من أن لا تقبلوه، لأنه إنما أرسل ليقوى أيديكم على أهل فلسطين وليردكم إلى شرع التوراة، وبين صفته، فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان به، لأنه إنما يخاف تكذيبكم، من ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ديانتكم.
فالوصية بالإيمان به، مما لا يستغنى مثلكم عنه، ولذلك لم يكن بموسى حاجة
أن يوصيكم بالإيمان بنبوة أرميا وأشيعيا وغيرهما من الأنبياء.
وهذا دليل على أن التوراة أمرتهم، في هذا الفصل، بالإيمان بالمصطفى عليه السلام، واتباعه.
الإشارة إلى اسمه صلى الله عليه وسلم في التوراة
قال الله، تعالى، في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة، مخاطبًا لإبراهيم الخليل، عليه السلام: "وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك، ها قد باركت فيه،
وأثمرِّه وأكثرِّه جدًا جدًا".
ذلك قوله: "وليشماعيل شمعتيخا هنى بير اختى أوتووهر بيثى أوتو بمأ دماد".
فهذه الكلمة "بماذماد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل، كان اثنين وتسعين، وذلك عدد حساب حروف اسم محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أيضًا اثنان وتسعون.
وإنما جُعل ذلك في هذا الموضع ملغزا، لأنه لو صرح به، لبدلته اليهود، أو
أسقطته من التوراة، كما عملوا في غير ذلك.
فإن قالوا: إنه قد يوجد في التوراة عدة كلمات، مما يكون عدد حساب حروفه مساويًا لعدد حساب حروف اسم زيد وعمرو وخالد وبكر، فلا يلزم من ذلك أن يكون زيد وعمرو وخالد وبكر أنبياء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
فالجواب: إن الأمر كما تقولون، لو كان لهذه الآية أسوة بغيرها من كلمات
التوراة، لكنا نحن نقيم البراهين والأدلة على أنه لا أسوة لهذه الكلمة بغيرها من سائر التوراة، وذلك أنه ليس في التوراة من الآيات ما حاز به إسماعيل الشرف كهذه الآية، لأنها وعد من الله لإبراهيم، بما يكون من شرف إسماعيل، وليس فى التوراة آية آخرى، مشتملة على شرفٍ لقبيلة زيد وعمرو وخالد وبكر.
ثم إنا نبين أنه ليس في هذه الآية كلمة تساوى "بمادماد" التي معناها "جدًا
جدًا"، وذلك أنها كلمة المبالغة من الله، سبحانه، فلا أسوة لها بشىءٍ من كلمات الآية المذكورة.
وإذا كانت هذه الآية أعظم الآيات مبالغة في حق إسماعيل وأولاده، وكانت
تلك الكلمة أعظم مبالغةً من باقى كلمات تلك الآية، فلا عجب أن تضمن
الإشارة إلى أجل أولاد إسماعيل شرفًا، وأعظمهم قدرًا، محمد صلى الله عليه وسلم.
وإذ بينا أنه ليس لهذه الكلمة أسوة بغيرها من كلمات هذه الآية، ولا لهذه الآية أسوة بغيرها من آيات التوراة، فقد بطل اعترافهم.
ذكر الوضع الذي أشير فيه إلى نبوة الكليم. والمسيح والمصطفى، عليهم السلام.
"واما راذوناى مسيناى اثكلى وريهور يقاربه مسيعيرا تجرى لانا استحى
بغبورتيه على طورا دفاران وعميّه ربوات قد يشين ".
تفسير، قال: "إن الله من سيناء تجلى، وأشرق نوره من سيعير، واطلع من
جبال فاران، ومعه ربوات المقدسين ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبلُ الشراة الذي فيه بنو العيص الذين آمنوا
بعيسى، عليه السلام، بل في هذا الجبل كان مقام المسيح عليه السلام. وهم
يعلمون أن سيناء هو جبل الطور، لكنهم لا يعلمون أن جبل فاران هو جبل
مكة!
وفى الإشارة إلى هذه الأماكن الثلاثة التي كانت مقام نبوة هؤلاء الأنبياء، ما
يقتضى للعقلاء أن يبحثوا عن تأويله المؤدى إلى الأمر باتباع مقالتهم.
فأما الدليل الواضحُ من التوراة على أن جبل فاران هو جبل مكة، فهو
أن إسماعيل لما فارق أباه الخليل، عليهما السلام سكن إسماعيل في برِّية فاران، ونطقت التوراة بذلك في قوله: " وتقاح لو اموا شيامئا يرض مِصْرايم ".
تفسير: " وأقام في برية فاران، وأنكحته أمه امراةً من أرض مصر".
فقد ثبت من التوراة أن جبل فاران مسكنٌ لآل إسماعيل، وإذا كانت التوراة قد أشارت في الآية التى تقدم ذكرها إلى نبوة تنزل على جبل فاران.
لزم أن تلك النبوة على آل إسماعيل؛ لأنهم سكان فاران، وقد علم الناسُ قاطبة أن الشار إليه بالنبوة من ولد إسماعيل هو محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه بعث من مكة التي كان فيها مقام إسماعيل.
فدل ذلك على جبال فاران هى جبال مكة، وأن التوراة أشارت في هذا الموضع إلى نبوة الصطفى، صلوات الله وسلامه عليه، وبشرت به، إلا أن اليهود، لجهلهم وضلالهم، لا يحسنون الجمع بين هاتين الآيتين، بل يسلمون
المقدمتين ويجحدون النتيجة، لفرط جهلهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وقد شهدت عليهم التوراة بالإفلاس من الفطنة والرأى، ذلك قوله تعالى:
"كى غووى أو باد عيصوت هيما واين باهيم تبونا".
تفسيره: "إنهم لشعب عادم الرأى، وليس فيهم فطانة".
فى إبطال ما يدعونه من معبة الله إياهم.
هم يزعمون أن الله، سبحانه وتعالى، يحبهم دون جميع الناس، ويحب طائفتهم وسلالتهم، وأن الأنبياء والصالحين لا يختارهم الله إلا منهم، ونحن نناظرهم على ذلك. فنقول ما قولكم في أيوب النبي، عليه السلام، أتقرون بنبوته؟
فيقولون: نعم.
فنقول لهم: هل هو من بنى إسرائيل؟
فيقولون: لا.
فنقول لهم: ما تقولون في جمهور بنى إسرائيل، أعني التسعة أسباط والنصف، الذين أغواهم يربعام بن نباط الذى خرج على ولد سليمان بن داود،
وصنع لهم الكبشين من الذهب، وعكف على عبادتهما جماعة من بنى إسرائيل
، وأهل جميع ولاية دار ملكهم الملقبة يومئذ بشومرون، إلى (أن) جرت الحرب بينهم وبين السبطين والنصف، الذين كانوا مؤمنين مع ولد سليمان في بيت المقدس، وقتل في معركة واحدة خمسمائة ألف إنسان، فما تقولون في أولئك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
القتلى بأسرهم، وفى التسعة أسباط والنصف، هل كان الله يحبهم، لأنهم
إسر ائيلين؟! فيقولون: لا، لأنهم كفار.
فنقول لهم: أليس عندكم في التوراة، أنه لا فرق بين الدخيل في دينكم وبين
الصريح النسب منكم؟!
فيقولون: بلى، لأن التوراة ناطقة بهذا:
"كليركا اراح كاخيم بيهى لقتى اذوناى".
تفسيره: " إن الأجنبي والصريح النسب منكم سواء عند الله ".
"احاث وشفاط ايجاد بيهى لا خيم ولكريم هكار بثو خيم ".
تفسيره: "شريعة واحدة" وحكم واحد يكون لكم، وللغريب الساكن فيما
بينكم. فإذا اضطررناهم إلى الإقرار بأن الله لا يحب الظالمين منهم، ويحب المؤمنين من غير طائفتهم، ويتخذ أولياء وأنبياء من غير سلالتهم، فقد نفوا ما ادعوه من اختصاص محبة الله، سبحانه وتعالى، بطائفتهم من بين المخلوقين.
فصل في ذكر طرف من كفرهم وتبديلهم.
إن من سبيل ذوى التحصيل أن يتجنبوا الرذائل، وينفروا مما قبح فى
العقول السليمة، ورجح تزييفه، عند ذوي الأفهام المستقيمة.
ولهذه الطائفة من فنون الضلال والاختلال ما تنبو عن مثله العقول،
يخالفه المشروع والمعقول. وذلك أنهم مع ذهاب دولتهم وتفرق شملهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وعملهم بالغصب الممدود عليهم، يقولون في كل يوم في صلاتهم: إنهم أبناء
الله وأحباؤه، وذلك قولهم في كل يوم في الصلاة.
"اهباث عولام اهبتا نوأذوناى الوهينو".
تفسيره: " محبة الدهر أحببتنا يا إلهنا".
" هشليتيو لتوراتيخا ".
تفسيره: " ارددنا يا أبانا إلى شريعتك ".
"ابينو ملكينو الوهينو".
تفسيره: " يا أبانا يا مالكنا يا إلهنا".
"اتا أذوناى ابينو كو الينو".
تفسيره: "أنت اللهم أبونا منقذنا".
وايت كل رود في بانخا واوينى غداثنحا لولام كسامويام ايجاد ميهم لو نوثار.
تفسيره: " وجميع الذين اقتصُّوا أثر بنيك، واعدًا جماعتك كلهم غطاهم
البحر واحد منهم لم يبق "؛ ويمثلون أنفسهم بعناقيد العنب، وسائر الأمم بالشوك المحيط بأعالى حيطان الكرم!
وهذا من قلة عقولهم، وفساد نظرهم، فإن المعتنى بمصالح الكرم، إنما يجعل
على أعالى حيطانه الشوك حفظًا، وحياطة للكرم ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
ولسنا نرى لليهود من بقية الأمم إلا الضرر والذل والصغار وذلك
مبطلٌ " لقولهم، وينتظرون قائمًا يأتيهم من آل داود النبي، إذا حرك شفتيه
بالدعاء مات جميع الأمم، ولا يبقى إلا اليهود، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذى وعدوا به.
وقد كان الأنبياء، عليهم السلام، ضربوا لهم أمثالاً، أشاروا بها إلى جلالة دين المسيح عليه السلام، وخضوع الجبارين لأهل ملته، وإتيانه بالنسخ العظيم.
فمن ذلك قول إشيعيا في نبوءته:
"وعارزانت عم كبيش يحذا ويربضو شنيهم وفارا واذوب ترعينا وارباكبا
قارلوخل يتبين ".
تفسيره: " إن الذيب والكبش يرعيان جميعًا، ويربضان معًا، وأن البقرة والدب يرعيان جميعًا، وأن الأسد يأكل التبن كالبقرة".
فلم يفهموا من تلك الأمثال إلا صورها الحسية، دون معانيها العقلية، فقولوا عن الإيمان بالمسيح عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون الأسد حتى يأكل التبن ويصبح حينئذ لهم علامة المسيح إ!
ويعتقدون أن هذا المنتظر حتى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى القدس، وتصير
لهم الدولة، ويخلو العالم من سواهم، ويجم الموت عن جنابهم المدد
الطويلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
وسبيلهم أن لا يعدلوا عن تتبع الأسود في غاباتها، وطرح التبن بين أيديها،
ليعلموا وقت أكلها إياه!
وأيضاً، فإنهم في العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة، يقولون فى
صلاتههم: "ألوهينو والوهى أبو ثينو ملوخ على كل يوشى تيبيل أرضيخا
ويوماركول أشير نشا مانا قواذوناى الوهى يسرائيل مالاخ وملخو توبكوك
ما شيا لا ".
تفسيره: " يا إلهنا وإله آبائنا املكْ على جميع الأرض، ليقول كل ذى قسمة، الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطة".
ويقولون في هذه الصلاة أيضًا: "وسيكون لله الملك، وفى ذلك اليوم يكون الله واحدًا".
ويعنون بذلك أنه لا يظهر أن الملك لله، إلا إذا صارت الدولة إلى
اليهود الذين هم أمته وصفوته، فأما مادامت الدولة لغير اليهود، فإن الله خامل الذكر عند الأمم، وأنه مطعون في ملكه، مشكوك في قدرته!!.
فهذا معنى قولهم: "اللهم املك على جميع الأرض "،
ومعنى قولهم: "وسيكون الملك لله ". وما ينخرط في هذا السلك قولهم:
"لا ما يومر وهلويثم إلى يا ألوهيهم ".
تفسيره: " لم يقول الأمم أين إلههم ".
وقولهم: " عورا لا مانيشان ادوناى هاقيصا مشنا شيخا".
تفسيره: " انتبه كم تنام يارب، استيقظ من رقدتك ".!
وهؤلاء إنما نطقوا بهذه الهذيانات والكفريات من شدة الضجر من الذل والعبودية والصغار، وانتظار فرج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
لا يزداد منهم إلا بعدًا، فأوقعهم ذلك في الطيش والضجر، وأخرجهم إلى نوع من التزندق والهذيان، الذي لا يستحسنه إلا عقولهم الركيكة! .. فتجرءوا على الله بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخون الله بذلك لينتخى لهم، ويحمى لنفسه، لأنهم إذا ناجوا ربهم بذلك، فكأنهم يخبرونه بأنه قد اختار الخمول لنفسه، وينخونه للنباهة واشتهار الصيت!
فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك في أن كلامه يقع عند الله بموقع عظيم، وأنه يؤثر في ربه، ويحركه بذلك، ويهزه وينخِّيه! .. وهؤلاء على الحقيقة ينبغى أن يرحم جهلهم وضعف عقولهم.
وأيضًا فإنه عندهم في توراتهم: أن موسى صعد الجبل مع مشايخ أمته، فأبصروا الله جهرة، وتحت رجليه كرسى منظره كمنظر البلور، ذلك قوله: "وتراوايث ألوهى هشفير وخعيصم هشاما يم لا طوهر".
ويزعمون أن اللوحين مكتوبان بأصبع الله! .. في قولهم: "بإصباع ألوهيتم ".
ويطول الكتاب إن عددنا ما عندهم من كفريات التجسيم، على أن
أحبارهم قد تهذبوا كثيرًا عن معتقد آبائهم، بما استفادوه من توحيد المسلمين، وأعربوا عن تفسير ما عندهم بما يدفع عنهم إنكار المسلمين عليهم، مما لا
تقتضيه الألفاظ التي فسروها ونقولها، وصاروا متى سُئلوا عما عندهم من هذه الفضائح، استتروا بالجحد والبهتان، خوفًا من فظيع ما يلزمهم من الشناعة.
ومن ذلك أنهم ينسبون إلى الله، تعالى، إلى الندم على ما يفعل، فمن ذلك
قولهم في التوراة التي بأيديهم: "ويناجم أذوناى كى عاسا اث مما اذام يا أرض
ويتعصب إل لبُّو ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
تفسيره: " وندم الله على خلق البشر في الأرض وشق عليه ".
وقد أفرط المترجم في تعصبه وتحريفه الألفاظ عن موجب اللغة، وفسر:
" ويناخم أذوناى وثاب أذوناى تميمريه ".
يعنى: " وعاد الله في رأيه "! .. وهذا التأويل، وإن كان غير موافق
اللغة فهو أيضًا كفر، بل مناقض لا يدفعونه من البداء والنسخ.
وأما الدليل على أن تفسير: " ويتعصب إل لبوُّ" وشق عليه " فهو ما جاء فى
مخاطبة حواء، عليها السلام: بعصيب يتلدى بانيم "
تفسيره: " بمشقة تلدين الأولاد".
فقد تبين أن "العصيب " في اللسان العبراني هو "المشقة".
وهذه الآية عندهم في قصة قوم نوح، زعموا أن الله، تعالى، لما رأى فساد قوم نوح، وأن شرهم وكفرهم قد عظما، ندم على خلق البشر، وشق عليه! ..
ولا يعلمُ البله أن من يقول بهذه المقالة لزمه أن الله قبل أن يخلق البشر لم يكن
عالمًا بما سيكون من قوم نوح، وغير ذلك من النقص، تعالى الله عما
يكفرون!
وعندهم أيضا: أن الله، تعالى، قال لشموائيل النبي، عليه السلام: "نيحا
متى لي هملا حتى اث شا أولميلخ على يسرا ائل ".
تفسيره ": ندمت إذ وليت شاءول ملكًا على إسرائيل ".
وفي موضع آخر من سفر شموائيل: " وادناى نيخام كى هميلخ اث شا
أول على يسراائل ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
تفسيره: " والله ندم على تمليكه شاءول على إسرائيل ".
وأيضًا فإن عندهم أن نوحًا النبي عليه السلام، لما خرج من السفينة بدأ ببناء
مذبح لله، وقرب عليه قرابين، ويتلوا ذلك:
"وتارخ ادوناى اث ريتخ هينحورخ ويومر ادوناى ال لبولا سيف عود لقليل
اث ها إذا ما با عبورها إذام لي يبصر لبب ها اذام راع منعورا وولوا وسيف عود لهلكوت اث كل ماى يكا اشيرعا سيتى".
تفسيره: " فاستنشق الله رائحة الفنار، فقال الله في ذاته: لن أعاود لعنة
الأرض، بسبب الناس، لأن خاطر البشر مطبوع الرداءة، ولن أعاود إهلاك جميع الحيوان، كما صنعت ".
ولسنا نرى أن هذه الكفريات كانت في التوراة المنزلة على موسى،
صلوات الله عليه ولا نقول أيضًا: إن اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها، بل الحق أولى ما اتبع، ونحن نذكر الآن حقيقة سبب تبديل التوراة.
ذكر السبب في تبديل التوراة.
علماؤهم وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم، لا يعتقد أحد من
علمائهم وأحبارهم أنها المنزلة على موسى ألبتة، لأن موسى صان التوراة عن بنى إسرائيل، ولم يبثها فيهم، وإنما سلمها إلى عشيرته من أولاد ليوى.
ودليل ذلك قول التوراة: " وتختوب موشا أث هتورا هزوت وتيناه الط هكوهنيم بنى ليوى ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
تفسيره: " وكتب موسى هذه التوراة، ودفعها إلى الأئمة بنى ليوى". وكان بنو هارون قضاة" اليهود وحكامهم، لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقفة عليهم، ولم يبذل موسى من التوراة لبنى إسرائيل إلا نصف سورة، ويقال لها: " ها ازينو" فإن هذه السورة من التوراة هى التي علمها موسى بنى إسرائيل، ذلك قوله: "وتختوب موشا أث هتيرا هروث وتلمذاه لبنى يسرائيل ".
"تفسيره " وكتب موسى هذه السورة وعلمها بنى إسرائيل ".
وأيضاً فإن الله تعالى قال لموسى عن هذه السورة (وها يتالى هشيرا هزوث لعيد بنى اسرائيل وتفسيره: وتكون لي هذه السورة).
"كى لو تشا خاخ مفى زرعو".
تفسيره: " لأن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم ".
يعنى أن هذه السورة مشتملة على ذم طباعهم، وأنهم سيخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك، وتخرب ديارهم، ويشتتون في البلاد.
قال: فهذه السورة تكون متداولة في أفواههم، كالشاهد عليهم، والموافق لهم على صحة ما قيل لهم، فهذه السورة لما قال الله عنها: " إنها لا تنسى من أفواه أولادهم " دل على ذلك على أن (الله علم) أن غيرها من السور ينسى.
وأيضاً فإن هذا دليل على أن موسى لم يعط بنى إسرائيل من التوراة إلا
هذه السورة، فأما بقية التوراة فدفعها إلى هارون، وجعلها فيهم، وصانها عن سواهم.
وهؤلاء الأئمة الهارونيون الذين كانوا يعرفون التوراة، ويحفظون أكثرها
قتلهم بخت نصر على دم واحدٍ، يوم فتح بيت المقدس، ولم يكن حفظ التوراة، فرضًا بل سنة، بل كان كل واحدٍ من الهارونين يحفظ فصلاً من التوراة.
فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم، وزالت دولتهم، وتفرق جمعهم، ورفع كتابهم، جمع من محفوظاته، ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما لفق منه هذه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
التوراة التي بأيديهم، ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة.
وزعموا أن التوراتي الآن يظهرُ على قبره الذي عنده بطاح العراق، لأنه عمل لهم كتابًا يحفظ دينهم.
فهذه التوراة التي بأيديهم على الحقيقة كتاب عزرا، وليست كتاب الله،
وهذا يدل على أنه - أعني الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم رجل فارغ جاهل بالصفات الإلهية، فلذلك نسب إلى الله، تعالى، صفات التجسيم، والندامة على ماضى أفعاله والإقلاع عن مثلها، وغير ذلك مما تقدم ذكره. وأيضًا فمما يستدل به على بطلان تأويلاتهم، وإفراطهم في التعصب، وتشديد الإصر، ما ذكروه في تفسيره هذه الآية:
" ريشيث بلورى إذ ما تأبى بيت أذوناى ألوهيما لوت تسيل كذى باحابيب أمو".
تفسيره: " بكور ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك، لا تنضج الجدى بلبن أمه ".
والمراد من ذلك: أنهم أمروا عقب افتراض الحجج عليهم، أن يستصحبوا
معهم، إذا حجوا إلى بيت المقدس أبكار أغنامهم، وأبكار مستغلات أرضهم؛ لأنه قد كان فرضًا عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة البقر والغنم وراء أمهاتها سبعة أيام، ومن اليوم الثامن فصاعدًا يصلح أن يكون قربانًا لله،
فأشار في هذه الآية في قوله: " لا تنضج الجدى بلبن أمه ". إلى أنهم لا يبالغون فى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
إطالة مكث بكور أولاد الغنم والبقر وراء أمهاتهن، بل يستصحبون أبكارهن
اللاتي قد عبرن سبعة أيامٍ من ميلادهن معهم، إذا حجوا إلى بيت المقدس
ليتخذوا منها القرابين فتوهم المشايخ البله المترجمون لهذه الآية، والمفسرون
لمعانيها، أن المشرع يريد بالإنضاج هذا إنضاج الطبيخ في القدر.
وهبهم صادقين في هذا التفسير، فلا يلزم من تحريم الطبيخ، تحريم الأكل،
إذ لو أراد الشرع الأكل لما منعه مانع عن التصريح بذلك. وما كفاهم هذا الغلط فى تفسير هذه اللفظة، حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن، وهذا مضاف إلى ما يستدل به على جهل المفسرين والنقلة، وكذبهم على الله وتشديد الإصر على طائفتهم.
فأما الدليل على تفسير "تبسيل " الانضاج الذي هو البلوغ فهو قول
رئيس السقاة ليوسف الصديق، وهما في السجن، إذ شرح له رؤياه، فقال
فى جملة كلامه، "وبكيفن شكوشا سارنعيم وهى حضور راحت عالقا نصاه
هيشيلوا شكلوثنا غباييم ".
تفسيره: " وفى الكرمة ثلاثة عناقيد، وهى كأنها قد أثمرت وصعد نوارها، ونضجت عناقيدها عنبًا. فقد تبين أن الإنضاج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
الذي يعبر عنه: " يالهيشيلوا" إنما هو البلوغ. ولا ينبغى للعاقل أن يستبعد اصطلاح كافة هذه الطائفة على المحال، واتفاقهم على فنونٍ من الكفر والضلال، فإن الدولة إذا انفرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها، وأخذها بلادها، انطمست حقائق سالف أخبارها، واندرس قديم آثارها، وتعذَّر الوقوف عليها، لأن الدولة إنما يكون زوالها عن أمةٍ، بتابع الغارات والمضايقات، وإخراب البلاد " وإحراق بعضها، فلا تزال هذه الفنون متتابعة عليها إلى أن يستحيل علومها جهلاً، وكثرتها قلة، وكلما كانت الأمم أقدم، واختلف عليها الدول المتتابعة لها بالإذلال والإيذاء، كان حظها من اندراس الآثار أكثر.
وهذه الطائفة ولا شك أعظم الطوائف حظًا مما ذكرناه، لأنها من أقدم الأمم
عهدًا، ولكثرة الأمم التي استولت عليها من الكلدانيين البابليين والفرس واليونان والنصارى والإسلام.
وما من هذه الأمم إلا من قصدهم أشد القصد، وطلب استئصالهم، وبالغ
فى إحراق بلادهم وإخرابها وإحراق كتبهم، إلا المسلمين، فإن الإسلام
صادف اليهود تحت ذمة الفرس ولم يتبق لهم مدينة ولا جيش، إلا العرب
المشهورة بخيابر.
وأشد على اليهود من جميع هذه الممالك، ما نالهم من ملوكهم العصاة مثل أجأب وأحرنا وأمصيا ويهودام ويربعام بن نباط، وغيرهم من الملوك الإسرائيليين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في تطلبهم ليقتلوهم، وعبدوا الأصنام،
وأحضروا من البلاد سدنة الأصنام، لتعظيمها وتعليم رسوم عبادتها، وابتنوا لها البيع العظيمة والهياكل، وعكف على عبادتها الملوك ومعظم بنى إسرائيل،
وتركوا أحكام التوراة والشرع مددًا طويلة، وأعصارًا متصلة.
فإذا كان هذا تواتر الآفات على شرعهم من قبل ملوكهم، ومنهم على
أنفسهم، فما ظنك بالآفات المتفننة التي تواترت عليهم من استيلاء الأمم فيما
بعد عليهم، وقتل أئمتهم، وإحراق كتبهم، ومنعهم إياهم عن القيام
بشرائعهم!.
فإن الفرس كثيرًا ما منعوهم عن الختانة، وكثيرًا ما منعوهم عن الصلاة،
لمعرفتهم بأن معظم صلوات هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار، وعلى العالم
بالخراب، سوى بلادهم التي هى أرض كنعان!
فلما رأت اليهود الجد من الفرس في منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية مزجوا بها فصولاً من صلاتهم، وسموها الحزانة وصاغوا لها ألحانًا عديدة،
وصاروا يجتمعون أوقت صلواتهم على تلحينها وتلاوتها.
والفرق بين هذه الحزانة، وبين الصلاة بغير لحنٍ أن المصلى يتلو الصلاة
وحده، ولا يجهر معه غيره.
أما الحزانُ فيشاركه جماعة في الجهر بالحزانة، ويعاونونه في الألحان، فكانت الفرسُ إذا أنكرت ذلك منهم، زعمت اليهود أنهم يغنون أحيانًا، وينوحون على أنفسهم أحيانًا فتركوهم وذاك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
ومن العجب أن دولة الإسلام لما جاءت مقرة لأهل الذمة على أديانها،
وصارت الصلاة مباحةً لهم، صارت الحزانة عند اليهود من السنن المستحبة فى الأعياد والمواسم والأفراح، يجعلونها عوضًا عن الصلاة، ويستغنون بها عنها، من غير ضرر يبعثهم على ذلك.
فيما يعتقدونه في دين الإسلام
هم يزعمون أن المصطفى، صلى الله عليه وسلم وشرف وعظَّم وكرَّم، كان قد رأى أحلامًا تدل على كونِه صاحب دولة وأنه سافر إلى الشام في تجارة
لخديجة، رضوان الله عليها، واجتمع بأحبار اليهود، وقصَّ عليهم أحلامه،
فعلموا أنه صاحب دولة، فأصحبوه عبد الله بن سلام فقرأ عليه علوم التوراة
وفقهها مدةً، زعموا. وأفرطوا في دعواهم إلى أن نسبوا الفصاحة المعجزة التي فى القرآن إلى تأليف عبد الله بن سلام، وأنه قرر في شرع النكاح أن الزوجة لا تستحل بعد الطلاق الثلاث إلا بنكاح آخر، ليجعل بزعمهم أولاد المسلمين "ممزرير "، وهذه كلمة جميع واحدة (ممزير)، وهو اسم لولد الزنا، لأن في شرعهم أن الزوج إذا راجع زوجته بعد أن نكحت غيره، كان أولادهما معدودين من أولاد الزنا.
فلما كان النسخ مما لا ينطبع فهمه في عقولهم، ذهبوا إلى أن هذا الحكم فى
النكاح من موضوعات عبد الله بن سلام، قصد به أن يجعل أولاد المسلمين
) ممزريم) - بزعمهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
ثم أكثر العجب منهم أنهم جعلوا داود النبي، عليه السلام، (ممزيز)
من وجهين، وجعلوا منتظرهم (ممزير) من وجهين، وذلك أنهم لا يشكون فى
أن داود بن بيشاى بن عابد، أبو هذا عابد يقال: له (بوعز) من سبط يهوذا، وأمه يقال لها: روث الموابية من بنى مؤاب، وهذا مؤاب منسوب عندهم في نصِّ التوراة فى هذه القصة. وهى أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها، ونجا بابنتيه فقط "
قالت ابنتاه: إن الأرض قد خلت ممن يستبقين منه نسلاً. فقالت الكبرى
للصغرى: إن أبانا لشيخ، وإنسان لم يبق في الأرض ليأتينا كسبيل البشر،
فهلمي بنا نسقي أبانا خمرًا ونضاجعه، لنستبقي من أبينا نسلاً.
ففعلتا ذلك - بزعمهم.
وجعلوا ذلك النبي قد شرب الخمر، حتى سكر، ولم يعرف ابنتيه ثم وطأهما،
فأحبلهما وهو لا يعرفهما، فولدت أحدهما ولدًا سمته (مؤاب)، يعنى أنه من الأب، والثانية سمت ولدها (بن عمىِّ)، يعنى أنه من الأب، وذلك الولدان
عند اليهود من (الممزريم) ضرورة، لأنهما من الأب وابنتيه.
فإن أنكروا ذلك لأن التوراة لم تكن نزلت، لزمهم ذلك، لأنَّ عندهم أن إبراهيم الخليل، عليه السلام، لما خاف في ذلك العصر من أن يقتله المصريون بسبب زوجته، أخفى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
نكاحها، وقال: "هى أختى". علمًا منه بأنه إذا قال ذلك لم يبق للظنون إليها سبيل، وهذا دليل على أن حظر نكاح الأخت كان في ذلك الزمان مشروعًا!
فما ظنك بنكاح البنت الذي لم يجز ولا في زمن آدم، عليه السلام؟!.
وهذه الحكاية منسوبة إلى لوطٍ النبي، في التوراة الموجودة بأيدى اليهود، فلن يقدروا على جحدانها.
فيلزمهم من ذلك أن الولدين المنسوبين إلى لوط "ممزريم" إذ توليدهما على
خلاف المشروع، وإذا كانت "روث " من ولد مؤاب، وهى جدة داود، عليه السلام، وجدة مسيحهم المنتظر، فقد جعلوهما جميعًا من نسل الأصل الذى يطعنون فيه.
وأيضًا فمن أفحش المحال أن يكون شيخ كبير قد قارب المائة سنة، قد سقى
الخمر حتى سكر سكرًا حال بينه وبين معرفة ابنتيه فضاجعته أحديهما،
واستنزلت فيه، وقامت عنه، وهو لا يشعر كما نطق كتابهم في قوله،
" ولو يا داع بشنخبا ويقوماه ".
تفسيره: ولم يشعر باضطجاعها وقيامها.
وهذا حديث من لا يعرف كيفية الحبل، لأنه من المحال أن تعلق المرأة من شيخ طاعن في السن قد فات حسه لفرطِ سكره.
مما يؤكد استحالة ذلك أنهم زعموا أن ابنته الصغرى فعلت كذلك به في الليلة
الثانية، فعلقت أيضًا!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وهذا ممتنع من المشايخ الكبار أن تعلق المرأة من أحدهم في ليلة، وتعلق منه
أيضًا الأخرى في الليلة الثانية، إلا أن العداوة التي مازالت بين بنى عمون
ومؤاب، وبين بنى إسرائيل بعثت واضع هذا الفصل على تلفيق هذا المحال، ليكون أعظم الأخبار فحشًا في حق بنى عمون ومؤاب.
وأيضًا فإن عندهم أن موسى جعل الإمامة في الهارونيين فلما ولى طالوت،
وثقلتْ وطأته على الهارونيين، وقتل منهم مقتلةً عظيمة، ثم انتقل الأمر
إلى داود بقى في نفوس الهارونيين التشوف إلى الأمر الذي زال عنهم، وكان
" عزرا " خادمًا لملك القدس حظيًا لديه، فتوصل إلى بناء بيت المقدس، وعمل لهم هذه التوراة التي بأيديهم.
فلما كان هارونيًا كره أن يتولى عليهم في الدولة الثانية داودي، فأضاف في التوراة فصلين طاعنين في نسب داود، أحدهما قصة بناتِ لوطٍ، والآخر قصة تاماد، وسيأتي ذكرها.
ولقد بلغ - لعمرى - غرضه، فإن الدولة الثانية التي كانت لهم في بيت المقدس، لم يملك عليهم فيها داوديون، بل كانت ملوكهم هارونيين، وهذا عزرا ليس هو العزير كما يظن، لأن العزير هو تعريب العازر، فأما عزرا فإنه إذا عُرِّبَ لم يتغير عن حاله، لأنه اسم خفيف الحركات والحروف، ولأن عزرا عندهم ليس بنبى، وإنما يسمونه عزيرة "هسوفير "
وتفسيره: " الناسخ ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)