· الحديث الثالث:
عن ابن عباس وابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – قالا: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوبا رأسه، فرقي درجات المنبر، فقال: "ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها، أكتابٌ مع كتاب الله؟!، يوشك أن يغضب الله لكتابه، فيسري عليه ليلاً، فلا يترك في ورقةٍ ولا قلبٍ منه حرفاً إلا ذهب به"، فقال من حضر المجلس: فكيف يا رسول الله بالمؤمنين والمؤمنات؟. قال: "من أراد الله به خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا الله".
· تخريج الحديث:
- هذا الحديث أخرجه الطبراني في "الأوسط" (1) عن محمد بن عبد الله ابن رسته، عن شيبان بن فروخ، عن عيسى بن ميمون، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، [و (2) ] عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر [قالا (3) ] : "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم …"فذكر الحديث.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن زيد إلا عيسى بن ميمون، تفرد به شيبان. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4) : رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عيسى بن ميمون الواسطي، وهو متروك، وقد وثقه حماد بن سلمة.--------------------------------------------
(1) 8: 254: ح 7510.
(2) في " الأوسط "سقطت الواو، وما أثبته من" مجمع البحرين في زوائد المعجمين1: 246: ح 277.
(3) في "الأوسط": "قال"، وما أثبته من "مجمع البحرين" 1: 246: ح 277.
(4) 1: 150.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
· الحكم على الحديث:
ضعيفٌ جداً بهذا الإسناد؛ لوجود عيسى بن ميمون فيه، وهو: عيسى ابن ميمون المدني، المعروف بالواسطي، مولى القاسم بن محمد. قال عنه غبر واحد: متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث (1) .--------------------------------------------
(1) انظر: الضعفاء الصغير للبخاري: 86، الضعفاء والمتروكين للنسائي: 77، تهذيب الكمال للمزي 23: 48، ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي: 243.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
· الحديث الرابع:
عن أبي موسى الأشعري –رضي الله تعالى عنه– قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ بني إسرائيل كتبوا كتاباً فاتبعوه، وتركوا التوراة".
· تخريج الحديث:
- هذا الحديث أخرجه الطبراني في "الأوسط" (1) عن محمد بن عثمان ابن أبي شيبة، عن جندل بن والق، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبيه قال: … فذكر الحديث.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا عبيد الله بن عمرو، تفرَّد به جندل بن والق.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2) : رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وهو ثقةٌ، وقد ضعفه غير واحد، وقال في موضع آخر (3) : رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.--------------------------------------------
(1) 6: 256: ح 5544.
(2) 1: 150.
(3) 1: 192.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
· الحكم على الحديث:
حسن بهذا الإسناد؛ لثقة رجاله إلا جندل بن والق فهو "صدوق، لا بأس به" كما قرر ذلك العجلي في "معرفة الثقات" (1) وأبوحاتم في "الجرح والتعديل" (2) ، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (3) ، وفي "التقريب" (4) : أنه "كان يصحف"، وأما تضعيف مسلم والبزار له فهو تضعيف مجمل في مقابل التعديل فلا يقبل، أو يحمل ذلك على ما وقع في حديثه من التصحيفات والأغلاط، والله تعالى أعلم؛ وأما محمد بن عثمان بن أبي شيبة، فهو الإمام الحافظ المسند، أبو جعفر العبسي الكوفي، سمع من أبيه وعميه أبي بكر والقاسم وغيرهم، وعنه الطبراني وخلقٌ. قال عنه الخطيب: كان كثير الحديث واسع الرواية له معرفة وفهم. أ. ?، ووثقه صالح جزرة، وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً فأذكره، وهو على ما وصف لي عبدان: لا بأس به،، وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" (5) ، وقال: كتب عنه أصحابنا. أ. هـ، إلا أنه قد كذبه عبد الله بن أحمد، ورماه ابن خراش بالوضع، والظاهر أن ذلك بسبب خلاف بينه وبين قرينه وبلديِّه مطيَّن، فكان مطين يحمل عليه، وقد مات سنة 297هـ (6) .--------------------------------------------
(1) 1: 272.
(2) 2: 535.
(3) 8: 167.
(4) 143.
(5) 9: 155.
(6) انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 3: 43، "الكامل" لابن عدي 6: 295، "تذكرة الحفاظ" 2: 661، "الميزان" 3: 642، "لسان الميزان" 6: 339، "التنكيل" للمعلمي: 694.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
المبحث الخامس: في ذكر آراء العلماء واجتهاداتهم في التوفيق بين أحاديث الإذن والنهي، وتحقيق المسألة في ذلك.
مدخل
…
المبحث الخامس: في ذكر آراء العلماء واجتهاداتهم في التوفيق بين أحاديث الإذن والنهي، وتحقيق المسألة في ذلك
بعد أن تقرر ثبوت الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم في كتابة الأحاديث وكثرتها بما لا يدع مجالاً للشك في ذلك، نجد بالمقابل أن هناك أحاديث أخرى تعارض هذه الأحاديث، فيها النهي الصريح عن الكتابة، وقد تقدّم سياقها في المبحث السابق من هذا البحث، وهي أربعة أحاديث، رواها خمسة من الصحابة: أبوسعيد الخدري وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر –مقرونان في حديثٍ واحد– وأبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولعل من أحسن هذه الأحاديث وأقواها سنداً حديث أبي سعيد الخدري، الذي خرَّجه مسلمٌ مرفوعا، بلفظ: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"، على أنه قد أعلّه البخاري وأبو داود -كما تقدم في تخريجه- وعلى كلٍ فإنَّ تخريج مسلمٍ يعدُّ تصحيحاً له، ويكسبه هيبة الصحيح، ويدلّ على ثبوته –أيضاً– ما يشهد له من الأحاديث الأخرى، التي تقدمت الإشارة إليها.
وقد اختلفت آراء العلماء في إزالة هذا التعارض، ومحاولة الجمع والتوفيق بين أحاديث النهي والإذن، بعد أن استقر الأمر وانتهى الخلاف، وانعقد الإجماع على جواز كتابة الحديث، بل وعلى استحسانها. قال الخطابي في "معالم السنن" (1) : … أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بالتبليغ، وقال: "ليبلغ الشاهد--------------------------------------------
(1) 5: 247.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
الغائب"، فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ، ولم يؤمن ذهاب العلم، وأن يسقط أكثر الحديث، فلا يُبلَّغ آخر القرون من الأمة، والنسيان من طبع أكثر البشر، والحفظ غير مأمون عليه الغلط، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجلٍ شكا إليه سوء الحفظ: "استعن بيمينك"، وقال: "اكتبوها لأبي شاه" خطبةً خطبها، وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتباً في الصدقات والمعاقل والديات أو كتبت عنه، فعملت بها الأمة، وتناقلها الرواة، ولم ينكرها أحدٌ من علماء السلف والخلف، فدل ذلك على جواز كتابة الحديث والعلم. ا. هـ. وقال ابن الصلاح في "علوم الحديث" (1) : اختلف الصدر الأول رضي الله عنهم في كتابة الحديث، فمنهم من كره كتابة الحديث والعلم وأَمروا بحفظه، ومنهم من أجاز ذلك، ثمّ إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدُرس في الأعصر المتأخرة. ا. هـ. وقال النووي في "شرح مسلم" (2) : "قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلافٌ كثيرٌ في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثمّ أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف ".ا.?. وقال المنذري في "مختصر السنن" (3) : … اختلف السلف في ذلك –يعني: في كتابة الحديث– فكرهه كثيرٌ منهم، وأجازه الأكثر، ومنهم من كان يكتب، فإذا حفظ محا، ثمّ وقع بعدُ الاتفاق على الجواز. ا. هـ، وقال الكرماني في "شرح--------------------------------------------
(1) 160.
(2) 18: 129.
(3) 5: 247.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
البخاري" (1) : …كان بين السلف الاختلاف في كتابة غير القرآن، ثمّ أجمع المسلمون على جوازها، بل على استحبابها. ا. هـ، وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" (2) : …وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها، ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلا أقل القليل. ا. هـ، وقال ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (3) : …وقد حكي إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث، وهذا أمرٌ مستفيضٌ شائعٌ ذائعٌ، من غير نكير" ا. هـ.
وهكذا، بعد أن عرفنا إجماعهم على جواز كتابة الحديث واستحسانها أذكر ملخص آرائهم وأقوالهم في إزالة التعارض بين أحاديث النهي والإذن، فأقول –وبالله التوفيق بعد تتبعي كلامهم في ذلك-: إنه قد اختلفت أقوالهم، وتعددت مذاهبهم في هذه المسألة، إلا أنه يمكن حصر ذلك في مذهبين وقولين رئيسين:--------------------------------------------
(1) 2: 124.
(2) 5: 246.
(3) 2: 379.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
· القول الأول: مذهب الجمع بين الأحاديث:
ولا شك أن هذا المذهب هو الأصل، وهو الأولى عند تعارض الأحاديث الصحيحة، ولا يصار إلى غيره مع إمكان القول به، بدون تكلف، إلا أنه قد اختلفت أقوالهم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث:
فقال قومٌ: إن النهي عامٌ، والإذن خاصٌ بعبد الله بن عمرو؛ لكونه قارئاً كاتباً متقناً، لا يخشى عليه من الالتباس فيما كتبه، وكان غيره من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
- الصحابة أميين، لا يكتب منهم إلا القليل، وإذا كتب لم يتقن، ولم يصب التهجي، فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له (1) ،
- وقال آخرون: إنما نهي عن كتابة الحديث؛ لئلا يضاهى بكتاب الله غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، فلما أمن ذلك، ودعت الحاجة إلى كتب العلم أذن في كتبه (2) ،
- وقال قومٌ: إن النهي في حق من يوثق بحفظه، ويخاف اتكاله على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن لا يوثق بحفظه ويخاف عليه من النسيان إذا لم يكتب (3) .
- وقال قومٌ: إن النهي كان في أول الإسلام؛ خشية من اختلاط القرآن بغيره، فلما علم القرآن واشتهر وتميز، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة (4) ، وأخصُّ من هذا القول:--------------------------------------------
(1) انظر: "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة 287.
(2) انظر: "تقييد العلم" للخطيب: 57، 93، "جامع بيان العلم" لابن عبد البر 1: 82، "النكت على مقدمة ابن الصلاح" للزركشي 3: 560.
(3) انظر: "صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان" 1: 265، "تقييد العلم": 58، "جامع بيان العلم" لابن عبد البر 1: 82، "علوم الحديث" لابن الصلاح: 161، "شرح مسلم" للنووي" 18: 130، "اختصار علوم الحديث" لابن كثير 2: 380، "النكت على مقدمة ابن الصلاح" للزركشي 3: 558، "شرح البخاري" للكرماني 2 124، "فتح الباري" لابن حجر 1: 308، "عمدة القاري" للعيني 2: 131.
(4) انظر: "تقييد العلم" للخطيب": 57، "علوم الحديث" لابن الصلاح: 161، "النكت على مقدمة ابن الصلاح" للزركشي: 3: 558، "تهذيب السنن" لابن القيم 5: 245، "شرح البخاري" للكرماني 2: 124، "فتح الباري" لابن حجر 1: 308، "عمدة القاري" 2: 131، "توضيح الأفكار" للصنعاني 2: 353.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
- قول من قال: إن النهي إنما هو عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفةٍ واحدةٍ؛ خشية اختلاطهما على غير العارف في أول الإسلام (1) ،
- وقال آخرون: إن النهي عن الكتابة مخصوصٌ بحياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النسخ يطرأ في كل وقت، فيختلط الناسخ بالمنسوخ (2) .
وبعد، فهذه جملةٌ من اجتهادات العلماء والأئمة للتوفيق بين الأحاديث المتعارضة في النهي والإذن في الكتابة، إلا إنها تفتقر إلى الدليل النصي على أحدها؛ لترجيحه على الآخر، ولذا فإن المحدث العلامة المحقق الشيخ أحمد شاكر – لما ساق بعضها – قال: وكلُّ هذه إجاباتٌ ليست قويةً (3) ، وعليه فالذي يظهر أن الأقرب للصواب هو القول الثاني الآتي، وهو:--------------------------------------------
(1) انظر: "معالم السنن للخطابي" للخطابي 4: 61، "جامع الأصول" لابن الأثير 8: 33، "شرح مسلم" للنووي" 18: 130، "مختصر أبي داود" للمنذري 5: 274، "تهذيب السنن" لابن القيم 5: 245، "شرح البخاري" للكرماني 2: 124، "فتح الباري" 1: 308، "اختصار علوم الحديث" لابن كثير 2: 380، "توضيح الأفكار" 2: 354.
(2) انظر: "النكت على مقدمة ابن الصلاح" 3: 559.
(3) انظر: "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث" 2: 380.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
· القول الثاني: مذهب النسخ:
والمراد به: أنّ أحاديث النهي الأربعة منسوخةٌ بأحاديث الإذن الثابتة الكثيرة، والتي تدل على القطع بوقوع الكتابة للأحاديث في عهده صلى الله عليه وسلم، ومما يدل على ذلك ويقويه تأخر أحاديث الإذن، ووقوع بعضها في أواخر حياته صلى الله عليه وسلم. قال ابن القيم في كتابه القيم "تهذيب السنن" (1) : قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) 5: 245.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر فيكون ناسخاً لحديث النهي:
- فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزاة الفتح: "اكتبوا لأبي شاه". يعني: خطبته التي سأل أبوشاه كتابتها.
- وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي؛ لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها الصادقة، ولو كان النهي عن الكتابة متأخراً لمحاها عبد الله؛ لأمر النبي بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها دل على أن الإذن في الكتابة متأخرٌ عن النهي عنها، وهذا واضحٌ، والحمد لله،
- وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته: "ائتوني باللوح والدواة والكتف لأكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً" …،
وإنما نهى النبي عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام؛ لئلا يختلط القرآن بغيره، فلما علم القرآن وتميز، وأفرد بالضبط والحفظ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة. أ. هـ كلامه رحمه الله. وهو كلامٌ نفيسٌ في بابه، وهذا القول هو الذي مال إليه كثيرٌ من الأئمة: كابن شاهين، كما في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (1) ، وابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث " (2) ، والخطابي في "معالم السنن " (3) ، والمنذري في "مختصر سنن أبي داود " (4) ، والنووي في "شرح مسلم" (5) ، وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (6) ، وتلميذه ابن القيم –كما--------------------------------------------
(1) 472.
(2) 286.
(3) 4: 61.
(4) 5: 247.
(5) 18: 130.
(6) 20: 322.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
تقدم – وابن حجر في "فتح الباري" (1) فإنه بعد أن ختم الأقوال في هذه المسألة بالنسخ قال: "… وهو أقربها مع أنه لا ينافيها". يعني أن القول بالنسخ لا ينافي الأقوال السابقة، التي قيلت في الجمع بين الأحاديث، بل ينسجم معها، فيستفاد منها معرفة علة النهي التي كانت في أول الأمر، ثم لما زالت أبيحت الكتابة، والله تعالى أعلم، وقد مال إلى هذا القول من المحدثين المعاصرين: الشيخ أحمد شاكر كما في "الباعث الحثيث" (2) ، والشيخ الألباني في "تعليقه على الباعث الحثيث" والشيخ الدكتور محمد أبوشهبة في كتابه "دفاع عن السنة" (3) ، ومما يزيد الأمر وضوحا وتأكيداً استقرار الأمر بين الأمة على الإجماع على جواز كتابة الأحاديث واستحباب ذلك، وهذا قرينةٌ قاطعة على أن آخر الأمرين عنه صلى الله عليه وسلم هو الإذن بكتابة الحديث. قال السخاوي "… وبالجملة، فالذي استقر الأمر عليه الإجماع على الاستحباب، بل قال شيخنا: إنه لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان، ممن يتعين عليه تبليغ العلم" (4) ، والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) 1: 308.
(2) 2: 380.
(3) 20.
(4) انظر: "فتح المغيث" للسخاوي 3: 38، و "فتح الباري" لابن حجر 1: 204.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
المبحث السادس: في الرد على بعض الشبه المثارة حول السنة من جهة كتابتها
من خلال ما تقدم من المباحث السابقة يتبين لنا تواتر وقوع الكتابة في عهده صلى الله عليه وسلم، وأنه قد كتب من حديثه صلى الله عليه وسلم في حياته شيءٌ كثير (1) ، حيث أذن لبعض الصحابة أن يكتبوا أحاديثه -بعد أن كان ينهي عن كتابتها في أول الإسلام؛ خشية اختلاطها بالقرآن– فأمر أن تكتب خطبته صلى الله عليه وسلم عام الفتح لأبي شاه، وكتب وبعث كثيراً من الكتب، وأراد أن يكتب قبيل وفاته كتاباً يكون مرجعاً للناس، لا يضلون بعده أبدا، وما إن توفي صلى الله عليه وسلم وجاور الرفيق الأعلى حتى كثر عدد من يكتب الحديث من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وكذلك التابعين من بعدهم كتبوا فأكثروا.
إلا إنه شاع في أوساط بعض المتفقهين والمثقفين مقولةٌ خطيرةٌ، سببها عدم فهم كلام أهل العلم على حقيقته، وقد تولى كبر هذه المقالة ونشرها والدعاية لها بعض المستشرقين (2) ، للكيد للإسلام والطعن في أعظم مصدرٍ من مصادره بعد القرآن، ألا وهي السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة--------------------------------------------
(1) انظر: ص 35.
(2) يقول شاخت، وهو أحد المستشرقين غير المنصفين: إن الأحاديث الفقهية من الصعوبة بمكان أن يُعَدَّ واحد منها صحيحاً، وهي قد وضعت للتداول بين الناس من النصف الأول من القرن الثاني وما بعده. انظر للمزيد من معرفة موقف المستشرقين من تدوين الحديث: كتاب "دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه" 1: 72،وكتاب "علوم الحديث ومصطلحه": 33، وكتاب "السنة قبل التدوين": 375.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
والتسليم، وملخص هذه المقالة يقول: "إن الأحاديث لم تكتب في عهده صلى الله عليه وسلم كما هو الشأن بالنسبة للقرآن، حيث لم يأمر صلى الله عليه وسلم بذلك، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى النهي والأمر بمحو ما كُتب منها، وأن الأمر استمر على ذلك في عصر الصحابة والتابعين، فظلَّت الأحاديث تنقل شفاهاً لمدة مائة عام أو أكثر، حتى جاء الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، فأمر بتدوينها، فكان أول من دوَّن الحديث ابن شهاب الزهري (ت 124هـ) ، وقد أدَّى عدم تقييد السنة هذه الفترة الطويلة إلى احتمال ضياع كثيرٍ منها، واحتمال حصول الخطأ والنسيان، أو التبديل والتغيير فيها، مما يورث عدم الاعتماد عليها والاحتجاج بها"،
والجواب عن هذه الشبهة في عدة نقاط:
* أولا: أن إنكار تقييد الحديث وكتابته في عهده صلى الله عليه وسلم لا يمكن، حيث إنه قد تعددت الأحاديث والروايات وكثرت، مما يبلغ بها درجة التواتر المفيد للعلم القطعي اليقيني في إثبات وقوع الكتابة للأحاديث في عهده صلى الله عليه وسلم، وقد كان ذلك آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم، بعد أن كان ينهى عن كتابتها في أول الإسلام خشية اختلاطها بالقرآن.
* ثانياً: أن الحكمة في أمره صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن دون الحديث؛ لأن المقصود بالحديث هو المعنى، ولا يتعلق في الغالب حكمٌ بالمبنى، بخلاف القرآن، فإن لألفاظه مدخلاً في الإعجاز، فلا يجوز إبدال لفظٍ منه بلفظٍ آخر، ولو كان مرادفاً، بل لا يجوز إبدال حرف منه بحرف آخر؛ لأن الله عز وجل قد تعبدنا بتلاوة لفظه في الصلاة وغيرها، علاوةً على أن ترتيب الآيات ووضع بعضها بجانب بعض أمرٌ توقيفي منه صلى الله عليه وسلم، وقد كان القرآن ينزل منجماً بحسب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
الوقائع؛ ولما لم تكن السنة بهذه المثابة: لا ترتيب بين الأحاديث بعضها مع بعض، وليست بمعجزة، ولم يتعبدنا الله تعالى بتلاوة لفظها، وأجاز لنا تغييره ما دامت المحافظة على المعنى متحققة، سواءٌ أكان ذلك بنفس اللفظ الصادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بغيره، لأجل ذلك كله لم يأمر صلى الله عليه وسلم بكتابة الحديث (1) .
* ثالثاً: أنه ما إن توفي النبي صلى الله عليه وسلم حتى كثر من يكتب الحديث من الصحابة والتابعين، حيث فهموا إذنه العام لكل من يرغب في ذلك ويقدر عليه، يدل عليه أنه قبيل وفاته أراد أن يكتب للمسلمين كتاباً لا يضلون بعده أبدا، فلم ير بذلك بأساً بعد أن أمن اختلاط السنة بالقرآن (2) .
* رابعاً: أن تدوين الحديث الذي دعا إليه عمر بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى– على رأس المائة الأولى، إنما كان المقصود به التدوين العام للأحاديث؛ ليكون هناك كتبٌ معتمدةٌ تُجمع وترتب فيها الأحاديث، ويتداولها عامة الناس، وليس هذا يعني أنّ الأحاديث لم تدوَّن من قبل، وهذا ما يرمي إليه الحافظ ابن حجر حين يقول: "إن آثار النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار من تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة … " (3) ، وبدعوته هذه ينتهي الخلاف الذي وُجد عند الصدر الأول في كتابة الحديث،--------------------------------------------
(1) انظر: كتاب "توجيه النظر إلى أصول الأثر" لطاهر الجزائري 1: 45، وكتاب "بيان الشبه التي أوردها بعض من ينكر حجية السنة والرد عليها" لعبد الغني عبد الخالق: 436.
(2) انظر: كتاب: "دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه" للدكتور الأعظمي 1: 92، وكتاب "بحوث في تاريخ السنة المشرفة" للدكتور أكرم العمري 294، 296، فقد ذكر الأول أمثلةً كثيرةً للصحابة وكبار التابعين ممن توفي قبل المائة أو قريباً منها، ولصغار التابعين ممن توفي بعد ذلك، ممن كتب الحديث أو كتب عنه، أو كان له صحيفةٌ أو كتاب.
(3) انظر: "هدي الساري مقدمة فتح الباري": 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
ويستقر الأمر على الإجماع على جواز كتابة الحديث، بل واستحبابه.
* خامساً: أن الكتابة ليست من لوازم الحجة، فالتدوين والحجة غير متلازمين، فإن تواتر القرآن لم يجئ بسبب كتابته، وإنما جاء بسبب حفظ وتلقي الجمع الكثير له، بعضهم من بعض، تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم في جميع الأعصار إلى يومنا هذا، حتى وصل إلينا القرآن غضا طرياًكما أنزل، لا تبديل فيه ولا تغيير، ولا تزيد ولا نقص، وهكذا الأحاديث فإن فيها المتواتر –وإن كان قليلاً– الذي يقطع بثبوته وحجيته كالقرآن –مع كونها لم تكتب– وعليه فإن المعول في حجية الأخبار والاعتماد عليها هو عدالة حامليها، وضبطهم وصيانتهم لما تحمَّلوه من التبديل والتغيير، سواءٌ أكان الضبط: ضبط صدرٍ أم ضبط كتاب، فإذا تحققت العدالة وانضم إليها الضبط بنوعيه كان ذلك الغاية والنهاية في المطلوب، أما إذا انتفت العدالة فإننا حينئذٍ لا نأمن من التبديل والتحريف في الأخبار ولو كانت مكتوبةً، فهؤلاء اليهود والنصارى كانوا يكتبون التوراة والإنجيل، ومع ذلك وقع التبديل والتغيير فيهما لما تجردوا من صفة العدالة. قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة:79] ، يضاف إلى ذلك أن الكتابة دون الحفظ؛ يدل عليه: أن علماء الأصول إذا تعارض عندهم روايةٌ مسموعةٌ وروايةٌ مكتوبةٌ رجحوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
رواية السماع؛ لبعد احتمال تطرق التصحيف والغلط عليها (1) ، وقد اختلف علماء الحديث في صحة الرواية بالمكاتبة -بعد اتفاقهم على صحة الرواية بالسماع- والصحيح جوازها، مما يدل على أنها أقل مرتبة من السماع (2) ، فتقرر تقديم الحفظ على الكتابة، ولاسيما عند العرب، تلك الأمة الأمية، التي يقلُّ فيها من يعرف الكتابة، ولذا كان جلُّ اعتمادهم في تواريخهم وأخبارهم على الحفظ، حتى قويت عندهم هذه الملكة، فكانوا مطبوعين عليها مخصوصين بها، يعِزُّ أن يقع منهم خطأٌ أو نسيانٌ لشيءٍ مما حفظوه، وإذا كان هذا حالهم في الجاهلية، ففي الإسلام أعظم (3) ، حيث اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقيَّضهم لحمل هذا الدين عنه، وتبليغه لمن بعدهم، فملأ قلوبهم بالإيمان والتقوى والخوف منه: أن يبلغوا شيئاً من أحكام هذا الدين على خلاف ما رأوا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو سمعوه منه، وقريبٌ منهم من اجتمع بهم وشاهد أحوالهم واقتفى آثارهم من التابعين لهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم أجمعين (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي 4: 215.
(2) انظر: "فتح الباري"1: 154.
(3) مما يذكر عن الصحابة والتابعين في قوة الحفظ: أنّ ابن عباس رضي الله عنه حفظ قصيدة عمر بن أبي ربيعة التي مطلعها: أمن آل نُعمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمهجِّر في سمعةٍ واحدة، وعدتها خمسة وسبعون بيتاً، ويقول الزهري: إني لأمر بالنقيع، فأسدُّ أذني مخافة أن يدخل فيها شيءٌ من الخنا، فوالله ما دخل أذني شيءٌ قط فنسيته، ويقول الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء قط، وما حدثني أحدٌ بحديثٍ، فأحببت أن يعيده علي. انظر: "جامع بيان العلم" 1: 83، "سنن الدارمي" 1: 102، "فتح المغيث" 3: 35.
(4) انظر: كتاب "دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين" للدكتو محمد أبو شهبة: 199، 200، وكتاب "بيان الشبه التي أوردها بعض من ينكر حجية السنة والرد عليها " للدكتور عبد الغني عبد الخالق: 413 –رحمهما الله تعالى– فقد أجادا وأفادا وأطال الثاني في الرد على هذه الشبهة من جهة أن عدم الكتابة للسنة يلزم منه عدم الحجية، وما كتبته في هذه الفقرة ملخصٌ في الغالب من كلامه رحمه الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
الخاتمة:
من خلال ما تقدم من مباحث في هذا الجزء اللطيف، الذي هو بعنوان: "كتابة الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين النهي والإذن"يمكن إيجاز أهم الفوائد والنتائج التي توصلتُ إليها فيما يلي:
1. أن الأحاديث الواردة في النهي عن كتابة الحديث النبوي لا تتجاوز أربعة أحاديث، أحسنها وأقواها سنداً حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه– مرفوعاً بلفظ "لاتكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"، وقد أعله البخاري وأبو داود بالوقف، إلا أن تخريج مسلمٍ له يعتبر تصحيحاً له، ويجعل له هيبة الصحيح.
2. أنَّ الأحاديث والروايات في الإذن في كتابة الحديث، والصحائف والكتب والمكاتبات في إثبات وقوع الكتابة للحديث النبوي في عهده صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ جداً، وبمجموعها يمكن القول: إن وقوع الكتابة في عهده يبلغ رتبة التواتر –يعني: المعنوي– المفيد للعلم اليقيني القطعي.
3. أنَّ ما كتب في عهده صلى الله عليه وسلم قد تناول قسماً كبيراً من حديثه، يبلغ في مجموعه ما يضاهي مصنفاً كبيراً من المصنَّفات الحديثية.
أن تدوين الحديث الذي دعا إليه عمر بن عبد العزيز – رحمه الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
تعالى – على رأس المائة الأولى إنما المقصود به التدوين الرسمي، الذي أخذ صفة العموم؛ لجمع شتات الأحاديث وما تفرق منها في صحف الناس ومحفوظاتهم في كتب معتمدة تُجمع وتُرتب فيها الأحاديث، ويتداولها عامة الناس، وليس المقصود به أن الأحاديث لم تُدَوَّن من قبل، وبدعوته انتهى الخلاف الذي كان في الصدر الأول من الصحابة والتابعين في كتابة الحديث، واستقر الأمر على الإجماع على الجواز.
5. أن أولى الأقوال في إزالة التعارض بين أحاديث النهي والإذن هو القول بالنسخ. يعني: أن أحاديث النهي منسوخةٌ بأحاديث الإذن الثابتة الكثيرة، ومما يدل على ذلك تأخر أحاديث الإذن ووقوع بعضها في أواخر حياته صلى الله عليه وسلم، وهذا هو قول جمهور أهل العلم.
6. أن مما يقوي القول بنسخ النهي عن كتابة الحديث استقرار الأمر بين الأمة على الإجماع على جواز كتابة الحديث، بل وعلى استحبابه، بل إنه كما قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (1) : إنه لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.--------------------------------------------
(1) 1: 204.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)