فالفلسفة إعمال العقل في أي مجال وكل مجال بلا أي منطلقات ابقة من دين أو وحي، للوصول إلى الحقائق الأزلية -بزعمهم-، فهي محولة إدراك الفاني القاصر للأول والآخر -سبحانه-، وبالتالي فهي محاولة محكومة بالفشل، مقضي عليها بالخسار والبوار قبل أن تبدأ، إذ الفلسفة تنتهي حتما إلى التعقيد والتخليط والجفاف كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة.
ولقد دخل من سمي بفلاسفة المسلمين في جحيم الفلسفة، فما خرجوا منها إلا إلى نار الجحيم -عياذًا بالله-، فأنكروا البعث والمعاد، وقالوا بقدم العالم، وجاءوا بالكفريات.
قال الغزالي رحمه الله: "وأما الإلهيات ففيها أكثر أغاليطهم، ومجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلًا يجب إكفارهم في ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر، وقد أبطالناها جميعا في كتابنا المسمى تهافت الفلاسفة، فأما الثلاثة: فقولهم بأن الأجسام لا تحشر، وأن الله لا يعلم الجزئيات، بل الكليات فقط، وأن العالم قديم … ثم قال: وجب الحكم بكفر أرستطاليس ومن قبله من الفلاسفة كأفلاطون وسقراط وغيرهم، وكفر متبعيهم من متفلسفة الإسلاميين كابن سينا، والفارابي، وأمثالهم"1.
بين الفلسفة وعلم الكلام:
إن الكلام يتعلق بدين بعينه، ولكن الفلسفة تبحث عنالحقائق والأصول بتجرد من كل دين ومذهب، ومن حيث المنهج فإن علم الكلام يبدأ من مسلمات عقدية يفترض صحتها، أي أن المتكلم يبدأ من قاعدة يعترف بها، ثم يبدأ في التماس الطريق العقلية المؤدية لإثباتها، وهذا بخلاف الفيلسوف الذي يتشكك في البدهيات، ويماري--------------------------------------------
1 المنقذ من الضلال للغزالي ص17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
في الأوليات، حتى يثبتها عقله أولا، ثم يتدرج منها إلى النتائج، مستخدما منهجا عقليا صرفا، فالمتكلم يبدأ بذكر الأدلة على وجود الله، والفيلسوف يبدأ بإنكار وجود الله، والعياذ بالله.
والحاصل أن تسمية علم التوحيد بالفلسفة هو تسمية للإيمان بضده، وللنور والهدى واليقين بالظلمة والضلال والشك، والعلماء متفقون على حرمة تعلم الفلسفة، متفقون على ذمها وذم من دخل فيها من علماء الكلام سواء في ذلك أهل السنة، أو الأشاعرة، أو الماتريدية.
قال التفتازاني الماتريدي: "ولا يصدنك عن آيات الله ودين الإسلام، ولا يصرفنك عن اتباع هؤلاء الأنبياء خوض بعض المتفلسفين في زي الفقهاء في هذه الزنادقة الهادمة لدين الإسلام، وملة الأنبياء، فإنه انسلخ من الدين فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وصار من أئمة الكفرة في صورة علماء المسلمين"1.
وقال السنوسي الأشعري: "فليحذر المبتدئ جهده أن يأخذ أصول دينه من الكبت التي حشيت بكلام الفلاسفة، وأولع مؤلفوها بنقل ما هو كفر صريح من عقائدهم، التي ستروا نجاساتها باصطلاحاتهم، وعبارات مبهمة على كثير من الناس، ككتب الرازي في فن الكلام، وطوالع البيضاوي، ومن حذا حذوهما في ذلك، وقل أن يفلح من أولع بصحبة كلام الفلاسفة، أو يكون له نور إيمان في قلبه أو لسانه"2.
قال الذهبي رحمه الله في ترجمة ابن حزم رحمه الله: "وكان قد مهر أولا في الأدب والأخبار والشعر، وفي المنطق وأجزاء الفلسفة، فأثرت فيه تأثيرا ليته سلم من ذلك"3.--------------------------------------------
1 رد النصوص للتفتازاني، نقلا عن ترتيب العلوم للشيخ محمد المرعشي ص231.
2 شرح متن السنوسية للسنوسي، نقلا عن ترتيب العلوم للشيخ محمد المرعشي ص148، 149.
3 سير أعلام النبلاء "18/ 186".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
وأخيرا فإن طائفة من علماء الكلام الفحول الذين دخلوا في علم الكلام المشحون بالفلسفة قد رجعوا عن الكلام ومسالكه، وتابوا إلى الله من الفلسفة وأوضارها في ملحات العمر الأخيرة، كما فعل أبو الحسن الأشعري، حيث قال رحمه الله: "فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما قال به أبو عبد الله أحمد بن حنبل -نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مجانبون"1.
وهذا الإمام الجويني رحمه الله يقول في آخر عمره: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به"2، وقال عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل للجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال على عقيدة عجائز أهل نيسابور"3.
وقال الشهرستاني:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر … على ذقن أو قارعا سن نادم4--------------------------------------------
1 الإبانة عن أصول الديانة للأشعري "1/ 20".
2 طبقات الشافعية الكبرى للسبكي "5/ 186"، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص105.
3 شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري الحنفي ص6، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص104، 105.
4 نهاية الإقدام للشهرستاني ص3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
وقال الرازي: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن … ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"1.
ثم اعتذر عما دخل فيه بكلام طويل قال في آخره: "وأقول: ديني متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما، … وأما الكتب التي صنفتها واستكثرت فيها من إيراد السؤالات، فليذكرني من نظر فيها بصالح دعائه على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فليحذف السيئ، فإني ما أردت إلا تكثير البحث وشحذ الخاطر … "2.
وقال الغزالي: "الدليل على أن مذهب السلف هو الحق، أن نقيضه بدعة، والبدعة مذمومة وضلالة"3.
وقال أيضا: "إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا محتاجين لمحاجة اليهود والنصارى في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فما زادوا على أدلة القرآن شيئا، وما ركبوا ظهر اللجاج في وضع المقاييس العقلية وترتيب المقدمات، كل ذلك لعلمهم، بأن ذلك مثار الفتن ومنبع التشويش، ومن لا يقنعه أدلة القرآن، لا يقمعه إلا السيف والسنان، فما بعد بيان الله بيان"4، وصدق الله تعالى وغفر له.
وقال الآمدي: "أمعنت النظر في الكلام، وما استفدت منه شيئا إلا ما عليه العوام"5.--------------------------------------------
1 درء التعارض لابن تيمية "1/ 160".
2 طبقات الشافعية الكبرى للسبكي "8/ 91، 92".
3 إلجام العوام عن علم الكلام للغزالي ص96.
4 المصدر السابق ص89-90.
5 درء التعارض لابن تيمية "3/ 262".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
وهذا الشوكاني يذكر انكبابه في عنفوان شبابه على مؤلفات طوائف المتكلمين، ثم قال: "ورمت الرجوع بفائدة، والعودة بعائدة، فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة"1.
وقال المرعشي: "وأقول كما هجر الغزالي الكلام، كذلك هجرته وتبرأت وتبت منه إلى الله تعالى، الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، وأسأل الله ألا يحشرني يوم القيامة مع المتكلمين، وهذا القول مني بعد اشتغال بالكلام وتأليفي فيه "نشر الطوالع"2، والآن أتمنى أن أجمع نسخه المنتشرة وأحرقها بالنار، ولئلا يبقى مني أثر في الكلام، لكني لا أقدر على ذلك"3.
ونقل المرعشي قول أحد المتكلمين في حاشيته لشرح العقائد: "الاشتغال بتفاصيل علم الكلام يقسي القلب، ولذا نرى أكثر طلبته تاركي الصلاة، ومرتكبي الكبائر، ومضيعي العمر فيما لا يعنيهم"، ثم علق عليه فقال: يقول الفقير: "أما قسوة القلب فقد وجدناها بلا شك عند الاشتغال به، فنسأل الله يقيلنا عثراتنا"4.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان، لكان شيئا كثيرًا، وما لم يبلغني عن حيرتهم وشكهم أكثر وأكثر، وذلك؛ لأن الهدى هو فيما بعث الله به رسله، فمن أعرض عنه لم يكن مهتديا فكيف بمن عارضه بما يناقضه، وقدم مناقضه عليه"5.--------------------------------------------
1 التحف في مذاهب السلف للشوكاني ص74.
2 من العجب أن هذا الكتاب الذي تراجع عنه صاحبه، كان مقررا على طلاب المعاهد الدينية بالأزهر في فترة سابقة، وهو شرح لطوالع البيضاوي الأصولي المتكلم.
3 ترتيب العلوم للشيخ محمد المرعشي المعروف بـ"ساجقلي زاده" ص74.
4 المصدر السابق ص215.
5 درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "1/ 166".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
وأخيرًا أقول: إن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وذكر هذه الأخبار عن علماء أهل الإسلام يدل على كمالهم وحسن مقصدهم، غفر الله لهم جميعا، قال الذهبي رحمه الله بعد أن ذكر الغلاة في الطوائف الإسلامية من أهل القبلة: " … قد ماجت به الدنيا وكثروا، وفيهم أذكياء وعباد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع، والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن"1.
وقال أيضا في حق الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله: "ولوا أن أبا حامد من كبار الأذكياء وخيار المخلصين، لتلف، فالحذار الحذار من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل، وإلا وقعتهم في الحيرة فمن رام النجاة والفوز فليلزم العبودية، وليدمن الاستغاثة بالله، وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام، وأن يتوفى على إيمان الصحابة وسادة التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يغفر له، وينجو إن شاء الله"2.--------------------------------------------
1 سير أعلام النبلاء للذهبي "20/ 45، 46".
2 المصدر السابق "19/ 328، 329".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
المبحث الثالث: موضوع علم التوحيد
إن موضوع أي علم هو ذلك المعنى العام الذي يشتمل على مسائله التي يتخذها دائرة لبحثه دون غيره من العلوم، وذكر موضوع العلم بعد تعريفه مما يزيده تحديدًا وتمييزًا عن غيره، كما يشير إلى طبيعة منهج البحث فيه؛ لأن مناهج العلوم، وإنما توضع ملائمة لطبيعة موضوعاتها.
وفي تعريف موضوع العلم اصطلاحًا، قال ابن النجار الحنبلي رحمه الله: "هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية"1، أي الأحوال التي منشؤها ذات الشيء محل البحث، فالمقصود الأحوال التي منشؤها ذات العلم.
فإذا قيل: إن موضوع علم الطب هو بدن الإنسان، فإن موضوعه يبحث عما يعرض لهذا البدن من أحوال الصحة والمرض، وإذا قيل: إن موضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين، فإنه يبحث عما يعرض لهذه الأفعال من الأحكام، كالوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة، والصحة، والفساد.
وموضوع علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة يدور على أمور منها: بيان حقيقة الإيمان بالله تعالى وتوحيده، وما يجب له تعالى من صفات الجلال والكمال، "مع إفراده وحده بالعبادة دون شريك"، والإيمان بالملائكة الأبرار والرسل الأطهار، وما يتعلق باليوم الآخر" والقضاء والقدر، كما يدور على بيان ضد التوحيد وهو الشرك والكفر، وبيان حقيقتيهما وأنواعهما.--------------------------------------------
1 شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلي بتحقيق د. محمد الزحيلي ود. نزيه حماد "1/ 33".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
وقد يقال: إن موضوع علم التوحيد يدور على محاور ثلاثة، وذلك على النحو التالي:
1- ذات الله تعالى أو "الإلهيات":
والبحث في ذات الله تعالى من حيثيات ثلاث، هي:
1- ما يتصف به تعالى من العلم والحياة والقدرة والصفات، وسائر صفاته وكمالاته تعالى. قال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .
2- ما يتنزه عنه من الظلم والنقص والعجز والمثالب، وسائر ما لا يليق بجلاله وكماله. قال تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} [البقرة: 255] .
3- حقه على عباده، وهو أن يعبدوه فلا يشركوا به شيئًا، وأن يطيعوه فلا يعصوه أبدًا، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] .
وقد أغفل كثير من المخالفين لأهل السنة في الاعتقاد هذه الحيثية الثالثة عند البحث في موضوع علم التوحيد، حيث قصروه على ما يشمل إثبات وجوده تعالى وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأغفلوا ما يشمل ألوهيته وعبادته، وسبب ذلك أنهم قصروا الإيمان على التصديق، وأخرجوا عنه العمل بالطاعات، واجتناب الشركيات، وجعلوا الكفر مجرد التكذيب والجحود بالقلب، ولا دخل لعمل الجوارح في الكفر، إلا إذا دل على انتقاض عمل القلب فحسب، ولذا قال قائلهم في جوهرة التوحيد:
ومن بمعلوم ضرورة جحد … من ديننا يقتل كفرا ليس حد
ومثل هذا من نفي لمجمع … أو استباح كالزنا فلتسمع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
يقول فضيلة الشيخ الدكتور محمد خليل هراس رحمه الله: "قال الشيخ محمد عبده في موضوع علم التوحيد: هو علم يبحث فيه عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفات، وما يجوز أن يوصف به، وما يجب أن ينفي عنه وعن الرسل لإثبات رسالتهم، وما يجب أن يكونوا عليه، وما يجوز أن ينسب إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم، فلم يذكر شئون الغيب وأحوال المعاد، ثم قال بعد ذلك: وأصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، وسمي هذا العلم به تسمية له بأهم أجزائه، وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهي كل قصد، وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، كما تشهد به آيات الكتاب العزيز …
وقد غلط الشيخ عبده في اعتبار توحيد الربوبية والانفراد بالخلق هو الغاية من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن هذا النوع من التوحيد كانت تقربه الأمم التي بعثت إليه الرسل إجمالا، ولم يقع نزاع فيه بينهم وبين الرسل، وإنما كان النزاع في توحيد الإلهية والعبادة، ولهذا لم يجئ على لسان الرسل عليهم السلام الدعوة إلى اعتقاد أن الله هو وحده الخالق -وإن وردت أدلة ذلك في ثنايا الرسالات-، وإنما كان مدار دعوتهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، فكل منهم كان مفتتح دعوته لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 65] .
ولعل فضيلة الشيخ عبده في هذا كان متأثرا بالأشعرية، الذين جعلوا الانفراد بالخلق هو أخص خصائص الإلهية، واهتموا في كتبهم بإقامة البراهين على هذا النوع من التوحيد، دون أن يشيروا إلى توحيد الإلهية الذي هو أقصى الغايات ونهاية النهايات.
وقد أحسن العلامة السيد رشيد رضا، حيث قال مستدركا على أستاذه: "فات الأستاذ أن يصرح بتوحيد العبادة، وهو أن يعبد الله وحده غيره بدعاء، ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
بغير ذلك … هذا التوحيد هو الذي كان أول ما يدعو إليه كل رسول قومه بقوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} "1.
فإن اقتصر الباحث في علم التوحيد على هذه الحيثيات الثلاث، وبفهم السلف فهو داخل حظيرة الإسلام والسنة، وإن خاض في البحث عن حقيقة الذات، وكنه الصفات وأمور الإلهيات على قواعد أهل الكلام، فقد خرج عن السنة إلى البدعة، وعن الهدى إلى الضلالة، وإن زاد في المخالفة، فبحث على قواعد أهل الفلسفة، فقد خرج عن دائرة البدعة إلى الكفر، والعياذ بالله تعالى.
ورحم الله من قال:
العجز عن درك الإدراك إدراك … والبحث في كنه ذات الله إشراك
2- ذوات الرسل الكرام أو "النبوات":
والبحث في ذوات الرسل الكرام من الحيثيات التالية:
- ما يلزمهم ويجب عليهم من صدق وأمانة وبلاغ ونصح لأممهم، ونحو ذلك. قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75] ، وقال سبحانه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ، وقال عز وجل: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} [المائدة: 99] .
- ما يجوز في حقهم من أكل ونكاح وأمراض غير منفرة وموت، ونحو ذلك مما يعرض للبشر. قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38] ، وقال تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [إبراهيم: 11] .--------------------------------------------
1 دعوة التوحيد لمحمد خليل هراس ص 8-10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
- ما يستحيل في حقهم من الكذب والخيانة والكفر والكبائر والموبقات. قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] .
- ما يجب لهم على أتباعهم من الحب والطاعة والاتباع والتعظيم. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] ، وقال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] .
3- السمعيات أو "الغيبيات":
وهي ما يتوقف الإيمان به على مجرد ورود السمع أو الوحي به، وليس للعقل في إثباتها أو نفيها مدخل، كأشراط القيامة، وتفاصيل البعث والجزاء دون أصلهما، والصراط والحوض، وأخبار الجنة والنار، ونحو ذلك.
والبحث في السمعيات أو مسائل الغيب يكون من حيث اعتقادها، وهو يقوم على دعامتين اثنتين هما:
1- الإقرار بها مع التصديق، ويقابله الجحود والإنكار لها.
2- الإمرار لها مع إثبات معناها، ويقابله الخوض في الكنه والحقيقة، ومحاولة التصور والتوهم بالعقل بعيدا عن النقل.
وضابط السمعيات: أن العقل لا يمنعها أو يحيلها، ولا يقدر على ذلك، ولا يقدر أن يوجبها، ولا يحار في ذلك.
فمتى ما صح النقل عن الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الواجب اعتقاد ذلك والإقرار به، ودفع كل تعارض موهوم بين شرع الله وهو الوحي، وبين خلقه وهو العقل، قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] ، وكما أنه لا تفاوت في خلقه: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [تبارك: 3] ، فلا تفاوت أيضًا في شرعه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ، والقاعدة الذهبية أنه لا يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح عند التحقيق.
- وأخيرا فإنه قد يصح أن يقال: إن موضوع علم التوحيد هو ذات الله تعالى وحده، وذلك من حيث ما يجب له ويجوز ويمتنع1، ومن حيث رسالته الواردة عن طريق الرسول، ومن حيث ما ورد في هذه الرسالة من خبر ووحي، فالكل متعلق بالله تعالى الواحد الأحد، وعلى هذا فكل ما له تعلق بالله أو الرسول أو الوحي من الحيثيات السابقة فهو من علم التوحيد، وما خرج عن ذلك فهو خارج عن علم التوحيد ولا بد.--------------------------------------------
1 سبق تعريف الشيخ ابن عثيمين لعلم التوحيد باعتبار موضوعه بأنه: "العلم الذي يبحث في ذات الله، وما يجب له وما يجوز وما يمتنع".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
المبحث الرابع: حكم علم التوحيد
الحكم في اللغة: القضاء مطلقا أو القضاء بالعدل خاصة، وأصله من المنع1.
واصطلاحًا: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع2.
"وينبغي أن يعلم أن حكم العلم كحكم معلومه، فإن كان المعلوم فرضا أو سنة فعلمه كذلك، إذا توقف حصول المعلوم على تعلم ذلك العلم"3.
وفي الحق أن تعلم علم التوحيد منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، وهذا شأن العلوم الشرعية عامة.
قال ابن عبد البر رحمه الله: "أجمع العلماء أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصته بنفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية، إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع"4.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان"5.--------------------------------------------
1 لسان العرب لابن منظور "3/ 270"، والمصباح المنير للفيومي "1/ 145"، والقاموس المحيط للفيروزابادي ص1415.
2 التمهيد للأسنوي ص48، وشرح مختصر المنتهى للعضد "1/ 222".
3 ترتيب العلوم للمرعشي ص90.
4 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص10.
5 مجموع الفتاوى "3/ 328، 329"، "28/ 80".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
وإن أعظم ما أمر الله به هو التوحيد، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] ، وقال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] ، وفي حديث معاذ رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ "، قلت: "الله ورسوله أعلم"، قال: "حق اله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" 1، وفي حديث معاذ الآخر قال صلى الله عليه وسلم: "فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" 2.
فكان أول الواجبات وأوجب التكليفات، هو إفراد الله تعالى بالتوحيد والبراءة من الشرك باتفاق أهل السنة، وفي الحديث: "إن العبد أول ما يسئل في قبره من ربك، وما دينك، ومن الرجل الذي بعث فيكم" 3.
قال الإمام ابن أبي العز رحمه الله: "اعلم أن التوحيد هو أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل.. ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إلا الله، لا النظر4، ولا القصد إلى النظر5، ولا الشك6.. فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب"7.--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري "2856"، ومسلم "30".
2 أخرجه البخاري "1458"، ومسلم "19".
3 أخرجه أبو داود "3212"، وابن ماجه "1548".
4 وهذا مذهب الأشاعرة، انظر: "الإنصاف" للباقلاني ص22.
5 وهذا مذهب الجويني، انظر: "الإرشاد" للجويني ص3.
6 وهذا مذهب المعتزلة، انظر: "الأصول الخمسة" للقاضي عبد الجبار، وهذا كله مبني على أن الإيمان بالخالق كسبي نظري في أصله، وأهل السنة على أن الإيمان بالخالق في أصله فطري وهبي.
7 شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز "1/ 21-23".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في منظومته:
أول واجب على العبيد … معرفة الرحمن بالتوحيد
إذ هو من كل الأوامر أعظم … وهو نوعان أيا من يفهم
ومما يدل على أنه آخر واجب، حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" 1، وفي الصحيح من حديث عثمان رضي الله عنه: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة" 2.
فتعلم فرض العين من علم التوحيد هو أول الواجبات وأولاها، وأفرضها على المكلفين أجمعين.
وفرض العين منه، هو: ما تصح به عقيدة المسلم في ربه، من حيث ما يجوز ويجب ويمتنع في حق الله تعالى، ذاتا وأسماء وأفعالا وصفات، على وجه الإجمال، وهذا ما يسميه بعض العلماء بالإيمان المجمل أو الإجمالي.
وهو ما يسأل عنه جميع الخلق، لما روي عن أنس بن مالك، وابن عمر ومجاهد في قوله عز وجل: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] ، قالوا: عن لا إله إلا الله3.
وأما فرض الكفاية من علم التوحيد، فما زاد على ذلك من التفصيل والتدليل والتعليل، وتحصيل القدرة على رد الشبهات وقوادح الأدلة، وإلزام المعاندين وإفحام المخالفين، وهذا ما يسمى بالإيمان التفصيلي، وهو المقدور على إثباته بالأدلة وحل ودفع الشبه الواردة عليه، وهو من أجل فروض الكفايات في علوم الإسلام؛ لأنه ينفي تأويل المبطلين وانتحال الغالين، فلا يجوز أن يخلو الزمان ممن يقوم بهذا الفرض الكفائي المهم،--------------------------------------------
1 أخرجه مسلم "917".
2 أخرجه مسلم "26".
3 أخرجه الطبراني في "الدعاء" "1492، 1493، 1494، 1496، 1497"، بأسانيد لا تخلو من مقال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
إذا لا شك أن حفظ عقائد الناس أكثر أهمية من حفظ أبدانهم، وأموالهم وأعراضهم.
واختصارًا فإن حكم الشارع في تعلم علم التوحيد أنه فرض عين على كل مكلف، من ذكر وأنثى، وذلك بالأدلة الإجمالية، وأما بالأدلة التفصيلية ففرض على الكفاية.
ويشترط للتكليف بالتوحيد أربعة شروط، وهي: العقل، والبلوغ، وسلامة حاستي السمع أو البصر، وبلوغ الدعوة، وفيما يلي لمحة عنها:
1- العقل:
ويقصد به الوصف الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان، فبه يتحصل على العلوم النظرية، ويدبر الصناعات الخفية، وينشأ هذا العقل في بطن الأم ويكتمل لدى البلوغ، وهو بهذا الاعتبار محض منحة الله وفضله.
وسمي هذ العقل عقلا؛ لأنه يعقل الإنسان عما يقبح، كما يعقل العقال الدابة، ويسمى هذا العقل بالعقل الغريزي أو الطبعي، وهو المشترط للتكليف، فإذا غاب تماما أو زال بالكلية، فقد أصبح الإنسان غير مكلف، وإذا أخذ الله ما وهب أسقط ما أوجب وفي الحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم" 1.--------------------------------------------
1 رواه أحمد "1/ 154، 158"، وأبو داود "4401-4403"، والنسائي في الكبرى "7343-7347"، والترمذي "1423"، وابن حبان "143"، والدارقطني "3/ 183-139"، والحاكم "1/ 258" "2/ 59"، والبيهقي "6/ 57" "7/ 259" "8/ 264-265"، والضياء في المختارة "415" من حديث علي مرفوعا وموقوفا، والصواب وقفه من قول علي غير مرفوع، كما ذكر النسائي والدارقطني وغيرهما. وانظر: علل الترمذي "ص/ 225-227"، وعلل الدارقطني "3/ 72، 192 رقم 291، 354".
وإلى هذا ذهب البخاري فأورده في صحيحه معلقا من قول علي كما في كتاب "الطلاق" من صحيحه "5/ 201" باب: "الطلاق في الإغلاق".
لكن رواه أحمد "6/، 100، 101، 144"، وأبو داود "4398"، والنسائي في الكبرى "5625"، وابن ماجه "2041"، والحاكم "2/ 59"، وابن حبان "142" من حديث عائشة رضي الله عنها. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
فالعقل الطبعي الموهوب هو شرط التكليف، ولكن لما كان التكليف لا يناط بكل مقدار من العقل، وإنما هناك درجة من العقل إذا بلغها الصبي كان مكلفًا، ولما كان من الصعب معرفة بلوغ الصبي تلك المرتبة التي هي مناط التكليف، فقد أقام الشارع البلوغ -كوصف ظاهر منضبط- دليلًا على اكتمال القدر المطلوب من العقل للتكليف.
2- البلوغ:
ويقصد به انتهاء حد الصغر، وانتقال الصبي من حالة الطفولة إلى حالة الرجولة، وعنده يتم التكليف ويجري القلم، ويدرك الصغير قضاياه المصيرية، ويفكر بجدية في إجابات الأسئلة الضرورية، فإذا مات الصبي قبل البلوغ، فقد مات مرفوعا عنه القلم وناجيا عند الله تعالى، سواء في ذلك أبناء المسلمين والكفار على الراجح.
كما نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، فقال: "وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل"1.
وللبلوغ علامات وأمارات، اثنتان يشترك فيها الذكر والأنثى، وهما الإنزال أو الاحتلام والإنبات، واثنتان تخص الأنثى وهما الحيض والحبل، فإن لم يوجد شيء من ذلك فبالسن، وبيان الأمارات كما يلي:
الإنزال: وهو خروج المني دفقا بشهوة، يقظة أو مناما، بجماع أو بغيره.
قال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور: 59] ، وأمر--------------------------------------------
= وصححه الحاكم، والألباني في صحيح الجامع "3512-3514" من حديث علي، وصححه الحاكم وابن حبان من حديث عائشة، ونقل الترمذي في العلل عن البخاري قوله في حديث عائشة: "أرجو أن يكون محفوظا". وله شواهد عن جماعة من الصحابة. انظر: نصب الراية للزيلعي "4/ 161".
1 الإجماع لابن المنذر ص111، وهو عند ابن قدامة في المغني "4/ 297"، والبهوتي في كشاف القناع "3/ 443"، وابن مفلح في البدع "4/ 332"، وابن حجر في الفتح "6/ 204".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
الأطفال بالاستئذان بعد الاحتلام، دليل على أن الاحتلام يحصل به التكليف، وما ذلك إلا؛ لأن الشرع أثبت به البلوغ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل المحتلم من بني قريظة، ففي الحديث الذي رواه عطية القرظي قال: "عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم -زمن قريظة- فمن كان محتلما أو نبتت عانته قتل" 1.
الإنبات: وهو نبات الشعر الخشن -الذي استحق أخذه بالموسى- على العانة، ولا عبرة بالزغب الضعيف.
والإنبات علامة على البلوغ عند الحنابلة2 والظاهرية3، والراجح لدى المالكية4 مطلقا، لحديث عطية القرظي المتقدم، وعند الشافعية في حق الكافر دون المسلم -في الأصح5، وذهب الحنفية إلى عدم اعتباره مطلقا6.
والراجح مذهب الجمهور، ويشهد له حديث عطية القرظي، وفي بعض رواياته: "فإذا أنبت جعلوه في الرجال وحكمه القتل، وإن لم ينبت جعلوه في السبي، قال: فشكوا في فكشفوا عن مئزري، ونظروا إلى عورتي، فوجدوني لم أنبت"7.--------------------------------------------
1 رواه أحمد "18523"، والدارمي "2464"، وأبو داود "4404"، والترمذي "1584"، والنسائي "3429". وابن ماجه "2542"، وأبو عوانة "6476-6483"، والبيهقي "6/ 58"، وبعض أسانيده صحيحة، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم". أ. هـ.
2 المغني لابن قدامة "4/ 297"، وكشاف القناع للبهوتي "3/ 444".
3 المحلى لابن حزم "1/ 88، 89".
4 المدونة لمالك "6/ 220-221"، وحاشية الخرشي على مختصر خليل "5/ 291".
5 مغني المحتاج للخطيب الشربيني "2/ 167"، والمهذب للشيرازي "1/ 330".
6 حاشية ابن عابدين على الدر المختار لابن عابدين "6/ 153".
7 انظر: الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم "4/ 205"، والمعجم الكبير للطبراني "17/ 163"، والطبقات لابن سعد "2/ 76-77"، والاستيعاب لابن عبد البر "3/ 1072".
ومدار الحديث على عبد الملك بن عمير، وهو ثقة، وقد صرح بالتحديث فأمن من تدليسه.
وانظر: تهذيب الأسماء للنووي "1/ 308".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
الحيض: وهو خروج دم أحمر، داكن بالسواد، منتن الريح، من فرج
المرأة عادة، وقد أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ، قال القرطبي رحمه الله: "فأما الحيض والحبل، فلم يختلف العلماء في أنهما بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما"1، ونقل الإجماع غير واحد من العلماء"2.
الحبل: اتفقت المذاهب الأربعة على أن الحبل دليل على البلوغ، وذلك؛ لأن الحمل لا يكون إلا مع الإنزال، والإنزال بلوغ، فكان الحبل دليلا على البلوغ.
السن: فمتى بلغ الصغير خمس عشرة سنة ذكرًا كان أو أنثى عد بالغا -ما لم يبلغ بأمارة أخرى قبل ذلك-، وهذا قول الجمهور من الشافعية3 والحنابلة4 وأبي يوسف ومحمد بن الحنفية، ورواية عن أبي حنيفة5، وقول عند المالكية6.
واستدلوا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: "عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في القتال -وأنا ابن أربع عشرة سنة- فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق -وأنا ابن خمس عشرة سنة- فأجازني"7.
وعند أبي حنيفة في الرواية الثانية إذا أتم الغلام ثماني عشرة سنة عد بالغا، وإذا أتمت الأنثى سبع عشرة سنة عدت بالغة8.--------------------------------------------
1 تفسير القرطبي "5/ 34".
2 وممن نقل الإجماع ابن حجر في الفتح "6/ 205".
3 الأم للشافعي "3/ 215"، والمهذب للشيرازي "1/ 330".
4 المغني لابن قدامة "4/ 298"، وكشاف القناع للبهوتي "3/ 443".
5 الهداية للمرغيناني "3/ 284"، وتبيين الحقائق للزيلعي "5/ 203".
6 حاشية الخرشي على مختصر خليل "5/ 291".
7 أخرجه البخاري "2664"، ومسلم "1868".
8 الهداية للمرغيناني "3/ 207".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
ومشهور المالكية أن الصبي -ذكرا كان أو أنثى- يعد بالغا إذا أتم ثماني عشرة سنة1.
والراجح القول الأول، قال أبو بكر بن العربي: "والسن التي اعتبرها النبي صلى الله عليه وسلم هي خمس عشرة سنة أولى من سن لم يعتبرها، وكذا اعتبر الإنبات علامة على البلوغ"2.
3- سلامة حاسة السمع أو البصر:
الحواس جمع حاسة بمعنى القوة الحاسة المدركة، ومنها الحواس الخمس وهي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وهي تنقل إلى الأذهان ما تستطيع الإحساس به، فلا يدرك بواحدة ما يدرك بالحاسة الأخرى، والمدرك بشيء منها يقال له محسوس، وقد تكون تلك الحواس سليمة فتنقل نقلا صحيحا، وقد تكون عليلة أو مختلة فتنقل نقلا خاطئا أو مشوها.
"وهذه الحواس لا تستقل بإدراك المعاني والحقائق دون مساعدة العقل أو الدماغ، فالعقل أو الدماغ هو الذي يترجم هذه المحسوسات إلى معان، ودليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} [البقرة: 171] ، حيث شبه الله الكافرين بالبهائم التي يناديها الراعي، وربما تكلم بعبارات لكنها لا تفهم منها إلا صوتا لا تميزه، فالبهائهم تسمع السوت، لكن لعدم المقدرة العقلية التي تمكنها من التمييز بين الأصوات ومعرفتها، فإن الأصوات عندها سواء، لا تحمل إليها شيئا من المعاني المعينة"3.
وأهم الحواس للتكليف حاسة السمع، فإن فقدت قبل حصول العلم فقد انسدت منافذ المعرف الصحيحة، وامتنع بلوغ الدعوة، وقيام الحجة على وجهها التام---------------------------------------------
1 حاشية الخرشي على مختصر خليل "5/ 291".
2 أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي ص 320.
3 العلم أصوله ومصادره ومناهجه لمحمد الخرعان ص28، 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)