السنة، وتمييز المقبول من المردود من الرواة والروايات، فتبلور منذ ذلك الحين هذا المصطلح، الذي أصبح لقبا على كل من انتمى إلى أهل الحق المتبعين للسنة والآثار، الحريصين على جمع شمل المسلمين واتفاق كلمتهم في آن واحد.
حتى كان عصر الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله فأظهر الله تعالى إمامته وفضله، وحرصه على صفاء وجه السنة أن تخدشه بدعة القول بخلق القرآن -والتي جاء بها المعتزلة، مع حرصه على وحدة الجماعة أن تنثلم بالخروج على المأمون، فأقام واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجهه الصحيح، فنصر الله به الملة، وأعز به السنة، وثبت به قلب الأمة، ثم إنه قد اجتمعت لديه من أسباب الخروج على المأمون ما لم يجتمع لغيره، فقد أصغى الناس إلى الإمام سمعا، وألقوا إليه بأزمة القلوب انقيادًا وحبا، وقد أتى المأمون ببدعته -متأولًا- كفرًا، فلما قيل للإمام: لم لا تخرج على المأمون؟! قال: كرهت أن أفرق جماعة المسلمين، فلم تمنعه سطوة السلطان أن يقول بالحق إذ علمه، ولم يحمله بطش السلطان وتنكيله به على أن يخرج عليه فيكون سببا في إعمال السيف في رقاب المسلمين.
وبهذا استقر مذهب أهل السنة على ترك الخروج على المبتدع والظالم من الأئمة، ما لم يأت كفرا صريحا لا تأويل فيه ولا شبهة، وخرج الإمام من هذه المحنة إماما للعامة، وعندها دعي الإمام أحمد بإمام أهل السنة والجماعة، وكان أول من لقب بهذا اللقب رحمه الله.
وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فصار إماما من أئمة السنة، وعلما من أعلامها، لقيامه بإعلامها وإظهارها، وإطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لخفي أسرارها، لا؛ لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأيا، ولهذا قال بعض شيوخ المغرب: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد، يعني: أن مذاهب الأئمة في الأصول مذهب واحد، وهو كما قال"1.--------------------------------------------
1 منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية "2/ 606".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
الفصل الثالث: مشروعية هذه التسمية:
إن سند مشروعية هذه التسمية، وتلك النسبة الشريفة ثابت بدلالة الكتاب وصحيح السنة وصريح آثار الصحابة والسلف، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: دلالة الكتاب:
وتتمثل في الآيات الآمرة باتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أتى به، وأن طاعته من طاعة الله عز وجل، والتحذير من مخالفته وعصيانه، فصار اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته اتباعا للكتاب، وطاعة للآيات القرآنية المشار إليها.
وقد ورد هذا المصطلح في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فصار اتباعه اتباعًا للقرآن على الوصف المذكور.
وقد ورد تفسير بعض آي الذكر الحكيم بالسنة والجماعة، كما سيأتي هنا.
ومن ذلك أيضا تفسير الصراط المستقيم بالسنة والجماعة1.
ثانيا: دلالة السنة:
إن هذا المصطلح والوصف مستمد في الحقيقة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الآمر بالعناية بالسنة، فقال: "عليكم بسنتي" 2، وهو الآمر بالجماعة، فقال: "وأنا آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن: الجماعة،.." 3، وهو الذي نهى عن الفرقة، فقال: "من--------------------------------------------
1 انظر: الإتقان للسيوطي "2/ 469".
2 حديث صحيح: سبق تخريجه.
3 أخرجه أحمد "16718، 17344، 22403"، والترمذي "2863"، وابن خزيمة "1895"، وابن حبان "6233"، والحاكم "404" من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وصححه الحاكم، والألباني في صحيح الجامع "1724".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية" 1.
"فأهل السنة والجماعة إنما سماهم الرسول ووصفهم بذلك"2.
وليس لأهل السنة والجماعة رسم ولا سم يتسمون به خصوصا غير هذا الاسم، الذي يعني في الحقيقة التزام الجادة والمحجة البيضاء التي تركنا عليها النبي صلى الله عليه وسلم، "فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"3.
سئل مالك رحمه الله عن السنة، فقال: "هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] "4.
ولما سئل مالك رضي الله عنه عن أهل السنة، قال: "أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي"5.
ثالثا: آثار الصحابة والسلف:
ومن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة"6.
وقال أيضا: "النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة عبادة"7.--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري "7053، 7054"، ومسلم "1849" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
2 مفهوم أهل السنة والجماعة عند أهل السنة والجماعة د. ناصر العقل ص78.
3 مجموع الفتاوى لابن تيمية "3/ 346".
4 الاعتصام للشاطبي "1/ 58".
5 الانتقاء لابن عبد البر ص35.
6 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "1/ 72"، والشرح والإبانة لابن بطة "137"، وتاريخ جرجان لأبي القاسم الجرجاني ص132، وانظر: فتح القدير للشوكاني "1/ 371".
7 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "1/ 54".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وقال سعيد بن جبير رحمه الله في قوله تعالى: {وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 28": "لزم السنة والجماعة"1.
"وروي نحوه عن مجاهد، والضحاك وغير واحد من السلف"2.
وقال أيوب السختياني رحمه الله: "إذا كان الرجل صاحب سنة وجماعة، فلا تسأل عن أي حال كان فيه"3.
وقال عمرو بن قيس الملائي رحمه الله: "إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة، فارجه"4.
وقال سفيان الثوري رحمه الله: "إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة، وآخر بالمغرب، فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة"5.
وقال قتيبة بن سعيد: "إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل، فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة"6.
وورد نحو هذا في المعافى بن عمران7، وجماعة من الأئمة والرواة8.--------------------------------------------
1 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "1/ 71"، وتفسير البغوي "3/ 227"، وتفسير ابن كثير "3/ 162".
2 تفسير ابن كثير "3/ 162".
3 المصدر السابق "33".
4 الشرح والإبانة لابن بطة ص133.
5 الورع للإمام أحمد ص194، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "1/ 64"، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص17.
6 الجرح والتعديل لابن أبي حاتم "1/ 308".
7 تهذيب الكمال للمزي "28/ 153".
8 انظر على سبيل المثال: تهذيب الكمال للمزي "2/ 106"، "7/ 394"، "11/ 286"، "16/ 61"، "23/ 536"، "26/ 59".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
رابعًا: نصوص العلماء واستعمال الأئمة:
وقد نص العلماء على أن أهل السنة هم الصحابة، ومن اقتفى آثارهم.
قال شارح الطحاوية رحمه الله: "هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين"1.
وقال ابن تيمية رحمه الله: "ومذهب أهل السنة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله تعالى أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، ومن خالف في ذلك كان مبتدعا عند أهل السنة والجماعة … وأحمد بن حنبل، وإن كان قد اشتهر بإمامة السنة فليس ذلك؛ لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولا، بل إن السنة كانت موجودة معروفة قبله، علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة"2.
وسبق قول ابن حزم رحمه الله: "أهل السنة هم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم -أي أهل السنة- الصحابة رضي الله عنهم، ومن سلك منهجهم من خيار التابعين، ثم أصحاب الحديث، ومن اتبعهم من الفقهاء، جيلا فجيلا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها، رحمة الله عليهم"3.
وقال أيضا: " … وأن من اتبع أحدًا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يتبع السنة ولا الجماعة، وأنه كاذب في دعواه السنة والجماعة، فنحن معشر المتبعين للحديث المعتمدين عليه أهل السنة والجماعة حقا بالبرهان الضروري، وأننا أهل الإجماع كذلك"4.--------------------------------------------
1 شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي "2/ 544".
2 منهاج السنة النبوية لابن تيمية "2/ 601-602".
3 الفصل في الملل والنحل لابن حزم "2/ 107".
4 الإحكام لابن حزم "4/ 525".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "صار المتمسكون بالإسلام المحض هم أهل السنة والجماعة"1.
وهذا يشمل الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ولذا بدأ علماء الاعتقاد عند ذكر أئمة أهل السنة والجماعة بالصحابة، ثم من بعدهم من التابعين.
ومن ذلك:
قول اللالكائي في صدر كتابه: "باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة، والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام الأمة: فمن الصحابة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، فعد جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، ثم جماعة من التابعين من أهل المدينة ومكة، ومصر وبغداد وواسط وغيرهم2.
وذكر موقف المعتزلة من أهل السنة والجماعة، ثم قال: " … ما قذفوا به المسلمين من التقليد" إلخ، فسوى بين "أهل السنة والجماعة"، وبين "المسلمين"3، وهذا صريح في أن أهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام الصحيح المتلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم من لدن الصحابة، وأتباعهم حتى آخر الزمان، فمن خالف هؤلاء في أصولهم لم يكن من أهل السنة والجماعة.
هذا، وقد استعمل الأئمة هذا الاسم والمصطلح المبارك في النص على أمور الاعتقاد الصحيحة تمييزا لها عن غيرها، كما فعل ذلك قتيبة بن سعيد الثقفي رحمه الله، ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء4، بل جعل بعض الأئمة هذا الاسم ضمن--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى "3/ 159".
2 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "1/ 29-49".
3 المصدر السابق "1/ 13".
4 انظر على سبيل المثال: سير أعلام النبلاء للذهبي "11/ 20".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
عناوين كتبهم في العقيدة كما فعل اللالكائي رحمه الله في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، وكما فعل قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني رحمه الله في كتابه "الحجة في بيان المحجة، وشرح عقيدة أهل السنة".
خامسا: ترادفه مع مصطلحات شرعية.
ثم إن هذا المصطلح يرادف عند الإطلاق مصطلحات شرعية أخرى مثل أهل الحديث، والفرقة الناجية والطائفة المنصورة، والسلف الصالح، كما سيتبين في المبحث التالي.
ومن جملة ما تقدم يتضح جليا أن مذهب أهل السنة قديم، وأن التسمية قديمة، تبدأ ببداية الإسلام؛ لأن أهل السنة على الحقيقة هم أهل الإسلام، المتبعون لسيد الأنام، وعلى هذا سار أئمة أهل السنة والجماعة، وكلام اللالكائي السابق قريبا صريح في ذلك، ويظهر هذا جليا بالنظر إلى صفاتهم وخصائصهم، كما أن أول من دعي "بإمام أهل السنة"، هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وفي هذا رد على من زعم أن مذهب أهل السنة والجماعة، إنما عرف وظهر في زمن أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي، وأن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية!! كما تبناه بعض العلماء قديما وحديثًا! 1. وفي نفي هذا الاسم عن الأشاعرة -مع قربهم في أصول ومسائل عقدية من أهل السنة- ما يقطع بانتفائه عن بقية أهل البدع والأهواء كالرافضة والمعتزلة، وإن تنازعوا هذه التسمية الشريفة.
وكل يدعي وصلا بليلى … وليلى لا تقر لهم بذاكا
وكما قيل:
والدعاوى إن لم تقم عليها … بينات أصحابها أدعياء--------------------------------------------
1 راجع في القديم كلام الباقلاني في "الإنصاف فيما يجب اعتقاده، ولا يجوز الجهل به" ص108، و"الفرق بين الفرق" للبغدادي ص26، ومثله الإسفراييني في "التبصير في الدين" ص25، وكذا الجويني والغزالي والرازي، وراجع في الحديث كلام الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في "كبرى اليقينيات الكونية" ص125، وكلام وهبي سليمان غاوجي الألباني في "أركان الإيمان" ص25، وغيرهم كثير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الفصل الرابع: بين مصطلح أهل السنة ومصطلحات أخرى
أولاً: الفرقة الناجية
…
الفصل الرابع: بين مصطلح أهل السنة ومصطلحات أخرى
تقرر فيما سبق أن مصطلح أهل السنة والجماعة مما نطق بمعناه الكتاب والسنة، وتداول لفظه الصحابة والتابعون، وأهل الحق من الأسلاف الصالحين، ومن المفيد أن نتناول مصطلحات أخرى تداولها علماء التوحيد والعقيدة في الدلالة على المذهب الحق في أمور الاعتقاد.
أولا: الفرقة الناجية:
أما مصطلح الفرقة الناجية، فقد دلت عليه ظاهر الأحاديث الكثيرة التي رواها بضعة عشر صحابيا، ويكفي في ثبوت وجود هذه الفرقة الناجية أن تكون هذه الروايات قد ذكرتها بعد ذكر افتراق الأمة.
ومن هذه الروايات: ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بني إسرائيل تفرقت على إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون فرقة وخلصت واحدة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، فتهلك إحدى وسبعين وتخلص فرقة"، قالوا: يا رسول الله، من تلك الفرقة؟ ".
قال: "الجماعة، الجماعة" 1.
وفي رواية قال: "ما أنا عليه وأصحابي" 2.
ووصفها علي رضي الله عنه بأنها المستحقة لقوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ--------------------------------------------
1 أخرجه أحمد "12070"، وابن ماجه "3993"، وأبو يعلى "4127"، قال البوصيري في مصباح الزجاجة "4/ 180": "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".ا. هـ. وصححه الألباني في صحيح الجامع "2042".
2 سبق تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181] .
وورد في وصف غيرها من الفرق المناقضة لها أن في قلوبها زيغ، وأن الأهواء تتجارى بها كما يتجارى الكلب بصاحبه1.
وهذا يقتضي بمفهوم المخالفة سلامة الفرقة الناجية من الهوى والزيغ.
وجملة هذه الأوصاف تقضي بأن هذه الفرقة الناجية هي عين أهل السنة والجماعة، إذ هي الجماعة، وهم المستمسكون بما عليه الصحابة2، وهي أولى الناس بالسنة وأبعد الناس عن البدعة، فحيث أطلقت الفرقة الناجية فالمقصود بها أهل السنة والجماعة؛ لأنهم أولى الناس بالنجاة في الدنيا من الافتراق، وفي الآخرة من النار.
قال عبد القادر الجيلاني رحمه الله: "وأما الفرقة الناجية: فهي أهل السنة والجماعة"3.
وقال شيخ الإسلام في أول عقيدته الواسطية: "أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة … "4.--------------------------------------------
1 أخرجه أحمد "16490"، وأبو داود "4597"، والحاكم "443"، من حديث معاوية رضي الله عنه، وصححه الحاكم والألباني في صحيح الجامع "2641".
2 وانظر: فتاوى مهمة لعموم الأمة للشيخ ابن باز ص17.
3 الغنية لطالبي طريق الحق لعبد القادر الجيلاني ص85.
4 العقيدة الواسطية لابن تيمية بشرح الشيخ هراس ص14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
ثانيا: الطائفة المنصورة:
وأما مصطلح الطائفة المنصورة، فقد ورد ذكره في أحاديث عدة عن تسعة عشر صحابيا، إضافة إلى بعض المراسيل، حتى لقد صرح عدد من العلماء المعتبرين بتواتر هذا الحديث، كشيخ الإسلام ابن تيمية1، والسيوطي2، والزبيدي3، والكتاني4، وغيرهم..
ومن هذه المرويات ما رواه ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" 5.
وما رواه جابر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة" 6.
ومن جملة المرويات، يتضح أن هذه الطائفة المنصورة طائفة من الأمة مجتمعة على الحق، إظهارا وبيانا بالحجة والبرهان، وظهورا وغلبة بالسيف والسنان، وهي ظاهرة، بينة طرائقها وسبلها، واضحة مناهجها، في كل زمان ومكان.
وهي طائفة قائمة بأمر الله، وواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يخلو الزمان عنها، ولا تتخلى عن واجب الجهاد، فهي إما في جهاد بالفعل أو في سبيلها إلى الجهاد إعدادًا وتهيؤًا، صابرة على هذا العمل الجليل وهي طائفة منصورة في جملة أحوالها وأماكنها، وعلى مر الأزمان.--------------------------------------------
1 اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية "1/ 6".
2 قطف الأزهار المتناثرة للسيوطي "رقم 81" ص216.
3 لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة للزبيدي ص68.
4 النظم المتناثرة في الحديث المتواتر للكتاني ص93.
5 رواه مسلم "1920" من حديث ثوبان رضي الله عنه.
6 رواه مسلم "1923" من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ثالثا: أهل الحديث:
وأما فيما يتعلق بمصطلح أهل الحديث، فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن الإمام أحمد: أنه ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة"، فقال: "إن لم يكونوا أصحاب الحديث، فلا أدري من هم"1.
وقال القاضي عياض عقب قول أحمد السابق: "إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث"2.
وقال الجيلاني: "أهل السنة لا اسم لهم إلا اسم واحد، وهو: أصحاب الحديث".
وفي هذه الآثار دلالة على الترادف بين معنى مصطلح الفرقة الناجية وأهل الحديث، وأنهم المقصودون بهذا المصطلح عند إطلاقه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتباع المرسلين، فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك: هم أعلمهم بآثار المرسلين، وأتبعهم لذلك، فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم، المتبعون لها، هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة، فإنهم يشاركون سائر الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة، ويمتازون عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول، مما يجهله غيرهم أو يكذب به"3.
ووصفهم الخطيب البغدادي رحمه الله بقوله: "حفظة الدين، وأوعية العلم وحملته.. ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر"4.--------------------------------------------
1 شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص25، 27، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص26.
2 شرح النووي على صحيح مسلم "13/ 67".
3 مجموع الفتاوى "4/ 26".
4 شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
ويتضح مما سبق أن الفرقة الناجية هم أهل الحديث، كما اتضح أن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث أيضًا.
سئل ابن المبارك عن الطائفة المنصورة: من هذه الطائفة؟ فقال: "هم عندي أصحاب الحديث"1.
وقال يزيد بن هارون: "إن لم يكونوا أصحاب الحديث، فلا أدري من هم"2.
وقال البخاري في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي … ": "يعني: أصحاب الحديث"3، وقال: "وهم أهل العلم"4.
وقال أحمد بن سنان: "هم أهل العلم، وأصحاب الآثار"5.
وقال شيخ الإسلام في وصف أهل الحديث: "وكانوا يقولون: هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الظاهرون على الحق؛ لأن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسله معهم، وهو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا"6.
وإذا كانت الفرقة الناجية هي أهل الحديث، وأهل الحديث هم الطائفة المنصورة، وأهل الحديث هم أهل السنة والجماعة، فإن هذا يدل على ترادف هذه الاصطلاحات بإطلاق.
بمعنى أنه إذا أطلق واحد منهم دخل فيه الباقي، وأصبح اللفظ دالا بمفرده على جميع أهل الحق.--------------------------------------------
1 المرجع السابق ص26.
2 المحدث الفاضل للرامهرمزي ص177.
3 شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص27.
4 صحيح البخاري "8/ 149"، وخلق أفعال العباد للبخاري ص42.
5 شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص27.
6 مجموع الفتاوى "4/ 97".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
وأما إذا اجتمع اثنان كأهل الحديث وأهل السنة فبينهما تغاير، حيث يطلق الأول على المعتنين بعلم الحديث، ويطلق الثاني على باقي أهل الخير من الفرقة الناجية، فإذا اجتمعا افترقا، ومن ذلك قول عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: "الناس على وجوه: فمنهم من هو إمام في السنة إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث، فأما من هو إمام في السنة، وإمام في الحديث فسفيان الثوري"1.
- وهنا يثور سؤال حول تحديد أهل الحديث، وهل كل هذا الفضل خاص بدارسي هذا العلم، وحفظة متونه دون باقي أصناف أهل العلم؟
وإذا كانت الإجابة بدخول أصناف أخرى من أهل العلم، فإن ثمة سؤال آخر حول هذا ملعنى، وهو: هل يدخل في معنى أهل الحديث أناس آخرون لا علاقة لهم بعلم الحديث، ولا دراية لهم بالفقه وسائر العلوم: كالمجاهدين، والأجناد المرابطين على الثغور، ونحوهم؟
فأما السؤال الأول، فإن الإجابة تتقرر في دخول طوائف أهل العلم بالتفسير، والفقه، والتوحيد، وسائر العلوم الشرعية، في مصطلح أهل الحديث بعد دخول المشتغلين بعلم الحديث دخولا أوليا في هذا المصطلح.
ويدل على ذل عبارة الإمام البخاري في وصفهم بأنهم: "هم أهل العلم"، وكذا عبارة الإمام أحمد بن سنان: "هم أهل العلم وأصحاب الآثار".
فإذا وجد ما يدل على أنهم أهل العلم بالحديث، فهو من باب تفسير الشيء بذكر بعض أجزائه وأفراده، والقاعدة أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه.
ولذلك كانت عبارة الإمام أحمد دقيقة حين رأى قوما يشتغلون بمدراسة--------------------------------------------
1 مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم "1/ 118"، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "1/ 63".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
الحديث، فأطلق عليم أنهم "ممن" قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي.." الحديث1.
وقد نقل النووي -كما سبق- قول أحمد والبخاري في الطائفة المنصورة، ثم قال: "قال القاضي عياض: إنما اراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث"2.
وقال شيخ الإسلام: "ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته، بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرا وباطنا، واتباعه باطنا وظاهرا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث، والبحث عنهما وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبها.
ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم، وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم، وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم، وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم"3.
فهذا وأمثاله من النقول عن الأئمة العدول يبين لنا دخول أهل العلم -المتبعين الناجين من الابتداع- في زمرة الحديث بالاصطلاح الأعم الأوسع.
ومما تنبغي الإشارة إليه: أن "مصطلح أهل الحديث"، قد أطلق في مقابلة "أهل الكلام" تارة، و"أهل الرأي "تارة أخرى، فالإطلاق الأول يتعلق بالعقائد، والثاني بالفقه.
وأما السؤال الثاني، وهو: هي يدخل في الطائفة المنصورة أهل الحديث أصناف أخرى من الناس، ليست من المشهورة بالعلم؟--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري "7311"، ومسلم "1921" من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
2 شرح النووي على صحيح مسلم "13/ 67.
3 مجموع الفتاوى "4/ 91-95".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
فإجابته قد ذكرها جملة من أهل العلم، نذكر منهم الإمام النووي حين سئل عن الطائفة المنصورة: من هم؟
فقال: "ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين: منهم زهاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أنواع أخرى من الخير"1، فأدخل فيهم أهل الجهاد وأنواعا أخرى من الخير: كالزهاد، والعباد، وغيرهم.
وقد صاغ ابن حجر كلام النووي بلفظ مقارب، فقال: "يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين: ما بين شجاع، وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد"2.
ويخلص من ذلك كله إلى أن المصطلحات "الفرقة الناجية -الطائفة المنصورة- أهل السنة والجماعة- أهل الحديث"، هي مصطلحات شرعية مترادفة في معناها،
وعند إطلاقها يدخل بعضها في بعض، وأن أهلها متفاوتون في العلم بالسنة
والعمل بها، والجهاد والقيام به، ولا يتخلون عنه جميعا، وأن أهل هذه المصطلحات غير معصومين، والخير فيهم أكثر من الشر، كما أن الشر في غيرهم أكثر من الخير، ومع أنه ليس لهم تخصص علمي أو عملي يجمعهم، فقد وصلوا بمجموعهم إلى درجة الكمال البشري، مع التكامل في الواجبات والتخصصات، فهم قائمون بمجموعهم مقام النبوة في الأمة بحفظ الدين وإقامة الملة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أهل العلم فكانوا يقولون: هم الأبدال؛ لأنهم أبدال الأنبياء، وقائمون مقامهم حقيقة، ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعًا"3.
ثم إنه بقي مصطلح أخير عرفه أهل السنة والجماعة وتداولوه، ألا وهو مصطلح السلف.--------------------------------------------
1 شرح النووي على صحيح مسلم "13/ 66-67".
2 فتح الباري "13/ 295".
3 مجموع الفتاوى "4/ 97".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
رابعا: السلف:
معنى "السلف" لغة:
قال ابن فارس: "سلف، السين واللام والفاء، أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون"1.
وقد استعملت كلمة "سلف" في القرآن للدلالة على نفس المعنى، وهو التقدم والسبق في التقدم.
قال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24] ، أي: قدمتم في الدنيا.
وقال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 56] ، أي: قوما سابقين من جاء بعدهم، وقيل: عظة وعبرة لم يأتي بعدهم2.
وقال تعالى: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275] ، أي: سبق وتقدم.
وقال تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: 95] ، وقال جل ذكره: {يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] .
كما استعملت كلمة "سلف" في السنة للدلالة على نفس المعنى السابق.--------------------------------------------
1 معجم مقاييس اللغة لابن فارس "3/ 95".
2 لسان العرب لابن منظور "6/ 331"، وتفسير ابن كثير "4/ 131"، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي "6/ 654".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
ومن ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: "ونعم السلف أنا لك" 1. وقوله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام رضي الله عنه: "أسلمت على ما سلف من خير" 2.
معنى "السلف" اصطلاحا:
في اصطلاح علماء العقيدة يطلق "السلف" على الصحابة رضي الله عنه والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم، وأئمة الإسلام العدول، ممن اتفقت الأمة على إمامتهم وعظم شأنهم في الدين، وتلقى المسلمون كلامهم خلفا عن سلف بالقبول، دون من رمي ببدعة، أو لقب غير مرضي، كالخوارج، والرافضة، والناصبة، والقدرية، والمرجئة، والأشعرية، والمعتزلة، والجهمية ونحوهم.. ومذهب السلف هو طريقهم في الاعتقاد المنسوب إليهم3.
وقال الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي: "وعلى ذلك فالمراد بمذهب السلف: ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظيم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف، كالأئمة الأربعة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وابن المبارك، والنخعي، والبخاري، ومسلم، وسائر أصحاب السنن، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي، مثل: الخوارج، والروافض، والمرجئة، والجبرية والجهمية، والمعتزلة"4.
فالسلف إذن مصطلح يطلق على المتقدمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم المذكورون في حديثه صلى الله عليه وسلم: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" 5.--------------------------------------------
1 رواه البخاري "6285"، ومسلم "2450".
2 رواه البخاري "1436"، ومسلم "123".
3 لوامع الأنوار للسفاريني "1/ 20"، والأسئلة والأجوبة الأصولية لمحمد عبد العزيز السلماني ص11، 12.
4 العقائد السلفية بأدلتها العقلية والنقلية والنقلية لأحمد بن حجر آل بوطامي ص11.
5 أخرجه البخاري "6695"، ومسلم "2535" من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
ومذهب السلف هو مذهب الصحابة الكرام، والتابعين وتابعيهم من الأئمة المذكورين المشهورين.
ثم إن كل من التزم بعقائد وأصول هؤلاء الأئمة كان منسوبا إليهم، وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان، وكل من خالفهم فليس منهم، وإن عاش بين أظهرهم، وجمعه بهم نفس المكان والزمان.
ويشهد لذلك قول الأوزاعي: "كتب إلي قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك، فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة"1.
ويقول الدكتور محمود خفاجى: "وليس التحديد الزمني كافيا في ذلك، بل لا بد أن يضاف إلى هذا السبق الزمني موافقة الرأي للكتاب والسنة وروحهما، فمن خالف رأيه الكتاب والسنة فليس بسلفي، وإن عاش بين أظهر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين"2.
ويشهد لهذا: قول أبي عبد الله النباجي الزاهد: "أصل العلم خمس خصال: أولها: الإيمان بالله، والثانية: معرفة الحق، والثالثة: إخلاص العمل، والرابعة: أن يكون مطعم الرجل من حلال، والخامسة: أن يكون على السنة والجماعة، فلو أن عبدًا آمن بالله عز وجل وأخلص نيته لله وعرف الحق على نفسه، وكان مطعمه من حلال ولم يكن على السنة والجماعة لم ينتفع من ذلك بشيء"3.
فالعبرة بالتزام السنة والجماعة بغض النظر عن المكان والزمان.--------------------------------------------
1 سيرة أعلام النبلاء للذهبي "7/ 121".
2 العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة للدكتور محمود خفاجى ص21.
3 حلية الأولياء لأبي نعيم "9/ 310"، وتاريخ دمشق لابن عساكر "7/ 217-والسياق له"، وجامع العلوم والحكم لابن رجب "1/ 263".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
"ولقد بدأت الحاجة إلى الانتساب للسلف حين تفرقت الأمة الإسلامية، وتعددت الاتجاهات الفكرية فيها حول أصول الدين، مما دعا علماء الأمة الأثبات وأساطينها الأعلام، لتجريد أنفسهم لتلخيص وترتيب الأصول العظمى والقواعد الكبرى للاتجاه السلفي، والمعتقد القرآني النبوي، ومن ثم نسبته إلى السلف الصالح، لقطع الباب على كل من ابتدع بدعة اعتقادية، وأراد نسبتها إليهم، حتى كانت النسبة إلى السلف رمزًا للافتخار، وعلامة على العدالة في الاعتقاد، مما يدل على أن النسبة إلى السلف لم تكن بدعة لفظية، ولا مجرد اصطلاحي كلامي، لكنه حقيقة شرعية ذات مدلول محدد، ولذلك لم تؤصل قواعده، ولم تحر موارده، إلا بقيام الحاجة في الأمة لبيان متكامل الصورة عما كان عليه أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالعدالة من طريقة عقدية وسيرة توحيدية"1.
ويبدو جليا من هذه الدراسة الاصطلاحية الشرعية لمدلول كلمة السلف، أن هذا المصطلح يلتقي مع مصطلح أهل السنة والجماعة، وأهل الحديث، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة.
فالسلف هم أهل الحديث كما سماهم بذلك كثير من الأئمة، وصدروا مؤلفاتهم بذلك، مثل: كتاب "عقيدة السلف أصحاب الحديث" للإمام إسماعيل الصابوني.
والسلف هم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة؛ لأنهم الصحابة ومن تابعهم من التابعين وتابعيهم.
والسلف هم أهل الأثر، وهم أهل الاتباع؛ لأن من طريقتهم "اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي،--------------------------------------------
1 نظريات شيخ الإسلام في السياسة والاجتماع للمستشرق الفرنسي لاووست ص32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" 1 2.
وما زال أهل السنة وما برحوا يستدلون على عقائدهم بالكتاب والسنة، فإن لم يجدوا فبما ثبت عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وبهذا كانوا يتواصون ويوصون.
قال الأوزاعي: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس"3.
وقال: " … واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك"4.
والإمام ابن كثير ينهج هذا النهج عند تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش} [الأعراف: 54] ، يقول: "فللناس في هذا مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق … "5.
والإمام الذهبي يقول في مقدمة كتابه "العلو للعلي الغفار": "فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فقف مع نصوص القرآن والسنة، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكموه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم، وإما أن تسكلت بعلم"6.
وعلى هذا فإن الدعوة إلى اتباع السلف إنما هي دعوة إلى الإسلام والسنة، ولا غضاضة في ذلك.--------------------------------------------
1 حديث صحيح، سبق تخريجه ص25.
2 شرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل هراس ص179-180.
3 الشريعة للآجري ص102، وصححه الألباني في مختصر العلو ص138.
4 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "1/ 154".
5 تفسير القرآن العظيم لابن كثير "2/ 221".
6 العلو للعلي الغفار للذهبي ص16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)