وكذلك صفات العباد لا يجوز أن تقوم بأنفسها، بل بموصوف" (1) .
وهذا المطلق الكلي الذي هو النوع الثالث، هو الذي من خلاله نفهم ما خوطبنا به، ولذلك فنحن نعلم مثلاً أنه إذا وصف أحد بصفة، فإن هذه الصفة لا بد أن تقوم بالموصوف، ما أننا نفرق بين صفة الحياة، والعلم والكلام، من غير أن يرتبط ذلك بتخصيص الموصوف بها، هل هو الخالق أو العبد، ولولا ذلك لكانت معرفتنا بأسماء الله وصفاته وآياته ألغازا وألفاظاً أعجمية لا تفهم، ومن أراد أن يلتزم نفي التشبيه بنفي أي نوع من أنواع التشابه الذي يرد في المطلق الكلي فلا بد أن يؤدي به الأمر إلى نفي وجود الخالق، ومتى أقر بوجود الخالق وأنه غير هذه المخلوقات لزمه شيء من هذا.
(ج) ومن الأصول التي قررها السلف وركز عليها شيخ الإسلام أن القول في الصفات كالقول في الذات، يحتذى حذوه، فكما أن لله ذاتا لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين، وإذا كان إثبات الذات لله إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وهذا أصل عظيم، مقنع جداً لمن تدبره، وهو مرتبط بما سبق من أن صفات المخلوق تخصه، كما أن له ذاتا تخصه، وكذلك ربنا تبارك وتعالى له صفات تخصه وتليق به كما أن له ذاتا تخصه، ولا يخلط بينهما إلا مشبه ممثل، أو معطل ملحد في أسمائه وصفاته يريد أن يجعل ذلك سلما لتعطيله وتحريفه (2) .
(ح) ضرب المثل بنعيم أهل الجنة، وبالروح:
وهذان المثلان يكثر ورودهما في مناقشات شيخ الإسلام للأشاعرة ولغيرهم، وفي بيانه للمنهج الحق في الصفات، البعيد عن التأويل والتفويض والتمثيل والتشبيه.--------------------------------------------
(1) منهاج السنة (2/597-598) - ط جامعة الإمام -.
(2) انظر في بيان هذا الأصل: التدمرية (ص:43-46) - ت - السعودي -، والفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (5/114) ، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/330، 351) ، ومجموع الفتاوى (6/355، 12/575) ، ونقض التأسيس - مطبوع - (2/76) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1083)
يقول شيخ الإسلام مستدلاً لهذه المسألة: "بل أبلغ من ذلك أن الله أخبر أن في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح ما ذكره في كتابه، كما أخبر أن فيها لبنا، وعسلا، وخمراً، ولحما، وحريرا، وذهباً، وفضة، وحورا، وقصورا، ونحو ذلك، وقد قال ابن عباس: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء" (1) ، فتلك الحقائق التي في الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التي في الدنيا، وإن كانت مشابهة لها من بعض الوجوه، والاسم يتناولها حقيقة، ومعلوم أن الخالق أبعد عن مشابهة المخلوق، فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته الله تعالى من أسمائه وصفاته مماثلاً لمخلوقاته وأن يقال: ليس ذلك بحقيقة، وهل يكون أحق بهذه الأسماء الحسنى والصفات العليا من رب السموات والأرض؟ مع أن مباينته للمخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق" (2) .
وفي موضع آخر شرح ذلك فقال: "إنه يعلم الإنسان أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم، فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم، فإنه لو لم يتصور لهذه المعاني من نفسه ونظره إليه لم يمكن أ، يفهم ما غابه عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة، لما أمكنه أ، يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة فقد قال ابن عباس … "وذكر قوله السابق، وشرح الفرق بين نعيم الجنة والدنيا وأن نعيم الجنة لا يفسد ولا يتغير، ثم قال: "فإذا كان ذلك المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم، وبينهما قدر مشترك وتشابه، علم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، فالخالق جل جلاله أبعد عن مماثلة مخلوقاته، مما في الجنة لما في الدنيا.--------------------------------------------
(1) رواه وكيع في نسخته عن الأعمش، رقم (1) ، ت الفريوائي، وهناد في الزهد رقم (3،8) ، وأبو نعيم في صفة الجنة رقم (124) (1/160) ، والبيهقي في البعث والنشور رقم (332) ، وابن أبي حاتم في تفسيره [آية: 25 من سورة البقرة] ورقمه (261) - ت الدكتكور أحمد الزهراني - ط على الآلة الكاتبة، وابن جرير في تفسير [البقرة: آية 25] ، ورقمه عند شاكر (534-535) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (5286) ، وعزاه للضياء في المختارة.
(2) مجموع الفتاوى (5/208) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1084)
فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير، لم يلزم أن يكون مماثلاً لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق … " (1) .
وهذا المثل واضح جدا، مبين للمسألة، وقد وفق شيخ الإسلام في عرضه وشرحه، وهو مما يسلم به مؤولة الصفات، لأنهم يثبتون البعث والجنة والنار، وقد سبق في موضوع تسلط الفلاسفة والقرامطة على المتكلمين بيان أن هؤلاء الملاحدة وصموهم بالتناقض لكونهم أولوا نصوص الصفات ولم يؤولوا نصوص المعاد والجنة والنار (2) ، ومعلوم أن الملاحدة طردوا الأمرين نفيا، وأهل السنة طردوهما إثباتا، وهؤلاء تناقضوا، وشيخ الإسلام حينما يضرب هذا المثل - مثل نعيم الجنة - كأنه يريد أن يقرن بين مسألة دلالة النصوص وأنها واحدة في الصفات والمعاد، - وقد شرحها في عرضه لتسلط الملاحدة - ومسألة ما يفهم من النصوص، وأن نصوص النعيم إذا كانت تفهم لأنها تشبه نعيم الدنيا مع ما بينهما من الاختلاف في الحقيقة والكيفية، فكذلك نصوص الصفات تفهم وتعلم ولا تقتضي موافقتها في الاسم لصفات العباد أن تكون مثلها أو مشابهة لها (3) .
وكذلك مثل الروح، فإنها "إذا كانت موجودة، حية، عالمة، قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو لك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرا، والشيء إنما تدرك حقيقته، إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته،--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (9/295-296) .
(2) انظر ما سبق: (ص: 896) وما بعدها.
(3) انظر في شرح هذا المثل - مثل نعيم الجنة - التدمرية (ص: 46-50) - المحققة، والحموية - مجموع الفتاوى (5/115) ، ومنهاج السنة (2/157-159) - ط جامعة الإمام -، ومجموع الفتاوى (5/257-258، 6/123-125، 11/482-483) ، وتفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (17/326) ، والتسعينية (ص: 122) ، والصفدية (1/288-289) ، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/348) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1085)
مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها … " (1) .
ومثل الروح كثيراً ما يسوقه شيخ الإسلام لنفي اشتراط معرفة كيفية الصفات لإثباتها، وخاصة في مثل صفة الاستواء والنزول والمجئ، وقد أوضح شيخ الإسلام هذا المثل أيما إيضاح في مناسبات عديدة (2) .
المسألة الخامسة: تقابل العدم والملكة (3) ،
والرد على الملاحدة الغلاة:
هذه المسألة من شبه الغلاة من الجهمية والقرامطة في نفيهم للصفات، وليس الغريب إيرادهم لها، لأن الباطل وأهله لا يتوقفون عن إيراد الأدلة على باطلهم ولو كانت ضعيفة متهافتة، وإنما الغريب أن يذعن لهذه الشبهة بعض النظار من المتكلمين ويعتقدوا أن اعتراضهم وشبهتهم صحيحة (4) .--------------------------------------------
(1) التدرية (ص: 56) - المحققة -.
(2) انظر مثل الروح: الفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (5/115-116) ، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/354-458) ، ومجموع الفتاوى (9/298) ، ودرء التعارض (6/131) .
(3) المتقابلان هما اللذان لا يجتمعان من جهة واحدة، وهما أنواع:
(I) … الضدان، وهما اللذان لا يجتمعان ولكن قد يرتفعان، كالسواد والبياض.
(II) … المتضايفان، كالأبوة والبنوة، فهذان قد يجتمعان لكن من جهتين، لا من جهة واحدة، فالأبوة والبنوة قد تجتمع في زيد لكن من جهتين، فإن أبوته بالقياس إلى ابنه، وبنوته بالقياس إلى أبيه.
(III) … المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهما أمران أحدهما عدم الآخر مطلقا، كالفرسية، واللافرسية، ومثل: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان.
(IV) … المتقابلان بالملكة والعدم: وهما أمران أحدهما وجودي والآخر عدم ذلك الأمر الوجودي لا مطلقا، بل من القابل، كالبصر والعمى والعلم والجهل، فالعمى عدم البصر عما من شأنه البصر، والجهل عدم العلم عما من شأنه العلم.
والمراد بالملكة~: كل معنى وجودي أمكن أ، يكون ثابتا للشيء إما بحق جنسه كالبصر للإنسان أو بحق نوع ككتابة زيد، أو بحض شخصه كاللحية للرجل، وأما العدم المقابل لها فهو ارتفاع هذه الملكة.
فقال هؤلاء: لما لم يكن الجماد، كالحجر، قابلا للاتصاف بالبصر والعمى، فإنه لا يقال فيه: أعمى ولا بصير (انظر التعريفات ص: 105-106، والمعجم الفلسفي - صليبا 2/318-319) .
(4) ذكر هذه المسألة قد يكون من باب الاستطراد، خاصة في مثل هذا البحث الذي كثرت فروعه وتشعبت مسائله، ولكن الذي دعا إلى ذلك أمور:
أحدها: أن بعض الأشاعرة - كالآمدي - ذكروا صحة هذه الشبهة وصعوبة الجواب عنها.
والثاني: أن هذه الشبهة لم يقتصر مداها وخطرها على مبحث صفة السمع والبصر والكلام؛ التي أثبتها الأشاعرة وغيرهم بطرق، منها لسمع، ومن ثم فصحة هذه الشبهة لم يقدح في ثبوت هذه الصفات بأدلة أخرى، وإنما تعداها إلى صفات أخرى كالعلو، حيث احتج من يقول أنا أقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، أو لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره بهذه الحجة، وإنهما متقابلان تقابل العدم والملكة.
انظر مثلا: درء التعارض (6/127-128) .
والثالث: كثرة إيراد شيخ الإسلام لهذه المسألة في كتبه أثناء مناقشته لنفاة الصفات، ومن ثم فإيرادها هنا قد يفيد في بيان مدخل هذه المسألة وسبب إيرادها في مناسبات عديدة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1086)
وخلاصة المسألة أن الصفاتية احتجوا على إثبات صفة السمع والبصر والكلام لله بدليل الكمال، وهو أنه لو لم يكن متصفاً بهذه الصفات لا تصف بضدها، فاعترض النفاة على هذا بأن هذا يلزم في القابل لها، أما غير القابل - كالجماد - فنفي البصر عنه لا يلزم منه العمى، لكونه غير قابل لهما، يقول شيخ الإسلام في أحد المواضع - وكلامه في ذلك كثير -: "فإن قيل لهم: إذا لم يوصف بصفة الكمال، لزم اتصافه بهذه النقائص. قالوا: هذا إنما يكون فيما يقبل الاتصاف بهذا وهذا، ويقول المنطقيون: هذان متقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا يرتفعان جميعاً، بخلاف المتقابلين تقابل العدم والملكة، كالحياة والموت، والعمى والبصر، فإنهما قد يرفتعان جميعا إذا كان المحل لا يقبلهما كالجمادات، فإنها لما لم تقبل الحياة والبصر والعلم لم يقل فيها إنها حية ولا ميتة، ولا عالمة ولا جاهلة.
وقد أشكل كلامهم هذا على كثير من النظار، وأضلوا به خلقاً كثيراً، حتى الآمدى وأمثاله من أذكياء النظار، اعتقدوا أن هذا كلام صحيح، وأنه يقدح في الدليل الذي استدل به السلف والأئمة ومتكلموا أهل الإثبات في إثبات السمع والبصر وغير ذلك من الصفات، وهذا من جملة تلبيسات أهل المنطق والفلسفة التي راجت على هؤلاء فأضلتهم عن كثير من الحق الصحيح، المعلوم بالعقل الصريح" (1) .--------------------------------------------
(1) درء التعارض (6/135) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1087)
وموقف الآمدى - المتأثر بهذه الشبهة كما ذكر شيخ الإسلام - ذكره في أبكار الأفكار، وفي غاية المرام، فقد قال في الأبكار بعد ذكر الشبهة وأنواع المتقابلات: "فإن أريد بالتقابل ها هنا تقابل التناقض بالسلب والإيجاب وهو أنه لا يخلو من كونه سميعا وبصيرا ومتكلما أو ليس، فهو ما يقوله الخصم ولا يقبل نفيه من غير دليل.. وإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة فلا يلزم أيضاً من نفي الملكة تحقق العدم ولا بالعكس، إلا في محل يكون قابلا لهما، ولهذا يصح أن يقال: الحجر لا أعمى ولا بصير، والقول بكون الباري تعالى قابلا للبصر والعمى دعوى محل النزاع، والمصادرة على المطلوب، وعلى هذا فقد امتنع لزوم العمى والخرس والطرش في حق الله تعالى من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام عنه (1) ". ولما رأى الآمدى صدق هذا الاعتراض أحال على طريقة أخرى في الاستدلال لهذه الصفات، أما أصحابة الشبهة من القرامطة وغيرهم فقد قالوا بسلب النقيضين فقالوا: نقول: لا أعمى ولا بصير وهكذا.
وقد رد شيخ الإسلام على هذه الشبهة وعلى من صححها، وبين زيفها وبطلانها من وجوه عديدة منها:
1- أن ما لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال أنقص مما يقبل الاتصاف بصفات الكمال، ولذلك كان الحجر أنقص من الحي الأعمى، وحينئذ فإذا كان اتصافه بكون أعمى، أصم، أبكم ممتنعا، مع كون المتصف بذلك أكمل من الجماد والذي لا يقبل الاتصاف بهذا وضده؛ علم أن القول بأنه تعالى غير قابل للاتصاف بذلك أعظم في نقصه، وهو أشد امتناعا.
2- أن هذا اصطلاح اصطلحتم عليه، وهو باطل من وحهين:
أأن ما لا حياة فيه ييسمى مواتا وميتا، وهذا موجود في لغة العرب، وقد جاء في القرآن، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} (النحل: من الآية20-21) ، وهذا في أصنام العرب--------------------------------------------
(1) أبكار الأفكار (1/57) - ب، وانظر: غاية المرام (ص: 50-51) ، وقارن ذلك بما في التدمرية (ص: 151-154) مع حاشية المحقق، ودرء التعارض (4/34-37) ، حيث نقل كلام الآمدي.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1088)
وهي من الجمادات، وقال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} (يّس: من الآية33) ، وقال: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} (الحديد: من الآية17) .
ب أن الجامدات يمكن اتصافها بالحياة وغيرها، فإن الله قادر على أن يخلق في الجمادات حياة، كما جعل عصا موسى حية تسعى، تبلع الحبال والعصى.
3- أن نفس عدم الحياة والعلم والقدرة نقص لكل ما عدم عنه ذلك سواء فرض قابل أو غير قابل، فإنا إذا قدرنا موجودين أحدهما يسمع ويبصر ويتكلم، والآخر ليس كذلك، كان الأول أكمل من الثاني، وما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله.
4- أن كل محذور في عدم الملكة هو ثابت في السلب العام وزيادة، فإذا كنتم تقولون: ليس ميتا ولا جاهلا ولا أعمى، كان قولكم مع ذلك: ليس حيا ولا عالما ولا بصيرا، فيه من النقص ما في قول من يقول: ميت وجاهل وأعمى، وزيادة، وهذا مبني على أن ما لا يقبل الملكة أنقص من القابل لها.
5- أن كل كمال اتصف به الممكن إذا لم يستلزم نقصا، فالواجب أولى به من الممكن، واتصافه به أولى لأنه أ: مل ولأنه معطي الكمال لغيره، فالإنسان - الذي هو أكمل عندكم من الجدار الذي ضربتم به المثل في عدم القبول - إذا كان متصفا بصفة من صفات الكمال الذي لا نقص به، فالخالق أولى به، وهذا واضح.
6- أن يقال لهؤلاء أنتم فررتم من التشبيه بالمخلوق الناقص فوقعتم في شر منه حيث شبهتموه بالجماد الذي هو أشد نقصا، بل إن سلبكم النقيضين أدى إلى تشبيهه بما هو أشد نقصا من المعدومات والممتنعات (1) .--------------------------------------------
(1) انظر فيما سبق: الصفدية (1/90-96) ، والتدمرية (159-164) - المحققة - والجواب الصحيح (2/110-111) ، وشرح الأصفهانية (ص:76) - ت مخلوف -، ودرء التعارض (1/222-223، 341، 3/367-368، 4/9-10، 34-40، 159-160، 5/273-274، 6/135-137) ، والرسالة الأكملية، مجموع الفتاوى (6/88-90) ، وأيضاً مجموع الفتاوى (6/538، 8/22-24) ، والكيلانية مجموع الفتاوى (12/357-358) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1089)
هذه أهم أوجه الرد، وهناك ردود أخرى متجهة إلى نفس تقسيمهم للمتقابلات وبيان أنه متداخل وغير حاصر (1) .
وبذلك يتبين صحة هذا الدليل على إثبات الصفات، وأن الله لو لم يتصف بالسمع والبصر لا تصف بضدها، كما يتبين تهافت شبهة هؤلاء وبطلانها، وأن الآمدى وغيره كانوا قاصري الفهم حين ظنوا صحة هذه الشبهة.
المسألة السادسة: هل الصفة هي الموصوف أو غيره؟:
هذه المسألة شبيهة بمسألة: هل الاسم هو المسمى أو غيره، وكل ذلك من الألفاظ المجملة التي كان للسلف رحمهم الله فيها موقف واضح محدد، وهو أنه لا ينبغي إطلاق النفي ولا الإثبات، بل لا بد من الاستفصال.
والمهم هنا قبل عرض الخلاف في ذلك وبيان الراجح، توضيح منشأ بحث هذه المسألة، أي مسألة هل الصفة هي الموصوف أو غيره، والتي يعبر عنها أحيانا بالقول: هل الصفات هي الذات أو غيرها، والذي يظهر أن ذلك نشأن من خلال ردود أهل الكلام على النصاري:
أفالنصارى قالوا: إن كلمة الله التي بها خلق كل شيء تجسدت بإنسان، فكان من ردود أهل الإسلام عليهم - لبيان باطلهم - أن بينوا تهافت قولهم: إن كلمة الله بها خلق كل شيء، لأن الخالق هو الله، وهو خلق الأشياء بقوله "كن" وهو كلامه، فالخالق لم يخلق به الأشياء، فالكلام الذي به خلقت الأشياء ليس هو الخالق لها، بل به خلق الأشياء، فضلال هؤلاء أنهم جعلوا الكلمة هي الخالق. والكلمة مجرد الصفة، والصفة ليست خالقة، وإن كانت الصفة مع الموصوف فهذا هو الخالق، ليس هو المخلوق به، والفرق بين الخالق للسموات والأرض والكلمة التي بها خلقت السموات والأرض أمر ظاهر معروف، كالفرق بين القدرة والقادر … (2) فهؤلاء النصارى جعلوا الصفة غير الموصوف، وجعلوها خالقة، بل جعلوها حلت في أحد المخلوقات.--------------------------------------------
(1) انظر التدمرية (ص: 154-159) - المحققة -.
(2) انظر: الجواب الصحيح (2/266، 292، 3/54-44) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1090)
ب وكان من آثار مناقشة أهل الكلام - وخاصة المعتزلة - للنصارى أن تطرقوا لهذا الموضوع كثيرا، فنشأت شبهة تعدد القدماء، وأن إثبات صفة لله يلزم منه أن تكون قديمة، وإذا كانت غير الموصوف لزم تعدد القدماء، فظنوا - أي المعتزلة - أن تحقيق التوحيد، والخلوص من شرك النصارى لا يتم إلا بنفي جميع الصفات عن الله تعالى وبنوا ذلك على:
- أن الصفة غير الموصوف، وغير الذات.
- وأن الصفة لله لا بد أن تكون قديمة.
والنتيجة أن إثبات الصفات لله يلزم منه تعدد القدماء، وهو باطل (1) .
والعجيب أن هؤلاء المعتزلة - وهم أرباب الكلام والبحث في المعقولات - لم تستوعب عقولهم أن الذات لا يمكن أن تنفك عن صفاتها، ومن ثم فلا شبهة ولا تعدد.
ج- فلما جاءت الأشعرية وغيرهم اهتموما ببحث هذه المسألة، وصاروا يستخدمون عبارات معينة عن بيان قدم الذات والصفات، كأن يقولوا: الرب قديم، وصفته قديمة، ولا يقولون: الرب وصفاته قديمان لما في العطف والتثنية من الإشعار بالتغاير، أو يقولون: الرب بصفاته قديم، وهكذا. كما بينوا أن الصفات لا يقال هي الذات ولا غيره، حذرا من هذه الشبهة التي وقع فيها المعتزلة.
وخلاصة الأقوال في الصفة هل هي الموصوف أو غيره هي:
1- قول من يقول: الصفة غير الموصوف، أو الصفات غير الذات، وهذا قول المعتزلة والكرامية، والمعتزلة تنفي الصفات، والكرامية تثبتها (2) .--------------------------------------------
(1) انظر: تفصيل مذهب المعتزلة في المحيط بالتكليف (ص: 177) وما بعدها، ط مصر، وشرح الأصول الخمسة (ص: 195-197) ، والمختصر في أصول الدين (1/182-183) ضمن رسائل العدل والتوحيد.
(2) انظر: مجموع الفتاوى (3/336) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1091)
2- قول من يفرق بين الأمرين، ولا يجمع بينهما،فيقول: أنا أقول مفرقا: أن الصفة ليست هي الموصوف وأقول:إنها ليست غير الموصوف ولكن لا أجمع بين السلبين فأقول: ليست الموصوف ولا غيره، لأن الجمع بين النفي فيه من الإيهام ما ليس في التفريق، وهذا قول أبي الحسن الأشعري، الذي يقول على هذا: الموصوف قديم، والصفة قديمة، ولا يقول عند الجمع: قديمان، كما لا يقال عند الجمع: لا هو الموصوف ولا غيره (1) .
3- جاء بعد الأشعري من الأشاعرة من يجوز الجمع بين السلبين، وصاروا يقولون: ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره، كما صاروا يجوزون إطلاق القول بإثبات قديمين، وصار هؤلاء يردون على المعتزلة الذين قالوا لهم يلزم من ذلك إثبات قديمين بعد ردود منها "أن كونهما قديمين لا يوجب تماثلهما كالسواد والبياض اشتركا في كونهما مخالفين للجوهر، ومع هذا لا يجب تماثلهما وأنه ليس معنى القديم معنى الإله … ولأن النبي محدث وصفاته محدثة، وليس إذا كان الموصوف نبيا وجب أن يكون صفاته أنبياء لكونهما محدثة، كذلك لا يجب إذا كانت الصفات قديمة والموصوف بها قديما أن تكون آلهة لكونهما قديمة" (2) ، وهذا قول الباقلاني (3) ، والقاضي أبي يعلى (4) .
4- أن هذا الكلام فيه إجمال، وأن لفظ "الغير" فيه إجمال، ومن ثم فلا بد من التفصيل، وهؤلاء لا يقولون عن الصفة: إنها الموصوف ولا يقولون: إنها غيره، ولا يقولون: ليست هي الموصوف ولا غيره. ويلاحظ أن المقصود ليست إثبات قول ثالث كما هو قول الباقلاني والقاضي أبي يعلى الذين قالوا ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره - فإن هذا قول ثالث، بل المقصود--------------------------------------------
(1) انظر: الرسائل إلى أهل الثفر (ص: 70-71) [وقد نسب إليه ابن فورك في المجرد ص: 38، أنه يقول: لا يقال لصفاته هي هو ولا غيره] وانظر أيضاً: الرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى (6/96) ، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (17/160) ، ودرء التعارض (5/49) .
(2) درء التعارض (5/50) ، وقارن بالتدمرية (ص: 118) - المحققة -.
(3) انظر التمهيد (ص: 206-207، 210-212) ، ورسالة الحرة [المطبوعة باسم الإنصاف] (ص: 38) .
(4) انظر: المعتمد (ص:46) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1092)
أنه لا ينبغي الإطلاق: نفا وإثباتا، وهم تركوا إطلاق اللفظين لما في ذلك من الإجمال.
وهذا قول جمهور أهل السنة، كالإمام أحمد وغيره، كما أنه قول ابن كلاب (1) .
وهؤلاء قالوا: لفظ "الغير" فيه إجمال:
- فقد يراد به المباين المنفصل، ويعبر عنه بأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما وعدمه، أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود.
- وقد يراد بالغير ما ليس هو عين الشيء، ويعبر بأنه ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر (2) .
وهناك فرق بين الأمرين، وعلى هذا فيفصل الأمر:
1- فإذا قيل: هل الصفات هي الموصوف أو غيره؟ قيل: إن أريد بالغير الأول، وهو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر، فليست الصفة غير الموصوف، وإن أريد بالغير المعنى الثاني - وهو ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر - فالصفة غير الموصوف.
فمن قال: إن الصفة هي الموصوف، قاصد بذلك أنها ليست غيره بالمعنى الأول للفظ الغير، فقوله صحيح، وكذا إن قال: الصفة غير الموصوف قاصداً بالغير المعنى الثاني فكلامه صحيح أيضاً. وعكس الأمرين باطل، والسلف يقولون بهذا التفصيل، ومن المعلوم أن الموصوف لا تنفك عنه صفاته.--------------------------------------------
(1) انظر: جواب أهل العلم والإيمان (17/159-160) ، ودرء التعارض (2/270، 5/49) ، وانظر: مقالات الأشعري (ص: 169-170) - ريتر -.
(2) انظر: درء التعارض (1/281) ، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (17/160-161) ، والمسألة المصرية في القرآن - مجموع الفتاوى (12/170) ، والسبعينية (ص: 96-97) - ط الكردي -.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1093)
2- وإذا قيل: هل الصفات زائدة على الذات، أو هل الصفات هي الذات أو غيرها؟ قالوا: إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها نفاة الصفات فالصفات زائدة عليها، وهي غير الذات، وإن أريد بالذات الذات الموجودة في الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة والصفات ليست زائدة على الذات، ولا غيرها بهذا المعنى.
ومن ذلك يتضح خطأ وصواب من أطلق القول بأن الصفات غير الذات أو هي الذات (1) ، على حسب ما في لفظ الغير، الذات من الإجمال.
وبذلك يتبين أرجحية مذهب السلف حين لم يطلقوا الأمرين في ذلك، بل فصلوا واستفصلوا عن المراد، فإن كان حقا قبلوه وإن كان باطلا ردوده (2) .
* * *
هذه أهم مباحث الصفات التي أثبتها الأشاعرة، وقد خل في إثباتهم - بسبب خوضهم في علم الكلام والفلسفة - كثير من المسائل الفرعية التي خالفوا فيها مذهب السلف.
وإذا كان هذا حالهم في الصفات التي اشتهر عنهم إثباتها، فكيف يكون حالهم في الصفات التي لم يثبتوها، وإنما أولوها أو نفوها؟. هذا ما سيتم توضيحه في المباحث القادمة إن شاء الله.--------------------------------------------
(1) لشيخ الإسلام ملاحظة دقيقة هنا، وهي أنه يجب أ، يفرق بين قول القائل: إن الصفات غير الذات وقوله: إنها غير الله، لأن لفظ "الذات" يشعر بمغايرته للصفة، بخلاف اسم "الله" تعالى فإنه متضمن لصفات كماله، وعلى ذلك فإنه لا يقال: إن الصفات غير الله، لما في ذلك من الإيهام. أما القول إنها غير الذات فقد يكون صحيحاً، لما في التعبير بالذات من الإشعار بأن المقصود بالذات المجردة دون صفاتها. انظر: الجواب الصحيح (3/308) ، والصفدية (1/108-109) ، ودرء التعارض (10/72) .
(2) انظر في هذه المسألة: التسعينية (ص: 108-109) ، والدرء (2/230-231، 3/ 20-25، 5/37-50، 338، 9/136، 10/120، 231، 235) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1094)
ثالثاً: الصفات التي نفوها أو أولوها:
سبق في بداية الفصل تفصيل أقوال الأشاعرة في الصفات التي نفوها أو أولوها، مع بيان الفرق بين متقدميهم ومتأخريهم في هذا الباب:
1- فقد تبين أن جميع الأشاعرة ينفون الصفات الاختيارية عن الله وأنه لا فرق في ذلك بين متقدميهم ومتأخريهم.
2- كما أن أقوالهم في كلام الله والقرآن مرتبطة بهذه المسألة.
3- كما تبين أن الصفات الخبرية أثبتها المتقدمون وتأولها المتأخرون.
4- وكذا العلو والاستواء.
والذي استقر عليه المذهب الأشعري تأويل ماعدا الصفات السبع التي أثبتوها (1) ، وقد كان جل اهتمام شيخ الإسلام منصباً على هؤلاء، وكثيرا ما يرد عليهم بأقوال شيوخهم المتقدمين، كما هو واضح في منهجه.
وخطة هذا المبحث يمكن عرضها من خلال المسائل التالية:
المسألة الأولى: بيان حجج الأشاعرة العامة على ما نفوه من الصفات والعلو، وبيان مناقشة شيخ الإسلام لهذه الحجج.
المسألة الثانية: بيان القواعد العامة في ردود شيخ الإسلام على الأشاعرة فيما نفوه من الصفات. ثم مناقشتهم تفصيلا في:
المسألة الثالثة: الصفات الإختيارية [ومسألة حلول الحوادث] .
المسألة الرابعة: الصفات الخبرية.
المسألة الخامسة: العلو.
المسألة السادسة: كلام الله.
ويلاحظ أن بعض هذه المناقشات ستتم الإحالة - منها - على ما سبق ذكره في الفصول والمباحث السابقة.--------------------------------------------
(1) مع أن إثباتهم لها فيه ما فيه كما سبق تفصيله.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1095)
المسألة الأولى: حجج الأشاعرة العامة على ما نفوه من الصفات والعلو، ومناقشتها:
لم يكن نفي الأشاعرة لبعض الصفات أو للعلو بناء على موقفهم من نص من نصوص الصفات أو العلو، رأوا أنه لا بد من تأويله، أو أن دلالته غير واضحة، أو غير ذلك من الأمور المتعلقة بتفاصيل الأدلة، وإنما كان نفيهم لذلك وتأويله بناء على أدلة عقلية رأوا أنها دالة على وجوب النفي، وضرورة اللجوء إلى التأويل، ثم أثر تصحيحهم لهذه الأدلة العقلية على موقفهم من الأدلة والنصوص مفصلة.
ويمكن عرض أدلتهم كما يلي:
أولاً: أدلتهم وحججهم العقلية:
وقد ذكر شيخ الإسلام أن جماع أدلتهم حجتان أو ثلاث (1) :
أ - حجة الأعراض، والاستدلال بها على حدوث الموصوف بها أو ببعضها كالحركة والسكون، وهذه الحجة مبنية على أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وعلى امتناع حوادث لا أول لها. وهذا هو دليل حدوث الأجسام الذي سبق توضيحه (2) .
فهؤلاء نفوا الصفات الاختيارية عن الله تعالى بناء على أن إثبات ذلك يقتضي أ، يكون الموصوف جسما، وهذا ممتنع لأن الدليل على إثبات الصانع إنما هو حدوث الأجسام، ولو أثبت الله الصفات لاقتضى ذلك أن جسم قديم، فلا يكون كل جسم حادثا فيبطل دليل إثبات حدوث العالم والعلم بالصانع (3) .
ب - حجة التجسيم والتركيب، حيث زعموا أن إثبات بعض الصفات كالوجه واليدين، أو الإستواء، أو العلو، أو النزول، أو غيرها، يلزم منه التجسيم، أو التركيب، وبنوا نفي الجسم على أن الأجسام متماثلة فيلزم من إثباتها--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (4/272، 6/183-184، 7/141) .
(2) في فصل توحيد الألوهية والربوبية.
(3) انظر: درء التعارض (1/247، 306، 5/286-288، 7/178) ، نقض التأسيس - مطبوع - (1/143) ، والمسألة المصرية في القرآن - مجموع الفتاوى (12/184-185) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1096)
أن يكون الله مثل الأجسام. كما بنوا نفي التركيب على أنه لا بد له من مركب، وعلى أن المركب مفتقر إلى حزئه.
وأصل هذه الشبهة - شبهة التركيب - جاء من عند الفلاسفة والمعتزلة الذين قالوا: إن إثبات الصفات كالسمع والبصر والكلام والقدرة يلزم منه أن يكون مركبا من الذات والصفات (1) .
ج حجة الاختصاص، وخلاصتها أنهم قالوا: إن أجزاء العالم مفتقرة إلى ما يخصصها بما لها من الصفات الجائزة لها، وكل ما كان كذلك فهو محدث. وبنوا ذلك إما على تناهي الأجسام وأنه لا بد لها من شكل معين ومقدار معين، أو على اجتماع الأجسام وافتراقها بناء على مسألة الجواهر الفرد. وقالوا كل ما كان مفتقرا إلى المخصص فهو محدث، فالأجسام والجواهر حادثة (2) . ثم قال هؤلاء إن اختصاص الباري بالقدر والحد يقتضي مخصصا، واختصاصه بالجهة يقتضي مخصصا، وهذا باطل.
فهذه الحجج الثلاث مبنية على نفي الجسم، وهناك حجة رابعة لا تبني عليه وهي حجة الكمال والنقصان وسيأتي بيانها - إن شاء الله - في مسألة الصفات الاختيارية التي تقوم بالله، أو ما يسمى بحلول الحوادث، لأن هذه الحجة خاصة بها.
ثانياً: موقفهم من أدلة السمع المثبتة للصفات:
وقد بنوا ذلك على أدلتهم العقلية، السابقة، حيث إنهم قالوا بتقديم العقل على السمع عند التعارض، ومن ثم كان خلاصة موقفهم من الأدلة السمعية التي جاءت بإثبات الصفات التي نفوها أو أولوها:
أ - من ناحية الثبوت - قالوا عن أخبار الآحاد إنها لا يحتج بها في العقيدة.
ب - من ناحية الدلالة - وذلك في مثل دلالة القرآن - الذي لا يشك--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (4/272، 7/141-142) .
(2) انظر: المصدر السابق (3/351-353) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1097)
أحد في ثبوته - أو الحديث عند من يرى الاحتجاج به في العقائد - فقد قالوا فيها إنها من المتشابه، وحينئذ فسبيلها أحد أمرين:
- إما التفويض.
- أو التأويل عن طريق المجاز وغيره.
هذه خلاصة حججهم العامة في باب الصفات، وهي كما يلاحظ بنيت على أدلة العقول، وتشبيه الله بخلقه، حيث صاروا يحكمون عليه تعالى وعلى صفاته بما يحكمون به على مخلوقاته، فأدى بهم هذا التشبيه إلى التعطيل.
مناقشة هذه الأدلة:
أولاً: مناقشة الأدلة العقلية:
الدليل الأول: دليل الأعراض وحدوث الأجسام:
أما دليل الأعراض وحدوث الأجسام، فقد سبق بيان فساده، وبطلان مقدماته، وأن كثيرا من الأشاعرة من المتقدمين كالأشعري، والمتأخرين كالرازي بينوا أن هذا الدليل لن تدع إليه الرسل وأن ثبات حدوث العالم لا يتوقف عليه، كما سبق الرد عليهم في استدلالهم بقصة إبراهيم الخليل وقوله: {لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (الأنعام: من الآية76) (1) .
الدليل الثاني: دليل التركيب والتجسيم (2) :
وأما دليل التركيب والتجسيم، فهو من أشهر أدلتهم وأكثرها دورانا في كتبهم، وقد بين شيخ الإسلام بطلان حجتهم من خلال الوجوه التالية:
1- أن لفظ الجسم والتركيب فيه إجمال، وهذا الإجمال هو الذي أوقع هؤلاء في التخبط والاضطراب، والإجمال - كما يرى شيخ الإسلام - كثيرا--------------------------------------------
(1) انظر الفصل السابق - فصل توحيد الربوبية والألوهية.
(2) أما حجة "التشبيه" فقد سبقت مناقشتها عند الكلام على الصفات التي أثبتوها وخاصة مسألة "المشترك"، انظر (ص: 1060) وما بعدها.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1098)
ما يكون سببا في قول الباطل أو رد الحق، لذلك كان من أصول منهجه ومناقشاته بيان الإجمال في المصطلحات والألفاظ.
ومن ذلك لفظ "الجسم" و"المركب" هنا، القائل: إن إثبات الصفات، أو إثبات الاستواء أول العلو أو النزول أو الوجه أو اليدين وغيرها، يلزم منه التجسيم، أو التركيب.
يقال له: ما تعني بالتجسيم أو التركيب، لأن هناك أقوالاً عديدة في كل منهما:
فالجسم فيه أقوال:
- في اللغة هو البدن والجسد.
- وعند أهل الكلام: قيل: هو المركب من الجوهر الفرد، إما جوهران أو أربعة، أو ستة، أو ثمانية، أو ستة عشر، أو اثنان وثلاثون.
- وقيل: هو المركب من المادة والصورة، كما تقوله الفلاسفة.
- وقيل: هو الموجود أو القائم بنفسه، أو ما يمكن أن يشار غليه.
ولكثرة مناقشات شيخ الإسلام لهذا الإجمال في الجسم فيمكن اختيار النص التالي له، والإشارة في الحاشية إلى المواضع الأخرى التي ذكر فيها هذا الكلام أو نحوه، فإنه قال بعد أن ذكر الأقوال في الجسم: "إذا قال القائل: إن الباري تعالى جسم. قيل له: أتريد أنه مركب من الأجزاء كالذي كان متفرقا فركب؟ أو أنه يقبل التفريق، سواء قيل: اجتمع بنفسه، أو جمعه غيره؟ أو أنه من جنس شيء من المخلوقات؟ أو أنه مركب من المادة والصورة؟ أو من الجواهر المنفردة؟
فإن قال هذا. قيل: هذا باطل.
وإن قال: أريد به أنه موجود أو قائم بنفسه … أو أنه موصوف بالصفات، أو أنه يرى في الآخرة، أو أنه يمكن رؤيته، أو أنه مباين للعالم، فوقه، ونحو هذه المعاني الثابتة بالشرع والعقل.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1099)
قيل له: هذه معان صحيحة، ولكن اطلاق هذا اللفظ على هذا بدعة في الشرع، مخالف للغة، فاللفظ إذا حمل المعنى والحق والباطل لم يطلق، بل يجب أن يكون اللفظ مثبتا للحق نافياً للباطل.
وإذا (1) قال: ليس بجسم.
قيل: أتريد بذلك أنه لم يركبه غيره، ولم يكن أجزاء متفرقة فركب، أو أنه لا يقبل التفريق والتجزئة كالذي ينفصل بعضه عن بعض؟ أو أنه ليس مركبا من الجواهر المنفردة، ولا من المادة والصورة، ونحو هذه المعاني.
أو تردي به شيئاً يستلزم نفي اتصافه بحيث لا يرى، ولا يتكلم بكلام يقوم به، ولا يباين خلقه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا تعرج إليه الملائكة ولا الرسول، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يعلو على شيء، ولا يدنو منه شيء، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين ولا محايث له، ونحو ذلك من المعاني السلبية التي لا يعقل أن يتصف بها إلا المعدوم.
فإن قال: أردت الأول:
قيل: المعنى صحيح، لكن المطلقون لهذا النفي أدخلوا فيه هذه المعاني السلبية، ويجعلون ما يوصف به من صفات الكمال الثبوتية مستلزمة لكونه جسما، فكل ما يذكر من الأمور الوجودية يقولون: هذا تجسيم، ولا ينتفى ما يسمونه تجسميا إلا بالتعطيل المحض؛ ولهذا كل من نفي شيئاً له لمن أثبته: إنه مجسم: فغلاة النفاة من الجهمية والباطنية يقولون لمن أثبت له الأسماء الحسنى: إنه مجسم. ومثبتة الأسماء دون الصفات من المعتزلة ونحوهم يقولون لمن أثبت الصفات: إنه مجسم. ومثبتة الصفات دون ما يقوم به من الأفعال الاختيارية [كالأشاعرة] يقولون لمن أثبت ذلك: إنه مجسم، وكذلك سائر النفاة.--------------------------------------------
(1) في طبعة جامعة الإمام من منهاج السنة (2/1212) (وإذا) ولعل الألف ساقطة طباعة، وهي على الصواب في الطبعة الأخرى المحققة (2/156) - مكتبة دار العروبة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1100)
وكل من نفى ما أثبته الله ورسوله بناء على أن إثباته تجسيم يلزمه فيما أثبته (1) … " (2) .
والتفصيل في الأمور المجملة ومنها الجسم هو منهج السلف رحمهم الله تعالى، مع ترجيحهم عدم إطلاق الألفاظ والمصطلحات غير الواردة في الشرع (3) .
أما القول بأن الجسم مركب من المادة والصورة فهذا قول الفلاسفة وقد رده جمهور العلماء بما فيهم الأشاعرة.
وأما القول بأن الجسم ما ركب من جوهرين، وأن الأجسام تنتهي إلى جزء لا يتجزأ وهو الجوهر الفرد، فهذا قول جمهور الأشاعرة، وقد أبطله بعض أعلامهم - كما سبق - (4) كما أبطله وناقشته شيخ الإسلام، وبين أن الراجح أن الأجسام تنتهي إلى الإستحالة، أي تستحيل إلى أجسام أخرى كما هو مفصل في مواضع عديدة من كتبه (5) .--------------------------------------------
(1) في ط جامعة الإمام من منهاج السنة (2/214) ، وكذا في ط دار العروبة - المحققة - (2/157) [فيما أثبته الله ورسوله] ثم ذكر المحقق _ رحمه الله أنه هكذا في نسختى (ب) و (أ) ، ثم ذكر أن الكلام فيه سقط وحاول إكمال ما بقي من النقص في الحاشية.
والذي أرجحه أن عبارة [الله ورسوله] ليست تابعة لقوله [فيما أثبته] لأن سياق العبارة يأباه، ولذلك أوقفت النقل إلى قوله [أثبته] والمعنى عليه واضح … والله أعلم.
(2) منهاج السنة (2/211-214) ، وانظر أيضاً (ص:549) .
(3) انظر في لفظ "الجسم" وما فيه من الإجمال، والأقوال فيه، ومنهج السلف في إطلاقه: التسعينية (ص: 192-193) ، نقض التأسيس - مخطوط - (1/121) ، ونقض التأسيس - مطبوع - (2/498-499) ، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/420-434) ، درء التعارض (4/134-139) - ط جامعة الإمام، والرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى (6/102-104) .
(4) في فصل "توحيد الألوهية والربوبية".
(5) انظر في مسألة الجوهر الفرد ورأى شيخ الإسلام في إنقسام الأجسام: منهاج السنة (2/139-141) - ط جامعة الإمام، وشرح الأصفهانية (ص: 315) - ت السعوي، وتفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (17/243-244، 230-325) ، شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (50424-428) ، نقض التأسيس - مطبوع - (1/280-281، 285-286) ، درء التعارض (1/303، 2/190-191، 3/355، 442-447، 4/183-186، 5/145،196-203، 7/220-223،232-234، 8/322-3259.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1101)
أما "التركيب" ففيه إجمال أيضاً:
فالفلاسفة جعلوه خمسة أنواع: التركيب من الوجود والماهية، والتركيب من العام والخاص، والتركيب من الذات والصفات، وتركيب الجسم من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة (1) .
أما المعاني الأخرى للمركب:
- فقيل هو ما ركبه غيره، كما قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} (الانفطار:8) ، ويقال: ركبت الباب، وهذا هو معنى المركب في اللغة.
وقد يقال: المركب: ما كان مفترقا فركبه غيره، كما تركب المصنوعات من الأطعمة والثياب والأبنية، وهذا قريب من السابق.
- وقد يقال: المركب ماله أبعاض مختلفة كأعضاء الإنسان، وإخلاطه، وإن خلق ذلك مجتمعا.
- وقد يقال المركب: ما يقبل التفريق والانفصال وإن كان شيئا بسيطا كالماء.
- وقد يقال المركب: ما يعلم منه شيء دون شيء، كما يعلم كونه قادرا، قبل أن يعلم كونه سميعا بصيرا (2) .
ويلاحظ ما بين الجسم والمركب من تداخل.
وحينئذ فمن نفى الصفات لأجل شبهة التركيب يقال له: ما تعني بالتركيب؟ إن كنت تقصد به ما ركبه غيره، أو ما كان مفترقا فاجتمع أو ما يمكن تفريق بعضه عن بعضن فلا ريب أن هذا باطل والله منزه عنه.--------------------------------------------
(1) انظر: الصفدية (1/104-105) ، ودرء التعارض (3/389، 5/142) .
(2) انظر: الصفدية (1/105-106) ، ودرء التعارض (5/145-146) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1102)