وأيضًا فإن عندهم في التوراة قصة أعجب من هذه، وهى أن يهوذا بن
يعقوب النبي عليه السلام زوج ولده الأكبر من امرأةٍ يقال لها تاماد، فكان يأتيها مستدبرًا، فغضب الله من فعله، فأماته، فزوجها يهوذا من ولده الآخر، فكان إذا دخل بها أمنى على الأرض، علمًا منه بأنه إن أولدها كان أول الأولاد مدعوًا باسم أخيه، ومنسوبًا إلى أخيه، فكره الله ذلك من فعله، فأماته أيضًا، فأمرها يهوذا باللحاق بأهلها إلى أن يكبر "شبلا" ولده، ويتم عقله، حذرًا من أن يصيبه ما أصاب أخويه. فأقامت في بيت أبيها، فماتت من بعد زوجة يهوذا، وأصعدَ إلى منزلٍ يقالُ له: " تمناث " ليجزَّ غنمه، فلما أخبرت تاماد بإصعاد حميها إلى تمناث لبست زي الزواني، وجلست في مستشرف على طريقه لعلمها بشيمته فلما مرَّ بها خالها زانيةً، فراودها، فطالبته بالأجرة، فوعدها بجدى، ورهن عندها عصاه وخاتمه، ودخل بها، فعلقت منه بفارض وزارح، ومن نسل فارض هذا كان بوعز المتزوج بروث التي من نسل مؤاب، ومن ولدهما كان داود النبى، عليه السلام.
وأيضًا: ففى هذه الحكاية دقيقة ملزمة بالنسخ، وهى أن يهوذا لما أخبر بأن كفته قد علقت من الزنا أفتى بإحراقها، فبعثت إليه بخاتمه وعصاه، وقالت: من، رب هذين أنا حامل. فقال: صدقت منى ذلك. واعتذر بأنه لم يعرفها، ولم يعاودها.
وهذا يدل على أن شريعة ذلك الزمان كانت مقتضية إحراق الزواني، وأن التوراة أتت بنسخ ذلك، وأوجبت الرجم عليهن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
وفيه أيضًا: نسبتهم الزنا والكفر إلى بيت النبوة، ما يقارب ما نسبوه إلى لوط النبى عليه السلام، وهذا كله عندهم في نصِّ كتابهم، وهم يجعلون هذا نسبًا لداود وسليمان، ولمسيحهم المنتظر!.
ثم يرون أن المسلمين أحق بهذا اللقب من منتظرهم، وكذبهم في هذا القول
من أظهر الأمور وأبينها.
فأما دفعهم لإعجاز القرآن للفصحاء، فلست أعجب منه، إذ كانوا
لا يعرفون من العربية ما يفرقون به بين الفصاحة والعى، مع طول مكثهم فيما بين المسلمين!
وأيضًا: فمن اعتراضهم على المسلمين أنهم يقولون: كيف يجوز أن ينسب إلى الله كتاب ينقض بعضه بعضًا؟! ..
يريدون بذلك: ينسخ بعضه بعضًا.
فنقول لهم: أما تحسين جواز ذلك، فقد ذكرناه في أول هذه الكلمة، وأما
تعجبكم منه وتشنيعكم به، فإن كتابكم غير خال من مثله.
فإن أنكروا ذلك، قلنا لهم: ما تقولون في السبت، أيما أقدم، افتراضها
عليكم، أو افتراض الصوم الأكبر؟!
فيقولون: السبت أقدم. لأنهم إن قالوا: الصوم أقدم. كذبناهم بأن السبت
فرضت عليهم في أول إعطائهم المنَّ، والصوم الأكبر فرض عليهم بعد نزول
اللوحين، ومخالفتهم وعبادتهم العجل، ولما رفع عنهم عقاب ذنبهم ذلك في هذا اليوم، ففرض عليهم صومه وتعظيمه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
فإذا أقروا بتقدم السبت. قلنا لهم: ما تقولون في يوم السبت، هل فرضت فيه عليكم الراحة والدعة وتحريم المشقات أم لا، فيقولون بلى.
فنقول لهم: فلمَ فرضتم فيه الصوم إذا اتفق صومكم الأكبر يوم السبت، مع كون صومكم فُرِضَ بعد فريضة السبت، ولكم في ذلك الصوم أنواع من المشقة، منها القيام جميع النهار، أليس هذا أيضًا قد نسخ فريضة السبت؟!
وأما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعظم وكرم، فله فيما بينهم اسمان فقط، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين:
أحدهما: " فاسول " .. وتفسيره " الساقط ".
والثا نى: " موشكا " وتأويله " المجنون ".
وأما القرآن العظيم، فإنهم يسمونه - فيما بينهم - " قالون " وهو اسم
للسوأة بلسانهم، يعنون بذلك أنه عورة المسلمين وسوأتهم، وبذلك وأمثاله
صاروا أشدَّ عداوة للذين آمنوا، فكيف لا يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون؟!
فصل معرب عن بعض فضائحهم
ومن الفضائح التي عندهم مذهبهم في قصة اليتامى والحالوص، وذلك أنهم
أمروا أنه إذا أقام أخوان في موضع واحدٍ، ومات أحدهما، ولم يعقب ولدًا، فلا يخرج امرأة الميت إلى رجل أجنبي بل ولد حميها ينكحها، وأول ولد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
يولدها ينسب إلى أخيه الدارج، فإن أبى أن ينكحها خرجت متشكية منه إلى
مشيخة قومها، قائلة: " قد أبى ابن حمى أن يستبقى اسمًا لأخيه في إسرائيل، ولم يرد نكاحي"، فيحضره الحاكم هناك، ويكلفه أن يقف، ويقول:
"لوحا فاصتى لقحتاه ".
تفسيره: "ما أردت نكاحها". فتتناول المرأة نعله، فتخرجها عن
رجله، وتمسكها بيدها، وتبصق في وجهه، وتنادى عليه:
" كاخاييعأس لا أيش أشيرلو يبنى اث بيت اخيو".
تفسيره: " كذا فليصنع بالرجل الذي لا يبنى بيت أخيه ".
ويدعى فيما بعد اسمه بالمخلوع النعل، وينعت بيته بهذا اللقب، أعني بيت المخلوع النعل.
هذا كله مفترض في التوراة عليهم، وفيه حكمة ملجئة للرجل إلى نكاح زوجة أخيه الدارج، لأنه إذا علم أنه قد فرض على المرأة أن تشكوه إلى نادى قومها، فذلك مما يحمله على نكاحها، فإن لم يردعه الحياء من ذلك، فربما إذا حضر استحى أن يقول: ما أردت نكاحها.
فإن لم يخجله ذلك، فربما يستحى من انتهاك العرض بخلع نعله، وكون المرأة تسل نعله، وتبصق في وجهه، وتنادى عليه بقلة البركة والمروءة.
فإن هو استهان بذلك، فربما استعظم أن ينبز باللقب، ويبقى عليه وعلى آله من بعده عارهُ وقبح اسمه، فيلجئه ذلك إلى نكاحها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
فإن كان من الزهد فيها بحيث يهون عليه جميع ذلك، فقد فرق الشرع بينهما بعد ذلك. وليس في التوراة غير هذا، ففرَّع فقهاؤهم على ذلك ما فيه خزيهم وفضيحتهم، وذلك أنه إذا زهدت المرأة في نكاح أخو زوجها المتوفى، أكرهوه على النزول عنها، ثم ألزموها الحضور عند الحاكم، بمحضر من مشيختهم، ولقنوها أن تقول: "مئاين ينامى لها قيم لا خيوشيم بيسرائيل لو ابائيمى".
تفسيره: " أبى ابن حمى أن يقيم لأخيه اسمًا في إسرائيل، لم يرد نكاحي "!
فيلزموها بالكذب عليه " لأنه أراد فمنعته، فكان الامتناع منها والإرادة
منه، وإذا لقنوها تلك الألفاظ، فهم يأمرونها بالكذب، ويحضرونه
ويأمرونه بأن يقوم،
ويقول: " لوخا فاصتى لقحتاه ".
تفسيره: " ما أردت نكاحها".
ولعل ذلك سؤله ومناه! فيأمرونه بأن يكذبَ.
وأما إحراقها به، وبصقها في وجهه، فغاية التعدى، لأنه ما كفاهم أن كذبوا
عليه، وألزموه بأن يكذب، حتى ألزموه عقابًا على ذنب لم يجنه! ..
فصاروا كما قال الشاعر:
وَجُرْمُ جرَّهُ سُفَهاءُ قومٍ .. فحلَّ بغيرِ جانيهِ العقابُ!
ذكر السبب في تشديدهم الإصر على أنفسهم
تشديد الإصر على أنفسهم له سببان:
أحدهما: من جانب ففقهائهم، وهم الذين يدعون الخحاميم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
وتفسير هذه اللفظة " الحكماء"، وكانت اليهود في قديم الزمان تسمى
فقهاءها بالحكماء، وكانت لهم في الشام والمدائن مدارس، وكان لهم ألوف من الفقهاء، وذاك في زمان دولة النبط البابليين، ودولة اليونان، ودولة
الروم حتى اجتمع الكتابان اللذان اجتمع فقهاؤهم على تأليفهما، وهما
"المشنا والتلمود".
- فأما المشنا فهو الكتاب الأصغر، ومبلغ حجمه نحو ثمان مائة ورقةٍ.
- وأما التلمود فهو الكتاب الأكبر، ومبلغه نحو نصف حمل بعير، لكثرته،
ولم يكن الفقهاء الذين ألفوه في عصرٍ واحدٍ، وإنما ألفوه في جيلٍ بعد جيل، فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف، وأنه كلما مرَّ عليه قوم زادوا فيه، وأن في هذه الزيادات المتأخرة مما يناقض أوائل هذا التأليف، علموا أنهم إن لم يقطعوا ذلك، ويمنعوا من الزيادة فيه، أدى إلى الخلل الظاهر والتناقض الفاحش، فطفقوا الزيادة فيه. ومنعوا من ذلك، وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه، وإضافة شىءٍ آخر إليه، وحرموا من يضيف إليه شيئًا آخر، فوقف على ذلك المقدار.
وكانوا أئمتهم قد حرَّموا عليهم في هذين الكتابين مؤاكلة الأجانب، أعني من
كان على غير ملتهم، وحظروا عليهم أكل اللحمان من ذبيحةِ من لم
يكن على دينهم، لأنهم - أعني علماءهم وأئمتهم - علموا أن دينهم لا يبقى عليهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
فى هذه الحالة، مع كونهم تحت الذل والعبودية إلى أن صدوهم عن مخالطة من
كان على غير ملتهم، وحرموا عليهم مناكحتهم والأكل من ذبائحهم، ولم يمكنهم المبالغة في ذلك إلا لحجةٍ يبتدعونها من أنفسهم، ويكذبون بها على الله، لأن التوراة إنما حرمت عليهم مناكحة غيرهم من الأمم، لئلا يوافقوا أزواجهم في عبادة الأصنام والكفر بالله تعالى.
وحرم عليهم فيالتوراة أكل ذبائح الأمم الذين يذبحونها قربانًا إلى الأصنام؛
لأنه قد سمى عليه غير اسم الله، فأما الذبائح التي لم تذبح قربانا، فلم تنطق
التوراة بتحريمها، وإنما نطقت التوراة بإباحتهم تناول المأكل من يدى غيرهم من الأمم، في قول الله، تعالى، لموسى حين اجتازوا على أرض بنى العيص: لو تشكاروبام كى لوائين لخاميارصام عاذ مذراح كف راعل ".
تفسيره: لا تنحروا شواتهم، فإنى لا أعطيك من أرضهم ولا مسلك قدم
"أوحل مايم نحروا مياتام بكيف واخليتم وعمرمايم تحروا مياتام بكيف
وشيم ".
تفسيره: مأكولاً تمتازون منهم بفضةٍ، وتأكلون. أيضًا ما تشترون منهم
بفضةٍ وتشربون.
فقد تبين من نصِّ التوراة أن المأكول مباح لليهود تناوله من يد غيرهم
من الأمم وأكله، وهم يعلمون أن بنى العيص عابدوا أصنام، وأصحاب كفرٍ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
فلا يكون المسلمون على كل حال دون هذه المنزلة، أعني أن يساوى بينهم
وبين بنى العيص، فينبغى لهم أن يأكلوا من مأكولات المسلمين، وأن يجعلوا
للمسلمين تفضيلاً، بتوحيدهم وإيمانهم وكونهم لا يعبدون الأصنام.
فموسى، عليه السلام، إنما نهاهم عن مناكحة عباد الأصنام، وأكل ما يذبحونه بأسمائها، ولسنا نعرف أحدًا من المسلمين يذبح ذبيحة باسم صنم ولا وثن! .. فما بال هؤلاء لا يأكلون من ذبائح المسلمين، بل ما بال من سكن بالشام، وبلاد العجم منهم، لا يأكلون من أيدى المسلمين اللبن والجبن والحلوى والخبز، وغير ذلك من المأكولات!.
فإن قالوا: لأن التوراة حرمت علينا أكل الطريفا.
قلنا إن: الطريفا هى الفريسة التي يفترسها الأسد أو الذئب أو غيره من
السباع، ودليل ذلك قوله في التوراة: " ويا سار بساذى طريفا لو ثوخيلوا كيلب تسليخوا اوثو".
تفسيره: " ولحمًا في الصحراء فريسة لا تأكلوا للكلب ألقوه ".
فلما نظر أئمتهم أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا عباد
الأصنام، وأن التوراة قد صرحت بأن تحريم مؤاكلتهم ومخالطتهم خوف
استدراجهم بالمخالطة إلى مناكحتهم، وأن مناكحتهم إنما تكره خوف استتباعها الانتقال إلى أديانهم، وعبادة أوثانهم، ووجدوا جميع هذا واضحًا في التوراة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
اختلقوا كتابًا سموه: " هلكت شحيطا" ومعناه "علم الذباحة"، ووضعوا في هذا الكتاب من تشديد الإصر عليهم، ما شغلوهم به عمَّا هم فيه من الذل والمشقَّةِ، وذلك أنهم أمروهم بأن ينفخوا الرئة، حتى تمتلئ هواءً، ويتأملونها هل يخرج الهواء من ثقب منها أم لا؟ .. فإن خرج منها الهواء حرموه، وإن كانت بعض أطراف الرئة لاصقة ببعضٍ لم يأكلوها!
وأيضًا: فإنهم أمروا الذي يتفقد الذبيحة أن يدخل يده في بطن الذبيحة، ويتأمل بأصابعهِ، فإن وجد القلب ملتصقًا إلى الظهر أو أحد الجانبين، ولو كان الالتصاق بعرق رقيق كالشعرة، حرموه وسموه طريفا! ويعنون بذلك أنه نجس أكله، وهذه التسمية هى أول التعدي منهم، لأنه ليس موضوعها في اللغة إلا المفترس الذي يفترسه بعض الوحوش ودليل ذلك قول يعقوب لما جاءوه بقميص يوسف ملوثًا بالدم: " وبكيراه ويومر لثويث بنى حيارعا اخالا لهو طاروف طوارف يوسف ".
تفسير: فتأملها، وقال: " ذراعه ابنى، وحش ردىء أكله افتراسًا
افترس يوسف ".
فقد تبين أن تفسير طاروف طوارف يوسف " افتراسًا افترس يوسف،
فالطريفا هى الفريسة.
ودليل آخر، وهو أنه قال: " ولحمًا في الصحراء فريسة لا تأكلوا". والفريسة أبدًا إنما توجد في الصحراء.
وليس ينبغى أن تعجب من ذلك، فإن هذا النهى عن أكل الفريسة، إنما نزل على قوم ذوى أخبية يسكنون البر، وذلك أنهم مكثوا يترددون في التيه والبرارى تمام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
أربعين سنة، وكان أكثر هذه المدة لا يجدون طعامًا إلا المنَّ، فلما اشتد قرمهم إلى اللحم، جاءهم موسى بالسلوى وهو طائر صغير يشبه السماني، وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية ويذهب الحزن والقساوة، وذلك أن هذا الطائر يموت إذا سمع صوت الرعد. كما أن الخطاف يقتله البرد، فيلهمه الله عز وجل، أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا رعد، إلى انفصال أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر، وينتشر في الأرض، فجلب الله إليهم هذا الطائر لينتفعوا بما في أكل لحمه من الخاصية، وهى تليين القلوب القاسية، وكان قد اشتد قرمُهم إلى اللحم قبل ذلك، بحيث لم يمنعهم من أكل الفريسة والميتةِ، إلا نزول تحريمها في التوراة.
فقد تبين التعدي من مشايخهم فى تفسير "الطريفا"، وأنه " الفريسة".
فأما فقهاؤهم فقد اختلقوا من أنفسهم هذياناتٍ وخرافاتٍ، تتعلق بالرئة
والقلب، وقالوا: ما كان من الذبائح سليمًا من هذه الشروط، فهو "دخيا "، وتفسير هذه الكلمة " طاهر " .. وما كان خارجًا عن هذه الشروط فهو "طريفا".
وفسروا هذه الكلمة "حرام ".
وقالوا: معنى قول التوراة "ولحمًا فريسة في الصحراء، لا تأكلوا، للكلب
ألقوه ".
يعنى إذا ذبحتم ذبيحة، ولم تجدوا فيها هذه الشروط، فلا تأكلوها، بل
بيعوها على من ليس من أهل ملتكم!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
وذلك أنهم فسروا قوله: " للكلب ألقوه " أى لمن ليس على ملتكم أطعموه
وبيعوه! .. إلا أنهم على الحقيقة أشبهُ بالكلاب، وأحقُ بهذا اللقب والتشبيه، لقبح عقولهم، وسوء ظنونهم واعتقادهم في سواهم من الأمم.
ثم إن اليهود فرقتان، أحدهما عَرفت أن أولئك السلف الذين ألفوا "المشنا"
و"التلمود"، وهم فقهاء اليهود، كذابون على الله وعلى موسى النبي، أصحاب حماقاتٍ ورقاعاتٍ هائلة.
من ذلك: أن أكثر مسائل فقههم ومذهبهم يختلفون فيها، ويزعمون أن
الفقهاء كانوا إذا اختلفوا في كل واحدةٍ من هذه المسائل، يوحى اللهُ إليهم بصوتٍ يسمعه جمهورُهم، يقول: الحقُ في هذه المسألة مع الفقيه فلان! ..
وهم يسمون هذا الصوت "بث قول".
فلما نظر اليهود القراءون، وهم أصحاب "عالمون " و " بنيامين " إلى هذه
المجالات الشنيعة، وإلى هذا الافتراءِ الفاحش، والكذب البارد انفصلوا
بأنفسهم عن الفقهاء، وعن كل من يقول بمقالتهم، وكذبوهم في كل ما افتروا به على الله.
وقالوا - بعد أن ثبت كذبهم على الله - وأنهم قد ادعوا النبوة، وزعموا أن الله كان يوحى إلى جميعهم في كل يوم مراتٍ، فقد فسقوا، ولا يجوز قبولُ شىءٍ منهم، فخالفوهم في سائر ما أصلوه، من الأمور التي لم ينطق بها نصُّ التوراة، وأكلوا اللحم باللبن، ولم يحرموا سوى لحم الجدي بلبن أمهِ، فقط مراعاة للنص، أعني قول التوراة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
"لا تنضج الجدي بلبن أمه " ..
وأما الترهات التي أنها الحاخاميم الفهقاء، وسموها "هلكت شحيطا"،
أعني: "علم الذباحة"، وهى المسائل الفقهية التي رتبها الفقهاء، ونسبوها إلى الله عن موسى، عليه السلام، فإن القرائين اطرحوها مع غيرها وألغوها، وصاروا لا يحرمون شيئًا من الذبائح التي يتولون ذباحتها ألبتة.
فهذا حال هذه الطائفة من اليهود، أعني القرائين.
ولهم أيضا فقهاء أصحاب تصانيف، إلا أنهم لم يبالغوا في الكذب على الله، إلى حد أن يدعوا النبوة، ولا نسبوا شيئًا من تفاسيرهم إلى النبي، ولا إلى الله، بل إلى اجتهادهم.
2 - والفرقة الثانية يقال لهم: الربانيون: وهم أكثر عددًا، وهم شيعة
الحاخاميم الفقهاء، المفترين على الله، الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم في كل مسألة بالصوت الذي سموه "بث قولِ ".
وهذه الطائفة أشدُّ اليهود عداوة لغيرهم من الأمم، لأنَّ أولئك الفقهاء المفترين على الله قد أوهموهم أن المأكولات والمشروبات إنما يحل للناس بأن
يستعلموا فيها هذا العلم، الذي نسبوه إلى موسى، وإلى الله، وأن سائر الأمم لا يعرفون هذا، وأنهم إنما شرفهم الله بهذا وأمثاله من الترهات التي أفسدوا بها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
عقولهم، فصار أحدهم ينظر إلى من ليس على ملته، كما ينظر إلى بعض
الحيوانات التي لا عقل لها، وينظر إلى المآكل التي تأكلها الأمم، كما ينظر الرجل العاقل إلى العذرة، أو إلى صديد الموتى، وغير ذلك من الأشياء القذرة، التى لا يسوغ لأحدٍ أكلها!
فهذا هو الأصل في بقاء هذه الطائفة على أديانها، لشدةِ مباينتها لغيرها من
الأمم، ولأنهم ينظرون إلى الناس بعين النقص والإزراء إلى أبعد غاية.
.. أما الطائفة الأولى، وهم القراءون، فأكثرهم خرج إلى دين الإسلام أولاً
فأولاً، إلى أن لم يبق منهم إلا نفرٌ يسير، لأنهم أقربُ إلى الاستعداد لقبول
الإسلام لسلامتهم من محالات فقهاء الربانيين، أصحاب الافتراء الزائد،
الذين شددوا على جماعتهم الإصر.
فقد تبين، مما ذكرنا، أن الحاخاميم هم الذين شددوا على هذه الطائفة دينهم، وضيقوا عليهم المعيشة والإصر، قصدوا بذلك مبالغتهم في مضادة مذاهب
الأمم، حتى لا يختلطوا بهم، فيؤدي اختلاطهم بهم إلى خروجهم من دينهم.
والسبب الثاني في تضييق الإصر عليهم أن اليهود مُبددون في شرق البلاد
وغربها، فما من جماعة منهم في بلدةٍ إلا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من
بلاد بعيدة، يظهر لهم الخشونة في دينهِ، والمبالغة في التورع والاحتياط.
فإن كان من المتفقهة فهو يسرع في إنكار أشياء عليهم، ويوهمهم التنزه عمَّا هم فيه، وينسبهم إلى قلة الدين، وينسب ما ينكره عليهم إلى مشايخه وأهل بلده، ويكون في أكثر ذلك الإسناد كاذبًا، ويكونُ قصدهُ بذلك إما الرئاسة عليهم، وإما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
تحصيل غرض منهم، ولا سيما إن أراد المقام بينهم، أو التدين عندهم،
فتراه أول ما ينزل بهم لا يأكل من أطعمتهم ولا من ذبائحهم، ويتأمل
سكين ذبائحهم، وينكر عليهم بعض أمره.
ويقول: أنا لا آكل إلا من ذباحة يدي، فتراهم معه في عذابٍ لا يزال ينكر
عليهم الحلال والمباح، ويوهمهم تحريمه بإسنادات يخترعها، حتىَ لا يشكوا فى
ذلك.
فإن وصل بعد مدة طويلة من أهل بلده من يعرف أنه كاذب في تلك الإسنادات، فلا يخلو أمره من أن يوافقه أو يخالفه، فإن وافقه فإنما يوافقه ليشاركه في الرئاسة الناموسية التي حصلت له، وخوفًا من أن يكذب إن خالفه، وينسب إلى قلة الدين.
وأيضًا: فإن القادم الثاني - في أكثر الأمر - يستحسن ما اعتمده القادم الأول من تحريم المباحات وإنكار المحللات، ويقول لقد عظم الله ثواب فلانٍ، إذ قوى ناموس الدين في قلوب هذه الجماعة، وشيد سياج الشرع عندهم. وإذا على الانفراد يشكره ويجزيه خيرًا، ويقول له: لقد زين الله بك أهل بلدنا!
وإن كان القادم الثاني ينكر ما أتى به القادم الأول من الإنكار عليهم
والتضييق، لم يبق من الجماعة واحد يستنصحه ويصدقه، بل جميعهم ينسبونه
إلى قلة الدين، لأن هؤلاء القوم يعتقدون أن تضييق المعيشة وتحريم المحللات، هو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
المبالغة في الدين والزهد وعم أبدًا يعتقدون الدين والحق مع من يضيق عليهم ولا ينظرون هل يأتي بدليل أم لا، ولا يبحثون عن كونه محقًا أو مبطلاً؟!
هذا حال القادم إلى بلد من متفقهة.
فأما إن كان القادم أحد أحبار اليهود وعلمائهم، فهنالك ترى العجب من
الناموس الذي يعتمده، والسنن التي يحدثها ويلحقها الفرائض، ولا يقدر أحدهم على الاعتراض عليه، فتراهم مستسلمين إليه، وهو يختلب درهم، ويجتلب بحيله درهمهم، حتى لو بلغه أن بعض أحداث اليهود، قد جلس على قارعة الطريق في يوم السبت، أو اشترى لبنًا من بعض المسلمين أو خمرًا، ثلبه وسبه فى تجمع من يهود المدينة، وأباحهم عرضه ونسبه إلى قلة الدين!
فهذا السبب، والسبب الذي ذكرناه قبله، العلة في تشديد
الإصر الذى جعلته اليهود على أنفسها، وتضييق المعيشة عليها، وتجنبهم مآكل غيرهم، ومخالطة من كان على غير ملتهم، وقد أوضحناهما للمتأمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
خاتمة الكتاب
أحق الناس بأن يرسم بالجهالة، وينبز بالضلالة من كان طبعه أبيًا عن الانقياد
للحقائق، وعقله بعيدًا عن فهم اليقين.
فأما من شقت درجته عن ذلك، وكان مع ذلك أبيًا عن تسليم الحقائق،
متسرعًا إلى قبول الباطل، وتصديق المستحيل، فهو حقيق النسبة إلى الجنون
والسقوط.
وهذه الطائفة أحقُ الناس بذلك، لأن آباءهم كانوا يشاهدون في كل يوم من
الآيات الحسية، والنار السمائية، ما لم يره غيرهم من الأمم، وهم مع ذلك
يهمون برجم موسى وهارون في كثير من الأوقات، وكفى باتخاذهم العجل في أيام موسى، وإيثارهم العودة إلى مصر والرجوع إلى العبودية، ليشبعوا من أكل اللحم والبصل والقثاء.
ثم عبادتهم الأصنام بعد عصر يوشع بن نون، ثم انضمامهم إلى ايشالوم، الولد العاق، ولد داود من بنت ملك الكرخ، فإن سوادهم الأعظم انضم إلى هذا الولد العاصي العاق، وشدوا معه على حرب الملك الكبير داود، عليه السلام!!
ثم إنهم لما عادوا إلى طاعة داود، جاءت وفودهم وعساكرهم متقاطرة إليه،
مستغفرين مما ارتكبوه، مستبشرين بسلامة الملك داود، بحيث اختصم الأسباط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
مع سبع يهوذا، إذ عبروا بالملك الأردن، قبل مجىء عساكر الأسباط، غيرةً
منهم على السبق إلى خدمة الملك، وتعاتبوا في ذاك عتابًا رقيقًا، فقال سبط
يهوذا: نحن أحق الناس بالسبق إلى الملك، والاختصاص بخدمته، لأنه منا، فلا وجه لعتبكم علينا يا بنى إسرائيل في ذلك.
فنبغ فضولي، يقال له: "نخزى بن شيبع " فنادى برفيع صوته: " لا نصيب لنا في داود، ولاحظ لنا في ابن بيشاى، ليمض كل منكم إلى خبائه
يا إسرائيليين "!
فما كان بأسرع من انفضاض عسكر بنى إسرائيل عن داود، بسبب كلمة ذلك الفضولي، ولما توصل الوزير "يؤاب " إلى قتل ذلك المشغب، عادت العساكر جميعها إلى طاعة داود.
فما كان القوم إلا مثل رعاع همج العوام، الذين يجمعهم دبدبة وتفرقهم
صيحة.
وأما عبادتهم الكبشين، وتركهم الحج إلى القدس، ثم إصرارهم على مخالفة
الأنبياءِ، إلى انقضاء دولتهم، فمما لا يصدر عن متمسك بأهداب العقل!!
وسبيلهم أن لا يتطرقوا لمعائب أحد من الأمم، إذ كانت هذه مخازيهم
وفضائحهم!
فأما تسرعهم إلى قبول الباطل والمستحيل، فإنا نذكر منه طرفًا ينبئ عن قلة
عقولهم، وهو ما جرى في زماننا، من أذكاهم وأكيسهم وأمكرهم، وهم يهود بغداد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
فإن محتالاً من شبان اليهود نشأ بسواد الموصل، يقال له: "مناحيم بن
سليمان.
ويعرف "بابن الروجى"، وكان ذا جمالٍ في صورته، وقد تفقه في دينهم،
بالإضافة إلى الخمر من اليهود الساكنين بالناحية المعروفة بالعمادية من بلد الموصل.
وكان المتولي للقلعة هناك ذا ميل إلى ذلك المحتال وحب له، لحسن اعتقاد فيه، ولما توهم فيه من ديانة تظاهر بها، بحيث كان الوالى يسعى إلى زيارته، فطمع ذلك المحتال في جانب الوالى، واستضعف عقله، فتوهم أنه يتمكن من الوثوب على القلعة وأخذها، وأنها تضحى له معقلاً حصينًا، فكتب إلى اليهود المستقرين بنواحى بلاد أذربيجان، وما والاها، لأنه علم أن يهود الأعاجم أقوى جهالة من سائر اليهود. وذكر في كتبه أنه قائم قد غار لليهود من يد المسلمين، وخاطبهم بأنواع من المكر والخديعة. فمن بعض فصول كتبه التي رأيتها تحوى ما هذا معناه.
" ولعلكم تقولون هذا لأىِّ شىء قد استفزَّنا لحرب أم لقتال؟، لسنا
نريدكم لحرب ولا لقتال، بل لتكونوا واقفين بين يدى هذا القائم، ليراكم هناك من يغشاه من رسل الملوك الذين ببابه ".
وفى أواخر الكتب: "ينبغى أن يكون مع كل واحدٍ منكم سيف أو غيره من
آلات الحرب، ويخفيه تحت أثوابه ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
فاستجاب له يهود الأعاجم، وأهل نواحى العمارية، وسواد الموصل، ونفروا إليه بالسلاح المستتر، حتى صار عنده منهم جماعة كبيرة، وكان الوالى لحسن ظنه به، يظن أن أولئك القادمين إنما جاءوا إلى زيارة ذلك الحبر، الذي قد ظهر لهم - بزعمه - في بلده، إلى أن انكشفت له مطامعهم، وكان حليًما عن سفك الدماء، فقتل صاحب الفتنة المحتال وحده.
وأما الباقون فتهاجوا مدبرين، بعد أن ذافوا وبال المشقة والخسارات والفقر، ولم تنكشف لهم هذه القصة مع ظهورها لكل ذي عقل، بل هم إلى الآن يفضلونه على كثير من أنبيائهم، أعني يهود العمارية! ..
ومنهم من يعتقد أنه المسيح المنتظر بعينه إ!
ولقد رأيت جماعة من يهود الأعاجم بجوى وسلماس وتبريز ومراغة، وقد
جعلوا اسمه قسِّهم الأعظم!
وأما من بالعمارية من اليهود فصاروا أشد مباينة ومخالفة في جميع أمورهم
لليهود من النصارى! .. وفى تلك الولاية جماعة منهم على دين ينسبونه إلى "مناحيم " المحتال المذكور.
ولما وصل خبره إلى بغداد اتفق هناك شخصان من محتالي اليهود ودواهي
مشيختهم، مرروا على لسان مناحيم - كتبًا إلى بغداد، يبشرهم بالفرج الذي كانوا قديًما ينتظرونه، وأنه يعين لهم ليلة يطيرون فيها أجمعون إلى بيت المقدس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
فانقاد اليهود البغداديون إليهما، مع ما يدعونه من الذكاء، ويفخرون به من
الحب، انقادوا بأسرهم إلى تصديق ذلك، وذهب نسوانهن بأموالهن
وحليهن، إلى ذينك الشخصين، ليصدقا به عنهن، على من يستحقه -
بزعمهما. وصرف اليهود جل أموالهم في هذا الوجه، واكتسوا ثيابًا خضرًا،
واجتمعوا في تلك الليلة على السطوح، ينتظرون الطيران - بزعمهم -
على أجنحة الملائكة إلى بيت المقدس، وارتفع للنسوان منهم بكاء على أطفالهن المرتضعين، خوفًا أن يطرن قبل طيران أولادهن أو يطير أطفالهن قبلهن، فتجوع الأطفال بتأخر الرضاع عنهم!
وتعجب المسلمون هناك مما اعترى اليهود حينئذ، بحيث أحجموا عن
معارضتهم، حتى تنكشف آثار مواعيدهم العرقوبيَّة، فمازالوا متهافتين إلى الطيران إلى أن أسفر الصباح عن خذلانهم وامتهانهم، ونجا ذانك المحتالان بما وصل إليهما من أموال اليهود، وانكشف لهم بعد ذلك وجه الحيلة، وما تظاهرو به من جلباب الرذيلة.
فسموا ذلك العام، عام الطيران، وصاروا يعتبرون به سنى كهولهم والشبان،
وهو تاريخ البغداديين من المتهودة في هذا الزمان، فكفاهم هذا الأمر عارًا دائمًا وشنارًا ملازمًا!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)