ثالثاً: (فوائد في الكلام على حديث الغَمَامَةِ وحديث الغَزالةِ والضَّبِّ وغيره)
1- اسم هذه الرسالة:
وردت هذه الرسالة بهذه التسمية في (فهرس مخطوطات المكتبة الظاهرية) 1 للشيخ الألباني، وأفاد أنها من محفوظات المكتبة الظاهرية، تحت رقم عام 5485 (ق100/1 - 117/2) .
وهذه التسمية: لعلَّ الشيخ الألباني أخَذَها من موضوع الرسالة؛ فإنها تبدأ بالكلام على أحاديث الغمامة، والغزالة، والضب، والناقة، وغيرها.
ووقفت على نسخة منها مصورة عن النسخة الظاهرية، ومحفوظة بمكتبة المخطوطات، بالجامعة الإسلامية، بالمدينة النبوية، ضمن مجموع برقم (1010) م 148. وجاء عنوانها في هذه المصورة: (فائدةُ على بعض الأحاديثِ الْمُشْتَهِرَة) .
ووقفت على صورة منها - أيضاً - في مكتبة فضيلة شيخنا العلامة حماد الأنصاري رحمه الله، وكُتِبَ عليها -ولعله خط الشيخ حماد-: (رسالة لابن القَيِّم في الموضوعات) .
ومن هذا العرض يتبين: أن هذه الرسالة لم يسمها مؤلفها، ولا أحد ممن ذكر مؤلفاته من مترجميه، وقد وَضَعَ لها بعض الواقفين عليها--------------------------------------------
(ص100) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
أسماء بحسب ما رأى كل واحدٍ منهم أنه يناسب موضوعها، ولعل أقرب الأسماء إلى موضوعها: تسميتها بأنها (رسالة في الموضوعات) لما سيأتي بيانه.
2- وصف الرسالة:
تقع الرسالة في حوالي تسع عشرة (19) ورقة ذات صفحتين. وقد كُتِبَتْ بخط نسخي واضح وجيد، وهي مصححة، ومقابلة كما يتضح من بعض التعليقات والتصحيحات في حواشيها.
ويبدو أنها جاءت ضمن مجموعة من الفوائد جمعها شخص في الأحاديث الموضوعة خاصة؛ فقد جاء فيها - في الورقة الأولى وبالخط نفسه -: "فائدة أخرى من غير مختصر الأباطيل". ثم قال بعد ذلك:
"فائدة أخرى من كلام الشيخ الإمام العالم، مفتي المسلمين، ناصر السنة المحمدية، أبي عبد الله، شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن أيوب، الزرعي الحنبلي تغمده الله برحمته آمين، قال: الحمد لله، أما حديث الغمامة…"1.
3- موضوع الرسالة:
الرسالة - كما يظهرُ من كلام ابن القَيِّم في أولها - عبارةٌ عن جواب عن جملة من الأحاديث، سُئِل عنها فأخذ في الكلام عليها، وبيان حالها. وأغلبها من الأحاديث المنكرة والموضوعة كما سيأتي.--------------------------------------------
(ق1/أ)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
- فقد بدأها بالكلام على حديث الغمامة التي أَظَلَّتْ النبي صلى الله عليه وسلم في سفره إلى الشام مع عمه أبي طالب وهو صغير.
- ثم حديث الغزالة التي كَلَّمَتْ النبي صلى الله عليه وسلم.
- ثم حديث الضَّبِّ الذي نطق بالوحدانية بين يديه صلى الله عليه وسلم.
- ثم حديث الناقة التي نَطَقَتْ عنده.
- وكذا حماره يعفور وتكليمه إياه، مع بيان نكارة بعض هذه الأحاديث وكذب بعضها الآخر.
ويُلاحظُ وحدة الموضوع الذي يجمع هذه الأحاديث الخمسة، وهو إثبات بعضِ المعجزات للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد أفاض ابن القَيِّم في الكلام عليها، فاستغرق ذلك قريباً من نصف الرسالة.
- ثم ذكر بعد ذلك جملةً من الأحاديث الموضوعة: كأحاديث حياة الخضر، وحديث عوج بن عنق، وأحاديث فضائل السور، وصلوات الأيام والليالي والأسبوع وغير ذلك، وهذه يقرب تناوله لها وكلامه عليها من كلامه في (المنار المنيف) .
- ثم انتقل إلى الكلام على جملة من الأحاديث المتعلقة بالمساجد، فذكر تحت ذلك عدة فصول، منها:
- فصل في تعاهد النعل عند دخول المسجد.
- فصل أنه لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.
- فصل في الامتناع عن حضور المسجد لأجل البرد.
- فصل في اتخاذ المسجد بيتاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
إلى آخر هذه الفصول المتعلقة بالمساجد، ثم عقد بعد ذلك فصلاً في الصلاة في السفينة.
وقد بَيَّن في كلِّ فصلٍ من هذه الفصول نكارةَ بعضِ الأحاديثِ الواردة فيها، وكَذِبِ بعضها، مع بيانِ ثبوتِ أصلٍ لأكثر هذه الأحاديث من جهات أخرى صحيحة.
ومن هذا الْعَرْضِ يتضح أنَّ موضوعَ الرسالة: هو الكلامُ على جملة من الأحاديث الضعيفة، والمنكرة، والموضوعة، وبيان حالها تفصيلاً.
4- نسبة هذه الرسالة لابن القَيِّم:
سبقت الإشارة إلى أن هذه الرسالة لم يَذْكُرْهَا أحدٌ من الذين ترجموا لابن القَيِّم، ولم أقف - كذلك - على أَيَّةِ إشارة من ابن القَيِّم إليها.
وقد تَوَقَّفَ الشيخ بكر أبو زيد في نسبة هذه الرسالة لابن القَيِّم، وكان سبب ذلك عنده:
- أن ابن القَيِّم كثير النقل فيها عن الذهبي، ووصفه مرةً بأنه شيخه، مع أن الذهبي - كما يرى الشيخ بكر - تلميذ لابن القَيِّم، ومن ثمَّ فإنَّ نَمَطَ الرسالة غريب على مسلك ابن القَيِّم في التأليف.
- وأنه لم ينكشف له من أسباب التوثيق ما يقضي بنسبتها لابن القَيِّم1.--------------------------------------------
1 ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص178 - 179) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
وأقول وبالله التوفيق:
أما القول بأن الذهبي تلميذ لابن القَيِّم: فقد تقدم الجواب عن ذلك وبيانه عند الكلام على شيوخ ابن القَيِّم، وأن الأدلة تثبت تلمذة ابن القَيِّم للذهبي1.
وأما أسباب التوثيق التي تؤكد نسبة هذه الرسالة لابن القَيِّم: فقد انكشف لي بعض ذلك، فمن هذه الأدلة:
أولاً: نقل ابن القَيِّم كثيراً في أثناء هذه الرسالة عن شيخه ابن تَيْمِيَّة رحمه الله، وبأسلوبه المعهود في ذلك، فمن ذلك:
قوله: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة…"2.
وقوله: "سمعت شيخنا أبا العباس بن تَيْمِيَّة …"3.
وقوله: "سمعت شيخنا ابن تَيْمِيَّة رحمه الله يقول…"4.
إلى غير ذلك من المواضع العديدة التي نَقَلَ فيها عن شيخه شيخ الإسلام5.
ثانياً: وجود تطابق كبير بين هذه الرسالة وبين سائر كتب ابن القَيِّم من حيث: أسلوبه في الكتابة والتعبير، ومنهجه في البحث والمناقشة للقضايا، وطريقة عرضها وتحليلها.--------------------------------------------
1 انظر ص: (155) .
2 رسالة الموضوعات: (ق9/أ) .
3 رسالة الموضوعات: (ق9/ب) .
4 رسالة الموضوعات: (ق12/ب) .
5 انظر من ذلك: (ق8/أ، 10/ب، 13/أ) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
يلمس ذلك كله من له خبرة ومعرفة بأسلوب ابن القَيِّم وطريقته في الكتابة والتأليف، وقد وافقني على ذلك بعض من طالَعَ الرسالة واستفاد منها.
ثالثاً: وجودُ تطابقٍ كامل بين كلامه على بعض القضايا التي تناولها في هذه الرسالة، وكلامه على القضايا نفسها في كتبه الأخرى، ومن أمثلة ذلك:
1- أنه تناول في هذه الرسالة قضية وقوع الغلط والوهم من الثقة أحياناً، وأن إخراج أصحاب الصحيح لهذا الثقة فيما لم يخطئ فيه، لا يجعل ما أخطأ فيه على شرطهما1.
وقد تناول القضية بعينها في كتابه (الفروسية) 2، فتطابق كلامُهُ في الكتابين إلى حدٍّ كبير.
2- أنه تناوَلَ - عند كلامه على حديث الغمامة - قضية ردِّ أبي طالب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لَمَّا نصحه بذلك بحيرى الراهب، وما جاء في الترمذي في هذه القصة: وأرسل معه أبو بكر بلالاً رضي الله عنه، وأنَّ ذلك من الغَلَطِ الظَّاهِرِ في هذه القصة3.
وقد تناول القضية بعينها ونَبِّهَ على هذا الغلط في كتابه (زاد المعاد) 4، وبالطريقة نفسها، بشيء من الاختصار.--------------------------------------------
1 رسالة الموضوعات: (ق4/أ) .
(ص45) .
3 رسالة الموضوعات: (ق2/أ) .
(1/76) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
رابعاً: يُلاحظُ - أيضاً - وجودُ تطابقٍ كبيرٍ بين مَصَادِرِ ابنِ القَيِّم في هذه الرسالة، وطريقة نقله منها، وتعامله معها، وبين مصادره في سائر كتبه، وليُنْظَرْ - على سبيل المثال - قوله في هذه الرسالة: "روينا في الغيلانيات"1، وقد استعمل الطريقة نفسها في النقل عن هذا الكتاب في (اجتماع الجيوش الإسلامية) 2 فقد وجدت فيه العبارة بحروفها.
خامساً: وجودُ تطابقٍ تَامٍّ بين كلام ابن القَيِّم وطريقة معالجته لجملة من الأحاديث الموضوعة في هذه الرسالة، وكلامه على الأحاديث نفسها في كتابه (المنار المنيف) ، فمن ذلك:
1- الكلام على الأحاديث الواردة في حياة الخضر، فقد تطابق كلامه في الكتابين في عدة نقاط، منها على سبيل المثال:
- قوله: "قال شيخ الإسلام: لو كان الخَضِرُ حياً لوجب عليه أن يَتَّبِعَ النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون معه، ويجاهد الكفار معه، ولا يتخلف عنه…"3.
- وقوله: "سُئِلَ محمد بن إسماعيل البخاري عن الخضر وإلياس، هل هما في الأحياء؟ فقال: وكيف يكون هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على ظهر الأرض أحد" "4.
2- الكلام على حديث عوج بن عنق الطويل، فقد تطابق كلامه في الكتابين في عدة نقاط، منها:--------------------------------------------
1 رسالة الموضوعات: (ق16/أ) .
(ص 210) .
3 رسالة الموضوعات: (ق9/أ) ، وقارن مع (المنار المنيف) : (ص68) .
4 رسالة الموضوعات: (ق8/ب) ، وقارن مع (المنار المنيف) : (ص67 - 68) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
- قوله: "وأظنه من وضع زنادقة اليهود الذين غَرَضُهم السخرية من أتباع الرسل"1.
- وقوله: "والعجب ممن يخفى عليه كذبُ هذا الحديث وبطلانه، كيف يرويه ويذكره في تفسيره أصدق الكلام، حتى قال الثعلبي … "2.
3- أحاديث فضائل السور، فقد تطابق كثير من كلامه عنها في الكتابين فمن ذلك:
- قوله: "والذي صحَّ في فضائل القرآن من السور: حديث فضل الفاتحة، وسورة البقرة، وآل عمران، وسورة الإخلاص، والمعوذتين"3.
وبالجملة، فالتشابه كبير بين الكتابين: في المادة، وفي الأسلوب وطريقة العرض، يتضح ذلك بأدنى مقارنة بينهما، الأمر الذي يؤكد - بدون شك - صحة نسبة هذه الرسالة لابن القَيِّم.
سادساً: ما جاء في مطلع الرسالة من التصريح بذكر ابن القَيِّم، ونسبة هذه الفوائد إليه، فإن ذلك إذا ضُمَّتْ إليه الأدلة السابقة: أكدت صدقه وثبوته.
تلك بعض الأدلة التي ظهرت لي، مما يُسْتأنس به في تأكيد صحة نسبة هذه الرسالة لابن القَيِّم رحمه الله.--------------------------------------------
1 رسالة الموضوعات: (ق9/ب) ، وقارن مع (المنار المنيف) : (ص 78) .
2 رسالة الموضوعات: (ق9/ب) ، وقارن مع (المنار المنيف) : (ص77) .
3 رسالة الموضوعات: (ق12/أ) ، وقارن مع (المنار المنيف) : (ص 113) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
5- منهجه في هذه الرسالة:
لا يكاد يختلف منهج ابن القَيِّم - كما سبق التنبيه - في هذه الرسالة، عن منهجه العام في كتبه الأخرى، وبخاصة الكتب ذات الطابع الحديثي، وكذا كتبه الأخرى التي تخللتها بعض المباحث الحديثية.
وقد تَمَيَّزَ منهجه في هذه الرسالة: بالتوسع في دراسة بعض الأحاديث، وتفصيل القول في بيان عللها، ومناقشتها، وذكر أقوال العلماء في ذلك كله، وبخاصة الأحاديث الخمسة التي وقعت في أول الرسالة.
6- قيمة هذه الرسالة:
تُعَدُّ هذه الرسالة دُرَّةً من دُرَرِ ابن القَيِّم النفيسة، فهي تحوي جملة من الأحكام الحديثية: بالضعف، والنكارة، والوضع، وفي بعض الأحيان: بالصحة، سواء ما كان من كلامه، أو من كلامٍ نَقَلَهُ عن غيره من علماء أعلام.
وتظهر فيها شخصية ابن القَيِّم المتميزة في تعليقات له قَيِّمَةٍ ومفيدةٍ في خلال أبحاثه، وكما هي عَادَتُهُ في سائر كتبه.
وبذلك تنضمُّ هذه الرسالة إلى قائمة مؤلفات ابن القَيِّم وبحوثه النافعة في خدمة الحديث النبوي وعلومه، وتَمْيِيز صحيحه من سقيمه، وسليمه من معلوله، وصدقه من مكذوبه1.--------------------------------------------
1 وقد طُبِعَت هذه الرسالة مؤخراً بعد تقديم أطروحتي هذه، وكتابتي هذه السطور، بتحقيق الأخوين الفاضلين: مشهور بن حسن آل سلمان، وإياد بن عبد اللطيف القيسي، في سنة 1416هـ، وصدرت عن دار ابن الجوزي، بالمملكة العربية السعودية، وهي طبعة جيدة معتنىً بها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
وبعدُ، فهذه أهم مؤلفات ابن القَيِّم الحديثية التي رأيت أن أُبْرِزَها وأتوسع في الكلام عليها وأنا أتحدث عن حياة ابن القَيِّم التأليفية، ومنهجه في ذلك، وما تَرَكَهُ من مؤلفات، وبالله التوفيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
الباب الثاني: آراء ابن القيم ومنهجه في الحديث وعلومه
الفصل الأول: آراء ابن القيم وإفاداته في مسائل مصطلح الحديث
المبحث الأول: أقسام الخبر
…
تمهيد
في ذكر إضاءات وقبسات من دُرَرِ كلام العلامة ابن القَيِّم رحمه الله، جعلتها توطئة وتقدمة بين يدي هذا الباب، وأجملها في النقاط التالية:
أ - بيان حفظ الله - سبحانه - لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
لقد بعث الله - عزوجل - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهُدَى ودين الحق، وأنزل عليه كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأمره بتبليغه إلى الناس كافة، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] .
وتَكَفَّلَ - سبحانه - بحفظ هذا الكتاب، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
وقد وَكَلَ إلي نبيه صلى الله عليه وسلم مهمة البيان للقرآن، فقال عز وجل: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] .
وقال سبحانه: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64] .
فَقَامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خير قيام: يُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ، ويُقَيِّدُ مطلقه، ويشرح ألفاظه، ويُوَضِّحُ أَحْكامه ومعانيه، فكان هذا البيان منه صلى الله عليه وسلم هو سُنَّتَه التي بين أيدينا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
ولما كان هذا البيان منه صلى الله عليه وسلم بياناً لكتاب الله، فإنه كان مؤيداً في ذلك من الله عزوجل، وكانت سُنَّتُه وحياً من عند الله سبحانه، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] .
وقال عزوجل آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50] .
وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيتُ الكِتَاَب ومثله معه" 1.
قال أبو محمد بن حزم رحمه الله: "والذِّكْرُ اسم واقعٌ على كل ما أَنزلَ الله على نَبِيِّهِ: من قرآنٍ، أو سُنَّةٍ وحيٍّ يبيِّنُ بها القرآن"2.
وفيما يلي نصوص فريدة عن العلامة ابن القَيِّم رحمه الله في هذا الموضوع:
تناول ابن القَيِّم رحمه الله هذا المعنى بالتوضيح والبيان، فقال مرة - بعد أن ذكر جملة من الآيات الدالة على أن السنة وحي من الله - قال: "فَعُلِمَ أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين كله وحي من عند الله، وكل وحي من عند الله فهو ذكر أنزله الله.--------------------------------------------
1 أخرجه أحمد في المسند (4/131) ، وأبو داود (5/10) ح 4604 ك السنة، باب في لزوم السنة، وابن حبان في صحيحه - الإحسان (1/107) ح 12. قال الشيخ الألباني: "صحيح". (صحيح الجامع ح 2643) .
2 الإحكام في أصول الأحكام: (1/36) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
وقد قال الله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113] ، فالكتاب: القرآن، والحكمة: السنة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإني أُوتِيتُ الكتاب ومثله معه"، فأخبَر أنه أُوتي السُّنَّة كما أُوتي الكتاب"1.
وقال رحمه الله في موضع آخر: "إن كلَّ ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما أنزل الله وهو ذكرٌ من الله أنزله على رسوله"2.
فإذا تبين أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذكر الذي أنزله الله عليه، فإنها بذلك تكون داخلة في الوعد الذي قطعه - سبحانه - على نفسه بحفظ هذا الذكر حين قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فتكون السنة محفوظة - بحفظ الله عزوجل لها - من طعنِ الطاعنين، وعبث العابثين، وكذب الكاذبين.
* وقد عبَّر ابن القَيِّم رحمه الله عن هذا الحفظ الإلهي للسنة النبوية، فقال: "وقد تكفل الله سبحانه بحفظه - يعني الذكر - فلو جاز على حُكْمِهِ - يعني النبي صلى الله عليه وسلم الكذبُ والغلطُ والسّهوُ من الرواة، ولم يقم--------------------------------------------
1 مختصر الصواعق المرسلة: (2/371 - 372) . طبعة / دار الفكر.
2 المصدر السابق: (2/481) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
دليلٌ على غَلَطِهِ وسهوِ نَاقِلِه، لَسَقَطَ حُكْمُ ضَمَانِ الله وكفالَتِهِ لحفظه، وهذا من أعظم الباطل … "1.
وقال رحمه الله: "والله تعالى قد ضَمِنَ حفظ ما أوحاه إليه وأنزل عليه، ليقيم به حُجَّتَهُ على العباد إلى آخر الدهر … فلو جاز على هذه الأخبار أن تكون كذباً، لم تكن من عند الله، ولا كانت مما أنزل الله على رسوله وآتاه إياه، تفسيراً لكتابه وتبييناً له.
وكيف تقوم حجته على خلقه بما يجوز أن يكون كذباً في نفس الآمر؟ فإن السنة تجري مجرى تفسير الكتاب وبيان المراد، فهي التي تُعَرِّفُنا مراد الله من كتابه، فلو جاز أن تكون كذباً وغلطاً، لبطلت حجة الله على العباد … "2.
وهذا ظاهر في أن الله - عزوجل - قد تكفل بحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ إذ هي بيان لكتابه الكريم، ولو لم يكن هذا الْمُبَيِّن محفوظاً، بحيث لم يُدْرَ صَحِيحهُ من خطئه، ولا صِدْقُهُ من كذبه، لعدم الانتفاع به والاعتماد عليه في معرفة مراد الله من كتابه، وهذا من أبطل الباطل، بل هو محال.
وإن من مظاهر هذا الحفظ لسنته صلى الله عليه وسلم: ما قام به علماء الإسلام وجهابذته من جهد ظاهر، وعمل دؤوب مُضْنٍ، في سبيل جمع هذه السنة وتدوينها، ووضع القواعد التي تضبط روايتها، وتحدد قبولها من ردها، وتمحص أحوال نقلتها ورواتها.--------------------------------------------
1 مختصر الصواعق المرسلة: (2/481) .
2 مختصر الصواعق المرسلة: (2/372) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
ولأجل ذلك، لَمَّا سُئل عبد الله بن المبارك رحمه الله عن هذه الأحاديث المصنوعة الموضوعة؟ أجاب قائلاً: "يعيش لها الجهابذة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} "1.
فعدَّ رحمه الله جهود هؤلاء الجهابذة في تنقيتها وتمحيصها، من تمام حفظ الله عز وجل لدينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقد نوَّه ابن القَيِّم رحمه الله بجهد هذه الطائفة المنصورة المؤيدة، واعتبر ذلك من تمام حفظ الله لهذا الدين، فقال: "والله - عزوجل - يؤيد من ينافح عن رسوله صلى الله عليه وسلم تأييداً خاصاً، ويفتح له في معرفة نقد الحق من الباطل فتحاً مبيناً، وذلك من تمام حفظه لدينه، فإنه لا يزال من عباده طائفة قائمة بنصرته إلى أن يأتي أمر الله"2.
فَتَخَلَّصَ من ذلك: تأكيد ابن القيم رحمه الله أن هذه السنة النبوية المطهرة لما كانت من وحي الله - عزوجل - الْمُنَزَّلِ، فإنه - سبحانه - قد ضَمِنَ حفظها وصيانتها، وتأييد من يقوم بنصرتها.
ب - بيان وجوب اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمها:
لما كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنزلة التي قدمنا، وعلى الأهمية التي وصفنا، فقد وجب على كل من أراد معرفة الله - عزوجل ---------------------------------------------
1 الجرح والتعديل: (1/18) ، وتدريب الراوي: (1/282) .
2 رسالة الموضوعات: (ق43/ب) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وعبادته على بصيرة أن يتخذ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم طريقاً إلى تحقيق ذلك، وأن يعبده سبحانه على وفق ما جاء به صلى الله عليه وسلم عن ربه.
ولقد حَذَّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ تَرْكِ سنته والإعراض عنها، بدعوى أنه لا نظير لها في القرآن، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا أُلْفِيَنَّ أحدكم مُتَّكِئَاً على أَرِيكَتِهِ، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرتُ به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" 1.
ومن كان على هذه الشاكلة - والعياذ بالله - فهو على خطر عظيم، وشرٍّ جسيم، إذ يُفَرِّق بين كتاب الله عزوجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مع أن الكلَّ من عنده سبحانه.
هذا، مع مخالفة أمره - سبحانه - باتباع نبيه في كل ما جاء به، والأخذ عنه؛ إذ قال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
وقد وقفت على كلمات رائعة لابن القَيِّم رحمه الله في هذا الخصوص، فمنها:
قال رحمه الله في بيان خطر هؤلاء الذين يتركون السنن إذا لم يكن لها نظير في القرآن، وذلك عند رَدِّهِ على من نازع في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيتها -:--------------------------------------------
1 أخرجه: أبو داود في سننه: (5/12) ؛ 4605 ك السنة، باب في لزوم السنة، وابن ماجه في المقدمة: (1/6) ح13، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصححه الشيخ الألباني كما في (تخريج المشكاة) : (ح 162) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
"بل غايتها - يعني هذه السنة - أن تكون بياناً لحكم سَكَتَ عنه الكتابُ، ومثل هذا لا تُردُّ به السنن، وهذا الذي حَذَّرَ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه: أن تُتْرَك السنة إذا لم يكن لها نَظِيْرُ حُكْمِهَا في القرآنِ"1.
يشير رحمه الله بذلك إلى الحديث الماضي ذكره.
ويقول رحمه الله في مناسبة أخرى - مؤكداً وجوبَ التسليم لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو خالفه من خالفه، وذلك عند رَدِّهِ على من عارض حديث الصيام عن الميت -: "ولا سبيل إلى مقابلته - يعني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسمع والطاعة والإذعان والقبول، وليس لنا بعده الخيرة، بل الخيرة كلُّ الخيرة في التسليم له والقولِ به، ولو خالفه مَنْ بين المشرقِ والمغرب"2.
وقال رحمه الله في خطبة (تهذيب السنن) 3 محذراً من ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم لآراء الرجال: "فما ظَنُّ من اتَّخَذَ غير الرسول إمَامَه، ونَبَذَ سُنَّتَهُ وراء ظهرهِ وجعل خواطر الرجال وآراءها بين عينيه وأَمَامَهُ، فسيعلمُ يوم العرض: أي بضاعة أضاع، وعند الوزن: ماذا أحضر من الجواهر أو خُرْثِيِّ4 المتاع".--------------------------------------------
1 زاد المعاد (5/692) .
2 الروح: (ص183) .
(1/7) .
4 الخُرْثِي: أردأ المتاع والغنائم، وهي سَقَطُ البيت من المتاع. (لسان العرب: ص1124 مادة: خرث) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
ونبَّه ابن القَيِّم رحمه الله إلى ضرورة العمل بما صحَّ من حديثه صلى الله عليه وسلم، وإن كثر المخالفون، فقال - في الرد على من قدم عمل أهل المدينة على السنن الثابتة -: "وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حُجَّةً على بعض، وإنما الْحُجَّةُ اتباع السُّنَّةِ، ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خِلافِهَا، أو عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها، لَتُرِكَتْ السنن وصارت تبعاً لغيرها.
والسنة هي العيار على العمل، وليس العمل عياراً على السنة، ولم تُضْمن لنا العصمة - قط - في عمل مصر من الأمصار دون سائرها … فمن كانت السنة معه فَعَمَلُهُ هو العمل المعتبر حقاً، فكيف تترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم؟ "1.
وقال رحمه الله في مدح أهل السنة، وبيان صفتهم: "والسنة أجَلُّ في صدورهم من أن يقدموا عليها: رأيا فقهياً، أو بحثاً جدلياً، أو خيالاً صوفياً، أو تناقضاً كلامياً، أو قياساً فلسفياً، أو حكماً سياسياً".
ثم يقول: "فمن قَدَّم عليها شيئاً من ذلك: فبابُ الصواب عليه مسدود، وهو عن طريق الرشاد مصدودٌ"2.--------------------------------------------
1 إعلام الموقعين: (2/380 - 381) .
2 حادي الأرواح: (ص30) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
فهكذا يؤكد ابن القَيِّم رحمه الله ضرورة التمسك بالسنة، وتقديمها على ما سواها، والتحاكم إليها عند التنازع لا إلى آراء الرجال. ويُحَذِّرُ كل التحذير من الإعراض عنها بدعوى عدم وجود حكمها في القرآن.
جـ - بَيَانُ فَضِيْلَةِ الإسنادِ، وأَهَمِّيَتِه فِي نَقْل الأحكامِ الشَّرعِيَّة وتوثيقها.
لقد اختص الله - سبحانه - أمة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الخصِّيصة الفاضلة- وهي الإسناد - ومَيَّزَهَا بذلك على سائر الأمم.
روى الخطيب في (شرف أصحاب الحديث) 1 بسنده إلى محمد ابن حاتم بن المظفر، أنه قال: "إِنَّ اللهَ أَكْرَمَ هذه الأمة وشَرَّفَهَا وفَضَّلَهَا بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها - قديمهم وحديثهم - إسنادٌ، وإنما هي صحفٌ في أيديهم، وقد خَلَطُوا بكتبهم أَخْبَارَهُم … ".
وقال أبو علي الجياني: "خصَّ اللهُ هذه الأمةَ بثلاثةِ أشياء لم يُعطها مَنْ قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب"2.
وما هذه الفضيلة الغالية إلا من تمام نعمته - سبحانه - على هذه الأمة: حفظاً للرسالة الخاتمة، وصوناً لها عن عبث العابثين، لتقوم بها حجة الله على خلقه إلى قيام الساعة.--------------------------------------------
(ص40) .
2 قواعد التحديث: (ص201) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
إن الإسناد هو الطريق إلى تلقي الأحكام الشرعية عن سيد المرسلين، وقد أكد الأئمة رحمهم الله هذا المعنى، فكان مما نُقِلَ عنهم في ذلك:
ما رواه مسلم في مقدمة (صحيحه) 1، والترمذي في (العلل المفرد) 2، والخطيب في (شرف أصحاب الحديث) 3 بأسانيدهم إلى عبد الله بن المبارك رحمه الله، أنه قال: "الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لَقَالَ من شاء ما شاء".
وروى مسلم بإسناده إلى ابن المبارك - أيضاً - أنه قال: "بيننا وبين القوم القوائمُ"4. يعني الإسناد.
وروى الخطيب بسنده إلى سفيان بن عيينة رحمه الله، أنه قال: "الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟ "5.
وقال الزهري رحمه الله لإسحاق بن أبي فروة - وقد حَدَّثَ عنده بأحاديث لم يسندها -: "قَاتَلَكَ الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأكَ على الله، لا تُسْنِدُ حديثك؟ تُحَدِّثُنا بأحاديث ليس لها خُطُمٌ ولا أَزِمَّةٌ"6.
والأقوال في هذا المعنى كثيرة مشهورة.--------------------------------------------
(1/5) .
(5/740) من جامع الترمذي.
(ص41) .
4 مقدمة صحيح مسلم: (1/5) .
5 شرف أصحاب الحديث: (ص42) .
6 معرفة علوم الحديث: (ص6) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)