مكة1، خرجت ابنته زينب من مكة مع كنانة أو ابن كنانة فخرجوا في طلبها فأدركها هبار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها فتحملت واشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية فقال بنو أمية: نحن أحق بها وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص وكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول: هذا في سبب أبيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: "ألا تنطلق فتجيء بزينب قال: بلى يا رسول الله قال: "فخذ خاتمي فأعطها إياه" فانطلق زيد فلم يزل يتلطف فلقي راعياً فقال: لمن ترعى فقال: لأبي العاص فقال: لمن هذه الغنم فقال: لزينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم فسار معه شيئاً ثم قال هل لك أن أعطيك شيئاً تعطيها إياه ولا تذكره لأحد قال: نعم فأعطاه الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل قالت: فأين تركته قال: بمكان كذا وكذا فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه فلما جاءته قال لها: اركبي بين يدي على بعيره قالت: لا ولكن اركب أنت بين يدي فركب وركبت وراءه حتى إذا أتت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هي خير بناتي أصيبت في" 2.
3- وروى البزار بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية وكنت فيهم فقال: "إن لقيتم هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو فاحرقوهما" وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت فلم تزل ضبنة3 حتى ماتت ثم قال: "إن لقيتموهما، فاقتلوهما فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله" 4.--------------------------------------------
1ـ كذا في المجمع ولعل الصواب "لما قدم المدينة" كما في المستدرك 4/43.
2ـ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 9/212-213، ثم قال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط بعضه ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح" ورواه الدولابي في الذرية الطاهرة ص/46.
3ـ ضبنة: أي زمنة، من الضبنة وهي الزمانة وهي المرض الدائم "انظر هذا المعنى في الفائق في غريب الحديث" 2/228.
4ـ أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء 2/247 وقال المحقق: إسناده قوي فإن راوايه عن ابن لهيعة بن المبارك وقد سمع منه قبل احتراق كتبه" أهـ، وانظر الحديث في السيرة لابن هشام 1/657،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)
وعند البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: "إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً وأن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما"1.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "ووقع في رواية ابن إسحاق إن وجدتم هبار بن الأسود والرجل الذي سبق منه إلى زينب ما سبق فاحرقوهما بالنار" يعني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها أبو العاص بن الربيع لما أسره الصحابة ثم أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وشرط عليه أن يجهز له ابنته زينب فجهزها فتبعها هبار بن الأسود ورفيقه فنخسا بعيرها فأسقطت ومرضت من ذلك والقصة مشهورة عند ابن إسحاق2 وغيره … إلى أن قال: وقد أسلم هبار هذا فلم تصبه السرية وأصابه الإسلام فهاجر"3.
روى الحاكم بإسناده إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خذي لي أماناً من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي صلى الله عليه وسلم في الصبح يصلي بالناس فقالت: أيها الناس: إني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: "أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم" 4.--------------------------------------------
وأورده الحافظ في الإصابة 3/565-566 وعزاه إلى تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة.
1ـ صحيح البخاري 2/172.
2ـ انظر سيرة ابن هشام 1/654، المستدرك 4/42-43.
3ـ فتح الباري 6/149-150، الإصابة 3/566.
4ـ أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية 1/157-158، ابن سعد في الطبقات 8/32، والحاكم في المستدرك 4/45، والدولابي في الذرية الطاهرة ص/47، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية 3/364-365.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 475)
ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لزينب رضي الله عنها حيث قبل جوارها لزوجها وصار ذلك سنة للمسلمين إلى يوم القيامة، وهو أنه يجير على المسلمين أدناهم ولو كان امرأة.
5- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أم عطية قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً واجعلن في الخامسة كافوراً أو شيئا من كافور فإذا غسلتنها فأعلمنني" قالت: فأعلمناه فأعطانا حقوه1 وقال: "أشعرنها 2 إياه" 3.
هذه الأحاديث المتقدمة كلها اشتملت على بيان مناقب عالية لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت ممن تقدم إسلامهم وممن حظي بشرف الهجرة وممن أوذي في الله وصبرت على ذلك وتحملت الأذى في ذات الله وإيماناً بما عنده من الثواب والجزاء العظيم على ذلك، كما دلت هذه الأحاديث على أنه كان لها منزلة عظيمة عند أبيها صلى الله عليه وسلم وكانت وفاتها رضي الله عنها في أول السنة الثامنة للهجرة4.--------------------------------------------
1ـ الحقوا: معقد الإزار وسمي الإزار حقواً لأنه يشد على الحقو "النهاية في غريب الحديث" 1/417، شرح النووي 7/3.
2ـ أشعرنها: أي: اجعلنه شعاراً لها وهو الثوب الذي يلي الجسد لأنه يلي شعرها "النهاية في غريب الحديث" 2/280، شرح النووي على صحيح مسلم 7/3.
3ـ صحيح مسلم 2/648.
4ـ الطبقات 8/32، سير أعلام النبلاء 2/250، الإصابة 4/306.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)
2) رقية رضي الله عنها:
هي رقية بنت سيد البشر صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ولدت رضي الله عنها سنة ثلاث وثلاثين من مولد أبيها صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمرو: "لا أعلم خلافاً أن زينب أكبر بناته صلى الله عليه وسلم واختلف فيمن بعدها منهن ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت عبد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال: ولدت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاثين سنة وولدت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث وثلاثين سنة1.
وكانت رضي الله عنها ممن تقدم إسلامهم فقد قال محمد بن سعد: "وأسلمت حين أسلمت أمها خديجة بنت خويلد وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي وأخواتها حين بايعه النساء"2.
وكانت رضي الله عنها قبل الهجرة تحت عتبة بن أبي لهب ففارقها3.
قال أبو عمر رحمه الله تعالى: "وقال مصعب وغيره من أهل النسب: كانت رقية تحت عتبة بن أبي لهب وكانت أختها أم كلثوم تحت عتيبة بن أبي لهب فلما نزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} 4 قال لهما أبو هما أبو لهب وأمهما حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد وقال أبو لهب: رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد ففارقاهما"5.
ولما فارقها عتبة بن أبي لهب أبدلها الله بزوج كان من السابقين الأولين إلى الإسلام ومن المبشرين بالجنة وهو ذو النورين عثمان، فقد روى أبو القاسم--------------------------------------------
1ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/292.
2ـ الطبقات 8/36.
3ـ المصدر السابق، وانظر سير أعلام النبلاء 2/251، مجمع الزوائد 9/216-217.
4ـ الآية رقم 1 من سورة المسد.
5ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/292.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)
الطبراني بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي قال: كانت رقية عند عتبة بن أبي لهب فلما أنزل الله تبارك وتعالى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سأل النبي صلى الله عليه وسلم عتبة طلاق رقية وسألته رقية ذلك فطلقها فتزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه رقية وتوفيت عنده1.
وقال ابن شهاب: فتزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه رقية بمكة وهاجرت إلى أرض الحبشة وولدت له هناك ابناً فسماه عبد الله فكان يكنى به وقال مصعب كان عثمان يكنى في الجاهلية أبا عبد الله فلما كان الإسلام ولد له من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام سماه عبد الله واكتنى به فبلغ الغلام ست سنين فنقر عينه ديك فتورم وجهه ومرض ومات، وقال غيره توفي عبد الله بن عثمان من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة وهو ابن ست سنين وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في حفرته أبوه عثمان رضي الله عنهما"2.
وقد وردت طائفة من الأحاديث والآثار التي فيها ذكر بعض المناقب لرقية رضي الله عنها ومنه ما يلي:
1- كانت رضي الله عنها في صدارة من شرفوا بفضل الهجرة الأولى إلى الحبشة فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عروة في تسمية الذين خرجوا في المرة الأولى إلى هجرة الحبشة قبل خروج جعفر وأصحابه عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم3.
وروى ابن المبارك من طريق قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه قال: خرج عثمان برقية إلى الحبشة مهاجراً فاحتبس خبرهما فأتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فأخبرته--------------------------------------------
1ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 9/216-217 وقال: رواه الطبراني وفيه زهير بن العلاء ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان فالإسناد حسن، وانظر الذرية الطاهرة ص/52.
2ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/292-293، وانظر الذرية الطاهرة ص/53.
3ـ المستدرك 4/46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)
أنها رأتهما فقال: "منحهما الله إن عثمان أول من هاجر بأهله" 1.
ففي هذا منقبة لعثمان وزوجه رقية حيث إن عثمان أول من هاجر بأهله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
3- لما مرضت رضي الله عنها أمر المصطفى عليه الصلاة والسلام زوجها عثمان بن عفان أن يتخلف عن غزوة بدر لتمريضها. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر قال: وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه" 2.
وقال الزبير بن بكار: كانت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عتبة بن أبي لهب ففارقها فتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة وهاجرت معه إلى أرض الحبشة فولدت له عبد الله وبه كان يكنى وقدمت معه إلى المدينة وتخلف عن بدر عليها بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سهمان أهل بدر قال: وأجرى يا رسول الله قال: "وأجرك" 3.
وقال الحافظ ابن كثير: "وأما رقية فكان قد تزوجها أولا ابن عمها عتبة ابن أبي لهب، كما تزوج أختها أم كلثوم أخوه عتيبة بن أبي لهب، ثم طلقاهما قبل الدخول بهما بغضة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} فتزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه رقية، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة ويقال: إنه أول من هاجر إليها ثم رجع إلى مكة وهاجر إلى المدينة، وولدت له ابنه عبد الله فبلغ ست سنين فنقره ديك في عينيه--------------------------------------------
1ـ أورده الحافظ في الإصابة 4/298.
2ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 7/54.
3ـ رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد 9/217 وقال الهيثمي عقبه: "رواه الطبراني وروى عن الزهري بعضه روجالهما إلى قائلهما ثقات وانظر الذرية الطاهرة للدولابي ص/54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 479)
فمات وبه كان يكنى أولاً، ثم اكتنى بابنه عمرو، وتوفيت وقد انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ولما أن جاء البشير بالنصر إلى المدينة ـ وهو زيد بن حارثة ـ وجدهم قد ساووا على قبرها التراب1، وكان عثمان قد أقام عليها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب له بسهمه وأجره ولما رجع زوجه بأختها أم كلثوم أيضاً، ولهذا كان يقال له: ذو النورين ثم ماتت عنده في شعبان سنة تسع ولم تلد له شيئاً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان" وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كن عشراً لزوجتهن عثمان" 2.
وما تقدم من الآثار وبعض الأحاديث كلها تدل على فضل رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أراد الله ـ جل وعلا ـ ألا تبقى بضعة من المصطفى عليه الصلاة والسلام في عصمة كافر فقد أخرج الله ابنتيه رقية وأم كلثوم من عصمة ابني أبي لهب وكتب الله لرقية أن تتزوج بعد مفارقة ابن أبي لهب لها برجل كريم تستحي منه الملائكة فكان نعم الزوج لها ونعمت الزوجة له، هاجرا معاً إلى أرض الحبشة ليحصلا على مكان يعبدان الله تعالى فيه ليأمنا من اعتداء أهل الكفر والإشراك بالله، ورغبة صادقة منهما في حصول ثواب الهجرة الذي لا يعدله شيء، وكانت لها رضي الله عنها منزلة عظيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم يدل عليها إذنه عليه الصلاة والسلام لعثمان في أن يتأخر عن غزوة بدر التي هي أول معركة عظمى يخوضها جيش الإيمان مع جيش الكفر والشرك الذي جاء من مكة وأمره أن يتأخر لتمريضها رضي الله عنها وضرب له بسهمه في الغنيمة وأجره عند الله تعالى يوم القيامة كمن حضر الغزوة، كل ذلك تعظيم لشأن رقية رضي الله عنها وأرضاها ولما لها من المكانة العالية عنده صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
1ـ انظر الطبقات لابن سعد 8/37، الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/294، سير أعلام النبلاء 2/252، البداية والنهاية 3/381، مجمع الزوائد 9/217، الإصابة 4/298.
2ـ البداية والنهاية 5/346-347، وانظر الطبقات لابن سعد 8/38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 480)
3) أم كلثوم رضي الله عنها:
هي البضعة النبوية الثالثة أم كلثوم بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، أمها خديجة بنت خويلد كان عتيبة بن أبي لهب قد تزوج بأم كلثوم قبل البعثة فلم يدخل عليها حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أبوه بفراقها لما أنزل الله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} قال له أبوه أبو لهب: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته ففارقها ولم يكن دخل بها فلم تزل بمكة مع أبيها عليه الصلاة والسلام وأسلمت حين أسلمت أمها وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخواتها حين بايعه النساء وهاجرت إلى المدينة فلم تزل بها ولما توفيت أختها رقية زوجها النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن عفان وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وأدخلت عليه في هذه السنة في جمادى الآخرة فلم تزل عنده إلى أن ماتت ولم تلد له شيئاً1.
وقد وردت لها مناقب دلت على أنها ذات منزلة ومقام رفيع رضي الله عنها وأرضاها وهي كما يلي:
1- ما ذكره أبو عمر بن عبد البر حيث قال: "وكان عثمان رضي الله عنه إذ توفيت رقية قد عرض عليه عمر بن الخطاب حفصة ابنته ليتزوجها فسكت عثمان عنه لأنه قد كان سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أدل عثمان على من هو خير له منها وأدلها على من هو خير لها من عثمان" فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة وزوج عثمان أم كلثوم" 2.
روى البخاري في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه قال: شهدنا--------------------------------------------
1ـ الطبقات لابن سعد 8/37-39، الذرية الطاهرة للدولابي ص/56، الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/463-465، أسد الغابة 7/384، سير أعلام النبلاء 2/252-253، البداية والنهاية 3/346-347، مجمع الزوائد 9/216-217، الإصابة 4/466.
2ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/464.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 481)
بنتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر قال: فرأيت عينيه تدمعان قال: فقال: "هل منكم رجل لم يقارف1 الليلة" فقال أبو طلحة: أنا قال: "فأنزل" قال فنزل في قبرها2.
قال الحافظ: "قوله شهدنا بنتاً للنبي صلى الله عليه وسلم هي أم كلثوم زوج عثمان رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد وأخرجه ابن سعد في الطبقات3 في ترجمة ابن كلثوم وكذا الدوالبي في الذرية الطاهرة4 وكذلك رواه الطبري والطحاوي من هذا الوجه ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط والحاكم في المستدرك5. قال البخاري ما أدري ما هذا فإن رقية مات والنبي صلى الله عليه وسلم ببدر ولم يشهدها قلت: وهم حماد في تسميتها فقط ويؤيد الأول ما رواه ابن سعد في ترجمة أم كلثوم6 من طريق عمرة بنت عبد الرحمن قالت: نزل في حفرتها أبو طلحة7.
3- ما رواه ابن سعد في ترجمتها من أنها رضي الله عنها لما مات صلى على جنازتها النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى بإسناده إلى أسعد بن زرارة قال: صلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس على حفرتها، ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب والفضل بن عباش وأسامة بن زيد8.
فهذا الحديث اشتمل على فضيلة ظاهرة لأم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان عليه الصلاة والسلام إمام المصلين على جنازتها وكفى بها منقبة وميزة شريفة--------------------------------------------
1ـ أي: لم يجامع أهله "انظر النهاية في غريب الحديث والأثر" 4/45.
2ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 3/151 والإمام أحمد في المسند 3/126.
3ـ الطبقات الكبرى 8/38.
4ـ والذرية الطاهرة ص/60.
5ـ المستدرك 4/47.
6ـ الطبقات لابن سعد 8/38.
7ـ فتح الباري 3/158.
8ـ الطبقات لابن سعد 8/39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 482)
لما في دعائه المبارك لها بالرحمة والمغفرة ورفع درجتها في الجنة رضي الله عنها وأرضاها، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة تسع للهجرة1.--------------------------------------------
1ـ انظر الطبقات 8/38، البداية والنهاية 3/347، الإصابة 4/466.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 483)
4) فاطمة رضي الله عنها:
هي فاطمة بنت إمام المتقين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة بنت خويلد كانت تكنى بأم أبيها1، وقد اختلف العلماء في بناته عليه الصلاة والسلام في أيتهن أصغر قال أبو عمر بن عبد البر: "والذي تسكن إليه النفس على ما تواترت به الأخبار ترتيب بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زينت الأولى ثم الثانية رقية، ثم الثالثة أم كلثوم ثم الرابعة فاطمة الزهراء"2.
ولدت رضي الله عنها وقريش تبني الكعبة قبل البعثة سنة خمس وثلاثين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم3، زوجها النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر وولد له الحسن والحسين ومحسناً وأم كلثوم، وزينب، وقد تزوج الفاروق عمر رضي الله عنه بأم كلثوم بنت علي من فاطمة في أيام خلافته وأكرمها إكراماً زائداً وأصدقها أربعين ألف درهم لأجل نسبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب4، ومناقب فاطمة رضي الله عنها كثيرة شهيرة ومنها ما يلي:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها حباً شديداً ويسر لسرورها ويغضب لغضبها رضي الله عنها. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى بريدة رضي الله عنه قال: كان أحب النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة ومن الرجال علي5.
2- روى أيضاً بإسناده إلى المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: قال:--------------------------------------------
1ـ انظر أسد الغابة 5/520، الإصابة 4/365.
2ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/362.
3ـ انظر الطبقات لابن سعد 8/26.
4ـ انظر ترجمة فاطمة رضي الله عنها في: " الطبقات لابن سعد 8/19-30، حلية الأولياء 2/39-43، المستدرك 3/151-161، الاستيعاب على حاشية الإصابة 4/362-369، أسد الغابة 5/519-524، سير أعلام النبلاء 2/118-134، البداية والنهاية 5/347، مجمع الزوائد 9/201-212، الإصابة 4/365-368، فتح الباري 3/105.
5ـ المستدرك 3/155 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 484)
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما فاطمة شجنة1 مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها" 2.
وقد غضب لها عليه الصلاة والسلام لما هم علي رضي الله عنه بخطبة ابنة أبي جهل وأعلن غضبه ذلك من على المنبر.
3- روى الشيخان عن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول: "إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنته فأنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها3 ويؤذيني ما آذاها"4.
4- وبلفظ آخر عند مسلم قال: إن علياً بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال: "إن فاطمة مني وإني أتخوف أن تفتن في دينها" قال: ثم ذكر صهراً له من بني عبدي شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن قال: "حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي وإني لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً "5.
5- وروى الشيخان عن المسور بن مخرمة أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمعت بذلك فاطمة أتت--------------------------------------------
1ـ شجنه: قال في النهاية 2/447: وأصل الشجنة بالكسر والضم: شعبة في غصن من غصون الشجرة" والمراد بها الرحم المشتبكة.
2ـ المستدرك 3/154 وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
3ـ قال في النهاية في غريب الحديث 3/287: "يريبني ما يريبها أي: يسوؤني ما يسوؤها ويزعجني ما يزعجها".
4ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 9/327، صحيح مسلم 4/1902.
5ـ صحيح مسلم 4/1903.485
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 485)
النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكحاً ابنة أبي جهل. قال المسور: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد ثم قال: "أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني وإن فاطمة بنت محمد مضغة1 مني وإنما أكره أن يفتنوها وإنها والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد أبداً" قال: فترك علي الخطبة2.
6- روى البخاري بإسناده إلى المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني" 3.
7- روى أبو عيسى الترمذي بسنده إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن علياً ذكر بنت أبي جهل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها" 4.
هذه الأحاديث كلها اشتملت على بيان فضل فاطمة رضي الله عنها وبيان منزلتها من النبي صلى الله عليه وسلم ومكانتها عنده عليه الصلاة والسلام كما دلت هذه الأحاديث على "تحريم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بكل حال وعلى كل وجه وإن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحاً وهو حي وهذا بخلاف غيره، وقد أعلم عليه الصلاة والسلام بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي بقوله صلى الله عليه وسلم: "لست أحرم حلالاً" ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين:
إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة فيتأذى حينئذ النبي صلى الله عليه وسلم فيهلك من آذاه فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وعلى فاطمة.
والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة وقيل: ليس المراد به النهي بل معناه--------------------------------------------
1ـ المضغة: قطعة اللحم.
2ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 7/85، صحيح مسلم 4/1903-1904.
3ـ صحيح البخاري 2/302.
4ـ سنن الترمذي 5/360 ثم قال: هذا حديث حسن صحيح".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 486)
أعلم من فضل أنهما لا تجتمعان ويحتمل أن المراد تحريم جمعهما ويكون معنى لا أحرم حلالاً أي: لا أقول شيئاً يخالف حكم الله فإذا أحل شيئاً لم أحرمه وإذا حرمه لم أحلله ولم أسكت عن تحريمه لأن سكوتي تحليل له ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله وبنت عدو الله1 وصهره الذي أثنى عليه من بني عبد شمس هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب رضي الله عنها.
قال الحافظ: "قوله: "حدثني فصدقني" لعله كان شرط على نفسه أن لا يتزوج على زينب وكذلك علي فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن علياً نسى ذلك الشرط فلذلك أقدم على الخطبة، أو لم يقع عليه شرط إذ لم يصرح بالشرط لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر فلذلك وقعت المعاتبة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قل أن يواجه أحداً بما يعاب به ولعله إنما جهر بمعاتبته عليا مبالغة في رضى فاطمة عليها السلام، وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حيئذ تأخر من بنات النبي صلى الله عليه وسلم غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بأخواتها فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها"2.
8- روى الطبراني بإسناده عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي" 3.
ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لفاطمة رضي الله عنها وهي أن تزويجها من علي كان بإيحاء من الله جل وعلا.
9- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى علي رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع رجله بيني وبين فاطمة رضي الله عنها فعلمنا ما نقول إذا أخذنا مضاجعنا فقال: "يا فاطمة إذا كنتما بمنزلتكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين". قال علي: والله ما تركتها بعد، فقال له رجل كان في نفسه عليه شيء: ولا ليلة صفين قال علي: ولا ليلة صفين"4.--------------------------------------------
1ـ شرح النووي على صحيح مسلم 16/3-4.
2ـ فتح الباري 7/86.
3ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 9/204 وقال عقبه: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
4ـ المستدرك 3/151-152 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 487)
ففي هذا بيان فضيلة ظاهرة لفاطمة وزوجها علي رضي الله عنهما.
10- روى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون" 1.
وأيضاً ما رواه الحاكم بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة خطوط وقال: "أتدرون ما هذا؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران، وأحسبه قال: "وامرأة فرعون" 2.
11- وروى الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في مرضه الذي توفي فيه يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين" 3.
12- وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب مناقب فاطمة رضي الله عنها" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة "4.
13- روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران" 5.
فهذه الأحاديث دلت على أن فاطمة رضي الله عنها ذات منزلة عظيمة وقدر رفيع في الدنيا والآخرة حيث أخبر عليه الصلاة والسلام بأنها سيدة نساء--------------------------------------------
1ـ سنن الترمذي 5/367 ثم قال: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الحاكم في المستدرك 3/158 وقال عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ.
2ـ المستدرك 3/185، ص/160 وصححه ووافقه الذهبي.
3ـ المصدر السابق 3/156 وقال: "هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه هكذا ووافقه الذهبي.
4ـ صحيح البخاري 2/301.
5ـ المستدرك 3/154 وقال عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 488)
العالمين وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين، وسيد نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران.
14- روى الترمذي بإسناده إلى أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي 1 أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً" 2.
وفي هذا منقبة ظاهرة لعلي وفاطمة والحسن والحسين حيث جللهم بكسائه ودعا الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبيناً معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم هؤلاء أهل بيتي.. إلخ" الحديث: "ولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته وأعظمهم اختصاصاً به وهم علي وفاطمة رضي الله عنهما وسيدا شباب أهل الجنة جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فكان من ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله ليسبغها عليهم ورحمة من الله وفضل لم يبلغوهما بمجرد حولهم وقوتهم إذ لو كان كذلك لاستغنوا بهما عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له وهدايته إياه"3.
وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأن فاطمة رضي الله عنها من فضليات النساء اللاتي بلغن الذروة في الفضل لتحقيقهن الإيمان الكامل وعملهن الأعمال الصالحة التي ترضي الله ـ جل وعلا ـ فكن من أهل الدرجات العلى.
15- وقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:--------------------------------------------
1ـ حامتي: قال في النهاية: "حامة الإنسان خاصته ومن يقرب منه وهو الحميم" 1/446.
2ـ سنن الترمذي 5/361 وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب".
3ـ حقوق آل البيت ص/27-28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 489)
كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فلما رآها رحب بها فقال: "مرحباً بابنتي" ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديداً فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت فقلت لها: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ما كنت أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره قالت: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أما الآن فنعم أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وإنه عارضه الآن مرتين: " وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتق الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك" قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: "يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة" قالت فضحكت ضحكي الذي رأيت1.
هذا الحديث اشتمل على مناقب رفيعة لفاطمة رضي الله عنها وهي مشابهتها في مشيها مشية أبيها عليه الصلاة والسلام وترحيبه بها، وإجلاسه لها عن يمينه أو عن شماله واختصاصها بالمسارة دون نسائه رضي الله عنهن ولما رأى حزنها ظهر عليها بما أسره إليها بشرها ببشارة بدلت حزنها فرحاً. وهي قوله لها: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة" فزال حزنها وفرحت بهذه المنزلة العظيمة التي أكرمها الله بها من بين النساء.
قال النووي رحمه الله تعالى: "قولها فأخبرني أني أول من يلحق به من أهله فضحكت" هذه معجزة ظاهرة له صلى الله عليه وسلم بل معجزتان فأخبر ببقائها بعده وبأنها أول أهله لحاقاً به ووقع كذلك وضحكت سروراً بسرعة لحاقها وفيه--------------------------------------------
1ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 11/79-80، صحيح مسلم 4/1904-1905.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)
إيثارهم الآخرة وسرورهم بالانتقال إليها والخلاص من الدنيا"1.
17- روى الترمذي بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها..الحديث2.
فقد وصفتها بصفات حميدة كلها مناقب تزيد من قدرها ورفعة مكانتها فقد بينت أنها تشبه النبي صلى الله عليه وسلم هيئة وطريقة وحسن حال وأشارت رضي الله عنها بالسمت إلى ما كان يظهر عليها من الخشوع والتواضع لله وبالهدى إلى ما كانت تتحلى به من السكينة والوقار وإلى ما كانت تسلكه من المنهج المرضي وبالدل إلى حسن خلقها ولطف حديثها رضي الله عنها3.
18- روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها4.
وهذا الوصف منها أيضاً لسيدة نساء المؤمنين منقبة ظاهرة إذ من التزم الصدق قولاً وعملاً كان قائده إلى عمل البر وإذا عمل البر كان قائده إلى طريق الجنة.
وكل ما تقدم ذكره من الأحاديث التي اشتملت على ذكر مناقب لفاطمة رضي الله عنها كلها دلت على عظيم شأنها وجليل قدرها، كما دلت على بيان--------------------------------------------
1ـ شرح النووي 16/5-6.
2ـ سنن الترمذي 5/361-362 ثم قال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عائشة.
3ـ انظر تحفة الأحوذي 10/373.
4ـ المستدرك 3/160-161 وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)
درجتها العالية التي اختصت بها دون سائر نساء العالمين، وهي أنها سيدة نساء المؤمنين في الدنيا والآخرة، وهي رضي الله عنها أفضل أخواتها على الإطلاق، ولا يعترض بقوله صلى الله عليه وسلم في حق زينب رضي الله عنها:"هي خير بناتي أصيبت1 في" فإن معنى هذه العبارة: "أنها من أفضل بناتي لأن الأخبار ثابتة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن فاطمة رضي الله عنها سيدة نساء هذه الأمة وكذلك أخبر أنها سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران"2 وقد تقدم.
قال العلامة ابن القيم: "وكل أولاده توفي قبله إلا فاطمة فإنها تأخرت بعده بستة أشهر فرفع الله لها بصبرها واحتسابها من الدرجات ما فضلت به على نساء العالمين وفاطمة أفضل بناته على الإطلاق، وقيل إنها أفضل نساء العالمين"3.
وقال الحافظ ابن حجر عند قوله صلى الله عليه وسلم: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني": وفيه أنها أفضل بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما أخرجه الطحاوي وغيره من حديث عائشة في قصة مجيء زيد بن حارثة بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وفي آخره قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هي أفضل بناتي أصيبت في" فقد أجاب عنه بعض الأئمة بتقدير ثبوته بأن ذلك كان متقدماً ثم وهب الله لفاطمة من الأحوال السنية والكمال ما لم يشاركها أحد من نساء هذه الأمة مطلقاً والله أعلم"4.
ومما يرجح أفضليتها على أخواتها أنهن متن قبل النبي صلى الله عليه وسلم فكن في صحيفته عليه الصلاة والسلام وأما فاطمة رضي الله عنه فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم قبلها فكان في صحيفتها رضي الله عنها فكان مصابها فيه أعظم فصبرت واحتسبت رضي الله عنها. كما أوصاها بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى--------------------------------------------
1ـ تقدم تخريجه في مناقب زينب رضي الله عنها.
2ـ انظر المستدرك 4/44.
3ـ زاد المعاد 1/104.
4ـ فتح الباري 7/105-106.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 492)
بإسناده إلى فاطمة رضي الله عنها قالت: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وأنا عند عائشة فناجاني فبكيت.. وفيه أنه قال لها: "وإنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين بمثل ما رزئت، ولا تكوني دون امرأة صبراً" قالت: فبكيت، ثم قال: "أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول" فتوفي عامه ذلك"1.
وهي رضي الله عنها أول من توفي بعد النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته باتفاق أهل العلم حتى من أزواجه2 حيث لم تلبس بعده إلا ستة أشهر كما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر"3.
والذي أخلص إليه في هذا الفصل الذي اشتمل على فضل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يثبتون لهم كل ما صح في فضلهم عموماً وخصوصاً ويعتقدونه اعتقاداً جازماً ولا يبخسونهم منه شيئاً بل يرعون لهم حرمتهم وقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوالونهم ويحبونهم لإسلامهم وسبقهم وحسن بلائهم في نصرة دين الله عز وجل.
وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معتقد الفرقة الناجية في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال في سياق عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: "ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي"4 … ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصاً خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد--------------------------------------------
1ـ جامع البيان للطبري 3/264.
2ـ انظر فتح الباري 8/136.
3ـ صحيح مسلم 3/1380.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)