وقد نص على تفقه ابن القَيِّم بابن تَيْمِيَّة أكثر من ترجم له1.
وابن القَيِّم رحمه الله دائم الذكر لشيخه، كثير النقل عنه في كتبه، مع الإشادة به، وإظهار الحب والتقدير له2.
16- المجد الحرَّاني: إسماعيل بن محمد بن إسماعيل، مجد الدين، أبو محمود، الحرَّاني، الفراء، الحنبلي.
مولده بحران: سنة (645هـ) ، ثم انتقل إلى دمشق سنة 670 أو 671هـ. سمع الحديث بدمشق من الجمال ابن الصيرفي وغيره، فسمع (الكتب الستة) و (المسند) . وتفقه حتى برع في المذهب، وتَخَرَّج به عدة فقهاء وأئمة، ولم يُصَنِّف شيئاً.
وكان متواضعاً، كثير الصمت عما لا يعنيه، لا يغتاب بشراً، ولا يؤذي أحداً، ومن أكفِّ الناس عن الفتيا، فيه خير ورقَّةٌ.
توفي رحمه الله في جمادى الأولى سنة (729هـ) 3.--------------------------------------------
1 الوافي بالوفيات: (2/271) ، وذيل العبر: (ص155) ، والدرر الكامنة: (4/21) ، وبغية الوعاة: (1/62) .
2 تنظر أمثلة لنقل ابن القَيِّم عن شيخه ابن تَيْمِيَّة في: زاد المعاد: (1/434، 440، 456) ، وحادي الأرواح: (ص98) ، وجلاء الأفهام: (ص18) ، وتهذيب السنن: (1/62) ، وإعلام الموقعين: (2/344) ، ومواضع النقل كثيرة جداً يصعب حصرها.
3 له ترجمة في: معجم الشيوخ للذهبي: (1/79) ، وذيل العبر له: (ص86) ، والبداية والنهاية: (14/152) ، والدرر الكامنة: (1/403) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
وقد نص على تفقه ابن القَيِّم به: الصَّفَدِي1، وابن حجر2. ونص الصَّفَدِي على أنه قرأ عليه: (مختصر أبي القاسم الخرقي) ، و (المقنع) لابن قدامة، وكلاهما في الفقه الحنبلي.
17- شرف الدين بن تيمية: عبد الله بن عبد الحليم … بن تيمية، شرف الدين، أبو محمد، الحراني، الحنبلي، أخو شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة.
مولده: سنة (666هـ) .
كان عارفاً بجمل نافعة من الحديث ورجاله، سمع (المسند) ، (والكتب الستة) وغيرهما، وكان عارفاً بالسيرة وأيام الناس، مُحْكِماً للفقه والعربية.
وكان كثير المحاسن، كبير القدر، مقتصداً في مأكله وملبسه. وكان أخوه يكرمه ويعظمه.
توفي رحمه الله في جمادى الأولى سنة (727هـ) 3.
وقد نص على تفقه ابن القَيِّم به: الصَّفَدِي4، ونص ابن القَيِّم على أنه شيخه5.
وممن أخذ الفقه عنهم أيضاً:
- محمد بن أبي الفتح البعلبكي المتقدم ذكره.--------------------------------------------
1 الوافي بالوفيات: (2/271) .
2 الدرر الكامنة: (4/21) .
3 له ترجمة في: معجم الشيوخ للذهبي: (1/323) ، وذيل العبر له: (ص81) ، والدرر الكامنة: (2/371) ، والشذرات: (6/76) .
4 الوافي بالوفيات: (2/271) .
5 الصواعق المرسلة: (1/320) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
رابعاً: شيوخه في الفرائض:
أما شيوخه في الفرائض فهم:
18- والده: أبو بكر بن أيوب، قَيِّم الجوزية. وقد تقدم أنه كان له في الفرائض اليد الطولى1، ولذلك فقد أخذها عنه ابن القَيِّم أولاً، نص على ذلك: الصَّفَدِي2، وابن حجر3، والشوكاني4.
ثم أخذها على:
- إسماعيل بن محمد الحراني الماضي ذكره5.
ثم على:
- شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة6.
خامساً: شيوخه في أصول الفقه.
وقد أخذ أصول الفقه عن جماعة من العلماء، منهم:
19- صفي الدين الهندي: محمد بن عبد الرحيم بن محمد، أبو عبد الله، الأرموي، الشافعي، العَلَاّمة، الأصولي.
مولده: سنة (644هـ) بالهند.--------------------------------------------
1 انظر ترجمته فيما تقدم: (ص 90) .
2 الوافي بالوفيات: (2/271) .
3 الدرر الكامنة: (4/21) .
4 البدر الطالع: (2/143) .
5 انظر: الوافي بالوفيات: (2/271) .
6 انظر: الوافي بالوفيات: (2/271) ، وبغية الوعاة: (1/62) ، وطبقات المفسرين (2/91) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
خرج من دِهْلي سنة 667هـ فحجَّ وجاور بمكة أشهراً، ثم دخل اليمن، ثم مصر، ثم سافر إلى الروم، ثم قدم دمشق سنة 685هـ، فاستوطنها، واشتغل بالتدريس، وصنف في الأصول وعلم الكلام.
وكان ذا برٍّ وصلة، وله حظ من صلاة وتعبد.
توفي رحمه الله في صفر سنة (715هـ) وقد استوفى سبعين سنة وأشهراً1.
وقد ذكر أخذَ ابن القَيِّم الأصول عنه: الصَّفَدِي2، وابن حجر3، والسيوطي4.
وأخذ الأصول - أيضاً - عن:
- شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، فَقَرَأ عليه قطعةً من (المحصول) 5، وقطعة من (الإحكام في أصول الأحكام) 6، كما ذكر ذلك الصَّفَدِي7.
وأخذ الأصول - أيضاً - عن:
- إسماعيل بن محمد الحراني المتقدم ذكره، فقرأ عليه أكثر--------------------------------------------
1 له ترجمة في: معجم الشيوخ - للذهبي: (2/216) ، والبداية والنهاية: (14/77) ، والدرر الكامنة: (4/132) .
2 الوافي بالوفيات: (2/271) .
3 الدرر الكامنة: (4/21) .
4 بغية الوعاة: (2/62) .
5 للفخر الرازي (ت678هـ) وهو مطبوع.
6 لسيف الدين الآمدي (ت631هـ) وهو مطبوع.
7 الوافي بالوفيات: (2/271) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
سادساً: شيوخه في التوحيد وأصول الدين:
قرأ في التوحيد على:
- شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، قرأ عليه قطعة من (الأربعين) 3 وقطعة من (المحصل) 4. كما أفاد ذلك: الصَّفَدِي5.
وقرأ أصول الدين - أيضاً - على:
- الشيخ صفي الدين الأرموي المتقدم، قرأ عليه أكثر الكتابين - الأربعين والمحصل - كما أفاده الصَّفَدِي6.
سابعاً: شيوخ آخرون:
من هؤلاء الشيوخ:
20- ابن سَيِّد الناس: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله ابن محمد بن يحيى … أبو الفتح، فتح الدين، ابن سيد الناس، الأندلسي الأصل، المصري، الإمام، الحافظ.--------------------------------------------
1 وهي: (روضة الناظر وجنة المناظر) لموفق الدين ابن قدامة المقدسي (ت620هـ) . طبع مراراً.
2 الوافي بالوفيات: (2/271) .
3 لعل المقصود به: (الأربعين في أصول الدين) للرازي. (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: ص (101) .
4 لعل المراد به: (محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الحكماء والمتكلمين) للرازي أيضاً. (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: ص (101) .
5 الوافي بالوفيات: (2/271) .
6 المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
مولده: في سنة (671هـ) بالقاهرة.
سمع الكثير، وأخذ علم الحديث عن: والده، وابن جماعة، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، وبرع في علوم شتى، وفاق أقرانه، ولم يكن بمصر في مجموعه1 مثله: في حفظ الأسانيد، والمتون، والعلل، وغير ذلك.
توفي فجأة في شعبان سنة (734هـ) 2.
ولم يذكره أحدٌ من مترجمي ابن القَيِّم ضمن شيوخه، لكن حَدَّث عنه ابن القَيِّم مرة، فقال - عند الكلام على سَرِيَّة الخبط -: "وكانت في رجب سنة ثمان، فيما أنبأنا به الحافظ أبو الفتح محمد بن سيد الناس في كتاب (عيون الأثر) 3 له …"4.
وقد كان دخول ابن سيد الناس إلى دمشق سنة (690هـ) كما قال ابن كثير5، ولم يكن ابن القَيِّم قد ولد بعد، والظاهر أنه لم يمكث في دمشق كثيراً. فلعل ابن القَيِّم يحدِّث بهذا الكتاب إجازة، أو يكون قد قرأه عليه في إحدى سفراته إلى القاهرة؟ فالله أعلم.
ومن هؤلاء الشيوخ - أيضاً - ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد:--------------------------------------------
1 يعني: فيما جمعه من علم.
2 له ترجمة في: التذكرة ضمن شيوخه: (4/1503) ، والبداية والنهاية: (14/178) ، وطبقات الشافعية - ابن قاضي شهبة: (2/390) .
3 هو كتاب: "عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير" مطبوع.
4 زاد المعاد: (3/389) .
5 البداية والنهاية: (14/178) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
21- ابن الزَّمْلَكَاني1: كمال الدين بن علي بن عبد الواحد، الأنصاري، الشافعي، شيخ الشافعية بالشام وغيرها.
مولده: سنة (666هـ) .
طلب الحديث وقتاً، وقرأ بنفسه، وهو أحد المتقدمين في الفتوى والتدريس.
توفي رحمه الله سنة (727هـ) 2.
ومنهم أيضاً:
22- ابن مفلح3: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، المقدسي، ثم الصالحي، الحنبلي، شمس الدين، أبوعبد الله، أحد الأئمة.
سمع من عيسى المطعم وغيره، وتَفَقَّه، وبرع، ودَرَّس، وأفتى، وناظر، وحدَّث، وأفاد.
وقال ابن القَيِّم لقاضي القضاة موفق الدين الحجاوي سنة 731هـ: "ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح". وكان أخبر الناس بمسائل ابن تَيْمِيَّة، حتى أن ابن القَيِّم كان يراجعه في مسائله4.--------------------------------------------
1 ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص106) .
2 له ترجمة في: البداية والنهاية: (14/136) ، والدرر الكامنة: (4/192) ، وحسن المحاضرة: (1/320) .
3 ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص107) .
4 شذرات الذهب: (6/199) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
توفي رحمه الله سنة (763هـ) 1.
ولم أر النص على تلمذة ابن القَيِّم له وأخذه عنه، فهل بنى الشيخ بكر - حفظه الله - ذلك على مراجعة ابن القَيِّم له في اختيارات شيخ الإسلام؟ وإذا كان هذا هو مستنده، فهل يكون ذلك كافياً للحكم بتلمذته له؟
23- فاطمة بنت إبراهيم بن محمود بن جوهر، البطائحي، البعلبكي، أم محمد.
مولدها: سنة (625هـ) .
وكانت امرأة صالحة، عابدة، محدِّثَة، مسندة، سمعت (صحيح البخاري) من ابن الزبيدي، وروته عنه مرات، وسمعت (صحيح مسلم) على أبي الثناء ابن الحصيري شيخ الحنفية، وهي آخر من روى عنه وفاة. وطال عمرها، وروت الكثير.
توفيت - رحمهما الله - في صفر سنة (711هـ) عن ست وثمانين سنة2.
وقد ذكر جماعة سماع ابن القَيِّم منها3، وبعضهم يسميها: "بنت البطائحي"، وهي المقصودة.--------------------------------------------
1 له ترجمة في: الدرر الكامنة: (5/30) ، والشذرات: (6/199) .
2 لها ترجمة في: معجم الشيوخ - الذهبي: (2/103) ، وذكرها في آخر التذكرة: (4/1495) في الوفيات، والدرر الكامنة: (3/301) ، والشذرات (6/28) .
3 انظر: المعجم المختص: (ص269) ، وذيل طبقات الحنابلة: (2/447) ، وطبقات المفسرين: (2/91) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
وبعد، فهذا ما أمكن الوقوف عليه من شيوخ ابن القَيِّم رحمه الله، الذين تتلمذ على أيديهم، واخذ العلم عنهم، وتَخَرَّج بهم.
ويمكن لنا عند النظر في هؤلاء الشيوخ أن نسجل بعض الملاحظات:
1- أن غالب هؤلاء الشيوخ - إن لم يكونوا جميعاً - أئمة جهابذة حفاظ، وعلماء أعلام، كانوا مقدمين في وقتهم في تلك الفنون التي تلقاها ابن القَيِّم رحمه الله عن كل واحد منهم.
2- أن هؤلاء الأئمة - شيوخ ابن القَيِّم - كانوا - أيضاً - على درجة كبيرة من: الزهد، والورع، والتواضع، وحسن الخلق، والاجتهاد في العبادة، إلى غير ذلك من الأخلاق الفاضلة والخلال الحميدة، كما مضى.
3- أن كل هؤلاء الشيوخ من أهل دمشق: مولداً ونشأة، أو انتقالاً واستيطاناً، وحتى من لم يستوطنها منهم، فقد جلس فيها فترة. وهذا يؤكد - كما سيأتي ذكره -: أن ابن القَيِّم رحمه الله لم يرحل خارج بلده كثيراً لطلب العلم، وإنما حصَّل علومه كلها - أو أكثرها - على شيوخ بلده (دمشق) ، وما ذلك إلا لأهميتها العلمية آنذاك، وتوافد أهل العلم إليها على ما سبق بيانه.
فإذا أخذنا هذه الأمور كلها بعين الاعتبار، أمكن لنا أن نتصور إلى أي مدى كان تأثير هؤلاء الشيوخ في علم ابن القَيِّم، وأخلاقه، وتكوين شخصيته تأثيراً إيجابياً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
المبحث الثالث: اهتمامه باقتتناء الكتب، وذكر مكتبته
…
المبحث الثالث: اهتمامه باقتناء الكتب، وذكر مكتبته
إن من الأمور المهمة في حياة العالم، وطالب العلم: اقتناء أكبر قدرٍ ممكن من الكتب في سائر الفنون وشتى العلوم.
فلا شك أن وجود مكتبة متكاملة بين يدي طالب العلم يتيح له فرصةً أكبر للقراءة والاطلاع، ومن ثَمَّ يكون ذلك من أكبر العون له على الترقي في المعرفة والتقدم في التحصيل.
كما أن نوع المراجع التي تشتمل عليها هذه المكتبة، له أثر مهمٌ في تكوين الشخصية العلمية لصاحبها.
قال العلامة بدر الدين بن جماعة - عند ذكر آداب طالب العلم مع الكتب -:
"الأول: ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنه، شراءً وإلا فإجارَةً أو عاريةً؛ لأنها آلة التحصيل"1.
ولكن ينبغي أن يُعلم أن مجرد جمع الكتب وتحصيلها ليس كافياً في حصول الرِّفْعَةِ والتقدم في العلم، بل لا بد أن يَضُمَّ إلى ذلك: الْجِدَّ والاجتهاد في الطلب، وكثرة المطالعة لها، وبذل الجهد والوقت في نظرها.--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم: (ص164) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
قال الشيخ ابن جماعة:"ولا يجعل تحصيلها وكثرتها حظَّهُ من العلم، وجمعها نصيبه من الفهم، كما يفعله كثير من الْمُنْتَحِلِين للفقه والحديث، وقد أحسن القائل:
إذَا لَمْ تَكُنْ حَافِظَاً وَاعِيَاً … فَجَمْعُكَ لِلكُتبِ لا يَنْفَعُ"1
وقد تحدَّثت مصادر ترجمة العلامة ابن القَيِّم عن اشتهاره بحب الكتب، وغرامه بجمع الكثير منها، حتى حصل له من ذلك ما لم يحصل لغيره.
ومن أقوال أصحابه ومترجميه في وصف ذلك:
قال ابن كثير رحمه الله: "واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عُشْرِهِ، من كتب السلف والخلف"2.
وقال ابن رجب الحنبلي: "وكان شديد المحبة للعلم … واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره"3.
وقال الحافظ ابن حجر: "وكان مُغْرىً بجمع الكتب، فَحَصَّل منها ما لا يُحْصَر … "4.
فهكذا كان ابن القيم مغرماً بجمع الكتب، حريصاً على اقتنائها، ولم يكن حظه منها مجرد جمعها، بل جمع إلى ذلك: جِدًّا واجتهاداً في--------------------------------------------
1 تذكرة السامع والمتكلم: (ص 164) .
2 البداية والنهاية: (14/264) .
3 ذيل طبقات الحنابلة: (2/449) .
4 الدرر الكامنة: (4/22) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
درسها ونظرها، وإنفاقاً لليله ونهاره في مطالعتها، مع ما آتاه الله - سبحانه - من قوة الذكاء، وسعة الحفظ، ونور البصيرة، ومع ما وصف به من شدة الحب للعلم كما تقدم، فانتفع لأجل ذلك كله بهذه الكتب.
وربما يكون ابن القَيِّم رحمه الله قد نَسَخَ جملةً من هذه الكتب بخطه، فقد قال ابن كثير رحمه الله: "وكتب بخطه الحسن شيئاً كثيراً"1. وقال ابن رجب: "وكتب بخطه ما لا يُوصَف كَثْرَةً"2.
وقد يكون المراد بذلك: ما كتبه تصنيفاً، ولكن لا يمتنع - أيضاً - كتابته شيئاً من ذلك على سبيل النسخ، وبخاصة في مرحلة الطلب.
وعلى كل حال، فإن الذي يهمنا هو أن ابن القَيِّم رحمه الله قد حصَّل من الكتب ما لم يحصله غيره، ويظهر ذلك واضحاً عند النظر في قائمة المصادر التي اعتمدها في مؤلفاته، فقد كانت تلك المصادر غزيرةً وفيرةً، وكانت - في الوقت نفسه - قيِّمة ونفيسة، مع تنوعها واختلاف فنونها3.
وليس أدل على ضَخَامَةِ المكتبة التي خَلَّفَهَا ابنُ القَيِّم رحمه الله-وكثرةِ كتبها، مما حكاه الحافظُ ابن حجر: من أن أولادَ ابن القَيِّم ظلُّوا "يبيعون منها بعد موته دهراً، سوى ما اصطفوه لأنفسهم"4.--------------------------------------------
1 البداية والنهاية: (14/246) .
2 ذيل طبقات الحنابلة: (2/449) .
3 انظر ما سيأتي من الكلام على مصادر ابن القَيِّم في كتبه ص: (267) .
4 الدرر الكامنة: (4/22) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
وقد نَفَعَ الله بهذه المكتبة العامرة بعد موت ابن القَيِّم رحمه الله؛ ذلك أنها آلت إلى أولاده من بعده - وقد كانوا أهل علم وفضل كما مضى - فاصطفوا لأنفسهم جملةً كبيرةً منها كما مرَّ، واقتنى كتباً نفيسةً منها: ابن أخيه عماد الدين إسماعيل بن عبد الرحمن1،"وكان لا يبخل بعاريتها" كما قال ابن حجي2.
فرحم الله ابنَ القَيِّم، وأجزل له المثوبة، فلقد خَلَّف لأولاده خير زاد، وأفضل ذخيرة ليوم الْمَعَادِ، مع عموم الانتفاعِ بهذه الكتب بالإعارة وغيرها.--------------------------------------------
1 ابن أبي بكر بن أيوب … المعروف "بابن قَيِّم الجوزية" كَعَمِّه، وكان رجلاً حسناً، وقد اقتنى أكثر مكتبة عَمِّه شمس الدين ابن القَيِّم. توفي في رجب سنة 799هـ.
له ترجمة في: ذيل ابن عبد الهادي على طبقات ابن رجب: (ص21) ، والدارس في تاريخ المدارس: (2/91) .
2 الدارس في تاريخ المدارس: (2/91) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
المبحث الرابع: أَسْفَارُهُ وَرِحْلاتُهُ
إن مما ينبغي على طالب العلم أن يرحل عن وطنه إلى البلاد الأخرى، طلباً للعلم، وبحثاً عن الاستزادة منه، ورغبة في التحصيل والسماع من علماء البلدان الأخرى لما لم يسمعه في بلده، وقد كان هذا هو دأب السَّلف من علماء هذه الأمة، كما هو مُدَوَّن في أخبارهم.
فالمقصود من الرحلة - كما قال الخطيب البغدادي رحمه الله أمران:
"أحدهما: تحصيلُ علوِّ الإسناد، وقدم السماع. والثاني: لقاء الحفَّاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة منهم".
قال رحمه الله: "فإذا كان الأمران موجودين في بلده، ومعدومين في غيره: فلا فائدة في الرحلة، أو موجودين في كل منهما: فَلْيُحَصِّل حديث بلده، ثم يرحل"1.
أمَّا الأمر الأول - وهو طلب علو الإسناد - فإنه كان مقصوداً أيام كان الاعتماد في الرواية على المشافهة والسَّمَاع، لِمَا للعلوِّ - في هذه الحالة - من فوائد جَمَّة، أما وقد دُوِّنَت الدواوين، وجُمِعت الأحاديث النبوية فيها، فإن الحاجة إلى طلب العلوِّ لم تعد مُلِحَّة، بل صار القصد من السماع والرواية في الأزمنة المتأخرة هو الْحِرْصُ على بقاء سلسلة الإسناد في الأمة.--------------------------------------------
1 تدريب الراوي: (2/142) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
ولذلك، فإن ابن القَيِّم رحمه الله لم يكن بحاجة إلى الرحلة طلباً لعلو الإسناد؛ إذ إنه قد عاش في عصر استقرار المدوَّنات الحديثية.
إذن فالرِّحلة في حق ابن القَيِّم لحصول الأمر الآخر، وهو: لقاء الأئمة والعلماء، والاجتماع بهم، ومذاكَرَتُهُم العلم، والاستفادة مما عندهم؛ فلا شك أن الرحلة لأجل تحقيق هذا الغرض مُهِمَّة، ولا يعدمُ صاحبها الفائدة، ولكن شريطةَ أن يفتقدَ ذلك في بلده؛ فإنْ وَجَدَ ذلك في بلده، اشتغل بالتحصيل على شيوخ بلده أولاً، كما سبق في كلام الخطيب رحمه الله.
فماذا عن ارتحال ابن القَيِّم رحمه الله في طلب العلم؟
لم تسجل لنا المصادر التي ترجمته شيئاً عن رحلته وخروجه من بلده في طلب العلم، ولكن وُجِدَ ما يدل على خروج ابن القَيِّم رحمه الله من بلده وبخاصة إلى مصر؛ فقد ذكر رحمه الله في كتابه (هداية الحيارى) 1 مناظرةً جرت له بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرِّيَاسَة. ومن ذلك أيضاً: ما أشار إليه الشيخ بكر أبو زيد2 من قول المقريزي: "وقدم القاهرة غير مرة"3.
ولكن لا سبيل إلى الجزم بأن ابن القَيِّم قد أَخَذَ عن أحدٍ من أهل العلم هناك في رحلاته تلك.--------------------------------------------
(ص 87) .
2 ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثار: (ص32) .
3 وانظر السلوك: (2/3/834) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
كما قد سُجِّلَتْ لابن القَيِّم رحلاتٌ وأسفارٌ داخلية، تَنَقَّلَ خلالها بين بعض مدن الشَّام، وبخاصة بيت المقدس، وقد تَقَدَّمَ كلام المقريزي فيما جرى لابن القَيِّم مع المقادسة في بيت المقدس1.
ومن ذلك أيضاً: قوله - عند الكلام على من يولد من الناس مختوناً -: "وحدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي الْمُحَدِّث ببيتِ المقدس: أنه ولد كذلك … "2.
وسافر أيضاً إلى بَعْلَبَك3؛ فقد قال مرة: "قال لي بعضُ أشياخنا في بعلبك"4.
كما أن ابن القَيِّم - إلى جانب تلك السفرات الماضي ذكرها - قد سَافَر للحجِّ مراراً، وجاور بمكة كما تقدَّم، وقد كان يقتنص فرصة وجودِهِ بالبيت الحرام، وفي رحاب الكعبة المشرفة، لإنجاز بعض الأعمال العلمية، كما سبقت الإشارة إلى تأليفه كتاب (مفتاح دار السعادة) في رحاب البيت الحرام.--------------------------------------------
1 انظر ص: (127) .
2 زاد المعاد: (1/81) .
3 بَعْلَبَكّ: "مدينة قديمة، فيها أبنية عجيبة، وآثار عظيمة، وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها في الدنيا، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، وقيل: اثنا عشر فرسخاً من جهة الساحل". (معجم البلدان: 1/453) .
قلت: وهي الآن داخلة في لبنان، وتمثل إحدى مدن سهل البقاع المشهور، وتبعد عن العاصمة "بيروت " حوالي ستين كيلو متراً تقريباً.
4 بدائع الفوائد: (1/40) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
ولا يمتنع أيضاً: أن يكون سمع شيئاً، أو التقى بعض الشيوخ والعلماء في تلك الحَجَّات العديدة، فقد كان موسم الحج ملتقى لكثير من أهل العلم، من مختلف الأقطار وشتى البقاع، وقد سَجَّلَت لنا كتبُ التراجم الكثير من أقوال أهل العلم في ذكر ما سَمِعُوه أو أَسْمَعُوه في موسم الحج.
تلك بعضُ رحلات ابن القَيِّم وتنقلاته الداخلية، ولا يمتنع أن يكونَ قد سمع أو قرأ شيئاً على بعض الشيوخ في هذه الرحلات، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار: أن من شُيوخه من هو بعلبكي، ومنهم من هو مقدسي، كما مضى.
وقد تكون له رحلاتٌ أخرى لم تصل أخبارها إلى علمنا، فالله أعلم.
على أن عدمَ ارتحال ابن القَيِّم كثيراً، وقلة خروجِهِ من دمشق لطلب العلم ولقاءِ المشايخ في بلاد أخرى. له ما يسوِّغه؛ فالذي يظهر أن ابن القَيِّم رحمه الله قد وَجَدَ بُغْيَتَه، وحصَّل حاجته على شيوخ بلده "دمشق"، بحيث لم يحتج - مع ذلك - إلى البحث عن المزيد من الشيوخ خارج بلده.
فقد تَقَدَّم كيف غَدْتْ الشَّام - وبخاصة دمشق - حاضرةً علميةً، تموج بألوان النشاط العلمي، والمؤسسات التعليمية، مع وجود نُخْبَة من أَجِلَّةِ أهل العلم وجهابذته فيها آنذاك، الذين لا زالت آثارهم باقية تشهد بإمامتهم وطول باعهم، ووفور علمهم، الأمر الذي لم يجد ابن القَيِّم معه حاجة إلى الارتحال خارج بلده، كيف وقد كانت بلده محطَّ رِحَالِ أهل العلم وطلابه من شتى بقاع الدنيا؟!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
ولعلَّ من أوضحِ الأمثلة على انشغال ابن القَيِّم رحمه الله بالتحصيلِ على شيوخ بلده، ما مضى من مَلازَمَتِهِ لشيخهِ ابن تَيْمِيَّة ستة عشر عاماً (712-728هـ) ، وإيثاره صحبته إلى آخر حياته، فقد وجد في هذا الإمام العلَاّمة ما يشبعُ نَهْمَتَهُ، ويروي غُلَّتَه، وبخاصة إذا علمنا أن فترة ملازَمَتِهِ له تعدُّ أزهى فترات الطلب والتحصيل في حياة طالب العلم1.
تلك هي أبرز المسوِّغات التي يمكن اعتبارها مانعاً من كثرة خروج ابن القَيِّم وارتحاله عن بلده.
فالذي تَحَصَّل عندنا: أن ابن القَيِّم رحمه الله وإن لم تُسَجِّل لنا مصادر ترجمته شيئاً من رحلاته العلمية، إلا أن الْمُتَقَرِّرَ أنه قد سافر ورحل وتَغَرَّبَ عن وطنه وأهله، كما يدلُّ على ذلك تصريحه بتأليف بعض كتبه حال السفر والغربة عن الأهل والأصحاب2، وأنه رحمه الله في خلال تلك الأسفار لم يكن ليقعد لحظة عن الاشتغال بالعلم سماعاً ومذاكرةً، وتأليفاً وتصنيفاً، فرحمه الله رحمةً واسعةً، وجزاه عمَّا قَدَّم للإسلام خيرَ الجزاء.--------------------------------------------
1 فقد بدأ ملازمته له وله من العمر تسع عشرة سنة، إلى أن توفي الشيخ ولابن القَيِّم من العمر سبع وثلاثون سنة تقريباً.
2 انظر: زاد المعاد: (1/70) ، وروضة المحبين: (ص28) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
المبحث الخامس: أَعْمَالُهُ العلمية ومَنَاصِبُهُ
تَقَدَّم أن ابن القَيِّم رحمه الله كان صاحب رسالة سامية غالية، وأنه عاش حياته حاملاً أعباء تأدية هذه الرسالة على أتمِّ وجه.
فلا عجب إذن أن نجد ارتباطاً وثيقاً بين مهمة أداء هذه الرسالة والقيام بأعبائها من جهة، وبين الأعمال التي مارسها ابن القَيِّم والوظائف التي تقلدها من جهة ثانية؛ إذ إن هذه الوظائف هي مجال تنفيذ هذه المهمة، ووسيلة تحقيقها.
فقد كانت هذه الأعمال وتلك المناصب منحصرةً في دائرة تبليغ العلم ونشره لا تخرج عن ذلك بحالٍ؛ فقد عاش حياته رحمه الله متصدراً "للاشتغال ونشر العلم"1.
ويمكننا حصر الأعمال التي مارسها ابن القَيِّم رحمه الله، والوظائف التي كان يشغلها - في ضوء ما سَجَّلَتْهُ مصادرُ ترجمته - فيما يلي:
1- التدريس.
2- الإمامة.
3- الخطابة.
4- الإفتاء.
5- التأليف والتصنيف.
1- التَّدْرِيس:
سبقت الإشارة إلى أن انتشار المدارس في دمشق في عصر ابن القَيِّم وكثرتها، كان من أبرز مظاهر ازدهار الحركة العِلْمِيَّة آنذاك، وأنه كان يَتَقَلَّدُ--------------------------------------------
1 المعجم المختص: (ص269) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
وظيفة التدريس بهذه المدارس أكابرُ علماء الوقت، فكانت المدارس - بهذه المثابة - تُشْبِه الجامعاتِ العِلْمِيَّةَ في وقتنا الحاضر، بل إنَّ نظام الدراسة في كثير من جامعاتنا اليوم يشبه إلى حدٍّ كبير نظام الدراسة قديماً.
ولَمَّا كان ابن القَيِّم رحمه الله واحداً من جهابذة علماء ذلك العصر وأئمته المُقَدَّمين؛ فإنه قد شارك بجهده وعلمه في هذا الجانب المهم، ألا وهو التدريس.
وقد أشار بعض مترجميه إلى ممارسته هذه الوظيفة1.
أما عن الأماكن التي درَّس بها، فقد أجمعت المصادر التي ذكرت ممارسته للتدريس على ذكر تدريسه بالمدرسة "الصدرية"2، وقد سَبَقَ الكلام عليها3.
ويُحَدِّد الحافظ ابن كثير تاريخ تَوَلِّيهِ التدريس بهذه المدرسة، فيقول: "وفي يوم الخميس سادس صفر - يعني سنة 743هـ - درَّس بالصَّدْرِيَّةِ صاحبنا الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعِيّ"4.
ثم يشير رحمه الله إلى أن دَرْسَه كان حَافِلاً، حَضَرَهُ جمع من--------------------------------------------
1 انظر: ذيل العبر: (ص155) ، وذيل طبقات الحنابلة: (2/449) ، والبدر الطالع: (2/143) .
2 انظر: ذيل الطبقات: (2/449) ، والبدر الطالع: (2/143) .
3 انظر ص: (72) .
4 البداية والنهاية: (14/214) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)