وفيما قد أوردناه كفاية قاضية للوطر من إفحامهم وإلجامهم بما هو عين ما
عندهم.
وأعوذ بالله مما يشركون، وإليه البراءة مما يكفرون، والحمد لله رب العالين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ذكر سبب إسلام السموأل
إن أبى كان يقال له: الراب يهوذا بن أيوب "، من مدينة فاس، التي بأقصى
المغرب. و "الراب ": لقب ليس باسم. وتفسيره: الحبر. وكان أعلم أهل زمانه بعلوم التوراة، وأقدرهم على التوسع في الإنشاء والإعجاز في ارتجال منظوم العبرانى ومنشوره.
وكان اسمه المدعو به بين أهل العربية "أبا البقاء بن يحيى بن عباس المغربى".
وذلك أن كثيرًا من متخصصيهم يكون له اسم عربى، غير اسمه العبرى مشتق منه، كما جعلت العرب الاسم غير الكنية.
وكان اتصاله بأمي ببغداد، وأصلها من البصرة، وهى إحدى الأخوات الثلاث المنجَّبات في علوم التوراة، والكتابة بالقلم العبرى، وهن بنات إسحاق بن إبراهيم البصرى الليوى، أغنى سبط ليوى، وهو مضبوط النسب، لأن منه كان موسى عليه السلام.
وكان إسحاق هذا ذا علوم يدرسها ببغداد، وكانت أمهن نفيسة بنت أبى نصر الداودي المصري، وهذا الداودي من رؤسائهم المشهورين، وذريته إلى الآن بمصر، وكان اسم أمي باسم أم شموائيل النبي عليه السلام.
وكان هذا النبي ولد بعد أن مكثت أمه عاقرًا لا ترزق ولدًا، ولا تحبل مدة
سنين، حتى دعت ربها نما طلب ولد يكون ناسكا لله تعالى، ودعا لها رجل صالح من الأئمة، يقال له "عبلى"، فولدت شموائيل النبى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
ومكثت أمى كذلك عند أبى مدة لا ترزق ولدًا، حتى استشعرت العقم، فرأت فى منامها أنها تتلو مناجاة "حنة" أم شموائيل لربها، فنذرت أنها إن رزقت ولدًا ذكرًا تسميه شموائيل، لأن اسمها كان باسم أم شموائيل.
فاتفق أنها بعد ذلك اشتملت علىَّ، وحين رُزقتنى دعتنى "شموائيل "، وهو إذا
عُرِّب: "السموأل "، وكنانى أبى "أبا نصر"، وهى كنية جدى.
وشغلنى أبى بالكتابة بالقلم العبرى، ثم بعلوم التوراة وتفاسيرها، حتى إذا
أحكمت علم ذلك عند كمال السنة الثالثة عشر من مولدى، شغلنى حينئذ بتعلم الحساب الهندى، وحل الزيجات، عند الشيخ الأستاذ العالم أبى الحسن البكرى.
وقرأت علم الطب على الفيلسوف أبى البركات هبة الله بن على رحمه الله تعالى، والتأمل في علاج الأمراض، ومشاهدة ما ينفق من الأعمال الصناعية في الطب، والعلاجات التي يعالجها خالى أبو الفتح الطبيب ابن البصرى.
فأما الحساب الهندى والزيج، فإنى حملت علمهما في أقل من سنة، وذلك حين كمل لي أربع عشرة سنة، وأنا في خلال ذلك لا أقطع القراءة في الطب، ومشاهدة علاج الأمراض، ثم قراءة الحساب الديوانى.
وعلم المساحة على الشيخ الإمام العالم أبى المظفر بن السهروردى رحمه الله تعالى، وقرأت الجبر والمقابلة أيضًا عليه وعلى الكاتب ابن أبى تراب. وترددت إلى الأستاذ أبى الحسن بن البسكرى، وأبى الحسن بن النفاش، لقراءة الهندسة، حتى حللت المقالات التي كانا يحلانها من كتب إقليدس، وأنا في خلال ذلك متشاغل بالطب
حتى استوعبت ما ذكرته من الأستاذ ابن البسكرى من هذه العلوم.
بقى بعض كتاب المجسطى في الحساب، والكتاب السابع في الجبر، والمقابلة
للكرخى، لا أجد من يعرف منه شيئًا، وغير ذلك من العلوم الرياضية، مثل كتاب شجاع بن أسلم في الجبر، والمقابلة وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
وكان لما من الشغف بهذه العلوم والعشق لها ما يلهينى عن المطعم والمشرب، إذا فكرت في بعضها، فخلوت بنفسى في بيت، وحللت جميع تلك الكتب وشرحتها، ورددت على من أخطأ فيها، وأظهرت أغلاط مصنفيها، وعرَّبتُ ما عجزوا عن تصحيحه وتحقيقه، وأدركت على إقليدس في ترتيب أشكال كتابه، بحيث أمكننى إذا غيرت نظام أشكاله، أن أستغنى عن عدة منها لا يبقى إليها حاجة بعد.
وكتاب إقليدس معجز لسائر المهندسين، إذ لم يحدثوا أنفسهم بتغيير نظام
أشكاله، ولا بالاستغناء عن بعضها، كل ذلك في هذه السنة، أعني الثامنة عشرة من مولدى، واتصلت تصانيفى في هذه العلوم منذ تلك السنة وإلى الآن، وفتح الله علىَّ كثيرًا، مما ارتج على من سبقنى من الحكماء المتدربين، فدونت ذلك، لينتفع به من فُتح عليه. في خلال ذلك ليس لي مكسب إلا بضاعة الطب، وكان لي منها أوفر حظٍ، إذ أعطانى الله من التأييد فيها ما عرفت به كل مرض يقبل العلاج من الأمراض التي لا علاج لها، فما عالجت مريضًا إلا وعوفي، وما كرهت علاج مريض إلا وعجز عن علاجه سائر الأطباء، وكاعوا من تدبيره، فالحمد لله على جزيل مننه، وعظيم فضله.
واتضح لي، بعد مطالعة ما طالعته من الكتب التي بالعراق والشام وأذربيحان
وكوهستان، الطريق إلى استخراج علوم كثيرة، واختراع أدوية لم أعرف أنى
سبقت إليها، مثل الدريات الذي وسمته بالخلص ذى الكوة النافذة، وهو يبرئ من عدة أمراض عشرةٍ في بعض يوم، وغيره من الأدوية التي ركبتها مما فيه منافع وشفاء للناس، بإذن الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وقد كنت قبل اشتغالى بهذه العلوم، ذلك في السنة الثالثة عشرة، مشغوفًا
بالأخبار والحكايات، شديد الحرص على الاطلاع على ما كان في الزمان القديم، والمعرفة بما جرى في القرون الخالية.
فاطلعت على التصانيف المؤلفة في الحكايات والنوادر، على اختلاف
فنونها، ثم انتقلت عن ذاك إلى محبة الأسمار والخرافات، ثم إلى الدواوين الكبار، مثل ديوان أخبار عنترة، وديوان ذو الهمة والبطال، وأخبار الإسكندر ذى القرنين، وأخبار العنقاء، وأخبار المطرف بن لوذان وغير ذلك.
ثم إنى لما طالعت ذلك اتضح لي أن أكثره من تأليفات الوراقين، فطلبت
الأخبار الصحيحة، فمالت همتى إلى التواريخ، فقرأت كتاب أبى على بن مسكويه الذى سماه "تجارب الأمم "، وطالعت "تاريخ الطبري"، وغيرهما من التواريخ، وكان يمر بى في هذه التواريخ أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وغزواته، وما أظهره الله عليه من المعجزات، وما خصه به من الكرامات، وحباه من النصر والتأييد في غزاة بدر، وغزاة خيابر وغيرها.
وقصة منشئه في اليتم والضعف ومعاداة أهله له، وإقامته فيما بينه وبين أعدائه، يجاهرهم بإنكار دينهم عليهم، والدعوة إلى دينه مدةً طويلة، وسنين
كثيرة، إلى أن أذن الله له في الهجرة إلى دار عزَّة، وما جرى للأعداء التي جاهدوه من أهل الكتاب، ومصرعهم بين يديه بسيوف أوليائه ببدرٍ وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
وظهور الآية العجيبة في هزيمة الفرس، ورستم الجبار معهم في ألوفٍ كثيرة على غاية الحشد والقوة، بين يدى أصحاب سعد بن أبى وقاص، وهم في فئةٍ يسيرة على حالٍ من الضعف، ومنام كسرى أنو شروان وانكسار الروم، وهلاك عساكرهم على يدى أبى عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد، رحمة الله عليهما.
ثم سياسة أبي بكر وعمر، رضى الله عنهما، وعَدْلهما وزهدهما.
ومع ذلك فإنى كنت لكثرة شغفي بأخبار الوزراء والكتاب، قد اكتسبت،
بكثرة مطالعتى لحكاياتهم وأخبارهم وكلامهم، قوةً في البلاغة، ومعرفة بالفصاحة، وكان لي من ذلك طبع يحمده الفصحاء، ويعجب به البلغاء.
قد يعلم ذلك منى من تأمل كلامى في بعض الكتب التي ألفتها في أحد
الفنون العلمية، فشاهدت المعجزة التي لا تباريها الفصاحة الآدمية في القرآن، فعلمت صحة إعجازه.
ثم إنى لما هَذَّبَتْ خاطرى العلوم الرياضية، ولا سيما الهندسة وبراهينها،
راجعت نفسى في اختلاف الناس في الأديان والمذاهب.
وكان أكبر المحركات لي إلى البحث عن ذلك مطالعتى كتاب برزويه الطبيب
من كتاب "كليلة ودمنة"، وما وجدت فيه، فعلمت أن العقل حاكم يجب تحكيمه على كليات أمور عالمنا هذا، إذ لولا العقل. أرشدنا إلى اتباع الأنبياء والرسل، وتصديق المشايخ والسلف، لما صدقناهم في سائر ما نقلنا عنهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
وعلمت أنه إذا كان أصل التمسك بالمذهب الموروث عن السلف، وأصل
اتباع الأنبياء، مما دعا إليه العقل، فإن تحكيم العقل على كليات جميع ذلك
واجبٌ، وإذا نحن حكمنا بالعقل على ما نقلناه عن الآباء والأجداد، علمنا أن النقل عن السلف ليس يوجب العقل قبوله، من غير امتحان لصحته، بل
بمجرد كونه مأخوذًا عن السلف، لكن من أجل أنه يكون أمرًا حقيقة
فى ذاته، والحجة موجودة بصحته.
فأما الأبوة والسلفية وحدها، فليست حجة إذ لو كانت حجة، لكانت أيضًا
حجة لسائر الخصوم الكفار، كالنصارى، فإنهم نقلوا عن أسلافهم أن عيسى ابن الله، وأنه الرازق المانع الضار النافع.
فإن كان تقليد الآباء والأسلاف يدل على صحة ما ينقل عنهم، فإن ذلك يلزم منه الإقرار بصحة مقالة النصارى، ومقالة المجوس، وإن كان هذا التقليد لأسلاف اليهود خاصة - دون غيرهم - من الأمم - فلا يقبل منهم ذلك، إلا أن يأتوا بدليل على أن أباءهم وأسلافهم كانوا أعقل من آباء الأمم الأخرى وأسلافهم.
فإن ادعت اليهود ذلك في حق آبائها وأسلافها، فجميع أخبار أسلافهم ناطقة بتكذيبهم في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
وإذا طلبنا التعصب منهم، فنحن نجعل لآبائهم أسوة بسائر آباء غيرهم من
الأمم، فإذا كانت آباء النصارى وغيرهم قد نقلوا عن آبائهم الكفر
والضلال الذي تهرب العقول منه، وتنفر الطباع السليمة عنه، فليس يمتنع أن يكون ما نقله اليهود عن آبائهم أيضًا بهذه الصفة.
فلما علمتُ أن اليهود لهم أسوة بغيرهم فيما نقلوه عن الآباء والأسلاف علمت أنه ليس بأيديهم حجة صحيحة بنبوة موسى إلا شهادة التواتر، وهذا التواتر موجود بعيسى ومحمد، كوجوده لموسى عليهم السلام أجمعين،
فإن كان التواتر يفيد تصديقًا، فالثلاثة صادقون ونبوتهم معًا صحيحة.
وعلمت أيضًا أنى لم أر موسى بعينى، ولم أشاهد معجزاته، ولا معجزات غيره
من الأنبياء، عليهم السلام، ولولا النقل وتقليد الناقلين، لما عرفنا شيئًا من ذلك، فعلمت أنه لا يجوز للعاقل أن يصدق بواحد ويكذِّب واحدًا من هؤلاء الأنبياء، عليهم السلام، لأنه لم ير أحدهم ولا شاهد أحواله إلا بالنقل، وشهادة التواتر موجودة لثلاثتهم.
فليس من العقل، ولا من الحكمة أن يصدق أحدهم ويكذب الباقون، بل
الواجب عقلاً إما تصديق الكل وإما تكذيب الكل، فأما تكذيب الكل،
فإن العقل لا يوجبه أيضًا، لانأ إنما نجدهم أتوا بمكارم الأخلاق وندبوا إلى
الفضائل، ونهوا عن الرذائل، ولأنَّا نجدهم ساسوا العالم سياسة بها صلاح
حال أهله. فصحَّ عندى بالدليل القاطع نبوة المسيح والمصطفى عليهما السلام، وآمنت بهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
فمكثتُ برهةً أعتقد ذلك من غير أن ألتزم الفرائض الإسلامية، مراقبة لأبي،
وذلك أنه كان شديد الحب لي، قليل الصبر عني، كثير البرّ بي، وكان قد أحسن تربيتي، إذ شغلني منذ أوَّل حداثتي بالعلوم البرهانية، وربى ذهني وخاطري في الحساب والهندسة العلمين اللذين مدح أفلاطون عقل من يتربى ذهنه في النظر فيهما.
فمكثت مدة طويلة لا يفتح علىَّ وجه الهداية، ولا تنحل عنى هذه الشبهة،
وهى مراقبة أبي، إلى أن حالت الأسفار بينى وبينه، وبعدت داري عن داره،
وأنا مقيم على مراقبته، وألتزم من أن أفجعه بنفسى، وحان وقت الهداية،
وجاءتني الموعظة الإلهية، برؤيتى للنبي صلى الله عليه وسلم في المنام، في ليلة الجمعة تاسع ذى الحجة، سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وكان ذلك بمراغة من أذربيجان.
وهذا شرح ما رأيت:
المنام الأول
رأيت كأن في صحراء فيحاء مخضرَّة، يلوح من شرقيها شجرة عظيمة والناس
يهرعون إلى تلك الشجرة .. فسالت بعضهم عن حال الناس؟ .. فقال: إن تحت الشجرة شموائيل النبي جالسا، والناس يسلمون عليه، فسررت بما سمعته، وقصدت الشجرة، فوجدت في ظلها شيخًا جسيمًا بهيًا وقورًا، شديد بياض الشعر، عظيم الهيبة، بيده كتاب ينظر فيه، فسلمت عليه، وقلت بلسان عربي: السلام عليك يا نبي الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
فالتفت إلىَّ مبتِسمًا، وهش إلىَّ، وقال: وعليك السلام يا شريكنا في الاسم، اجلس لنعرض عليك أمرًا .. فجلست بين يديه فدفع إلىَّ الكتاب الذي بيده.
وقال: اقرأ ما تجده بين يديك، فوجدتُ بين يدى هذه الآية من التوراة: " نابى أقيم لاهيم مقارب أجيهيم كاموخا إيلا ويشماعون " ..
تفسيره: نبيًا أقيم لهم من وسط أخيهم مثلك فليؤمنوا ..
وهذه مناجاة من الله، عز وجل، لموسى، وكنت أعرف اليهود يقولون أن هذه الآية نزلت في حق شموائيل النبي، لأنه كان مثل موسى، يعون أنه كان من سبط ليوى، وهو السبط الذي كان منه موسى، فلما وجدت بين يدى هذه الآية من التوراة قرأتها، وظننت أنه يذهب إلى الافتخار بأن الله، تعالى ذكره فى التوراة وبشَّر به موسى، عليه السلام، ..
فقلت: هنيئا لك يا نبي الله، ما خصك الله به من هذه المنزلة فنظر إلىَّ مغضبًا، وقال: أو إياي أراد الله بهذا يا ذكيًا ما أفادتك إذًا البراهين الهندسية.
فقلت: يا نبي الله، فمن أراد الله بهذا؟
قال: الذى أراد به في قوله: "هو قيع ميها فاران " ..
تفسيره: "إشارة إلى نبوة وعد بنزولها على جبال فاران.
فلما قال لي ذلك، عرفت أنه يعني المصطفى صلى الله عليه وسلم، لأنه المبعوث من جبال فاران، وهى جبال مكة، لأن التوراة ناطقة نصًا بأن "فاران " مسكن لأول إسماعيل، وذلك قول التوراة، وينسب "بمدنار فاران " يعنى ولد إبراهيم الخليل، عليهما السلام.
ثم عاد والتفت إلىَّ، وقال: أما علمت أن الله لم يبعثنى بنسخ شيء من التوراة، وإنما بعثني لأذكرهم بها، وأحيي شرائعها وخاصهم من أهل فلسطين .. فقلت: بلى يا نبي الله .. قال: فأي حاجة بهم إلى أن يوصيهم ربهم باتباع من لم ينسخ دينهم، ولم يغير شريعتهم، أرأيتهم احتاجوا إلى أن يوصيهم بقبول نبوة دانيال أو أرميا أو بحزقيل؟.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
فقلت: لا لعمرى لم يحتج إلى ذلك ..
ثم أخذ المصحف من يدي، وانصرف مغضبًا، فارتعدت لغضبه وازدجرت
لموعظته واستيقظت مذعورًا، فجلست، وكان وقت السحر والمصباح يقدنى غاية استنارته، فتذكرت المنام جميعه، فإذا أنا قد تخيلته لا يذهب علىَّ منه شىء، فعلمت أنَّ ذلك لطف من الله، سبحانه، وموعظة لإزالة الشبهة التي كانت تمنعني من إعلان كلمة الحق، والتظاهر بالإسلام.
فتبت إلى الله من ذلك واستغفرته، وأكثرت من الصلاة على رسول الله
المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأسبغت الوضوء، وصليت عدة ركعات لله، تعالى، وأنا شديد الفرح والسرور بما قد انكشف لي من الهداية.
المنام الثاني
ثم جلست متفكرًا فغلب علىَّ النوم عند تفكُّرى، ونمت فرأيت كأنى جالس فى سكةٍ عامرة لا أعرفها، إذْ أتانى آتٍ عليه ثياب المتصوفة وزي الفقراء، فلم يسلِّم علىَّ لكنه، قال: أجب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم. فهبته وقمت معه مسرورًا مستبشرًا بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم، فسار بين يدى وأنا من ورائه، حتى انتهى بي إلى باب دان فدخله واستدخلنى، فدخلت وراءه وسرت خلفه في دهليز طويل قليل الظلمة إلا أنه مظلم، فلما انتهيت إلى طرف الدهليز.
وعلمت أنه حان إشراقى على النبي صلى الله عليه وسلم، هبت لقاءه هيبة شديدة، فأخذت فى الاستعداد للقائه وسلامه، وذكرت أنى قد قرأت في أخباره صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا لقى فى جماعة قيل: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وإذا لقى وحده، قيل: السلام
عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته .. فعزمت على أنى أسلم عليه سلامًا عامًا لتدخل الجماعة في السلام، لأنى رأيت ذلك كأنه الأوْلى والأليق.
ثم أشرفت على صحن الدار، وكان مقابل الدهليز مجلس طويل، وعن يسرة
الداخل مجلس آخر، وليس من الدار غير هذين المجلسين، وفى كل واحد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
من المجلسين رجلان لا أحقق الآن صور أولئك الرجال إلا أنى أظنُّ أكثرهم
كانوا شبانًا، لكنهم كانوا متأهبين للسفر، فمنهم من يلبس ثيابًا للسفر،
وأسلحتهم قريبة منهم.
ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قائمًا فيما بين المجلسين، أعني في الزاوية التي في ذلك - الركن من أركان الصحن، وكأنه قد كان في شغل وقد فرغ منه، وانقلب عنه يشرع فى غيره، ففجاته بالدخول عليه قبل شروعه في غيره.
وكان صلى الله عليه وسلم لابسا ثياب بيض وعمامته معتدلة اللطافة، وعلى عنقه رداء أبيض حول عنقه، وهو معتدل القامة جسيم نبيل، معتدل اللون بين البياض والحمرة واليسير من السمرة، أسود الحاجبين والعينين، وشعر محاسنه يصف كأنه شعرة وشعرة، ومحاسنه أيضًا معتدل بين الطول والقصر.
ولما دخلت عليه ورأيته، التفت إلى ورائى، فأقبل علىَّ مبتسمًا وهش إلى جدًا، فذهلت - لهيبته - عما كنت قد عزمت عليه من السلام فسلمت عليه سلامًا خاصًا، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وألغيت الجماعة، فلم ألتفت ببصرى ولا بقلبى إلا إليه، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
ولم يكن بين تسليمى عليه وبين سعيي إليه توقف، ولا زمان بل جريت إليه مسرعا وأمددت بيدى إلى يده، ومد يده الكريمة إلىَّ فأمسكتها بيدى.
وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وذلك أنه خطر بقلبى أن النجاة، منهم من زعم أن الأسماء الأعلام هى أعرف المعارف، ومنهم من يقول أن الأسماء المضمرة هى أعرف المعارف، وهو الصحيح، لأنَّ الكاف من قولي " أنك " لا يشارك المخاطب فيه أحد، لأنها لا تقع إلا عليه وحده.
فرأيته قد ملئ ابتهاجًا، ثم جلس في الزاوية التي بين المجلسين، وجلست بين
يديه، وقال: تأهب للمسير معنا إلى غمدان للقراءة. فلما قال ذلك، وقع في نفسي أنه يعنى المدينة العظمى التي هى كرسى ملك الصين، وأن الإسلام لم يستول عليها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
بعد وكنت قد قرأت قبل ذلك أن الطريق الأقرب المسلوك إلى الصين في البحر الأخضر، وهو أشد البحار أهوالاً، وأعظمها أخطارًا.
فلما سمعت ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم، خفت من ركوب البحر ..
وقلت في نفسي إن الحكماء لا يركبون البحار، فكيف اركب البحر، .. ثم قلت فى نفسى أيضًا من غير توقف: يا سبحان الله أنا قد آمنت بهذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبايعته، أفيأمرنى بأمر، ولا أتابعه؟! .. فإذًا بالمبايعة نكون متابعين له، وعزمت على السمع والطاعة. ثم وقع - لي خاطر آخر.
وقلت إذا كان معنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإن البر والبحر يكونان مسخرين لنا، ولا خوف علينا من سائر الأخطار، وطاب قلبى بذلك، وحسن يقينى وقبولى، وأنا أذكر أن هذه الأفكار والخواطر خطرت لي، وأنا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير توقف، أعني من غير توقف، يستبطئ به إجابته، فما كان بأسرع
من أن قلت له: سمعًا وطاعة يا رسول الله .. فقال: على خيرة الله تعالى ..
فقمت بين يديه وخرجت، فما وجدت في الدهليز من الظلمة التي كانت فيه عند الدخول، فلما خرجت من الدار، ومشيت قليلاً وجدت كأنى في سوق مراغة فيما بين الصيارف وبين المدرسة القصويَّة، وكأنى أرى ثلاثة نفر عليهم زي المتصوفة، وثياب الزهاد، ومنهم من على بدنه صدرة صوف خشن أسود، وعلى رأسه مئزر من جنسها، وبيده قوس ملفوفة في لباد خلق، وبيده الأخرى حربة نصابها من سعف النخل، والآخر متقلد سيفًا غمده من خوص النخل، لأنه كان قد انطبع فى خيالى منذ كنت صغيرًا حين قرأت أخبار ظهور دولة الإسلام كيف أن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ضعفاء وفقراء، وليس لهم من الآلات إلا شبيهًا بما ذكرنا، وأنهم كانوا
مع ذلك ينتصرون على الجيوش الكثيفة والخيول الربدة، ذوى الشوكة القوية.
فلما رأيت النفر الثلاثة .. قلت: هؤلاء المجاهدون والغزاة، وهؤلاء أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء أسافرُ وأغزو، وكانت الدمعة تبدر من عينى لنى النوم، لفرط سرورى بهم وغبطتي إياهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
ثم استيقظت والصبح لم يسفر بعد، فأسبغت الوضوء وصليت الفجر، وأنا
شديد الحرص على إشهار كلمة الإخلاص وإعلان الانتقال إلى دين الإسلام،
وكنت حينئذ بمراغة من أذربيجان في ضيافة الصاحب الأمجد فخر الدين عبد
العزيز محمد بن محمود بن سعد بن على بن حميد المصرى، رحمة الله عليه، وكان قد أبلى من مرض قد عافاه الله منه فتقدمت، فدخلت إليه في أوائل نهار الجمعة المذكور يومئذ، وعرَّفته أن الله قد رفع الحجاب عنى، وقد هداني، فما أعظم استبشاره يومئذ بذلك، وقال: والله إن هذا الأمر ما زلت أتمناه وأترجاه، وطالما قد حاورت قاضي القضاة صدر الدين في ذلك، وكنا جميعًا نتأسف على علومك وفضائلك، بأن لا تكون إسلامية، فالحمد لله على ما ألهمك له من صلاح وهداية، وعلى استجابة دعائنا في ذلك .. فقل لي كيف فتح الله ذلك عليك، وسهله بعد إرتاجه وامتناعه؟ .. فقلت: ذلك أمر أوقعه الله تعالى في نفسى بالإلهام والفكر، ودليله العقلى وببرهانه قد، كنت قديمًا أعرفه، ودليلهُ من التوراة، إلا أنى كنت
أراقب أبي وأكره أن أقبحه بنفسى قديما من الله، تعالى، الآن فقد زالت عنى هذه الشبهة، مد يدك أن أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
فقاْم الصاحب لفرط سروره قائمًا واهتز فرحًا، وكان قبل ذلك لا يقوم إلا
بالتكلف، وغاب عنى، واستجلسنى إلى عودته، وأفاض من الملابس أجلها،
وحملنى من المراكب أنبلها، وأمر خواصه بالسعى إلى الجامع بين يدى، وكان
الصاحب قد تقدم إلى الخطيب بالتأخير والتوقف إلى وقت حضورى للمسجد، لأن الوقت ضاق إلى أن فرغ الخياطون من خياطة الجبة، التي أمر الصاحب بتفصيلها، فسرت إلى الجامع، والجماعة في انتظارى، وارتفع التكبير من جماعة أهل المسمجد حين أشرفت عليهم، وارتج المسجد الجامع من صلاتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رقى الخطيب المنبر، ومن بعد صلاة الجمعة وعظ الناس القاضى صدر الدين وملك الوعاظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، وأطنب في مدحى وإحماد ما الدنى الله به من التيقظ والهداية، وبالغ في ذلك مبالغة تجاوز حد الوصف، وكان أكثر المجلس متعلقًا بي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
وفى عشية ذلك اليوم، أعني عشية ليلة عيد النحر، ابتدأت بتحرير الحجج
المفحمة لليهود، وألفتها في كتاب قيام السموأل بتأليف إفحام اليهود ثم غاية
القصود وسميته "بإفحام اليهود". واشتهر ذلك الكتاب، وطار خبره وانتسخ فى عدة بقاع نسخًا كثيرة - بالموصل وأعمالها، وديار بكر العراق وبلاد العجم، ثم أضفت إليه بعد وقت فصولاً كثيرة من الاحتجاج على اليهود من التوراة، حتى صار كتابًا بديعًا، لم يعمل في الإسلام مثله في مناظرة اليهود ألبتة.
وأما المنام الأول والثانى، فإنى لم أذكرهما للصاحب، ولا لغيره من أهل مراغة
إلى انقضاء أربع سنين منذ أوان رؤيتهما، وكان ذلك منى لسببين، أحدهما أنى كرهت أن أذكر أمرًا لا يقوم عليه البرهان، وبما يسوغ خاطر من يسمعه إلى تكذيبه، لأنه أمر نادر قليل ما يتفق إذ كان العاقل يكره أن يعرض كلامه - للتكذيب سرًا وعلانية.
والثانى: إنى كرهت أن يصل خبر المنامين إلى من يحسدنى في البلاد، على ما
فضلنى الله به من العلم والحرمة، فيجعل ذلك طريقًا على التشنيع علىّ والإزراء على مذهبى، فيقول: إن فلان ترك دينه لمنام رآه، وانخدع لأضغاث أحلام!
فأخفيت ذلك إلى أن اشتهر كتاب "إفحام اليهود" وكثرت نسخه، وقرأه علىَّ جماعة كثيرة من الناس، أعني أن الانتقال عن مذهب اليهود إنما كان بدليل وبرهان وحجج قطعية عرفتها، وإن كنت أخفى ذلك ولا أبوح به مدة، مراقبة لأبى، وبرأيه حينئذ أظهرت قصة المنامين، وأوضحت أنهما كانا موعظة من الله تعالى، وتنبيهاً على ما يجب علىَّ تقديمه، ولا يحل لي تأخيره بسبب والدى وغيره.
وكتبت كتابًا إلى أبى إلى حلب، وأنا يومئذ بحصن كيفا، وأوضحت له في ذلك الكتاب عدة حجج وبراهين، مما أعلم أنه لا ينكره ولا يقدر على إبطاله، وأخبرته أيضا بخبر المنامين، فانحدر إلى الموصل ليلقاني، وفاجأه مرض حاد بالموصل، فهلك فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
فليعلم الآن من يقرأ هذه الأوراق أن المنام لم يكن باعثًا على ترك المذهب
الأول، فإن العاقل لا يجوز أن ينخدع عن أحواله بالمنامات والأعلام من غير برهان ولا دليل، لكنى كنت قد عرفت قبل ذلك بزمان طويل الحجج والبراهين والأدلة على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فتلك الحجج والبراهين هى سبب الانتقال والهداية، وأما المنام فإنما كانت فائدته الانتباه والازدجار من التمادي في الغفلة والتربص، بإعلان كلمة الحق ارتقاء بالموت، فالحمد لله على الإسلام، وكلمة الحق، ونور الإيمان
وزلفى الهداية، وأساله الإرشاد لما يرضيه بمحمد وآله.
تم بيان سبب إسلام السموأل، والحمد لله رب العالمين
حسبنا الله ونعم الوكيل
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)