قلنا:
لم يكن اجتهاد الصحابة مقصورًا على ما ذكروه، بل قد حكموا بأحكام لا تصح إلا بالقياس، كعهد أبي بكر إلى عمر، قياسًا للعهد على العقد بالبيعة، وقياس الزكاة على الصلاة1، وقياس عمر الشاهد على القاذف في حد أبي بكرة2، وإلحاق السكر بالقذف لأنه مظنته3.
وقد اشتهر اختلافهم في الجد قياسًا: فقال ابن عباس: "ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا"4، فأنكر ترك قياس الأبوة على البنوة، مع افتراقهما في الأحكام.
وصرح من سوى بينهما بأن الأخ يدلي بالأب، والجد يدلي به أيضًا، فالمدلى به واحد، والإدلاء مختلف5.--------------------------------------------
1 في الأثر الذي تقدم وفيه: "لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة".
2 تقدمت ترجمته.
3 وهو ما سبق تخريجه عن علي رضي الله عنه قال، في شارب الخمر: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي "أي: تكلم بكلام غير معقول" وإذا هذي افترى "أي: قذف" وعلى المفترى ثمانون جلدة".
4 ذكره ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله "2/ 131" بدون إسناد، كما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه "10/ 266".
5 أي: أن الذين سووا بين الجد والإخوة في أن كلًّا منهما يستحق الميراث قالوا: كل منهما يدلي إلى الميت بواسطة الأب، فالمدلَى به -وهو الأب- واحد، والإدلاء مختلف، فالجد يدلي إلى الميت بجهة الأبوة، والإخوة يدلون بجهة البنوة، فهما مختلفان، فقاسوا الإدلاء بجهة البنوة على الإدلاء بجهة الأبوة، مع أن البنوة تختلف عن الأبوة في بعض الأحكام، فتوريث الصحابة رضي الله عنهم للإخوة مع الجد ثابت بالقياس، وهذا هو المدعى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 166)
وصرحوا بالتشبيه بالغصنين، والخليجين1.--------------------------------------------
1 خلاصة الكلام في ميراث الجد ومحل الشاهد من إيراده هنا: أن الصحابة رضي الله عنهم، اختلفوا في ميراث الجد مع الإخوة، في حالة عدم وجود الأب، على مذهبين:
المذهب الأول: أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات في جميع الجهات، تنزيلًا له منزلة الأب، وهو رأي أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وروي ذلك عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم جميعًا.
المذهب الثاني: أن الأخوة يرثون مع الجد -على خلاف بينهم في القدر الذي يرثه- ولا يقوى الجد على حجبهم كما يحجبهم الأب، وهو رأي علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم لأن ميراثهم ثابت بالكتاب، فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع أو قياس، وما وجد شيء من ذلك.
ولأنهم تساووا مع الجد في سبب الاستحقاق، فالإخوة والجد يدليان إلى الميت بواسطة الأب، فالجد أبوه، والأخ ابنه، وقرابة البنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى، ولذلك مثله علي رضي الله عنه بشجرة أنبتت غصنًا، فانفرق منه غصنان، كل واحد منهم على الآخر أقرب منه إلى أصل الشجرة، ومثّله زيد بواد خرج منه نهر، انفرق منه جدولان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى الوادي.
انظر: سنن البيهقي: كتاب الفرائض، باب: من ورّث الإخوة مع الجد، والمصنف لعبد الرزاق "10/ 95" والمغني لابن قدامة "9/ 65 وما بعدها".
ومحل الشاهد في إيراد هذه القضية: أن الصحابة رضي الله عنهم استعملوا القياس في ميراث الجد، حيث اعترض ابن عباس على زيد بن ثابت في عدم قياس الجد على ابن الابن، فإن ابن الابن يحل محل الابن في حالة عدم وجوده، فلماذا لا يحل الجد محل الأب، وهذا معنى قوله: "ألا يتقى الله زيد بن ثابت، بجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا".
كما أن الذين سووا بين الجد والإخوة وأنهم لا يحجبون استعملوا القياس أيضًا، كما تقدم في غصني الشجرة، وجدولي الماء.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 167)
ومن فتّش عن اختلافهم في الفرائض وغيرها؛ عرف ضرورة سلوكهم التشبيه والمقايسة، وأنهم لم يقتصروا على تحقيق المناط في إثبات الأحكام، بل استعملوا ذلك في بقية طرق الاجتهاد.
[الأدلة النقلية على حجية القياس]
وقد استدل على إثبات القياس بقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} 1.
وحقيقة الاعتبار: مقايسة الشيء بغيره كما يقال: "اعتبر الدينار بالصَّنْجة"2. وهذا هو القياس.
فإن قيل: المراد به الاعتبار بحال من عصى أمر الله، وخالف رسله، لينزجر، ولذلك لا يحسن أن يصرح بالقياس ههنا فيقول:--------------------------------------------
1 سورة الحشر من الآية "2".
قال الطوفي في شرحه "3/ 259-260"- مبينًا وجه الدلالة من هذه الآية: "القياس اعتبار، والاعتبار مأمور به، فالقياس مأمور به.
أما المقدمة الأولى، وهي: أن القياس اعتبار، فهي لغوية، أي: طريق معرفتها اللغة، وأنه التقدير والاعتبار، وأيضًا: فإن الاعتبار مشتق من العبور، وهو المجاوزة، ومنه المِعْبَر؛ لأنه يجاوز بالناس من أحد جانبي البحر إلى الآخر، وعابر المنام؛ لأنه يعبر حال المنام إلى ما يشبهه في اليقظة، وكذلك القياس يجاوز بحكم المنصوص إلى غيره، ويعبر منه إليه، فكان القياس اعتبارًا بحكم الاشتقاق.
وأما المقدمة الثانية، وهي: أن الاعتبار مأمور به، فلقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} أمر بالاعتبار، والأمر للوجوب، فيكون الاعتبار الذي منه القياس واجبًا.
2 هي الميزان. معرّبة. القاموس المحيط فصل الصاد باب الجيم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 168)
{يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} فألحقوا الفروع بالأصول، لتعرف الأحكام.
قلنا: اللفظ عام، وإنما لم يحسن التصريح بالقياس ههنا، لأنه يخرج عن عمومه المذكور في الآية، إذ ليس حالنا فرعًا لحالهم1.
دليل آخر:
قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "بِمَ تَقْضِي؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لمْ تَجدْ؟ " قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فَإن لمْ تَجدْ؟ " قال أجتهد رأيي، قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم 2".
قالوا: هذا الحديث يرويه الحارث بن عمرو1 عن رجال من أهل--------------------------------------------
1 خلاصة ذلك: أن المنكرين لحجية القياس اعترضوا على الاستدلال بهذه الآية فقالوا: إن الاعتبار هنا معناه الاتعاظ، لأن قوله تعالى: {فاعتبروا} وارد في سياق قوله تعالى، في حق بني قريظة والنضير: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} فلا يحسن أن يقول هنا: فقيسوا الذرة على البر؛ لأنه يكون ركيكًا لا يليق بالشارع.
فأجاب المصنف على ذلك: بأن المراد بالاعتبار هنا: القدر المشترك بين القياس والاتعاظ، وهو المجاوزة، فإن القياس مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والاتعاظ مجاوزة من حال الغير إلى حال نفسه، وكون صدر الآية غير مناسب للقياس لا يستلزم عدم مناسبته للقدر المشترك بين القياس والاتعاظ.
2 تقدم تخريجه. ومحل الشاهد: أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أقر معاذًا على الاجتهاد، ومن الأمور التي يعتمد عليها في الاجتهاد: القياس.
3 هو: الحارث بن عمرو الثقفي، ابن أخي المغيرة بن شعبة، روى عن أناس من =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 169)
حمص، والحارث، والرجال مجهولون. قاله الترمذي1.
ثم إن هذا الحديث ليس بصريح في القياس، إذ يحتمل أنه يجتهد في تحقيق المناط.
قلنا: قد رواه عبادة بن نُسَيّ2 عن عبد الرحمن بن غَنْم3 عن معاذ.
ثم الحديث تلقته الأمة بالقبول، فلا يضره كونه مرسلًا4.--------------------------------------------
= أهل حمص من أصحاب معاذ، وروى عنه أبو عوف: محمد بن عبيد الله الثقفي، ولا يعرف إلا بهذا، مات بعد المائة. قال البخاري: لا يصح ولا يعرف، وذكره العقيلي وابن الجارود وأبو العرب في الضعفاء، وقال ابن عدي: هو معروف بهذا الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: تهذيب التهذيب "2/ 152"، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال "1/ 185".
1 هو: محمد بن عيسى بن سورة السلمى الترمذي، أبو عيسى، من أئمة الحديث وحفاظه، صاحب الجامع الكبير في الحديث. توفي سنة "279هـ". انظر: وفيات الأعيان "1/ 484"، تذكرة الحفاظ "2/ 633".
2 هو: عبادة بن نُسَيّ، أبو عمرو الشامي، قاضي طبرية، روى عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وغيرهما، وروى عنه برد بن سنان، والمغيرة بن زياد، ثقة، توفي سنة "118هـ".
انظر: تقريب التهذيب "1/ 395"، تهذيب التهذيب "5/ 113".
3 هو: عبد الرحمن بن غنم الأشعري، اختلف في صحبته. روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عمر وعثمان وعلي، وعن غيرهم من الصحابة، رضي الله عنهم جميعًا. كما روى عنه ابنه محمد ومكحول الشامي، ورجاء بن حيوة، وعبادة بن نُسي وغيرهم. وثقه ابن سعد والعجلي ويعقوب بن شيبة، كما ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. توفي سنة "78هـ". انظر: تقريب التهذيب "1/ 494"، تهذيب التهذيب "6/ 250".
4 قال الخطيب البغدادي في كتابه: "الفقيه والمتفقه" "1/ 189-190": "إن قول =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 170)
..................................................................--------------------------------------------
= الحارث بن عمرو "عن أناس من أصحاب معاذ" يدل على شهرة الحديث، وكثرة رواته، وقد عرف فضل معاذ وزهده، والظاهر من حال أصحابه الدين والتفقه والزهد والصلاح، وقد قيل: إن عبادة بن نُسَي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول الرسول الله، صلى الله عليه وسلم: "لَا وَصِيّة لِوَارِث" وفي البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ، لما احتجوا به جميعًا غنوا عن طلب الإسناد له".
وقال إمام الحرمين في البرهان "2/ 772": "وهو مدون في الصحاح، متفق على صحتة، ولا يتطرق إليه التأويل".
وقال الغزالي في المستصفى "2/ 254": "تلقته الأمة بالقبول، ولم يظهر فيه أحد طعنًا، فلا يقدح فيه كونه مرسلًا".
كما قواه ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي وابن كثير. انظر: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر "ص63-71" بتعليق الأستاذ حمدي السلفي.
وقال القاضي أبو يعلى في العدة "4/ 1294": "فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد، فلا يصح أن يحتج به في هذه المسألة التي هي أصل.
قيل: هذا أشهر وأثبت من قوله: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وقد احتج به المخالف في الإجماع، فكان هذا أولى.
وجواب آخر وهو: أنه إذا جاز أن تثبت الأحكام الشرعية بخبر الواحد، مثل: تحليل وتحريم، وإيجاب وإسقاط، وتصحيح وإبطال، وإقامة حق وحد، بضرب وقطع وقتل، واستباحة الفروج، وما أشبه ذلك، كان يثبت القياس به أولى؛ لأن القياس طريق لهذه الأحكام، وهي المقصودة دون الطريق".
وقال الشيخ محمد الأمين المختار الشنقيطي في مذكرة أصول الفقه على روضة =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 171)
والثاني1: لا يصح؛ لأنه بين أنه يجتهد فيما ليس فيه كتاب ولا سنة.
خبر آخر:
قول النبي، صلى الله عليه وسلم: " إذا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَد فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فََلَهُ أَجْرٌ". رواه مسلم2.--------------------------------------------
= الناظر ص360، في الملحق الذي سجله -رحمه الله تعالى- في المسجد النبوي عند كلامه عن القياس، قال: "والذين قالوا: إن الحديث صحيح وأنه يجوز العمل به لأمرين.
أحدهما: أن الحارث بن عمرو وثقه ابن حبان وإن كان ابن حبان تساهل في التوثيق له، فالحديث له شواهد ومؤيدات يعتضد بها، كحديث الصحيحين "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران". قالوا: وليس في أصحاب معاذ بن جبل أحد مجروح، فكلهم عدول، وإذا كان الحارث موثقًا، وأصحاب معاذ كلهم عدول، فالحديث مقبول.
وثانيهما: أن علماء المسلمين تلقوا هذا الحديث -خلفًا عن سلف- بالقبول وتلقى العلماء للحديث بالقبول يكفيه عن الإسناد، وكم من حديث يكتفى بصحته عن الإسناد، يكتفى بعمل العلماء في أقطار الدنيا؛ لأن هذه الأمة إذا عمل علماؤها في أقطار الدنيا بحديث دل على أن له أصلًا، واكتفي بذلك عن الإسناد".
1 أي: قول المعترضين، سابقًا: "ثم إن هذا الحديث ليس بصريح في القياس، إذ يحتمل أن يجتهد في تحقيق المناط" فأجاب المصنف: أنا لا نسلم ذلك الاحتمال؛ لأنه بين أنه يجتهد فيما ليس فيه نص من كتاب أو سنة، وهذا لا يسمى تحقيق المناط.
2 في صحيحه: كتاب الأقضية، باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد وأخطأ. كما رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، وأبو داود: كتاب الأقضية، باب في القاضي يخطئ، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه مرفوعًا. =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 172)
ويتجه عليه أنه: يجتهد في تحقيق المناط، دون تخريجه1.
خبر آخر:
قول النبي صلى الله عليه وسلم للخثعمية2: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِه أَكانَ يَنْفَعُهُ"؟ قالت: نعم. قال: "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى".--------------------------------------------
= كما رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
1 أي: أنه لا يتناول القياس إلا بعمومه، حيث يكون قاصرًا على تحقيق المناط، دون تخريج المناط، فليس بصريح في الدلالة على حجية القياس.
وترك المصنف الجواب على هذا الاعتراض؛ لأنه معلوم من الرد على الاعتراض الثاني على حديث معاذ، وهو قوله: "والثاني لا يصح؛ لأنه بين أنه يجتهد فيما ليس فيه كتاب ولا سنة".
2 الخثعمية: امرأة مجهولة لم تسم، من خثعم بن أنمار بن أراش بن كهلان، وجاء في بعض الروايات: أنها امرأة شابة، وهي التي كان ينظر إليها الفضل بن العباس وهو رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: "كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة، وإن شددته خشيت عليه، أفأحج عنه؟ قال: نعم" سبل السلام "2/ 181" فهذه الزيادة التي أوردها المصنف ليست في حديث الخثعمية، فلا يصح الاحتجاج به في هذا المقام، وهو القياس.
وقد روى مثله الإمام أحمد في مسنده "1/ 345" والنسائي "5/ 87" وابن خزيمة "4/ 346" عن ابن عباس أيضًا: "أن امرأة نذرت أن تحج، فماتت، فأتى أخوها النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال: "أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه"؟ قال: نعم. قال: "فاقضوا الله، فهو أحق بالوفاء" وروى مثله البخاري عن امرأة أن أمها نذرت أن تحج، وماتت ولم تحج.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 173)
فهو تنبيه على قياس دين الله على دين الخلق.
وقوله عليه السلام لعمر، حين سأله عن قبلة الصائم: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ " 1
فهو قياس للقبلة على المضمضة، بجامع أنها مقدمة الفطر، ولا يفطر2.
وروى أبو عبيد3 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ بالرَّأْي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فيهِ وَحْيٌ" 4. وإذا كان يحكم بينهم باجتهاده: فلغيره الحكم برأيه إذا غلب على ظنهم.--------------------------------------------
1 أخرجه الإمام أحمد في المسند "1/ 52" وأبو داود: كتاب الصوم، باب القبلة للصائم، حديث "2385" والدارمي: كتاب الصوم، باب الرخصة في القبلة للصائم، كما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، من حديث جابر بن عبد الله عن عمر رضي الله عنهما قال: هششت يومًا فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، فقبلت وأنا صائم. فقال: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته وأنت صائم؟ " قلت: لا بأس بذلك. فقال: "ففيم؟ " أي: ففيم الاستغراب.
2 أي: أن كلًّا منهما مقدمة لشيء لم يتم.
3 هو: القاسم بن سلام البغدادي، أبو عبيد، الفقيه المحدث اللغوي، أخذ عن كبار اللغويين والنحويين، كأبي عبيدة، والكسائي، والفراء، تولى قضاء طرسوس. من مؤلفاته، "الأموال" و"أدب القضاء" وقد أورد فيه هذا الحديث بسنده عن أم سلمة رضي الله عنها توفي بمكة المكرمة، وقيل: بالمدينة المنورة سنة "224هـ" على الأصح- انظر: تذكرة الحفاظ "2/ 417"، طبقات المفسرين للداودي "2/ 32"، شذرات الذهب "1/ 141".
4 المصنف روى الحديث بالمعنى، ولفظه: عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 174)
فصل: [الأدلة النقلية للمنكرين للقياس]
احتجوا بقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} 1.
وقوله: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} 2.
فما ليس في القرآن ليس بمشروع، فيبقى على النفي الأصلي3.
الثانية: قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 5 وهذا حكم بغير المنزل.--------------------------------------------
= يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" أخرجه البخاري: كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم، ومسلم: كاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
1 سورة الأنعام من الآية "38".
2 سورة النحل من الآية "89" قال الطوفي، في وجة الدلالة لهاتين الآيتين: "إن في الكتاب كفاية وغناء عن القياس، وإثبات القياس رد لذلك".
3 هذا يعتبر اعتراضًا منهم على استدلال الجمهور المتقدم: "لولا القياس لتعطلت حوادث كثيرة عن أحكام، لعدم وفاء النصوص القليلة بالحوادث الكثيرة" خلاصته: لا نسلم أن ذلك يؤدي إلى ما قلتم؛ لأن ما لم يرد في الكتاب والسنة يبقى على النفي الأصلي أي: لا حكم له.
والمصنف أقحم هذه العبارة هنا في وجه الدلالة، ولعل له وجهة.
ويمكن الرد على هذا الاعتراض: أن هذا يناقض استدلالكم بهاتين الآيتين؛ لأن ذلك -على مقتضى استدلالكم- يوجب أن لا حادثة إلا ولها في الكتاب حكم، وقولكم: "فما ليس في القرآن ليس بمشروع، فيبقى على النفي الأصلي" يثبت أن هناك من الحوادث ما لا حكم له في القرآن، وهذا تناقض. انظر: شرح الطوفي "3/ 271".
4 عبارته غير واضحة، فالمتقدم آيتان، وليست واحدة حتى يعطف عليها قوله "الثانية" إلا إذا اعتبر دلالة الآيتين المجموعة الأولى؛ لأن مدلولهما واحد، والآيتان الآتيتان هما المجموعة الثانية، أو المراد: الشبهة الثانية.
5 سورة المائدة من الآية "49".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 175)
وهكذا قوله: { … فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 1،
وأنتم تردونه إلى الرأي.--------------------------------------------
1 سورة النساء من الآية "59".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 176)
فصل: [الأدلة العقلية للمنكرين للقياس]
وأما شبههم المعنوية:
[فالأولى] : قالوا: براءة الذمة بالأصل معلومة قطعًا، فكيف ترفع بالقياس المظنون؟!
والثانية: كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم والتعبد، والفرق بين المتماثلات، والجمع بين المختلفات، إذ قال: "يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ" 1، ويجب الغسل من المني والحيض، دون المذي والبول، ونظائر ذلك كثير.
الثالثة: أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم2، فكيف يليق به--------------------------------------------
1 روى أبو داود والنسائي والحاكم وصححه، عن أبي السمح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يُغسل من بول الجارية، ويرشُّ من بول الغلام". كما أخرجه أيضًا البزار وابن ماجه وابن خزيمة، عن أبي السَّمح قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُتي بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: "يغسل من بول الجارية".
وقد رواه أيضًا أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن ماجه والحاكم من حديث لبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين … وذكرت الحديث وجاء في لفظه: "يُغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر" كما رووه عن علي رضي الله عنه قال قال قتادة: "هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غُسلا". انظر: سبل السلام "1/ 38".
2 روى البخاري: كتاب التعبير، باب: رؤيا الليل، عن أبي هريرة رضي الله عنه: =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 176)
أن يترك الوجيز المفهم إلى الطويل الموهم، فيعدل عن قوله: "حرَّمتُ الربا في المكيل" إلى الأشياء الستة؟
الرابعة: قالوا: الحكم ثبت في الأصل بالنص؛ لأنه مقطوع به والحكم مقطوع به، فكيف يحال على العلة المظنونة، والحكم يثبت في الفرع بالعلة، فكيف يثبت الحكم فيه بطريق سوى طريق الأصل؟
الخامسة: قالوا: غاية العلة: أن يكون منصوصًا عليها، وذلك لا يوجب الإلحاق، كما لو قال: "أعتقت من عبيدي سالمًا؛ لأنه أسود" لم يقتض عتق كل أسود، ولا يجري ذلك مجرى قوله: "أعتقت كل أسود".
كذا قوله: "حرمت الربا في البر، لأنه مطعوم" لا يجري مجرى قوله: "حرمت الربا في كل مطعوم".
الجواب:
أما قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} فإن القرآن دل على جميع الأحكام، لكن إما بتمهيد طريق الاعتبار، وإما بالدلالة على الإجماع والسنة، وهما قد دلا على القياس.
وإلا فأين في الكتاب مسألة: "الجد والإخوة" و"العول" و"المبتوتة" و"المفوضة"1، و"التحريم"2، وفيها حكم لله شرعي.--------------------------------------------
= أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت مفاتيح الكلم" وفي باب: المفاتيح في اليد بلفظ: "بعثت بجوامع الكلم".
كما أخرجه عن أبي هريرة أيضًا مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة بلفظ: "أوتيت جوامع الكلم" وللحديث روايات أخرى متعددة. يراجع فيض القدير "1/ 563".
1 هذه الأمثلة تقدم الكلام عليها.
2 وهي قول الرجل لزوجته: "أنتِ عليّ حرام" هل يعتبر ظهارًا، أو طلاقًا؟ وإذا =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 177)
ثم قد حرّمتم القياس، وليس في القرآن تحريمه1.
وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 2.
قلنا: القياس ثابت بالإجماع والسنة، وقد دل عليه القرآن المنزل.
ومن حكم بمعنى: استنبط من المنزل، فقد حكم بالمنزل.--------------------------------------------
= اعتبر طلاقًا، هل يقع ثلاثًا أو رجعيًّا؟ فيه خلاف طويل يراجع في المغني "10/ 396"، "11/ 61".
1 خلاصة ذلك الرد: أن المراد من قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} من حيث الإجمال: تمهيد طرق الاعتبار الكلية، والقياس من هذه الطرق؛ لأن القرآن دل على حجية السنة والإجماع، وهما قد دلا على حجية القياس، كما أن هناك العديد من الأحكام الفرعية التي ثبت لها حكم شرعي، وليس فيها نص في كتاب الله تعالى، كالأمثلة التي ذكرها المصنف، وغيرها كثير.
هذا ما أجاب به المصنف -رحمه الله تعالى- وهو مبني على أن المراد بالكتاب في قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} هو القرآن الكريم. أما إذا أريد به "اللوح المحفوظ" فلا دلالة فيه على محل النزاع.
روى الطبري، بسنده، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} : ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب.
كما روى، بسنده أيضًا، عن يونس قال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} قال: كلهم مكتوب في أم الكتاب. "تفسير الطبري 11/ 345-346" دار المعارف بالقاهرة.
وقال القرطبي: قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} أي: في اللوح المحفوظ، فإنه أثبت فيه ما يقع من الحواث. وقيل: أي في القرآن، أي: ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام أو من الإجماع، أو من القياس الذي يثبت بنص الكتاب … "، الجامع لأحكام القرآن "6/ 420".
2 المائدة: 49.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 178)
وقوله تعالى: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 1. قلنا: نحن لا نرده إلا إلى العلة المستنبطة من كتاب الله -تعالى- ونص رسوله، فالقياس: تفهّم معاني النصوص بتجريد مناط الحكم، وحذف الحشو الذي لا أثر له.
ثم أنتم رددتم القياس بلا نص، ولا معنى نص.
وقولهم: "كيف ترفعون القواطع بالظنون".
قلنا: كما ترفعونه بالظواهر، والعموم، وخبر الواحد، وتحقيق المناط في آحاد الصور.
ثم نقول: لا نرفعه إلا بقاطع، فإنا إذا تعبدنا باتباع العلة المظنونة، فإنا نقطع بوجود الظن، ونقطع بوجود الحكم عند الظن، فيكون قاطعًا.
وقولهم: "مبنى الحكم على التعبدات".
قلنا: نحن لا ننكر التعبدات في الشرع، فلا جرم، قلنا: الأحكام ثلاثة أقسام:
قسم: لا يعلل.
وقسم: يعلم كونه معللًا، كالحجر على الصبي، لضعف عقله.
وقسم: يتردد فيه.
ولا نقيس ما لم يقم دليل على كون الحكم معللًا2.--------------------------------------------
1 النساء: "59".
2 معناه: أننا لا نقيس إلا إذا وجد المعنى الذي في الأصل في الفرع بعينه، وتحققت شروط القياس، كالنبيذ مع الخمر، والأرز مع البر، فإن الأحكام الشرعية إما غير معللة كالعبادات المختلفة، فلا يجري فيها القياس، وإما معللة بعلة معينة، وهذه هي التي يجري فيها القياس.
وأما اعتراضهم بالتفرقة بين المتماثلات: فله علة -أيضًا- لكنها خفيت عليهم، فقد نص العلماء على أن بول الأنثى أثقل من بول الذكر، حيث إن مزاج الذكر =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 179)
وقولهم: "لِمَ لم ينص على المكيل، ويغني عن القياس على الأشياء الستة"؟
قلنا: هذا تحكم على الله -تعالى- وعلى رسوله، وليس لنا التحكم عليه فيما صرّح ونبّه وطوّل وأوجز1، ولو جاز ذلك: لجاز أن يقال: "فلم لم يصرّح بمنع القياس على الأشياء الستة؟ ولِمَ لم يبين الأحكام كلها في القرآن، وفي المتواتر2، لينحسم الاحتمال؟ وهذا كله غير جائز.
ثم نقول: إن الله -تعالى- علم لطفًا في تعبد العلماء بالاجتهاد، وأمرهم بالتشمير في استنابط دواعي الاجتهاد، لـ {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} 3.
وقولهم: "كيف يثبت الحكم في الفرع بطريق غير طريق الأصل"؟
قلنا: ليس من ضرورة كون الفرع تابعًا للأصل أن يساويه في طريق--------------------------------------------
= حار، ومزاج الأنثى بارد، فيضعف الهضم عندها، فتبقى الفضلة كثيفة، ذات قوام كثيف، فإذا تعلقت بالأجسام، كان أثرها محتاجًا إلى الغسل، بخلاف الغلام. وهكذا سائر الصورة التي أوردوها. انظر: شرح الطوفي "3/ 275، وما بعدها".
1 في المطبعة: طول ونبه وأوجز، وصححناه من المستصفى "3/ 568".
2 أي: من السنة.
3 سورة المجادلة من الآية "11".
يضاف إلى ذلك: أن هناك حوادث ووقائع تقع في سائر الأزمان ولا يمكن إعطاؤها حكمًا شرعيًّا إلا بالاجتهاد الذي من وسائله القياس، يؤيد ذلك ما رواه سعيد بن المسيب عن علي رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض فيه سنة؟ قال، صلى الله عليه وسلم: "اجمعوا له العالمين، أو قال: العابدين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد". روى مثله الطبراني في الأوسط. انظر: مجمع الزوائد "1/ 178" وإعلام الموقعين "1/ 65".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 180)
الحكم؛ فإن الضروريات والمحسوسات أصل للنظريات، ولا يلزم تساويهما في الطريق، وإن تساويا في الحكم
وأما إذا قال: "أعتقت سالمًا؛ لسواده" فالفرق بينه وبين أحكام الشرع من حيث الإجمال والتفصيل.
أما الإجمال: فإنه لو قال، مع هذا: "فقيسوا عليه كل أسود" لم يتعد العتق سالمًا.
ولو قال الشارع: "حرمت الخمر لشدّتها، فقيسوا عليه كل مشتد": للزمت التسوية، فكيف يقاس أحدهما على الآخر، مع الاعتراف بالفرق؟
وأما التفصيل: فلأن الله -تعالى- علق الحكم في الأملاك حصولًا وزوالًا على اللفظ، دون الإرادات المجردة.
أما أحكام الشرع: فتثبت بكل ما دل عليه رضا الشارع وإرادته، ولذلك تثبت بدليل الخطاب، وبسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عما جرى بين يديه من الحوادث.
ولو أن إنسانًا باع مال غيره بأضعاف قيمته وهو حاضر، ولم ينكر ولم يأذن، بل ظهرت عليه علامات الفرح: لا يصح البيع.
بل قد ضيق الشرع أحكام العباد حتى لا تحصل بكل لفظ1.--------------------------------------------
1 توضيحه: أن هناك فرقًا بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد، فحقوق الله تعالى قائمة على المسامحة والتيسير، فاكتفى فيها بالظن، توسيعًا لمجاري التكليف، أما حقوق العباد: فقائمة على المشاحة، فشددت الشريعة فيها، فلا تنقل عنهم إلا بطريق قاطع، لما قلناه، أو لأن حقوقهم في الأصل ملك لله تعالى، فتعبدهم في زوالها بالطريق القاطع، وأثبت التكاليف الشرعية بالطرق المظنونة، ولله -سبحانه- أن يفعل في ملكه ما يشاء. انظر: شرح الطوفي "3/ 285".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 181)
فلو قال الزوج: "فسخت النكاح، ورفعت علاقة الحل بيني وبين زوجتي" لم يقع الطلاق، إلا أن ينويه.
وإذا أتى بلفظ الطلاق: وقع وإن لم ينوه.
وإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ فكيف تحصل بمجرد الإرادة1؟
على أن القياس مفهوم في اللغة، فإنه لو قال: "لا تأكل الأهليلج2؛ لأنه مسهل"، و"لا تجالس فلانًا؛ لأنه مبتدع" فهم منه التعدي بتعدي العلة، وهذا مقتضى اللغة، وهو مقتضاه في العتق، لكن التعبد منع منه.
وعلى أن هذا الذي ذكروه قياس لكلام الشارع على كلام المكلفين في امتناع قياس ما وجدت العلة التي علل بها فيه عليه، فيكون رجوعًا إلى القياس الذي أنكروه.
ثم إن قياس كلام الشارع على كلام غيره أبعد من قياس أحكام الشرع بعضها على بعض.
فإن قيل: فلعل الشرع علل الحكم بخاصية المحل، فتكون العلة في تحريم الخمر: شدة الخمر، وفي تحريم الربا بطعم البر، لا بالشدة.--------------------------------------------
1 في النسخ المطبوعة: "وإذا لم يحصل بجميع اللفظ فكيف يحصل بمجرد الإرادة" وهي عبارة غير واضحة، وأوضح منها عبارة الغزالي في المستصفى "3/ 574".
"فإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ، بل ببعضها، فكيف تحصل بما دون اللفظ مما يدل على الرضا".
2 الأهليلج: ثمر معين بالغ النضج، منه الأصفر والأسود، معرب. المصباح المنير مادة "هلج".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 182)
المجردة1. [ولا بالطعم المجرد] 2.
ولله أسرار في الأعيان: فقد حرم الخنزير والدم والميتة لخواص لا يطلع عليها، فلم يبعد أن يكون لشدة الخمر من الخاصية ما ليس لشدة النبيذ، فبماذا يقع الأمن عن هذا؟ 3.
قلنا: قد نعلم ضرورة سقوط اعتبار خاصية المحل كقوله: "أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ المَتاع أَحَقُّ بِمَتاعِهِ" 4 يعلم أن المرأة في معناه.
وقوله: "مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي" 5 فالأمة في معناه.--------------------------------------------
1 "المجردة" من المستصفى "3/ 576".
2 هذه الزيادة يقتضيها المقام، فإن المعترض يقول: لعل العلة خاصة بمحل النص وليست عامة، لخاصية معينة ليست موجودة في كل المحال.
3 قال الغزالي، بعد ذلك: "وهذا أوقع كلام في مدافعة القياس". المستصفى "3/ 577".
4 حديث صحيح: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة، رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره".
ورواه مالك وأبو داود عن أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلًا، ووصله أبو داود من طريق أخرى بلفظ "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء" سبل السلام "3/ 53".
5 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، وفي كتاب العتق، باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركاء من حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما.
كما أخرجه مسلم في كتاب العتق، وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 183)
لأنا1 عرفنا بتصفّح أحكام العتق، والبيع، وبمجموع أمارات وتكريرات، وقرائن: أنه لا مدخل للذكورية2 في العتق والبيع.
وقد يظن ذلك ظنًّا يسكن إليه3.
وقد 4 عرفنا أن الصحابة عولوا على الظن، فعلمنا أنهم فهموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعًا، إلحاق الظن بالقطع.
وقد اختلف الصحابة في مسائل، فلو كانت قطعية: لما اختلفوا فيها، فعلمنا أن الظن كالعلم.
فإن انتفى العلم والظن: فلا يجوز الإقدام على القياس.--------------------------------------------
1 زيادة من المستصفى.
2 في المستصفى "للأنوثة".
3 عبارة المستصفى: "وقد يعلم ذلك ظنًّا بسكون النفس إليه".
4 زيادة من المستصفى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 184)