كي لا يخرج الحق عن أقاويل الأمة"1.
فنقول: الحكم معلل، ولا علة إلا كذا أو كذا، وقد بطل أحدهما فيتعين الآخر.
مثاله: الربا يحرم في البر بعلة، والعلة: "الكيل، أو القوت، أو الطعم" وقد بطل التعليل بالقوت والطعم، فثبت أن العلة: الكيل.--------------------------------------------
= أحدهما: حصر الأوصاف التي يتوهم صلاحيتها للتعليل، وهو المسمى بالتقسيم.
ثانيهما: سبر واختبار هذه الأوصاف ليتميز الصالح منها للتعليل وإبطال ما لا يصلح.
ولذلك عرفه الأصوليون بأنه: "إبطال كل علة عُلّل بها الحكم المعلل إجماعًا إلا واحدة فتتعين" أي: للتعليل.
مثال ذلك: أن يقول: "علة الربا في البُرِّ ونحوه: إما الكيل، أو الطعم، أو القوت، وكلها باطلة إلا الأولى، وهي: الكيل، إن كان حنفيًّا أو حنبليًّا، أو إلا الطعم، إن كان شافعيًا، أو إلا القوت، إن كان مالكيًّا، فيتعين هذا الوصف للتعليل، ويلحق الأرز والذرة ونحو ذلك بالبر، بجامع الكيل أو غيره على حسب ما تقدم. ويقيم الدليل على بطلان ما أبطله، إما بانتقاضه انتقاضًا مؤثرًا، أو بعدم مناسبته، أو غير ذلك بحسب الإمكان. انظر: البرهان "2/ 815" والإحكام للآمدي "3/ 380" وشرح مختصر الروضة "3/ 404-405" وشرح الكوكب المنير "4/ 142".
1 انظر: التمهيد "4/ 22".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 221)
صحتها؛ لجواز أن يكون الحكم ثابتًا تعبدًا، إذ لم يوجد من الدليل على صحتها إلا خلو المحل عما سواها.
والوجود المجرد لا يكفي في التعليل1.
وقول المستدل: بحثت في المحل فلم أعثر على ما يصلح للتعليل: ليس بأولى من قول خصمه: بحثت في الوصف الذي ذكرته، فلم أعثر فيه على مناسبة، أو ما يصلح به التعليل، فيتعارض الكلامان.
الأمر الثاني: أن يكون سبره حاصرًا لجميع ما يعلل به: إما بموافقة خصمه، وإما بأن يسير حتى يعجز عن إبراز غيره2.--------------------------------------------
1 خلاصة قول أبي الخطاب، وارتضاه المصنف: أنه يشترط في السبر أن يكون الحكم مجمعًا على تعليله، ولا يكفي أن يكون مختلفًا فيه؛ لأن للخصم في هذه الحالة أن يقول: إن الحكم تعبدي ولا علة له، فيبطل القياس. إلا أن للطوفي تفصيلًا آخر حيث قال: "إن كان المستدل مناظرًا، أو خصمه منتميًا إلى مذهب ذي مذهب، كفاه موافقة الخصم على التعليل، ولم يعتبر الإجماع عليه من الأمة، وإن كان الخصم مجتهدًا، اعتبر الإجماع على تعليله، إذ المجتهد لا حجر عليه إلا بإجماع الأمة، إذ بدونه له أن يلزم التعبد في الأصل، ويفسد كل علة علل بها، أما إذا أجمع على كونه معللًا، لم يمكنه ذلك، لمخالفة الإجماع، وإن كان المستدل ناظرًا لا مناظرًا، اعتبر الإجماع على التعليل أيضًا؛ لأن غرضه ليس إفحام خصم، بل استخراج حكم، وذلك إنما يحصل بحصول غلبة الظن بأن العلة هذا الوصف، ولا يحصل ذلك مع وقوع الخلاف في تعليل الحكم، وفي هذا شيء لا يخفى". شرح المختصر "3/ 405-406".
2 وبذلك يكون الخصم قد سلّم بما ذكره المستدل.
فحاصل الأمر: أن موافقة الخصم على الحصر إما اختيارية بالتسليم، أو اضطرارية بعجزه عن الزيادة على ما ذكره المستدل من أوصاف، ولذلك يجب على الخصم التسليم بالحصر، أو إبراز ما عنده لينظر فيه المستدل فيفسده عليه، =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 222)
فإن كان مناظرًا: كفاه أن يقول: هذا منتهى قدرتي في السبر، فإن شاركتني في الجهل بغيره: لزمك ما لزمني، وإن اطلعت على علة أخرى فيلزمك إبرازها في صحتها، فإن كتمانها -حينئذ- عناد، وهو محرم، وصاحبها إما كاذب، وإما كاتم لدليل مست الحاجة إلى إظهاره، وكلاهما محرم.
الثالث1: إبطال أحد القسمين:
وله في ذلك طريقان:
أحدهما: أن يبين بقاء الحكم بدون ما يحذفه، فيبين أنه ليس من العلة، إذ لو كان منها: لم يثبت الحكم بدونه.
الثاني: أن يبين أن ما يحذفه من جنس ما عهدنا من الشارع عدم الالتفات إليه في إثبات الأحكام، كالطول والقصر، والسواد والبياض، أو عهد منه الإعراض عنه في جنس الأحكام المختلف فيها كالذكورية، والأنوثية في سراية العتق2.--------------------------------------------
= ولا يكفي أن يقول المعترض: عندي وصف زائد لكني لا أذكره؛ لأنه حينئذ إما أن يكون صادقًا فيكون كاتمًا لدليل دعت الحاجة إلى إظهاره، أو كاذبًا فلا يعول على قوله.
1 من شروط صحة السبر، كما تقدم.
2 خلاصة ذلك: أن المعترض إذا أظهر وصفًا زائدًا على ما ذكره المستدل من الأوصاف، لزم المستدل أن ينظر في ذلك الوصف ويبطله بأحد طريقين:
أحدهما: أن يبين بقاء الحكم مع حذف ذلك الوصف في بعض الصور، مثل: أن يقول الشافعي أو الحنبلي: يصح أمان العبد؛ لأنه أمان وجد من عاقل مسلم غير متهم فيصح قياسًا على الحر.
فيقول الحنفي: لا نسلم أن ما ذكرت هو أوصاف العلة في الأصل فقط، بل هناك وصف آخر، وهو الحرية، وهو مفقود في العبد، فلا يصح القياس =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 223)
فصل: [أمور لا تكفي لإفساد علة الخصم]
ولا يكفيه في إفساد علة خصمه: النقض؛ لاحتمال أن يكون جزءًا من العلة، أو شرطًا فيها، فلا يستقل بالحكم، ولا يلزم من عدم استقلاله: صحة علة المستدل بدونه.
ولا يكفيه، أيضًا أن يقول: بحثت في الوصف الفلاني فما عثرت فيه على مناسبة، فيجب إلغاؤه، فإن الخصم يعارض بمثل كلامه فيفسد.
فإن بيّن -مع ذلك- صلاحية ما يدّعيه علة، أو سلم له ذلك بموافقة خصمه: فذلك يكفيه ابتداء، بدون السبر، فالسبر إذًا تطويل طريق غير مفيد، فلنصطلح على ردّه.
وقال بعض أصحاب الشافعي: يكفيه ذلك.
وقال بعض المتكلمين: إذا اتفق خصمان على فساد تعليل مَن--------------------------------------------
= فيقول المستدل: وصف الحرية ملغى بالعبد المأذون له، فإن أمانه يصح باتفاق مع عدم الحرية، فصار وصفًا لا غيًا لا تأثير له في العلة.
ثانيهما: أن يبين كون هذا الوصف الزائد طرديًّا، أي: لم يلتفت الشارع إليه فيما عهد من تصرفاته، كالطول والقصر، والذكورية والأنوثية، وما أشبه ذلك.
مثال ذلك: لو قال المستدل: يسري العتق في الأمة قياسًا على العبد، بجامع الرق في كل منهما، إذ لا علة غيره، عملًا بالسبر. فقال المعترض: الذكورية وصف زائد معتبر في الأصل، فلا يصح القياس؛ لأن العبد إذا كمل عتقه بالسراية حصل منه ما لا يحصل من الأمة، من تأهله للحكم والإمامة وأنواع الولايات، ولا يلزم في ثبوت السراية في الأكمل ثبوته في غيره.
فيقول المستدل: ما ذكرت من الفرق مناسب، غير أنا لم نر الشرع اعتبر الذكورية والأنوثية في باب العتق، فيكون اعتبار ذلك على خلاف معهوده، فيكون وصفًا طرديًّا في ظاهر الأمر. انظر: شرح الطوفي "3/ 407-408".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 224)
سواهما، ثم أفسد أحدهما علة صاحبه: كان ذلك دليلًا على صحة علته.
وليس بصحيح؛ فإن اتفاقهما ليس بدليل على فساد قول من خالفهما.
والذي فسدت علته منهما يعتقد فساد علة خصمه الحاضر، كاعتقاد فساد علة الغائب، فيتساوى عنده الأمر فيهما.
فلا يتعين عنده صحة إحداهما، ما لم يكن الحكم مجمعًا على تعليله، ويبطل ما قيل: إنه علة1. والله أعلم.--------------------------------------------
1 خلاصة ذلك: أنه لا يكفي المستدل في إفساد الوصف الذي أبرزه المعترض كونه منتقضًا، بل يوجد بدون الحكم؛ لأن الوصف المذكور قد يكون جزء العلة أو شرطًا لها، والعلة لا تصح بدون جزئها أو شرطها.
مثال ذلك: قول المستدل: علة الربا في البر: الكيل، فعارضه المعترض بالطعم، فنقضه المستدل بالماء أو غيره مما يطعم ولا ربا فيه فلو قال المستدل ذلك لم يكف في بطلان كون الطعام هو العلة؛ لجواز أن يكون الطعم جزء علة الربا، بأن تكون العلة مجموع الكيل والطعم، أو شرطًا لها، فتكون علة الربا: الكيل بشرط أن يكون المكيل مطعومًا.
كذلك لا يكفي المستدل أن يقول: إني بحثت في علتك التي أبرزتها فلم أعثر فيها على مناسبة بينها وبين الحكم؛ لأن للمعترض أن يقول مثل هذا الكلام، فيتعارض الكلامان، ويقف المستدل، وتنقطع حجته.
فإن رد المستدل على خصمه هذا الكلام، وبين صلاحية الوصف الذي أثبته، أو سلم له الخصم بذلك، كفاه ذلك ابتداء، بدون حاجة إلى السبر، لأنه يكون تطويلًا بلا فائدة. وهذا رأي بعض العلماء واختاره المصنف.
وقال بعض أصحاب الشافعي: يكفيه ذلك؛ لأن الظاهر من حاله أنه صادق، وهو أهل للنظر، فيقبل قوله.
ثم تطرق المصنف إلى صورة أخرى متعلقة بالسبر، وهي: إذا اتفق خصمان على =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 225)
[إثبات العلة بالدوران]
النوع الثالث- في إثبات العلة: أن يوجد الحكم بوجودها، ويعدم بعدمها1.--------------------------------------------
= فساد علة من خالفهما، ثم بعد ذلك أفسد أحد الخصمين علة صاحبه، فهل يعتبر ذلك دليلًا على صحة علته؟
حكى المصنف عن بعض المتكلمين أن ذلك يعتبر دليلًا على صحة علته.
ثم رد على ذلك بأنه غير صحيح؛ لأن اتفاقهما على فساد علة غيرهما لا يقتضي فسادها في نفس الأمر، بل في اعتقادهما، وهو لا يؤثر بالنسبة إلى غيرهما، إذ غيرهما يعتقد فساد علتهما، كالمالكي يعتقد فساد التعليل بالكيل والطعم، ويدّعي علة القوت، فيتعارض اعتقادهما واعتقاده، وكذلك كل منهما يعتقد فساد علة غيره من حاضر وغائب، فليس أحدهما بأولى من الآخر. انظر: شرح مختصر الطوفي "3/ 409-410".
1 يسمى هذا النوع بالدوران، وهو في اللغة: مصدر دار يدور دورانًا، إذا تحرك حركة دورية كالدولاب والرحا.
أما في الاصطلاح فهو: ترتب حكم على وصف وجودًا وعدمًا، أو: وجود الحكم بوجود العلة، وعدمه بعدمها. وسماه الآمدي وابن الحاجب: الطرد والعكس. وهو بمعناه.
وفي كونه علة خلاف بين العلماء:
فالجمهور يرون أنه حجة، لكنهم مختلفون في نوع هذه الحجية، فقال بعض المعتزلة: إنها حجة قطعية. وقال بعض ومنهم أبو بكر الباقلاني: إنها ظنية. وذهب بعض العلماء إلى عدم حجيته، وعلى ذلك أكثر الحنفية، والآمدي، وابن الحاجب وغيرهم.
وقال قوم: إنه يفيد العلية ظنًا إذا انضم إليه السبر المتقدم.
انظر: المعتمد "2/ 843"، الإحكام للآمدي "3/ 430"، شرح العضد على المختصر "2/ 245"، شرح الكوكب المنير "4/ 191".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 226)
كوجود التحريم بوجود الشدة في الخمر، وعدمه لعدمها، فإنه دليل على صحة العلة العقلية، وهي موجبة، فأولى أن يكون دليلًا على الشرعية وهي أمارة1.
ولأنه يغلب على الظن ثبوت الحكم مستندًا إلى ذلك الوصف، فإننا لو رأينا رجلًا جالسًا، فدخل رجل فقام عند دخوله، ثم جلس عند خروجه، وتكرر منه، غلب على ظننا: أن العلة في قيامه: دخوله2.
فإن قيل: الوجود عند الوجود طرد محض، وزيادة العكس لا تؤثر، إذ ليس بشرط في العلل الشرعية.
ولأن الوصف يحتمل أن يكون ملازمًا لعلة أو جزءًا من أجزائها،--------------------------------------------
1 هذا هو الدليل الأول على حجية الدوران.
2 وهذا هو الدليل الثاني، كما أوردهما المصنف. وقد أضاف إليهما الطوفي دليلين آخرين فقال: "وبمثل ذلك عَلِمَ الأطباءُ ما علموه من قوى الأدوية وأفعالها، كالأدوية المسهلة والقابضة وغيرها، حيث دارت آثارها معها وجودًا وعدمًا … ثم قال: وأما دليل الشرع فلأن النبي عليه السلام بعث ابن اللتبية عاملًا، فلما عاد من عمله جاء بمال، فجعل يقول: هذا لكم، وهذا لي أُهدى إلي، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال الرجل نبعثه في عمل المسلمين فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا لي، ألا جلس في بيت أمه، فينظر هل يهدى له؟! " [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود] .
وهذا عين الاستدلال بالدوران. أي: إنا إذا استعملناك أُهدي إليك، وإذا لم نستعملك لم يُهدَ لك، فعلة الهدية لك: استعمالنا إياك. فثبت بهذا أنه يوجب ظن العلية.
وأما أنه إذا وجب ظن العلية، وجب اتباعه، فلأن الظن متبع في العمليات بما عرف في الدليل على إثبات القياس من أنه يتضمن دفع ضرر مظنون". شرح المختصر "3/ 413-414".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 227)
فيوجد الحكم عند وجوده، لكون العلة ملازمة، وينتفي بانتفائه.
ويحتمل ما ذكرتم.
ومع التعارض لا معنى للتحكم.
ثم لو كان ذلك علة؛ لأمكن كل واحد من المختلفين في علة الربا أن يثبت الحكم بثبوتها، وينفيه بنفيها.
ثم يبطل هذا المعنى برائحة الخمر المخصوصة به مقرنة بالشدة، يزول التحريم بزوالها، ويوجد بوجودها، وليس بعلة1.
قلنا: قد بينا أن الطرد والعكس يؤثران في غلبة الظن.
وكون كل واحد من "الطرد" لا يؤثر منفردًا. لا يمنع من تأثيرهما مجتمعين، فإن العلة إذا كانت ذات وصفين لا يحصل الأثر من أحدهما.--------------------------------------------
1 من أول قول المصنف: "فإن قيل" إلى هنا يمثل المذهب الثاني في أن الدوران لا يفيد العلية مطلقًا، وقد أورد المصنف لأصحاب هذا المذهب دليلين:
أحدهما: أن الاحتجاج به إما أن يكون بوجود الحكم عند وجود الوصف وهو المعبر عنه بالطرد، وإما أن يكون بانتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، وهو المسمى بالعكس. والطرد غير مؤثر، ولا إشعار له بالعلية، والعكس غير معتبر في العلل الشرعية.
الدليل الثاني: أنه ليس من الضرورة أن يكون كل وصف دائرًا مع الحكم علة له، بل يحتمل أن يكون علة -كما ذكرتم- ويحتمل أن يكون ملازمًا للعلة، مثل: الرائحة الملازمة لشدة الخمر، فإنها تنعدم قبل الإسكار، وتوجد معه، وتزول بزواله، ومع ذلك ليست علة.
ويحتمل أن يكون الوصف جزءًا من أجزاء العلة، أو شرطًا لها، ومع وجود هذه الاحتمالات لا يحصل القطع أو الظن بالعلية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 228)
واحتمال شيء آخر لا ينفي الظن، ولا يمنع من التمسك بما ظنناه علة، ما لم يظهر الأمر الآخر، فيكون معارضًا.
والنقض برائحة الخمر: غير لازم، فإن صلاحية الشيء للتعليل لا يلزم أن يعلل به، إذ قد يمتنع ذلك، لمعارضة ما هو أولى منه1.
وقال قوم: إنما يصح التعليل به مع السبر، فيقول: علة الحكم أمر حادث، ولا حادث إلا كذا وكذا، ويبطل ما سواه2.
والسبر إذا تم بشروطه: استغني عما سواه، مع أنه لا يلزم أن يكون علة الحكم أمرًا حادثًا، إذ يجوز أن تكون العلة سابقة، ويقف ثبوت الحكم على شرط حادث، كالحول في الزكاة.
أو يكون الحادث جزءًا تمت العلة به.
أو يكون الحكم غير معلل. والله أعلم.--------------------------------------------
1 من قول المصنف: "قلنا" إلى هنا رد على الدليلين السابقين، وهو من وجهين أيضًا.
أحدهما: أنه قد تقدم أن الطرد والعكس يؤثران في إثبات غلبة الظن، وكون كل واحد منهما منفردًا لا يؤثر، لا يمنع من تأثيرهما مجتمعين.
ثانيهما: أن مجرد احتمال وجود شيء آخر لا ينفي الظن، ولا يمنع من التمسك بما ظنناه علة، ما لم يظهر الشيء الآخر.
والنقض برائحة العمر، حيث إنها تدور مع الوصف وجودًا وعدمًا، ليس بلازم أن يعلل به، فإنه قد يمتنع التعليل بالشيء لوجود ما أهو أقوى منه، ولا شك أن السكر أقوى من الرائحة. وقد نص جمهور العلماء على أن الوصف يشترط فيه أن يكون مناسبًا للحكم أو محتملًا، فإن كان طرديًّا فقط -كرائحة الخمر- علم أنه ليس علة، حتى ولو دار مع الحكم وجودًا وعدمًا.
2 هذا هو المذهب الثالث، الذي يشترط أن يكون مع الدوران السبر، واستدل =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 229)
فصل: [هل تثبت العلة بشهادة الأصول]
ومما يشبه هذا- شهادة الأصول1.
كقولهم في الخيل: ما لا تجب الزكاة في الذكور منفردة: لم تجب في الذكور والإناث2.--------------------------------------------
= القائلون بذلك: بأن الحكم لا بد له من علة؛ لأنه أمر حادث، ولا حادث يعلل به إلا كذا وكذا -من الأوصاف- والكل باطل إلا الوصف الفلاني، فيثبت كونه علة.
وقد أجاب عنه المصنف بأن السير وحده علة، إذا تم بشروطه المتقدمة، فلا يحتاج إلى أن ينضم إليه الدوران أو غيره من المسالك.
ثم لا يلزم أن تكون علة الحكم أمرًا حادثًا، بل يجوز أن تكون سابقة على الحكم، وتتوقف على شرط حادث، كالحول في الزكاة، فإنه شرط لوجوبها، مع أن علتها بلوغ النصاب الذي تجب فيه الزكاة.
كما يحتمل أن يكون الحادث جزءًا من العلة، لا تتم إلا به، ويحتمل أن يكون الحكم أمرًا تعبديًّا غير معلل، ومع وجود هذه الاحتمالات لا يستقيم هذا المذهب.
1 المراد بشهادة الأصول: دلالة الكتاب أو السنة أو الإجماع على الحكم المعلل، أو المراد: كون الحكم المعلل له أصل معين من نوعه يوجد فيه جنس الوصف أو نوعه.
2 ودليل ذلك: أن الشريعة ساوت بين الذكور والإناث في سائر السوائم في الحكم. وجودًا وعدمًا، فقد ساوت الشريعة بين الإبل والبقر والغنم في الزكاة، فإنها تجب في ذكورها إذا انفردت، وتجب في ذكورها وإناثها إذا اجتمعت، فكذلك البغال والحمير لا تجب الزكاة في ذكورها إذا انفردت، ولا تجب في ذكورها وإناثها إذا اجتمعت. انظر: التمهيد لأبي الخطاب "4/ 28".
والذي سبّب هذا الخلاف: أن العلماء مختلفون في الخيل السائمة هل فيها زكاة أو لا؟ بعد اتفاقهم على أن المعلوفة لا زكاة فيها، وأن المعدة للتجارة فيها زكاة.
فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخيل السائمة لا زكاة فيها، واستدلوا على ذلك بما =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 230)
ويستدل على صحتها بالاطراد والانعكاس في سائر ما تجب فيه الزكاة، وما لا تجب.
وقولهم: من صح ظهاره: صح طلاقه كالمسلم.
ذهب القاضي وبعض الشافعية إلى صحته، لشبهه بما ذكرنا، وتغليبه على الظن.
ومنع منه بعضهم. والله أعلم.--------------------------------------------
= جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة" وهذا النفي يشمل الذكور والإناث وأنه لم يثبت في السنة العملية أخذ الزكاة من الخيل، كما أخذت من الإبل والبقر والغنم.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى وجوب الزكاة فيها، واستدل بأدلة كثيرة، منها: ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله -أي: للجهاد- فهي لذلك أجر. ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي ذلك ستر، ورجل ربطها فخرًا ورياءً ونواءً -مناوأة- لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر". ووجه الدلالة. عنده، أن حق الله في الرقاب هو الزكاة، وفي الظهور: إعارتها للمضطر ونحوه ليركبها، وعطف الظهور على الرقاب يقتضي المغايرة بينهما.
كما استدل على ذلك بالقياس على الإبل، فكلاهما حيوان نام ينتفع به، وقد تحقق فيه شرط الزكاة وهو السوم ويؤيده ما صح عن الصحابة رضي الله عنهم فقد روى الطحاوي والدارقطني بإسناد صحيح إلى السائب بن يزيد قال: رأيت أبي يقوم الخيل ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطاب.
وهناك آثار أخرى كثيرة كهذا. انظر: نصب الراية "3/ 359"، نيل الأوطار "4/ 118"، فقه الزكاة للدكتور القرضاوي "1/ 222 وما بعدها".
ومثل ما قيل في زكاة الخيل يقال في ظهار الذمي: يصح ظهاره، كما يصح طلاقة كالمسلم، فالمسلم البالغ العاقل يصح منه الطلاق والظهار، والصبي والمجنون لا =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 231)
................................................................................................--------------------------------------------
= يصحان منه. فصحة طلاق الذمي أصل لصحة ظهاره.
جاء في المغني لابن قدامة "11/ 56": "وكل زوج صح طلاقه صح ظهاره، وهو البالغ العاقل، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، حرًّا أو عبدًا.... ثم قال: ويصح ظهار الذمي. وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يصح منه؛ لأن الكفارة لا تصح منه، وهي الرافعة للتحريم، فلا يصح منه التحريم، ودليل أن الكفارة لا تصح منه: أنها عبادة تفتقر إلى النية، فلا تصح منه، كسائر العبادات، ولنا أن من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم، فأما ما ذكروه فيبطل بكفارة الصيد إذا قتله في الحرم، وكذلك الحد يقام عليه، ولا نسلم أن التكفير لا يصح منه؛ فإنه يصح منه العتق والإطعام، وإنما لا يصح منه الصوم، فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة، كما في حق العبد".
والخلاصة: أن في ثبوت العلة بشهادة الأصول رأيان:
الأول: أن ذلك يثبت العلة وهو رأي القاضي أبي يعلى، وبعض الشافعية، كالشيرازي في اللمع.
وحجتهم على ذلك أن هذا الطريق شبيه بالدوران وتحصيله غلبة الظن.
الرأي الثاني: أن ذلك لا يصح، لأن شهادة الأصول ليس نصًّا في العلية، ولا إجماعًا، ولا مؤثرًا، ولا ملائمًا، ولا غريبًا، إنما هو مجرد تخيل أن الفرع المشهود له مشتمل على علة الأصل الشاهد، والظن الحاصل من التخيل ضعيف جدًّا، فلا يناط به حكم ولا يعول عليه.
قال الطوفي: "قلت: التحقيق في هذا أنه يختلف باختلاف النظار والمجتهدين قوة وضعفًا، وباختلاف الأصول الشاهدة كثرة وقلة، فمتى كان هذا الطريق مفيدًا من الظن ما يساوي ما يفيده دليل آخر متفق عليه بين الفريقين المختلفين فيه، كخبر الواحد، أو العموم، أو القياس الجلي ونحوه، صح التمسح به، إذ قد يتفق ناظر فاضل مرتاض، فتظهر له أصول كثيرة شاهدة للفرع المتنازع فيه حتى يكاد يجزم أن حكم الفرع حكم تلك الأصول، فهذا يجب المصير على ما ظنه من ذلك، إن كان مجتهدًا لنفسه، وإن كان مناظرًا أمكنه إبراز تلك الشواهد لخصمه، وقرب ما ادعاه إلى ذهنه بالمقدمات الظاهرة المقبولة حتى يحصل له =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 232)
فصل: [في المسالك الفاسدة]
فأما الدلالة على صحة العلة باطرادها ففاسد؛ إذ لا معنى له إلا سلامتها عن مفسد واحد هو: النقض.
وانتفاء المفسد ليس بدليل على الصحة، فربما لم يسلم من مفسد آخر. ولو سلمت من كل مفسد: لم يكن دليلًا على صحتها، كما لو سلمت شهادة المجهول من جارح: لم تكن حجة ما لم تقم بينة معدلة مزكية: فكذلك لا يكفي للصحة انتفاء المفسد، بل لا بد من قيام دليل على الصحة.
وفي الجملة: فنصب العلة مذهب يفتقر إلى دليل كوضع الحكم، ولا يكفي في إثبات الحكم بأنه لا مفسد له، فكذلك العلة.
ويعارضه: أنه لا دليل على الصحة.
واقتران الحكم بها ليس بدليل على أنها علة، فقد يلازم الخمر لون وطعم ورائحة يقترن به التحريم، ويطرد وينعكس، والعلة: الشدة واقترانه بما ليس بعلة كاقتران الأحكام بطلوع كوكب أو هبوب ريح.
ثم للمعترض في إفساده المعارضة بوصف مطرد يختص بالأصل فلا يجد إلى التقصي عنه طريقًا.
ومثال ذلك: قولهم، في الخل: مائع لا يصاد من جنسه السمك، ولا تبنى عليه القناطر، فلا تزال به النجاسة كالمرق.--------------------------------------------
= الظن بذلك، فيسلم. والله تعالى أعلم". شرح المختصر "3/ 417-418"
وانظر: العدة "5/ 1453"، التمهيد "4/ 27 وما بعدها"، اللمع ص230.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 233)
وكذلك لو استدل على صحتها بسلامتها عن علة تفسدها، لم يصح؛ لما ذكرنا.
فإن قيل: دليل صحتها: انتفاء المفسد.
قلنا: بل دليل الفساد: انتفاء المصحح، ولا فرق بين الكلامين1.--------------------------------------------
1 عقد المصنف هذا الفصل للمسالك التي لا تصلح لإثبات العلة، والتي سماها الغزالي بالمسالك الفاسدة، ومنه أخذنا عنوان الفصل. والإمام الغزالي ذكر من المسالك الفاسدة ثلاثًا.
الأول: سلامة العلة عن علة تفسدها، وتقتضي نقيض حكمها.
الثاني: اطرادها وجريانها في حكمها.
الثالث: الطرد والعكس، وهو المعبر عنه بالدوران؛ فإنه لا يرى حجيته.
ولما كان المصنف يرى حجية الدوران، كما تقدم. فقد ذكر من المسالك الفاسدة نوعين فقط هما: الأول والثاني، وترك الثالث. إلا أنه في هذا الفصل خلط بين المسلكين في الاستدلال والمناقشة، الأمر الذي جعل كلامه غامضًا، حيث قدم وأخر، وكرر.
لذلك أنقل كلام الطوفي في هذه المسألة بنصه، باعتباره ملخصًا وشارحًا لكلام المصنف.
قال، رحمه الله تعالى: "لما بين الطرق الدالة على صحة العلة، أخذ يبين الطرق الفاسدة التي لا تدل على صحتها.
فمنها: اطرادها، لا يدل على صحتها، إذ معنى اطرادها: سلامتها عن النقض، وهو بعض مفسداتها وسلامتها عن مفسد واحد لا ينفي بطلانها بمفسد آخر، ككونها قاصرة، أو عدمية، أو طردية غير مناسبة عند من لا يرى التعليل بذلك.
وما مثال من يقول: هذه العلة صحيحة؛ لأنها ليست منتقضة، إلا مثال من يقول: هذا العبد صحيح سليم؛ لأنه ليس بأعمى، إذ جاز أن تنتفي سلامته ببرص أو عرج أو غيره.
وأيضًا: فإن صحة العلة حكم، والأحكام إنما تثبت صحتها بدليل الصحة، لا =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 234)
فصل: [في حكم العلة إذا استلزمت مفسدة]
متى لزم من الوصف المتضمن للمصلحة مفسدة مساوية للمصلحة، أو راجحة عليها.--------------------------------------------
= بانتفاء المفسد، وبوجود المقتضى، لا بانتفاء المانع، وعدالة الشاهد والراوي إنما تثبت بحصول المعدل، لا بانتفاء الجارح، فكذلك العلة إنما تصح بوجود مصححها، لا بانتفاء مفسدها.
وقول القائل: هذه العلة صحيحة، إذ لا دليل على فسادها، معارض بقول الخصم: هذه فاسدة، إذ لا دليل عن صحتها.
ومن الطرق الفاسدة في إثباتها: الاستدلال على صحتها باقتران الحكم بها، وذلك لا يدل؛ إذ الحكم يقترن بما يلازم العلة، وليس بعلة، كاقتران تحريم الخمر بلونها وطعمها وريحها، وإنما العلة الإسكار". شرح مختصر الروضة "3/ 419/ 3420".
وينبغي أن يكون معلومًا أن الطرد هنا هو الطرد الوجودي، وهو: الذي يدور معه الحكم وجودًا فقط، لا عدمًا، وهو بهذا يختلف عن الطرد في الدوران، فإنه يدور مع الحكم وجودًا وعدمًا.
وللعلماء في حجية الطرد الوجودي مذاهب كثيرة، اختار المصنف منها: كونه غير حجة، كما هو مذهب الغزالي وجمهور العلماء.
وذهب بعض الحنفية إلى أنه حجة إن سلم من الانتقاض، ومثاله: المائع الذي تبنى عليه القناطر، ويصاد فيه السمك تقع به الطهارة، فيقال في الرد على ذلك ليس ذلك بعلة؛ لأن الطهارة تصح بغير المذكور، كالتراب ونحوه.
وذهب بعض الشافعية إلى أنه حجة بشرط مقارنة الحكم والوصف في جميع الصور، غير صورة النزاع، فيلحق النادر بالأغلب.
وقال الكرخي، من الحنفية: إنه مقبول جدلًا، ولا يسوغ التعويل عليه في العمل والفتيا.
انظر: إرشاد الفحول ص221، مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص262.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 235)
فقيل: إن المناسبة تنتفي؛ فإن تحصيل المصلحة على وجه يتضمن فوات مثلها أو أكبر منها ليس من شأن العقلاء، لعدم الفائدة على تقدير التساوي، وكثرة الضرر على تقدير الرجحان، فلا يكون مناسبًا، إذ المناسب: ما إذا عرض على العقول السليمة تلقته بالقبول.
فيعلم أن الشارع لم يرد بالحكم تحصيلًا للمصلحة في ضمن الوصف المعين1.
وهذا غير صحيح2، فإن المناسب [هو] المتضمن للمصلحة. والمصلحة أمر حقيقي لا ينعدم بمعارض، إذ ينتظم من العاقل أن يقول:--------------------------------------------
1 هذا الفصل تابع للنوع الأول من القسم الثالث في إثبات العلة بالاستنباط، وهو إثبات العلة بالوصف المناسب، وذكره هنا يوهم أنه من المسالك الفاسدة، فلا أدري لماذا أخره؟!
ومعنى هذا الفصل: أن الوصف المناسب للحكم إذا استلزم أو تضمن مفسدة هل تُلغى مصلحته وتختل مناسبته أو لا؟
وقول المصنف: "مفسدة مساوية للمصلحة، أو راجحة عليها" فيه بيان لتحرير محل الخلاف، وهو المفسدة المساوية للمصلحة، أو الراجحة عليها.
أما إذا كانت المفسدة مرجوحة على المصلحة، فإنها تكون معتبرة بالاتفاق، ولا نظر للمفسدة المرجوحة؛ لأنه لا عبرة بالمرجوح في مقابلة الراجح.
وللعلماء في هذه المسألة رأيان:
الرأي الأول: أن المناسبة تنتفي.
الرأي الثاني: أن المناسبة تبقى ولا تلغى، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: "وهذا غير صحيح" ثم ذكر الأدلة التي استند إليها أصحاب هذا المذهب.
واستدلال المصنف للمذهب واضح لا يحتاج إلى شرح.
2 هذا اعتراض على أدلة المذهب الأول، وهو في الوقت نفسه استدلال للقائلين بعدم إلغاء المناسبة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 236)
إلى مصلحة في كذا، يصدني عنه ما فيه من الضرر من وجه آخر".
وقد أخبر الله. تعالى. أن في الخمر والميسر منافع، وأن إثمهما أكبر من نفعهما1، فلم ينف منافعهما مع رجحان إثمهمها.--------------------------------------------
1 قال الله تعالى في سورة البقرة "219": {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا … } وقرأ حمزة والكسائي: "قل فيهما إثم كثير" بالثاء المثلثة.
فمنافع الخمر: الربح في التجارة بها، فإن العرب كانت تجلبها من الشام وتبيعها في الحجاز بثمن مرتفع. وقيل: إنها تهضم الطعام، وتقوي الضعيف، وتشجع الجبان، وتسخي البخيل إلى غير ذلك مما كان يعتقده أهل الجاهلية. ومفاسدها كثيرة جدًّا بينتها سورة المائدة في الآيات "90-92" ومنها: إفساد العقل.
وفي الميسر منفعة كبيرة، ففيه الربح الوفير بدون كد ولا تعب، وكانوا يوسعون بما يستفيدونه على الفقراء والمساكين، لكن مفسدته أكبر، حيث إنه أكل لأموال الناس بالباطل، ويستوجب عذاب الله تعالى وغضبه. ومحل الشاهد: أن الله تعالى أطلق الأمرين في الخمر والميسر، ولو كانت المناسبة مختلة لما صح هذا الكلام: ثم لا يستبعد وجود المعارض مع الحكم.
وأقول: إن الاستدلال بهذه الآية فيه نظر، حيث إن ذلك كان في بداية التشريع، ولذلك فهم منه بعض الصحابة تحريم الخمر قبل نزول آيات المائدة فامتنعوا عن شربها.
قال القرطبي: "تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة؛ فإنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} أي: في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى … } فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ … } الآية: فصارت حرامًا عليهم =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 237)
والمصلحة: جلب المنفعة، أو دفع المضرة، ولو أفردنا النظر إليها: غلب على الظن ثبوت الحكم من أجلها.
وإنما يختل ذلك الظن مع النظر إلى المفسدة اللازمة من اعتبار الوصف الآخر، فيكون هذا معارضًا؛ إذ هذا حال كل دليل له معارض.
ثم ثبوت الحكم مع وجود المعارض لا يعد بعيدًا.
ونظيره: ما لو ظفر الملك بجاسوس لعدوه، فإنه يتعارض في النظر اقتضاءان:
أحدهما: قلته؛ دفعًا لضرره.--------------------------------------------
= حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئًا أشد من الخمر" الجامع لأحكام القرآن "6/ 286".
وعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على مشروعية ما كان ضرره أكثر من نفعه، والأحكام الشرعية تدور مع الراجح وجودًا وعدمًا.
ولذلك أرى أن يقتصر الكلام في هذا المسلك على المفسدة المساوية للمصلحة فقط ويخرج منه ما كانت المفسدة فيه راجحة على المصلحة، وإن كان الشيخ الشنقيطي ينقل الاتفاق على عدم اعتبار ذلك في المفسدة المساوية والراجحة فيقول: "اعلم أن التحقيق في هذه المسألة: أن الخلاف فيها لفظي؛ لأن المصلحة إذا استلزمت مفسدة مساوية أو راجحة فإن الحكم لا ينبني على تلك المصلحة قولًا واحدًا؛ لأن الشرع لا يأمر باستجلاب مصلحة مؤدية لمفسدة أكبر منها أو مساويًا لها. ولكن الخلاف في المصلحة المعارضة بالمفسدة، هل هي منخرمة زائلة من أصلها أو هي باقية معارضة بغيرها، وهو اختيار المؤلف؟
فعلى أن المصلحة باقية، فعدم الحكم لوجود المانع، وعلى أنها زائلة فعدم الحكم لعدم المقتضى. ومن أمثلته: فداء أسرى المسلمين بالسلاح إذا كان يؤدي إلى قدرة الكفار بذلك السلاح على قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين".
مذكرة أصول الفقه ص264.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 238)
والثاني: الإحسان إليه استمالة له ليكشف حال عدوه فسلوكه إحدى الطريقين لا يعد عبثًا، بل يعد جريًا على موجب العقل.
ولذلك ورد الشرع بالأحكام المختلفة في الفعل الواحد، نظرًا إلى الجهات المختلفة، كالصلاة في الدار المغصوبة؛ فإنها سبب للثواب من حيث إنها صلاة، وللعقاب من حيث إنها غصب، نظرًا إلى المصلحة والمفسدة، مع أنه لا يخلو: إما أن يتساويا، أو يرجح أحدهما:
فعلى تقدير التساوي: لا تبقى المصلحة مصلحة، ولا المفسدة مفسدة، فيلزم انتفاء الصحة والحرمة.
وعلى تقدير رجحان المصلحة: يلزم انتفاء الحرمة.
وعلى تقدير رجحان المفسدة: يلزم انتفاء المصلحة.
فلا يجتمع الحكمان معًا1، ومع ذلك اجتمعا.
فدل على بطلان ما ذكروه2.
ثم لو قدرنا توقف المناسبة على رجحان المصلحة، فدليل الرجحان: أنا لم نجد في محل الوفاق مناسبًا سوى ما ذكرناه.
فلو قدرنا الرجحان: يكون الحكم ثابتًا معقولًا.
وعلى تقدير عدمه: يكون تعبدًا.
واحتمال التعبد أبعد وأندر، فيكون احتمال الرجحان أظهر.
ومثال ذلك: تعليلنا وجوب القصاص على المشتركين في القتل،--------------------------------------------
1 وهما: حرمة الصلاة وصحتها، وهذا دليل على أن المناسبة لا تبطل بمعارضة المفسدة الراجحة أو المساوية.
2 أي: أصحاب المذهب الأول.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 239)
بحكمة الردع والزجر؛ كي لا يفضي إسقاطه إلى فتح باب الدماء. فيعارض الخصم بضرر إيجاب القتل الكامل على من لم يصدر منه ذلك.
فيكون جوابه: ما ذكرناه1، والله أعلم.--------------------------------------------
1 وهو: أن مصلحة قتلهم جميعها ترجح على تلك المفسدة.
روى سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا.
وعن علي رضي الله عنه أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلًا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قتل جماعة بواحد. ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان إجماعًا.
ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت للواحد على الجماعة، كحد القذف، ويفارق الدية؛ فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض؛ ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك، أدى إلى الشارع به فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر.
انظر: المغني "11/ 490-491".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 240)