Arabic source text

📘 তরিকুল হিদায়াহ মাবাদি ওয়া মুকাদ্দিমাত ইলমিত তাওহিদ ইনদা আহলিস সুন্নাহ ওয়াল জামাআহ (মুহাম্মদ ইউসরি ইব্রাহিম)

📘 طريق الهداية مبادئ ومقدمات علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة (محمد يسري إبراهيم)

📘 তরিকুল হিদায়াহ মাবাদি ওয়া মুকাদ্দিমাত ইলমিত তাওহিদ ইনদা আহলিস সুন্নাহ ওয়াল জামাআহ (মুহাম্মদ ইউসরি ইব্রাহিম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ثم إن كثيرًا من مسائل الاعتقاد بعد معرفتها، والعلم بها لا تدرك العقول حقيقتها وكيفيتها، وذلك كصفات الله تعالى وأفعاله، وحقائق ما ورد من أمور اليوم الآخر من الغيبيات التي لا يحيلها أو يردها العقل، ولا يوجبها أو يطلبها.
"ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في القرآن الكريم لتقرير مسائل الغيب، تنبيها للعقول على إمكان وجودها، فاستدل على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى، وعلى خلق الإنسان بخلق السماوات والأرض، وهي أعظم وأبلغ في القدرة، وعلى البعث بعد الموت بإحياء الأرض الميتة بعد إنزال الماء عليها"1.
قال السفاريني رحمه الله: "لو كانت العقول مستقلة بمعرفة الحق وأحكامه، لكانت الحجة قائمة على الناس قبل بعث الرسل وإنزال الكتب، واللازم باطل بالنص: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، فكذا الملزوم"2.
وأخيرًا فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، فالأول خلق الله تعالى والثاني أمره، ولا يتخالفان؛ لأن مصدرهما واحد وهو الحق سبحانه: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] .
قال شيخ الإسلام رحمه الله ابن تيمية: "وليس في الكتاب والسنة وإجماع الأمة شيء يخالف العقل الصريح؛ لأن ما خالف العقل الصريح باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس، أو يفهمون منها معنى باطلًا، فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة"3.--------------------------------------------
1 منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان حسن "1/ 178".
2 لوامع الأنوار للسفاريني "1/ 105".
3 مجموع الفتاوى "11/ 490".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)

ولذا قال الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله: "من الله عز وجل العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"1، وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير عالما، ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا"2.
رابعا: الفطرة السوية:
أما الفطرة فهي خلق الخليقة على قبول الإسلام والتهيؤ للتوحيد، أو هي الإسلام والدين القيم.
قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] .
قال ابن كثير رحمه الله: "فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره"3.
قال شيخ الإسلام: "فالحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها، والحب لله، والخضوع له، والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية"4.
وقوله تعالى: {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} معناه: أن الله ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة.
وفي الحديث الصحيح: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هلى ترى فيها جدعاء؟ " 5، فمعنى خلق--------------------------------------------
1 السنة للخلال "3/ 579"، وفتح الباري لابن حجر "13/ 504".
2 شرح الطحاوية لابن أبي العز "1/ 231".
3 تفسير القرآن العظيم لابن كثير "3/ 433".
4 درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "8/ 451".
5 أخرجه البخاري "1385"، ومسلم "2658" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)

المولود على الفطرة هو: "أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه"1، والفطرة قبول الإسلام، فهي كالأرض الخصبة القابلة، والوحي كالغيث النازل من السماء، ما إن ينزل عليها حتى تهتز وتربو وتنتب من كل زوج بهيج.
والفطرة السوية تقبل الإسلام، وتهتدي إلى وجود الخالق بما أودع الله الخلائق من قوانين كلية، تظهر آثارها في الطفل الناشئ الذي لم يتعلم أو يتكلم، فهو يدرك أن الحادث لا بد له من محدث، وأن الجزء دون الكل، وأنه يستحيل الجمع بين المتناقضين، وهذا من أوائل العقل وبواكيره، وقلوب بني آدم مفطورة على قبول الإسلام، وإدراك الحق ولولا هذا الاستعداد ما أفاد النظر ولا البرهان، شأنها في ذلك شأن الأبدان، فطرها الله تعالى قابلة للانتفاع، والاغتذاء بالطعام والشراب، ولولا هذا الاستعداد لما حصل انتفاع.
والفطرة السوية تهدي العبد إلى أصول التوحيد والإيمان، وجمهرة أهل العلم من أهل السنة وغيرهم على فطرية الإيمان، وليس يحتاج العبد لتحصيله من أصله إلى استدلال أو برهان، فضلا عن أن يشك ويخرج من ثوب اليقين والإذعان، "والقلوب مفطورة على الإقرار به سبحانه أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغير من الموجودات، كما قالت الرسل: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10] "2.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى--------------------------------------------
1 مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية "2/ 333، 334".
2 درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "8/ 38".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)

يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة"1.
ويقول: "إن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وإنه أشد رسوخا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي، كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة"2.
والفطرة تدل على اتصاف الخالق بالصفات العلي والكمال المطلق، فهي تدرك أن من يخلق لا يكون كمن لا يخلق قال تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] .
فالخالق لهذا الكون لا يستوي مع غيره، في صفاته وأفعاله وذاته، فهي تدرك علو الصفات، كما تدرك علو الذات، فإنه عارف مؤمن قط: يا الله، إلا وجد في نفسه ضرورة بطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، لا يجادل في ذلك مجادل.
والفطرة وإن غشيتها غاشية الإلحاد، تهتدي إلى تفرده تعالى بالألوهية يظهر ذلك في أوقات الشدة والمحنة، فإن القلب يفزع إلى خالقه، ويلجأ إلى بارئه، عند حلول الحوادث العظام والخطوب الجسام، قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] .
"والإسلام بعقائده وأحكامه موافق للفطرة لا يعارضها، بل كلما كانت العقائد والأحكام بعيدة عن الإسلام، كانت معارضة للفطرة الصحيحة مضادة لها، ففي الفطرة محبة العدل وإيثاره، وبغض الظلم والنفار منه، واستقباح إرادة الشر لذاته، لكن تفاصيل ذلك إنما تعلم من جهة الرسل، فالطفل عند أول تمييزه إذا ضرب من خلفه--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى "16/ 328".
2 المرجع السابق "2/ 15-16".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)

التفت لعلمه أن تلك الضربة لا بد لها من ضارب، فإذا شعر به بكى، حتى يقتص له منه، فيسكن ويهدأ، فهذا إقرار في الفطرة بالخالق، وهو التوحيد، وبالعدل الذي هو شرعة الرب تعالى"1.
والعقل والفطرة وإن كانا من دلائل التوحيد، إلا أنه لا تقوم الحجة على بني آدم إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقطع العذر، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، فلا عذاب إلا بعد إرسال الرسل، وقطع العذر، وإقامة الحجة، وقالت المعتزلة في الآية: {رَسُولًا} أي: العقل، وهو تحريف للكلم عن مواضعه، بدلالة قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء: 7] .
وهو سبحانه ما أهلك من قبلنا من الأمم إلا بعد إرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، قال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208] ، وقال سبحانه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59] .
فإن قيل: إذا كان وجود الله وتعظيمه مركوزا في الفطر، والعقول تستدل على ذلك، فعلام توقف التكليف على مجيء الرسول، وإنزال الكتاب؟
فيقال: إن إثبات كون الفطرة هي الإسلام، لا يقتضي خلق علم ضروري في نفس الإنسان، يجعله عالما بالعقيدة وأصولها، ونواقضها، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] . كما أن الله تعالى تكرما منه لا يعاقب قبل بلوغ الحجة الرسالية: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131] ، بل تمتنع المؤاخذة حتى يبعث إليهم الرسول، ومن حكمة--------------------------------------------
1 إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص240.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)

ذلك أن معرفة الله وإثبات وجوده المركوز في الفطر والعقول إجمالي لا تفصيلي، فالعقل لا يهتدي لكل كمالات الله تعالى، ولا يهتدي إلى كل ما يرضيه من الأقوال والأفعال، فلا بد له من وحي يهديه ويرشده، ويبين له معاقد الحل والحرمة في أفعال المكلفين، كما أن العقل والفطرة لا يدلان على عقوبة الآخرة لمن قصر في ذلك، فجاء الرسول ببيان ثواب التوحيد، وعقوبة الشرك في الدنيا والآخرة.
قال ابن القيم رحمه الله:
وكان الناس في لبس عظيم … فجاءوا بالبيان فأظهروه
وكان الناس في جهل عظيم … فجاءوا باليقين فأذهبوه
وكان الناس في كفر عظيم … فجاءوا بالرشاد فأبطلوه
وأخيرًا فإنه لا تعارض ولا تناقض -بحمد الله- بين فطر الخلائق على الإسلام وبين عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن الله تعالى: "وإن خلقه مولودا سليما، فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره، وعلم ذلك"1.--------------------------------------------
1 درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "8/ 362".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)

‌‌المبحث السابع: نسبة علم التوحيد
نسبة العلم هي علاقته بغيره من العلوم وصلته بها، ونسبة أي علم إلى غيره من العلوم تتردى بين أربع نسب، هي:
1- الترادف: فتطلق الأسماء المختلفة على مسمى واحد وعلم محدد، فتختلف الأسماء وتتفق المسميات.
2- التخالف: فتتباين الأسماء والمسميات، بحيث لو نسب أحد العلمين إلى الآخر، لم يصدق على شيء مما صدق عليه الآخر.
3- التداخل: كأن يكون أحد العلمين أعم من الآخر فأحدهما داخل بتمامه في الآخر، وهو العموم والخصوص المطلق.
4- التقاطع: وهو العموم والخصوص الوجهي أو النسبي، بأن يكون كل من العلمين أعم من جهة، وأخص من جهة أخرى.
وعلى ما سبق يمكن القول بأن علم التوحيد نسبته إلى سائر العلوم الشرعية هي التخالف والتباين، فهو فن مستقل بذاته، قائم بنفسه، له أصوله ومصادره، ومناهجه ومسائله، ولا يغني عنه غيره، وإن كان كالأساس لعلوم الإسلام، وهو منها بمنزلة الرأس من الجسد، ولذا مال بعض العلماء إلى التعبير عن نسبته إلى غيره من العلوم بأنه أصلها وما سواه فرع عنه، باعتبار أن علوم الإسلام تقوم أولا على معرفة الله تعالى وتوحيده، والتصديق ببعثة نبينا صلى الله عليه وسلم وأمور الغيب، وهذا موضوع علم التوحيد.
ولذا قال الإمام السفاريني في منظومته:
وبعد فاعلم أن كل العلم … كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)

ولأجل هذا المعنى سماه الإمام أبو حنيفة بالفقه الأكبر، سبب هذه التسمية أن النصوص من كتاب وسنة تدور حول التوحيد في خمسة محاور لا سادس لها، فإما أن تكون في تقرير التوحيد في نوعه العلمي الخبري، أو في تقريره في نوعه الطلبي الإرادي، ودعوة الخلق لعبادته تعالى وحده، أو في مستلزمات التوحيد ومقتضياته، وحقوقه من الأحكام الفقهية العملية، أو في الجزاء على التوحيد من إكرام الله لعباده الموحدين، أو في بيان العقوبات والوعيد على مضادة التوحيد بالشرك والإلحاد، فصار التوحيد أصلا لغيره من العلوم حيث ارتبطت به واعتمدت عليه1.--------------------------------------------
1 انظر: مدارج السالكين لابن القيم "3/ 468"، معارج القبول لحافظ الحكمي "1/ 98".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)

‌‌المبحث الثامن: واضع علم التوحيد
لا شك أن التوحيد جاءت به الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وأما علم التوحيد، فقد مر في وضعه وتدوينه بطورين:
أولهما: طور الرواية "ما قبل التدوين"، والثاني: طور التدوين والاستقرار.
وهذه لمحة عن كلتا المرحلتين.
أولا: طور الرواية:
لم يكن الرعيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم بحاجة إلى التدوين في العلوم الشرعية، فقد كانوا يتلقون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحيين،" ويوردون عليه ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات، فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم، وقد أورد عليه من الأسئلة أعداؤه وأصحابه، أعداؤه للتعنت والمغالبة، وأصحابه للفهم والبيان وزيادة الإيمان"1، وكل ذلك رواه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم لمن بعدهم، فكانت مسائل الاعتقاد محفوظة في أذهانهم، مستدلا عليها بكتاب ربهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولم يقع بينهم اختلاف في شأن العقيدة، بل اجتمعوا على عقيدة صحيحة، سالمة نقية خالية من كل شوب، فكانوا" أقرب إلى أن يوفقوا إلى الصواب من غيرهم بما خصهم الله به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وتقوى الرب، فالعربية طريقتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم.... علموا التنزيل وأسبابه، والتأويل وآدابه، وعاينوا الأنوار القرآنية، والأشعة المصطفوية، فهم أسعد الأمة بإصابة الصواب، وأجدرها بعلم فقه السنة والكتاب"2.--------------------------------------------
1 زاد المعاد لابن القيم "3/ 680".
2 إعلام الموقعين لابن القيم "4/ 148-150" بتصرف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)

لأجل هذا لم يكن الصحابة رضي الله عنهم بحاجة إلى تدوين علم التوحيد، أو تصنيف كتب فيه.
ثانيا: طور التدوين:
وبدأ هذا في حياة التابعين، وإن وقعت في زمنه صلى الله عليه وسلم صور من الكتابة والتدوين، حيث ابتدأ ذلك الإمام الزهري رحمه الله تعالى، ثم شاع ذلك في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، كما فعل الإمام مالك في الموطأ، حيث رتبت الأحاديث على أبواب تتعلق بالتوحيد مثل: باب الإيمان، وباب التوحيد، وباب العلم، إلخ …
ولعل هذا التبويب للأحاديث كان النواة الأولى في استقلال كل باب فيما بعد بالتصنيف والبحث.
ومما أوقد جذوة التدوين ما وقع في آخر زمن الصحابة من بدع، واختلاف في العقدية، كما في مسألة القدر، وكان أول من تكلم به معبد الجهني "ت: 80هـ"، ومسألة التشيع والغلو في آل البيت، وفتنة عبد الله بن سبأ، كما وقعت من قبل بدعة الخوارج وصرحوا بالتكفير بالذنوب، وبعد ذلك نشأ مذهب المعتزلة على يد واصل بن عطاء "ت: 131هـ"، وصنف في مسائل من العقيدة ما خالف به الصحابة والتابعين، وخرج على إجماع خير القرن في الاعتقاد، فتصدى له التابعون بالرد عليه والمناظرة في هذه المسائل، ثم بدأ التصنيف في عقيدة أهل السنة حين أصبح ضرورة لا بد منها لنفي تأويل المبطلين، ورد انحراف الغالين، وكان أول مدون عرفناه في العقيدة -على هذا النحو- هو كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة رحمه الله "ت: 150هـ"، وهو ثابت النسبة إليه، رواه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، كما رواه حماد بن أبي حنيفة. حدد فيه أبو حنيفة عقائد أهل السنة تحديدا منهجيا ورد فيه على المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والشيعة، واشتمل على خمسة أبواب -في أتم رواياته-: الأول في القدر، والثاني والثالث في المشيئة، والرابع في الرد على من يكفر بالذنب، والخامس في الإيمان، وفيه حديث عن الأسماء والصفات،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)

والفطرة، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة، وغير ذلك من مباحث العقيدة.
فلو قال قائل: إن واضع علم التوحيد -بمعنى أول من وضع مؤلفا خاصا في الفن من أهل السنة- هو الإمام أبو حنيفة، لكان صادقا ولم يبعد عن الصواب، "وإن كان قد قيل: إن واضعه الإمام مالك بن أنس، وأنه ألف فيه رسالة، وقيل أيضا أنه لما كثرت الفتن أمر المنصور بوضع كتب لإزالتها والرد عليها"1.
كما ثبت أن الإمام ابن وهب رحمه الله "ت: 197هـ"، وضع كتابا في القدر على طريقة المحدثين في جمع الأحاديث، وإن كان دون تبويب.
ولقد نسب كتاب بنفس اسم الفقه الأكبر للإمام الشافعي رحمه الله2 "ت: 204هـ"، تناول فيه مسائل الاعتقاد مسألة مسألة، ورد على الفرق المخالفة في ثنايا كلامه، إلا أن نسبة الكتاب إلى الإمام الشافعي غير موثقة، قال حاجي خليفة في كشف الظنون" … لكن في نسبته إلى الشافعي شك، والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء"3.
ثم تتابع التأليف بعد أبي حنيفة في علم التوحيد، ولكن بأسماء مختلفة لهذا العلم، فمن أول ذلك كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام "ت: 224هـ"، وتبعه على هذا كثيرون إلى يوم الناس هذا، كما ظهر مصطلح السنة للدلالة على ما يسمل من الاعتقادات، واشتهر ذلك زمن الإمام رحمه الله، ومن الكتب المصنفة باسم السنة، كتاب السنة لابن أبي شيبة رحمه الله "ت: 235هـ"، والسنة للإمام أحمد رحمه الله "ت: 240هـ"، وغير ذلك، ثم ظهر مصطلح التوحيد في مثل كتاب التوحيد لابن سريج--------------------------------------------
1 اللؤلؤ المنظوم في مبادئ العلوم لمحمد أبي عليان الشافعي ص237.
2 طبع بتحقيق د. محمد محمود فرغلي.
3 كشف الظنون لحاجي خليفة "2/ 1287".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)

البغدادي رحمه الله "ت: 306هـ"، وكتاب التوحيد لابن خزيمة رحمه الله "ت: 311هـ"، وواكب ذلك ظهور مصطلح أصول الدين، ثم ظهر التأليف باسم العقيدة أوائل القرن الخامس الهجري، واستقرت حركة التصنيف ومنهج التأليف، واستقل علم التوحيد علما متميزا عن غيره بلقب ومنهج مخصوص.
وأخيرًا فإن فيما سبق بيانه رد على من زعم -من الأشاعرة والماتريدية- أن واضعي علم التوحيد هما: أبو الحسن الأشعري "ت: 324هـ"، وأبو منصور الماتريدي "ت: 333هـ"، حيث سبقا بتآليف كثيرة كتبت على منهج أهل الحديث، أهل السنة والجماعة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)

‌‌المبحث التاسع: غاية علم التوحيد

المحثب التاسع: غاية علم التوحيد
"الغرض والغاية والفائدة والثمرة من العلم بمعنى واحد، فكل ذلك اسم للمصلحة المترتبة على تعلم العلم، وإنما اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات، فكل منفعة ترتبت على فعل ما تسمى فائدة وثمرة، من حيث ترتبها عليه، وتسمى غاية من حيث إنها على طرف الفعل ونهايته، وغرضا من حيث إن الفاعل فعل ذلك الفعل لأجل حصوله"1.
وتظهر ثمرة دراسة علم التوحيد -على منهج أهل السنة والجماعة- من جهات وحيثيات كثيرة، إلا أنها تعود إلى أمرين أساسيين، الأول: باعتبار المكلف، والثاني باعتبار العلم نفسه وعلوم الإسلام الأخرى، وما يتعلق بالمكلف يعود إلى منفعة دنيوية وأخروية، والدنيوية ترجع إلى منفعة علمية وعملية، وتفصيل هذه المنافع على النحو التالي:
أولًا: ثمرته بالنسبة للمكلف:
1- في حياته الدنيا:
إن قيام المدنية، وازدهار الحضارة، وانتظام أمر الحياة، وطيب العيش، لمن ثمرات التوحيد المباركة، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96] .
وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .--------------------------------------------
1 ترتيب العلوم للمرعشي ص86.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)

وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] .
"إن الإيمان يثمر طمأنينة القلب وراحته، وقناعته بما رزق الله، وعدم تعلقه بغيره، وهذه هي الحياة الطيبة، فإن أصل الحياة الطيبة راحة القلب وطمأنينته، وعدم تشوشه مما يتشوش منه الفاقد للإيمان الصحيح"1.
وفي الصحيح: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" 2.
وقال ابن القيم عن شيخه ابن تيمية: "وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قبلا وأسرهم، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت من الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله عنا، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها"3.
وفصل الرازي القول في بيان حياة المؤمن الطيبة في الدنيا من خمسة وجوه، فقال:
- إن المؤمن يعلم أن رزقه من تدبير ربه، وربه محسن له فيه، فهذا يدعوه إلى الرضا عن الله ورزقه.--------------------------------------------
1 التوضيح والبيان لشجرة الإيمان للشيخ السعدي ص73.
2 أخرجه مسلم "2999" من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه.
3 الوابل الصيب لابن القيم ص70.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)

- وإن المؤمن يعلم حقيقة الدنيا وسرعة تقلبها، فلا يخرج عند حلول كدرها؛ لأنه يعلم أن العيش عيش الآخرة.
-والمؤمن مع رضاه وعدم جزعه مغمور بالسعادة في حياته؛ لأن غايته إرضاء ربه، فهو يلهج بهذه الكلمة: "إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي".
- ثم إن لذات الدنيا زائلة خسيسة، وأعظم لذاتها الوقاع والطعام، وقد يحتقرهما الإنسان إذا تفكر فيهما.
- فالمؤمن عندما تقبل عليه الدنيا لا يعانقها معانقة العاشق؛ لأنه يعلم زوالها، فيأخذ منها بقدر ما يتزود إلى الآخرة1.
والمؤمن يتلذذ بلذات معنوية هي أعظم من كل اللذات الحسية، ولذا قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف"2، وقال غيره: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"3.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 13] : "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة"4.--------------------------------------------
1 التفسير الكبير للرازي "20/ 112".
2 القائل هو الفضيل به عياض. انظر: الجواب الكافي لابن القيم ص168.
3 القائل هو ابن تيمية. انظر: الوابل الصيب لابن القيم ص69.
4 الوابل الصيب لابن القيم ص69.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)

ومظاهر الحياة الطيبة التي خص الله بها عباده المؤمنين في الدنيا كثيرة نذكر منها:
- ولاية الله عز وجل:
قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257] .
وقال سبحانه: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، ثم وصفهم بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62، 63] .
-محبة الله عز وجل للمؤمنين ومحبة الخلق لهم:
قال تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96] .
قال ابن كثير رحمه الله: "يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات -وهي الأعمال التي ترضي الله عز وجل لمتابعتها الشريعة المحمدية- يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه"1.
- مدافعة الله عن المؤمنين وإنجائه لهم ونصرهم على أعدائهم:
قال سبحانه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] .
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 38] ، ولم يذكرها ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم وأتم.--------------------------------------------
1 تفسير ابن كثير "3/ 140".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] .
وقال تعالى: {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [فصلت: 18] .
-حصول نور البصيرة التي تفرق بين الحق والباطل.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29] .
وهذا الفرقان فسره أهل العلم بالنور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن، فيفرق به بين الحق والباطل، والسنة والبدعة، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] .
- حصول العزة وتمام الكرامة والشرف:
قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8] .
وقال تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 144] .
فالعزة في الإيمان، والذلة في الكفر والعصيان، فاللهم أعزنا بطاعتك والإيمان، ولا تذلنا بمعصيتك والكفران، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
2- في قوته العلمية:
وهي القوة التي يدرك الإنسان بها، ويفرق بين الحق والباطل، وتظهر ثمرة علم التوحيد العلمية من خلال الأمور التالية:
- معرفة الله تعالى معرفة يقينية:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)

إن سلوك منهج أهل السنة في تعلم علم التوحيد يوصل العبد -ولا بد- إلى غاية
المطالب، وأشرف المقاصد، وأول الواجبات، وهو معرفة الله تعالى بالتوحيد، وإفراده تعالى بالعبادة، والبراءة من الشرك، وكلما ازداد العبد علما بالتوحيد، ازداد رقيا في مدارج الإيمان ومعارج اليقين، وارتقى من الإيمان المجمل إلى الإيمان المفصل، ومن حال التقليد إلى حال اليقين والإذعان، والتصديق عن حجة وبرهان، بحيث يكون اعتقاد الإنسان في ربه ذاتا وصفات، وأفعالًا مطابقا للواقع عن دليل صحيح، وهذا أفضل ما اشتغل بعلمه إنسان، كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إيمان بالله ورسوله" 1.
والعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته سبيل لرفع الدرجات وحصول البركات، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] ، وهذا العلم الصحيح هو الذي يحل عقدة الأسئلة الكبرى التي ضلت البشرية في الاهتداء إلى جوابها، فتاهت في دروب الإلحاد، وعبادة الشجر، والحجر، والتثليث، وعبادة الهوى من دون الله تعالى، ففي القلب خلة لا يسدها إلا الاعتقاد الحق، وحاجة لا تنقضي إلا بمعرفة الرب.
كانت لقلبي أهواء مفرقة … فاستجمعت بك مذ رأتك العين أهوائي
فصار يحسدني من كنت أحسده … وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
- انشراح الصدر وطمأنينة القلب:
وهذا الأمر ثمرة حصول المعرفة الصحيحة بالله تعالى، والإجابة على أسئلة الفطرة حول الكون والحياة، فنفس لا إيمان فيها مضطربة، قلقة، تائهة خائفة، فأما--------------------------------------------
1 تقدم تخريجه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)

اضطرابها؛ فلأنها كالسفينة تتقاذفها الأمواج العاتية، تتلقى عن كثيرين -غير الله تعالى- مناهجها عقائدها فتضطرب مرجعيتها، ويختلف سبيلها، وتتناقض مسيرتها، وأما النفس المؤمنة الموحدة، فقد اتحد مصر ورودها، وصدورها في كل أمر، فهي تتلقى من الله وعن الله، وهي تسير إلى الله.
قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] . فإذا تعددت الأسياد على المملوك، فقد شقي حاله، واضطرب أمره.
وفي النفس قلق على المستقبل وطلب لاستجلاء الغيوب، ولا يزيل هذ القلق كالإيمان بخيرية الذات، وخيرية العمل، وخيرية المآل والمصير، فالمؤمن الموحد ينظر إلى الغيب بعين التفاؤل والرضا عن الله تعالى في قضائه وقدره، فيسكب في النفس برد اليقين، ومشاعر الأمن والاطمئنان، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] ، فمن أراد الله له الهداية وانشراح الصدر هداه إلى الإسلام أولا، ثم إلى سلامة العقيدة من شوائب البدع ثانيا.
قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] .
- حصول برد اليقين واستقرار الفكر.
قال شيخ الإسلام: "والمقصود أن ما عند عوام المؤمنين، وعلمائهم أهل السنة والجماعة، من المعرفة واليقين، والطمأنينة، والجزم الحق، والقول الثابت، والقطع بما هم عليه، أمر لا ينازع فيه إلا من سلبه الله العقل الدين"1.--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى "4/ 49".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)

"إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين … أما أهل السنة والحديث، فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح من عامتهم، رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذل، وإن امتحنوا بانناع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقديم كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة … وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة"1.
وقال أيضًا رحمه الله: "حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي2 أنه قال: أبيت بالليل وأستلقي على ظهري، وأضع الملحفة على وجهي، وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح ما ترجع عند شيء"3.
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي -يصف حاله وحال إخوانه من المتكلمين-:
فيك يا أغلوطة الفكر … حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما … ربحت إلا أذى السفر
فلحي الله الأولى زعموا … أنك المعروف بالنظر
كذبوا إن الذي ذكروا … خارج عن قوة البشر
أين هذه الحيرة والاضطراب في الظلمات، ممن التزم المحجة البيضاء ليلها كنهارها، فهو على نور من ربه، وما أروع ما سطره يراع ابن القيم في شرح قوله تعالى:--------------------------------------------
1 المصدر السابق "4/ 150، 51".
2 وهو رأس في الكلام والفلسفة.
3 درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "3/ 263، 264".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)