كتيبة، ويتحصل فيها جمع الحروف بعضها إلى بعض ولذا سميت كتابة (1) .--------------------------------------------
(1) انظر: مختار الصحاح / 562، لسان العرب 3/216، القاموس المحيط 1/121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
ثانياً: تعريف الكتابة في الاصطلاح
تعددت تعريفات الكتابة ولعل أجمعها:
ما عرفها به ابن خلدون فقال: ـ بعد أن ذكرها في الصناعات ـ هي رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس (2) .--------------------------------------------
(2) مقدمة ابن خلدون /417.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
فهذا تعريف مانع خرج به التصوير الذي يدل على الكلمات المسموعة والمراد بالكلمات المسموعة أصل الكلام لأن اكتسابه سماعي، وهذا الكلام معبّر عما في نفس المتكلم.
وهناك تعريفات أخرى أعرضت عنها إما لغموضها (1) ، أو لقصورها عن المراد (2) .--------------------------------------------
(1) صبح الأعشى 2/82.
(2) البرهان في علوم القرآن 1/376، التوقيف على مهمات التعاريف /600.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
المبحث الثاني: إطلاقات الكتابة في الشرع:
قد جاءت الكتابة ومشتقاتها في القرآن الكريم والسنّة النبوية لتدل على عدة معانٍ.
فالأصل في الكتابة النظم بالخط، وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ، ويطلق كل واحد منها على الآخر، ولذا سمى كلام الله وإن لم يكتب كتاباً، كما قال جل ذكره: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة:1، 2] .
والكتاب اسم للصحيفة مع المكتوب فيه كما قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} [الأنعام:7] .
والكتابة وسيلة لمقصد في النفس، فقد تطلق الوسيلة على الشيء المراد في النفس ولذلك أطلقت الكتابة على أمور عدة وردت في الوحيين منها:
1ـ العلم كما قال تعالى: {أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [القلم:47] .
2ـ الحكم كما قال تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} [الأنفال:75] .
3ـ تطلق على الفرض كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183] .
4ـ تطلق على التقدير والإيجاب كما قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة:21] .
5ـ تطلق على التقدير والقضاء كما قال تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} [التوبة:51] .
6ـ تطلق على الحجة الثابتة من الله تعالى كما قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [الحج: 8] .
7ـ تطلق على اختلاق الشيء وافتعاله كما قال تعالى: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا} [الفرقان:5] .
8ـ تطلق بأصلها اللغوي كما قال تعالى: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53] . أي ضمنا في زمرتهم.
9ـ وأهل الكتاب من أُنْزِل عليهم كتاب من الله كاليهود والنصارى، وورد في آيات عديدة.
10ـ يطلق الكتاب على الكتب السابقة كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ} [يونس:37] .
11ـ يطلق على القرآن الكريم: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آل عمران:3] .
12ـ يطلق على الكتب المنزلة جميعاً كما قال تعالى: {كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} [البقرة:285] .
13ـ تطلق على ابتياع العبد نفسه من سيده، بما يؤديه من كسبه، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} [النور:33] .
14ـ تطلق على من ضم اسمه في ديوان الغزاة كما في الحديث أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم "إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا" (1) .
15ـ الكتيبة هي الطائفة من الجيش وتكرر ذكرها في الحديث (2) .--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في الجهاد باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة أو كان له عذر هل يؤذن له رقم (3006) عن قتيبة، وفي النكاح باب لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ذو محرم رقم (5233) عن علي بن المديني، ومسلم في الحج باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوه رقم (3272) عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب أربعتهم عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله عنهما وتمامه قال صلى الله عليه وسلم "انطلق فحج مع امرأتك".
(2) مفردات القرآن /638، النهاية في غريب الحديث 4/147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
الفصل الثاني: الكتابة زمن البعثة النبوية
المبحث الأول: علاقة العرب زمن البعثة النبوية بالكتابة
كان المجتمع العربي الذي بعث الله تعالى فيه نبيه صلى الله عليه وسلم مجتمعاً ثقافته ومعرفته محدودتان بسبب طبيعة معيشته، إذ كان أكثرهم بدواً رحلاً منشغلين بالحل والترحال، أو حضراً مستقرين في حواضر بسيطة عماد معيشتها على تحصيل الحاجيات الضرورية عن طريق التجارة والزراعة والرعي والصناعة، فكانت كما وصفها الله جل وعلا أمة أمية في مواضع عدة من كتابه الكريم، وكانت منته الكبرى عليهم بأن بعث فيهم خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم فنهض بها بعد أن كانت قعيدة، وملأها نوراً بالعلم والهداية بعد أن كانت تعيش في ظلمات الضلال والجهل والخرافة، وصارت به متبوعة عزيزة منيعة مرهوبة الجانب بعد أن كانت ذليلة ضعيفة، وجمعها بعد أن كانت مفرقة مشتتة، ومننه جل شأنه عليها به لا تعد ولا تحصى، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوامِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة:2] . وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم معنى الأميين بقوله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا"، وعقد الإبهام في الثالثة، "والشهر هكذا وهكذا"، يعني تمام ثلاثين" (1) .--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في الصوم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا نكتب ولا نحسب" رقم (1913) عن آدم بن أبي إياس، ومسلم في الصيام باب وجوب صيام رمضان برؤية الهلال رقم (2511) عن محمد بن جعفر كلاهما عن شعبة عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمرو بن سعيد عن ابن عمر رضي الله عنهما به واللفظ لمحمد بن جعفر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
وهذا الوصف خرج مخرج الغالب من العرب، فقد وجدت القراءة والكتابة عند بعضهم، ولكن هذا لا ينافي وصف الأمة بأنها أمية (1) ، مثلما وجد منهم بعض الحنفاء ومن كان يتمسك بالكتاب الأول لم ينف أنها أمة جاهلية فالاعتبار للأغلب.
والجزيرة العربية قامت فيها مدنيات قديمة بائدة قبل عصور طويلة من زمن البعثة النبوية كالدولة المعينية (2) والقتبانية (3) والسبئي (4) والحميرية (5) وغيرها، وعن الأخيرة أخذ المناذرة (6) خط، ومن عاصمة تلك الدولة وهي الحيرة أخذه--------------------------------------------
(1) انظر أحكام القرآن للجصاص5 /335، فتح الباري 5/127 وقد قال جماعة من المفسرين إن المراد بالأمية أي لا كتاب عندهم ولا أثر لرسالة سماوية فيهم، ولا منافاة بين القولين ـ والله أعلم ـ لأن لفظ الأمي يشمل المعنيين، وقد يكون المرء أمياً من جهة ـ بمعنى لا يحسن القراءة والكتابة ـ وعالماً من جهة أخرى، كحال أكثر الأمة إبان تشرفها بحمل الرسالة، فهي أمية من الجهة الأولى، وعالمة من الجهة الثانية، وقد يكون المرء محسناً للقراءة والكتابة، وهو أمي باعتبار عدم علمه بما يقرأ كما قص الله علينا من نبإ بعض أهل الكتاب أن منهم أميين وهم يتلون الكتاب، انظر مجموع الفتاوى 17/434.
(2) دولة قامت في اليمن 2000ق. م ونسبتها إلى عاصمتها معين الواقعة بين نجران وشمال حضرموت، وتوسعت حتى شمل نفوذها خارج الجزيرة العربية، وانتهت على يد السبئيين.
انظر دراسات في تاريخ العرب القديم /213.
(3) من الدول القديمة في الجنوب العربي يرجع بعض الباحثين عهدها إلى 1100ق. م وقد تفردت بأنظمة تسير أمورها ومن أشهر مدنها قتبان وتمنع وحريب وغيرها.
المصدر السابق /247.
(4) من أشهر الدول القديمة في اليمن قص الله شيئاً من نبئها في سورة سبإ والنمل ومن مدنها الشهيرة صرواح ومأرب.
المصدر السابق /271.
(5) آخر الدول التي قامت في اليمن ملوكها التبابعة من مدنها ظفار وجرش ونجران، وانتهت على يد الأحباش.
المصدر السابق /335.
(6) دولة كانت تتبع الفرس تسكن الحيرة إلى الغرب من الفرات استمر حكمها نحو أربعمائة وخمس وستين سنة من عام 268 ـ 633م وسقطت على يد خالد بن الوليد رضي الله عنه.
المصدر السابق /557.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
أهل الحجاز وتعلموا منهم الكتابة كما هو مشهور عند أكثر أهل العلم (1) ، وكان العرب يعظمون القراءة والكتابة ويعلون من شأن العالم بها، فكانوا يلقبون من أتقن الكتابة وأحسن العوم والرمي بالكامل (2) ؛ لأنهم يطلقون الكاتب على العالم، لأن الغالب على من كان يعلم الكتابة أن يكون عنده علم ومعرفة (3) .
وإنما لم يكن النشاط الكتابي ظاهراً لأمور عديدة من أبرزها:
1- أنهم كانوا أمة بدوية بسيطة مقتصرة في حياتها على الضروريات، وإتقان الكتابة والمعرفة بها تابع للمدنية التي يعيشها أصحابها، فمتى توافرت أسباب المعيشة الضرورية انتقلوا إلى تحصيل الكماليات والتوسع فيها مثل الكتابة وتعاطي العلم ونحو ذلك (4) .
2- أنهم كانوا يعتمدون على الحفظ في الصدور لما آتاهم الله من قوة في الحافظة، وصفاء الطبع، وسيلان الذهن، وحدّة الخاطر فاستغنوا بها عن الكتابة (5) .
3- ندرة تحصيل أدوات الكتابة من أقلام وصحائف فلم يكن هناك انتشار لهذه الوسائل، وعمدوا إلى وسائل بدائية للكتابة من أمثال العظام--------------------------------------------
(1) انظر فتوح البلدان /456، المصاحف /4، الأوائل /57، مقدمة ابن خلدون /428 والباحثون المعاصرون يختلفون اختلافاً شديداً في منشأ الخط العربي ومصدره بناءً على ما توافر من نقوش أثرية مؤرخة في عهد الدول السابق ذكرها وغيرها.
(2) الطبقات الكبرى 3/502، 566، 573.
(3) النهاية في غريب الحديث والأثر 4/148.
(4) مقدمة ابن خلدون /400.
(5) هدى الساري/ 6، مناهل العرفان 1/286.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
وألواح الخشب، وسعف النخيل والحجارة وتحصيل هذه الوسائل وإعداده صعب جداً، فاقتصروا في الاستفادة بها على الضروريات من وثائق ومكاتبات ونحوهما (1) .
ويمكن أن تُحصر الأمور التي استفاد بها العرب من الكتابة على قلتها في جوانب شتى تظهر بالاستقراء مثل:
أـ كتب الديانات السابقة.
ب ـ كتابة العهود والمواثيق المنظمة لشؤون الأفراد والمجتمعات.
ج ـ الصكوك التجارية وحفظ الحقوق.
د ـ الرسائل الشخصية.
هـ ـ مكاتبة الرقيق.
وـ القصائد الشعرية والمفاخر القبلية والأنساب (2) .
ز ـ الحكم والوصايا (3) .
ح ـ كتب الأساطير القديمة (4) .
ط ـ النقوش الحجرية كشواهد القبور (5) .
وقد ورد عن العرب إقامة كتاتيب لتعليم القراءة والكتابة، في أماكن مختلفة مثل مكة المكرمة، والطائف ودومة الجندل.--------------------------------------------
(1) مصادر الشعر الجاهلي /77 فما بعدها.
(2) مصادر الشعر الجاهلي /61 ـ 73، 109، 164، 165.
(3) المعمرون والوصايا/ 23، 24.
(4) سيرة ابن هشام 1/358.
(5) في شمال غرب الجزيرة (الفهارس) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
وكان لأهل الكتاب اهتمام بتعليم الصبية القراءة والكتابة في الأماكن التي أقاموا فيها مثل المدينة المنورة (1) .
وكثير مما سبق ذكره من الشواهد يتوقف ثبوته على صحة سند روايته لكن وجود من يجيد القراءة والكتابة في عصر المبعث النبوي يدل على وجود حركة علمية - وإن كانت محدودة - خرّجت مثل أولئك الكتبة.--------------------------------------------
(1) فتوح البلدان /457، 459.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
المبحث الثاني: الكتبة في العهد النبوي والسبل التي وجهت إليها كتابتهم
اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الذين كانوا يحسنون الكتابة كتبة يكتبون بين يديه، وقد اعتنى العلماء بجمع أسمائهم، واختلفوا في تعدادهم، وتحصل لي من خلال الكتب التي عدّدتهم أربعة وأربعون كاتباً (2) ،وجملة هؤلاء قد ينازع في ذكرهم، وقد يضاف إليهم آخرون وهذا يحتاج إلى تقصٍ واستقراء ودراسة أسانيد خبر كل واحد منهم.--------------------------------------------
(2) تاريخ خليفة /299، أنساب الأشراف 2/192، تاريخ ابن جرير 3/182، سنن البيهقي 10/126، تاريخ دمشق 4/324، الكامل في التاريخ 2/13، سيرة الدمياطي /67، عيون الأثر 2/383، زاد المعاد 1/117، البداية والنهاية 5/339، الإشارة /402، السيرة الحلبية 3/422، شرح المواهب اللدنية 4/533، وانظر: فتح الباري 9/22 والعجيب أنهم جميعاً رحمهم الله لم يذكروا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ضمن العدد المذكور، مع أن ما ورد في إثبات كتابته أصح بكثير ممن ينازع في ذكرهم ضمن الكتبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من هؤلاء الكتاب رضي الله عنهم فاستعماله لهم لا يخرج عن الوحيين الكتاب والسنّة.
فأما الأول فلا جدال في استعماله للكتبة في كتابة ما يوحى إليه من القرآن حيث كان يأمرهم بالكتابة عنه متى ما تنزل عليه الوحي، وهذا معلوم ضرورة لا يحتاج إلى شواهد وبيان.
وأما السنة وهي وحي من الله كما قال الله جل ذكره: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3، 4] فكل ما صدر منه عليه الصلاة والسلام من أقوال وأفعال وتقريرات وأحوال داخل في السنة وقد استعمل الكتابة في أمور كثيرة، مما يدل على مشروعية كتابة السنة وأنه قد كتب منها شيء كثير، وإن اتخذ البعض منها صور المراسلات والمعاهدات والوصايا أو بيان أحكام، فلا تخرج كلها عن السنة المطهرة، وقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكتبون حديثه بنظره وإقراره كما قال عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما "بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل أي المدينتين تفتح أولاً.... الحديث" (1) .--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد 2/167 عن يحيى بن إسحاق، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه رقم (1514) عن سعيد بن عفير، والطبراني في الكبير 13/68 عن سعيد بن أبي مريم، والحاكم 4/555 عن ابن وهب أربعتهم عن يحيى بن أيوب عن أبي قبيل المعافري عن عبد الله رضي الله عنهم. قال الحاكم: صحيح، وقال الذهبي في السير 3/87: حسن غريب، وهو كما قال يحيى بن أيوب هو الغافقي المصري مختلف فيه، وتكلم فيه من جهة حفظه، ويوجز ابن عدي حاله فيقول في الكامل 7/2673 ولا أرى في حديثه إذا روى عنه ثقة أو هو يروى عن ثقة حديثاً منكراً فأذكره، وهو عندي صدوق لا بأس به. وأما أبو قبيل فهو حيي ابن هانيء أطلق القول بتوثيقه أحمد وابن معين والعجلي وأبو زرعة وأحمد بن صالح، وروى الساجي منقطعاً عن يحيى بن معين أنه قال ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ، وتوثيق ابن معين الأول مقدم لصحة نسبته إليه ولموافقته الجماعة، وأما ابن حبان فمشهور بالشدة في الجرح كما هو معلوم من حاله رحمه الله، وانظر ترجمة أبي قبيل في تهذيب الكمال7/490، فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
واستقصاء ما كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يطول المقام بذكره وسأقتصر ههنا بإيراد بعض الشواهد التي تبين الوجوه التي استعملت فيها، وقيام الحجة بها من الصحيحين أو أحدهما:
أ- الرسائل الموجهة إلى ملوك الأرض في زمنه صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله جل وعلا ويبين فيها واجبهم تجاه أقوامهم، وأن لهم ثواب قومهم مع ثوابهم إن هم أطاعوه، وإثمهم إن هم عصوه، وتضمنت تقرير الوحدانية لله وحده، وبعثته صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة (1) .
ب- المعاهدات والصلح، وقد صالح النبي صلى الله عليه وسلم وعاهد جماعة ودونت هذه المعاهدات والصلح وكتبها له أصحابه، وهي متضمنة أحكاماً واضحة في كيفية المعاهدات والأحكام المترتبة عليها (2) .
ج- كتبه إلى عماله يبين لهم فيها ما يحتاجون إليه من أحكام شرعية وأمور تمس الحاجة إليها بتفصيل أحياناً وبإجمال في أحيان أخرى.
د- كتابة لمن لم يستطع أن يحفظ الحديث الذي سمعه منه، وكتابة العلم تكون معينة على حفظ العلم وعدم نسيانه.--------------------------------------------
(1) انظر كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هرقل في صحيح البخاري في بدء الوحي حديث رقم (7) وفي الجهاد باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوة رقم (2940) ، وفي التفسير باب قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء رقم (4553) ، وفي الاستئذان باب كيف يكتب الكتاب إلى أهل الكتاب رقم (6260) ، وفي التوحيد باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها رقم (6541) ، ومسلم في الجهاد وباب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل رقم (4607) من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن أبي سفيان رضي الله عنهم، وانظر طبقات ابن سعد 1/222، وزاد المعاد 1/119 فهناك نماذج كثيرة لهذا النوع.
(2) انظر صلح الحديبية في صحيح البخاري كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد والمصالحة رقم (2731) ، من حديث الزهري عن عروة عن مروان والمسور بن محزمة رضي الله عنهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)