بالعصمة، وهكذا إنكار الأسود بن يزيد عن الشعبي(1) لما سمعه يحدّث بذلك، ولم يقل أحد منهم: إن فاطمة كذبت في خبرها. وأما دعوى أن سبب خروجها كان لفحش في لسانها كما قال مروان لما حدّث بحديثها: "إن كان بكم شرّ فحسبكم ما بين هذين من الشرّ"، يعني أن خروج فاطمة كان لشرّ في لسانها(2)، فمع كون مروان ليس من أهل الانتقاد على أجلاء الصحابة والطعن فيهم، فقد أعاذ الله فاطمة عن ذلك الفحش الذي رماها به، فإنها من خيرة نساء الصحابة فضلًا وعلمًا، ومن المهاجرات الأولات، ولهذا ارتضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبه--------------------------------------------
= فقال: "إلى ابن أم مكتوم" وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يراها، فلما مضت عدتها أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامةَ بن زيدٍ، فأرسل إليها مروانُ قبيصةَ بنَ ذويب يسألُها عن الحديث فحدثتهُ به، فقال مروان: إن لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأةٍ، سنأخذُ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآنُ؛ قال الله عز وجل: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق: 1] الآية. قالت: هذا لمن كانت له مراجعة؛ فأي أمرٍ يُحدثُ بعد الثلاثِ؟ فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا؟ فعلام تحبسونها؟ ".
(1) أخرج النسائي في سننه رقم (3549): عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي فأردتُ النقلَةَ فأتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: "فقال انتقلي إلى بيت ابن عمك عمرو بن أم مكتوم فاعتدي فيه"، فحصبه الأسودُ وقال: ويلكَ لِمَ تُفتي بمثل هذا، قال عمر: إن جئتِ بشاهدين يشهدانِ أنهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1].
وهو حديث صحيح.
(2) قال ابن القيم في "زاد المعاد" (5/ 479): "وأما المطعن الثالث: وهو خروجها لم يكن إلا لفحش من لسانها، فما أبردَه من تأويل وأسمجَه، فإن المرأة من خيار الصحابة رضي الله عنهم وفضلائهم، ومن المهاجرات الأُوَل، وممن لا يحملها رِقةُ الدين وقلة التقوى على فُحش يُوجب إخراجها من دارها، وأن يمنع حقها الذي جعله الله لها، ونهى عن إضاعة المال، فيا عجبًا! كيف لم يُنْكِرْ عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الفحش؟ ويقول لها: اتقي الله، وكُفِّي لسانَك عن أذى أهل زوجك، واستقري في مسكنك؟ وكيفَ يَعْدِلُ عن هذا إلى قوله: "لا نفقة لك ولا سكنى" إلى قوله: "إنما السُّكنى والنفقةُ للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعةٌ؟!! " فيا عجبًا! كيف يُترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبي صلى الله عليه وسلم، ويُعلل بأمرٍ موهوم لم يعلل به رسول الله صلى الله عليه وسلم البتة، ولا أشار إليه، ولا نبّه عليه؟ هذا من المحال البيّن. ثم لو كانت فاحشة اللسان وقد أعاذها اللهُ من ذلك، لقال لها النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعتْ وأطاعتْ: كفي لِسانَك حتى تنقضي عِدّتُك، وكان من دونها يسمع ويطيع لئلا تخرج من سكنه". اهـ.

(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 600)