حَلِيمًا سَمْحًا مِنْ أَفْضَلِ شَبَابِ قَوْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يُمْسِكُ شَيْئًا: وَلَمْ يَزَلْ يَدَّانُ حَتَّى أَغْرَقَ مَالَهُ كُلَّهُ فِي الدَّيْنِ، فَلَزِمَهُ غُرَمَاؤُهُ حَتَّى تَغَيَّبَ عَنْهُمْ أَيَّامًا فِي بَيْتِهِ، فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ، فَجَاءَ وَمَعَهُ غُرَمَاؤُهُ، فَطَلَبُوا حَقَّهُمْ، فَكَلَّمَهُمْ النَّبِيُّ عليه السلام فِيهِ، فَلَوْ تُرِكَ أَحَدٌ لِأَحَدٍ، لَتُرِكَ مُعَاذٌ مِنْ أَجْلِ النَّبِيِّ عليه السلام، فَخَلَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَالِهِ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِمْ، فَأَصَابَهُمْ خَمْسَةُ أَسْبَاعِ حُقُوقِهِمْ، وَقَامَ مُعَاذٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَانْصَرَفَ إلَى بَنِي سَلِمَةَ، فَمَكَثَ فِيهِمْ أَيَّامًا، ثُمَّ دَعَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ، وَقَالَ لَهُ: لَعَلَّ اللَّهَ يَجْبُرُك، وَيُؤَدِّي عَنْك دَيْنَك، قَالَ: فَخَرَجَ مُعَاذٌ إلَى الْيَمَنِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رَجَعَ مُعَاذٌ مِنْ الْيَمَنِ، فَوَافَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه بِمَكَّةَ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ، اسْتَعْمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، الْتَقَيَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِمِنًى، فَاعْتَنَقَا، وَعَزَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ جَلَسَا يَتَحَدَّثَانِ. فَرَأَى عُمَرُ مَعَ مُعَاذٍ رَقِيقًا، فَقَالَ لَهُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أُهْدُوا إلَيَّ، وَهَؤُلَاءِ لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إنِّي أَرَى أَنْ تَأْتِيَ بِكُلِّهِمْ إلَى أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: نَعَمْ، فَلَقِيَهُ مُعَاذٌ مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، لَقَدْ رَأَيْتَنِي الْبَارِحَةَ، وَأَنَا أَنْزَوِ إلَى النَّارِ، وَأَنْتَ آخِذٌ بِحُجْزَتِي، وَمَا أَرَانِي إلَّا مُطِيعَك، قَالَ: فَأَتَى بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أُهْدُوا إلَيَّ، وَهَؤُلَاءِ لَك، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إنَّا قَدْ سَلَّمْنَا لَك هَدِيَّتَك، فَخَرَجَ مُعَاذٌ إلَى الصَّلَاةِ، فَإِذَا هُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذٌ: لِمَنْ تُصَلُّونَ؟ قَالُوا: لِلَّهِ، قَالَ: فَأَنْتُمْ لِلَّهِ، فَأَعْتَقَهُمْ، انْتَهَى. قَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ جَابِرٍ، وَسَكَتَ عَنْهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ مُرْسَلٌ: رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي "الطَّبَقَاتِ1 فِي تَرْجَمَةِ مُعَاذٍ" عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ عليه السلام مُعَاذًا عَلَى الْيَمَنِ، فَتُوُفِّيَ، وَاسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ. وَمُعَاذٌ بَاقٍ عَلَى الْيَمَنِ، الْحَدِيثَ.
حَدِيثٌ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ"2، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ3 ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ثَنَا نَهَّاسُ بْنُ قَهْمٍ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيُّ
عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ صُهَيْبٍ أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ عليه السلام، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عليه السلام: "يَا مُعَاذُ: مَا هَذَا؟! قَالَ: إنِّي لَمَّا قَدِمْت الْيَمَنَ وَجَدْت الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَسْجُدُونَ لِعُظَمَائِهِمْ، وَقَالُوا: هَذِهِ تَحِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ عليه السلام: كَذَبُوا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَلَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ--------------------------------------------
1 ابن سعد في "الطبقات" ص 122 ج 3 القسم الثاني.
2 وذكره الهيثمي في "الزوائد" ص 310 ج 4، وقال: رواه البزار. والطبراني، وفيه: النهاس بن قهم، وهو ضعيف، اه، قلت: فيه شيء آخر، وهو أن في رواية البزار. والطبراني في "الزوائد": الشام، بدل: اليمن، وهو خلاف المقصود.
3 النرسي منسوب إلى نرس، وهو بالكوفة، عليه عدة قرى.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 350)