Arabic source text

📘 আল মুওয়ালাতু ওয়াল মুয়াদাতু ফিশ শারীয়াতিল ইসলামিয়্যাহ (মিহমাস আল-জালউদ)

📘 الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية (محماس الجلعود)

📘 আল মুওয়ালাতু ওয়াল মুয়াদাতু ফিশ শারীয়াতিল ইসলামিয়্যাহ (মিহমাস আল-জালউদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
والخلاف في مثل تلك الصور المتقدمة وأمثالها يجب أن لا يورث عداوة ولا بغضاء، بل هو من اختلاف التنوع الذي فيه رحمة وتيسير على المسلمين في عباداتهم وفي شئون حياتهم العامة (1).
أما النوع الثاني من أنواع الاختلاف في الفروع: وهو اختلاف التضاد في الفروع، فهذا لا يوجب الكفر أو الخروج من الإسلام ما دام هذا الاختلاف مبنيا على تأويل من دليل يعتقد المخالف صحته، وذلك مثل بعض فرق أهل الكلام (2) فلا يجوز تكفيرهم إلا إذا أنكر المخالف حكما شرعيا ثابتا بالتواتر القاطع والإجماع الصحيح، أو خالف بتأويل مجرد عن الدليل (3) وإنما لمجرد الظن والهوى فإنه يكفر بمثل هذه المخالفة التي لا تستند إلى دليل وهذا النوع من الخلاف في المسائل الفرعية هو الممنوع وقوعه بين المسلمين، لأن أحد المخالفين لا بد أن يكون مخطئا وضالاً عن طريق الصواب.
فاختلاف التضاد في مسائل الفروع، هو أكثر أنواع الاختلاف خطورة حيث يئول بالأمة إلى العداوة والبغضاء بل إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والأعراض، وهذا كله سببه الجهل بأحكام الإسلام وعدم فقهها وفهمها فهما صحيحا، وذلك راجع إلى سوء الطوية عند المخالف كما يفعل بعض المنافقين أو إلى التقليد الأعمى لأهل النفاق والضلال الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ومثل أولئك أهل التأويل الذين يئولون آيات القرآن الكريم والسنة النبوية تأويلات ضالة، بعيدة كل البعد عن منطوق النصوص ومفهومها، وإنما حملهم على ذلك، الهوى وما تعودوه، من أخلاق منحرفة ذميمة، ومفاهيم خاطئة وذلك هو ما حصل لأهل السنة والجماعة--------------------------------------------
(1) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ابن تيمية ص (38 - 42) وانظر أسباب اختلاف الفقهاء د/ عبد الله التركي ص (30 - 36).
(2) انظر ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين/ عبد الجليل عيسى (116 - 121).
(3) المصدر السابق ص (132 - 133).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)

مع فرق أهل التأويل في مسائل القدر والصفات وفي شأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
وفي هذا العصر يقف أهل السنة والجماعة مع أدعياء العلم والمتاجرين في الفتوى موقفا خلافيا شديدا، نظرا إلى أن أكثر المنتسبين إلى العلم يشاركون بتأويلاتهم الضالة والفتيا الكاذبة في إفساد الامة وانحلالها فقد أفتى بعضهم بجواز نزع الحجاب عن المرأة المسلمة، الأمر الذي تبعه تعري النساء وتبرجهن تبرج الجاهلية الأولى، كما أفتى البعض منهم بجواز عمل المرأة مع الرجل الأجنبي في مجالات مختلفة، وقد ترتب على ذلك مفاسد كثيرة لا يعلمها إلا الله كما أباح البعض منهم الاستماع إلى الأغناني الماجنة والصور الخليعة، بتأويلات باطلة، حتى أصبحت هذه المحظورات الشرعية مباحة في نظر كثير ممن يدعي الإسلام.
ومخالفة هؤلاء لمذهب أهل السنة والجماعة لا توجب كفرهم في مثل هذه المسائل نظرا إلى أن معظم المخالفين في مثل هذه القضايا إنما خالفوا بناء على تأويل واجتهاد أخطئوا فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن أهل السنة المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم يلتزمون الحق، ويرحمون من خالفهم عن اجتهاد حيث عذره الله ورسوله (2).
وعلى هذا فالمخالفة المبنية على التكذيب، وهو أن ينفي وجود هذه الأشياء التي ورد الشرع بها بالتواتر القاطع توجب كفر المنكر لها فلو أن إنسانا خالف في وجوب الاتجاه إلى الكعبة في صلاة الفريضة، ورأى جواز الاتجاه إلى أي جهة أخرى، بدون عذر شرعي، فهذا حكمه الكفر لأنه أنكر شيئا ثابتا بالتواتر القاطع، لأن ذلك يتصل بركن من أركان الإسلام وهي--------------------------------------------
(1) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ابن تيمية ص (38 - 42).
(2) انظر ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين/ عبد الجليل عيسى ص (120).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)

الصلاة، وفي مثل هذه الحالة يجوز إطلاق الكفر على من فعل مثل ذلك (1) أما إن كان القول أو الفعل الصادر مبنيا على تأويل فاسد مستوحي من دليل ثابت، فإنه ينبغي أن لا يكفر كل فريق خصمه إذا رآه مخطئا في فهم الدليل وإن كان يجوز أن يصفه بالخطأ أو الضلال عن الطريق الذي يراه صوابا (2).
وحينئذ يعامل المخالف في ذلك معاملة العصاة والفسقة في شأن الموالاة والمعاداة فيحبه على قدر ما معه من الخير ويبغضه على قدر ما معه من الشر ولا يصل في بغضه وعداوته إلى مرتبة بغض الكفار وعداوتهم لأنه لم يخرج بهذا الخلاف من عداد المسلمين.
فقد كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالة بعث بها إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، قال فيها: اعلموا وفقكم الله أن المسائل المجمع عليها لا مجال للنزاع فيها، وأما المسائل الاجتهادية فمعلوم أنه لا إنكار على من يسلك الاجتهاد في مسألة من مسائل الاجتهاد (3) اهـ.
وقال أيضا في رسالة بعث بها إلى أحمد بن يحيى إمام أهل رغبه قال فيها: إن تفضل الله عليك بفهم ومعرفة، فلا تعذر عند الله ولا عند خلقه إلا باتباع الحق، فإن كان الصواب معنا فالواجب عليك الدعوة إلى الله وعداوة من صرح بسب دين الله ورسوله، وإن كان الصواب مع غيرنا أو معنا شيء من الحق وشيء من الباطل فالواجب عليك مذاكرتنا ونصيحتنا وإطلاعنا على الحق، وعلى عبارات أهل العلم لعل الله أن يردنا بك إلى الحق، أما إذا كانت المسألة من مسائل الاختلاف عند الحنفية والشافعية--------------------------------------------
(1) المصدر السابق ص (133).
(2) المصدر السابق المكان نفسه.
(3) انظر الدرر السنية (ج1/ ص43).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)

والمالكية والحنابلة فتلك مسألة أخرى لا توجب خلافا، ولا عداوة بين المسلمين (1) اهـ.،
ويقول في موضع آخر نحن لا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض عليه، إلا إذا اطلعنا على نص جلي مخالف لمذهب أحد الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها شعار، ظاهر كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلا بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين لوضوح الدليل على ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، فلا نأمره بالإسرار فيها، والفرق بين المسألتين لاختلاف دلالة الدليلين فيهما (2) اهـ.
لذا فإن مما يجب أن يتنبه إليه كل مسلم أن الاختلاف في مسائل الفروع ومسائل الاجتهاد يقع بين المسلمين ولكن يجب أن لا يحملهم هذا الاختلاف على الفرقة والمقاطعة قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 9، 10].
فلم يقطع سبحانه وتعالى الأخوة بين المسلمين وإن وقع بينهم القتال الذي يستلزم كون أحدهم ظالما والآخر مظلوما (3) ولم يقطع الأخوة الإسلامية أيضا بين القاتل والمقتول ظلما مع شدة الوعيد لمن قتل مؤمنا ظلما حيث قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ--------------------------------------------
(1) انظر الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص (300، 301).
(2) انظر الدرر السنية (1/ 127).
(3) انظر الدرر السنية (7/ 40).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)

وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: 178] فسماه أخا له رغم شدة ما بينهما فما دون ذلك أهون وأولى فلا يجوز أن يؤدي الخلاف في مسائل الاجتهاد إلى العداوة والبغضاء والتناحر والكراهية لكل ما هو مع الخصم من حق أو باطل (1).
إن من أعظم الدسائس الشيطانية على أهل الإسلام الاختلاف والتناحر بينهم على جميع المستويات وهذا هو الحاصل فعلاً في عصرنا الحاضر وذلك يدلنا على أننا واقعون فيما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» (2) وهذا الحديث لا يعني الاستسلام للفرقة والرضى بها، وإنما هو من قبيل التنبيه على الخطر الذي يجب أن لا نقع فيه حيث أمرنا الله عز وجل بالاعتصام والاجتماع على الحق قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: 103].
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: إن الله أمر بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرقة فيه فبين هذا بيانا شافيا كافيا يفهمها العوام قبل غيرهم، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (3) اهـ.
وقد اختلفت وجهات النظر حول وجوب الانضمام إلى الجماعة المسلمة أو جواز الانفراد عنها على قولين:--------------------------------------------
(1) انظر الدرر النسية (7/ 40).
(2) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (4/ 2166) كتاب صفات المنافقين.
(3) انظر الدرر السنية (1/ 99).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)

القول الأول: قول جماعة من الصحابة ومن التابعين بأن الانضمام إلى الجماعة المسلمة واجب شرعي، ومفارقتها أمر محرم، لأنه لا إسلام إلا بجماعة كما سبق أن ذكرنا في الأدلة الدالة على الاجتماع وعدم الفرقة ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية» (1) وورد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام»؟ قال: «فاعتزل الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (2).
وورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: السمع والطاعة، والجهاد والهجرة والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (3) وروى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب» (4)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة إلى الصلاة التي قبلها كفارة والجمعة إلى الجمعة التي قبلها كفارة والشهر إلى الشهر الذي قبله كفارة إلا من ثلاث» قال: فعرفنا أنه أمر حدث، إلا من الشرك بالله ونكث الصفقة وترك السنة قال: قلنا يا رسول الله هذا الشكر بالله قد عرفناه فما نكث الصفقة وترك السنة؟ قال: «أما نكث الصفقة فأن تعطي رجلا بيعتك ثم تقاتله بسيفك وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة» (5).--------------------------------------------
(1) انظر صحيح مسلم (3/ 1476) كتاب الإمارة
(2) انظر فتح الباري (13/ 35) كتاب الفتن (11).
(3) المصدر السابق (13/ 316) كتاب الاعتصام (19)
(4) رواه أحمد انظر مسند أحمد (4/ 278).
(5) رواه أحمد. انظر مسند أحمد (2/ 229) و (506).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)

وقد خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته المشهورة التي خطبها بالجابية: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» (1).
القول الثاني: هو ما ذهب إليه النجدات من الخوارج (2) وبعض المعتزلة (3) من جواز الفرقة وعدم وجوب الجماعة (4) وهذا القول ظاهر البطلان عقلاً وشرعًا وهو مخالف لما أجمع المسلمون عليه في عصورهم المختلفة.
وبطلان هذا القول من حيث العقل أن الاجتماع قوة؛ لأن المجتمعين يتقوى بعضهم ببعض ولذلك فإنا نجد حتى من لا دين لهم يلتزمون بذلك ويسعون لتحقيقه بينهم وفي فائدة الاجتماع يقول الشاعر:
تأبي الرماح إذا اجتمعن تكسرا … وإذا افترقن تكسرت آحادا

وأما في الشرع فللأدلة السابقة ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث طويل «فمن أراد منكم بحجة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» الحديث (5).
وحديث: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا وشبك بين أصابعه» (6).
ووجوب لزوم الجماعة المسلمة وفائدة ذلك أمر لا يحتاج إلى جدال أو مناقشة فهو كما يقول الشاعر
وليس يصح في الأفهام شيء … إذااحتاج النهار إلى دليل--------------------------------------------
(1) انظر فتح الباري (13/ 316).
(2) انظر الملل والنحل للشهرستاني على هامش الفصل لابن حزم (1/ 167 - 168) وانظر الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 88).
(3) انظر الفرق بين الفرق للبغدادي (163 - 166).
(4) انظر الدرر السنية (1/ 104).
(5) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 173) رقم الحديث (431)
(6) رواه البخاري ومسلم انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (1/ 245).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)

فيجب على كل مسلم أن يعمل مع الجماعة المسلمة في بلده ومحيطة وأن يشاركها مشاركة إيجابية بقوله وفعله ويبذل لها ماله ونفسه إذا اقتضى الأمر ذلك، كما يجب على الجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي أن تشكل بمجموعها جماعة واحدة متحدة متضامنة فيهما بينها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن توثق المحبة والمودة فيما بينها، وأن لا تتفرق وتتطاحن ويهدم بعضها ما بناه البعض الآخر عن غفلة أو جهل أو غباء أو حسد ممقوت أو بغض دفين.
فإن الفرقة هي أهم ما تطمح إليه نفوس الأعداء، وتسعى جاهدة لتنميته بين المسلمين، وما نال الأعداء منا غايتهم حتى أوقعوا الخلاف بيننا ففضلوا الأتراك المسلمين عن العرب المسلمين والأكراد المسلمين عن إخوانهم من الأجناس الأخرى وهكذا العجم والبربر وبقية الأجناس فأصبح المسلمون شعبًا وقبائل يتناحر بعضهم مع البعض الآخر.
يقول الدكتور عبد الله رشوان: يجب علينا أن نتضامن ونتكاتف ونتعاون في تنفيذ ما اتفقنا عليه، قولاً وفعلاً .. وليعذر بعضنا بعضًا فيمًا اختلفنا فيه، والاتفاق تام وواجب في الأصول ولا اختلاف إلا في الفروع وليعلم الدعاة أننا جميعًا، نجتهد لنصرة الدين كل على قدر قدرته ووسع طاقته، فينا من يخطئ وفينا من يصيب، ونرجو من الله أن نكون جميعا من الموفقين (1) اهـ، وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران: 106] فقال: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف (2) اهـ.
وقد ذم الله التفرقة في قوله تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ--------------------------------------------
(1) انظر مقالة له في مجلة المجتمع عدد 478 السنة الحادية عشرة في 14/ 6/ 1406 هـ (27).
(2) انظر الرسائل الشخصية، محمد بن عبد الوهاب (305).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)

حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون: 53] والزبر الكتب أي كل فرقة صنفت كتبا أخذت بها دون كتب الآخرين كما هو واقع الحال في العصر الحاضر بين عامة المنتسبين إلى الإسلام، وهذا من أكبر الأخطاء في منهج التربية الإسلامية حيث إن الواجب يقتضي أن نأخذ الحق من مصادره الأصلية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما وافقهما من أقوال أهل العلم، وأن نرفض الباطل والخطأ من أي شخص كان عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقر على خطأ حيث عصمه الله من الزلل.
فإن من الواجب على أهل المعرفة والاجتهاد أن لا يكونوا مقلدين لغيرهم بلا فهم وتدبر وإدراك، بل عليهم أن يقارنوا بين الأدلة والأقوال ويستنتجوا القول الوسط الموافق للنص الشرعي، وأن يتسامحوا مع من خالفهم في فهم الدليل إذا كان هذا الخلاف في مسألة فرعية من فروع الشريعة: أما صغار المتعلمين فالأولى أن يختار لهم بعد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أسلم الكتب وأقومها، وأبعدها عن التعصب لمذهب معين، حتى لا نغرس الحقد والكراهية في نفوس الأبناء لكل من يختلف معنا في مسائل الفروع.
وعندما تتكون عند المبتدئين القدرة على الاستنتاج والتحليل ومعرفة الدليل فإن لهم أن يعملوا باجتهادهم وما فهموه من الأدلة الشرعية بشرط أن لا يتعارض الاجتهاد أو الفهم مع النصوص الشرعية من الكتاب والسنة.
كما أن الأدب الشرعي أن الإنسان إذا تكلم مع من يختلف معه وجب أن يكون الكلام بحكمة وعلم وعدل، فإن العدل واجب مع كل واحد على كل أحد، والظلم محرم مطلقا، لا يباح بحال من الأحوال، قال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8]

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)

وهذه الآية نزلت في المسلمين بسبب بغضهم للكفار وهو بغض مأمور به المسلم، فكيف بمن أبغض مسلما بتأويل أو شبهة أو هوى وآذاه على ذلك، ألا يكون هذا مرتكبا لإثم عظيم وذنب كبير (1) قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [الأحزاب: 58].
فلا نكفر أحدا من مدعي الإسلام بذنب دون الشرك، ولا نخرجه من دائرة الإسلام بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب، ما لم يستبح لنفسه أو لغيره فعل المحرم أو تحريم المباح (2).
وخلاصة القول في ذلك أن الخلاف في مسألة أصولية يوجب كفر المخالف للحق وعداوته كعداوة الكفار سواء بسواء.
أما الخلاف في مسألة فرعية باجتهاد أو تأويل يعتقد المخالف صحته فلا يكفر بذلك، وحينئذ لا تصح معاداته كمعاداة أهل الكفر، بل يوالى على قدر ما معه من الخير ويبغض على قدر ما معه من الشر، ويجوز وصف المخالف في المسائل الفرعية في خلاف التضاد بالخطأ والبعد عن الحق ولكنه لا يوصف بالكفر أو يعادى معاداة الكفار، ما لم يكن هذا الخلاف مبنيا على الهوى والتأويل المجرد من الدليل، فإذا كان بهذا الوصف فإن أول ما يجب على صاحب الحق في حق من خالفه أن ينصحه ويبين له الدليل بيانا شافيا كافيا، بعد أن يوضح له الخطأ فيما ذهب إليه من قول أو فعل أو اعتقاد وإن استمر على خطئه عامله معاملة العصاة والفساق من المسلمين، فيحبه على قدر ما معه من الخير ويبغضه على قدر ما معه من--------------------------------------------
(1) انظر ملحق المصنفات محمد بن عبد الوهاب (52، 53) وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (6/ 109، 110).
(2) انظر الدرر السنية (1/ 288).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)

الشر ولا يحمله الخلاف على القطيعة والهجران كحال من يخالفوننا في مسائل أصولية.
هذا فيما يتعلق بخلاف التضاد في المسائل الفرعية، أما اختلاف التنوع في المسائل الفرعية فهو رحمة بالأمة وتيسير عليها ولا يجوز لأحد من المسلمين أن يحجر على أحد في شيء من ذلك.
ومن ذلك نستنتج أن الخلاف في المسائل الفرعية من أعظم أسباب الفرقة بين المسلمين فقد أدى إلى عدم تعاونهم وتناصرهم مع بعضهم، مما مكن لأعداء المسلمين من التغلب عليهم كما يقول الشاعر:
الخلافات بالخلافة أودت … واقتسمنا وسادنا الدخلاء (1)--------------------------------------------
(1) انظر شعراء الدعوة الإسلامية (2/ 22).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)

‌‌الفصل الثالث: الاعتزال عن الجماعة المسلمة
وتحت هذا الفصل ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الاعتزال بدعوى جواز الاعتزال.
المبحث الثاني: اعتزال المؤمنين خوفا من أعداء أهل الإيمان.
المبحث الثالث: العلماء بين طريق الجهاد وطريق الاعتزال.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)

‌‌المبحث الأول: الاعتزال بدعوى جواز الاعتزال
الاعتزال: هو الابتعاد والتنحي (1) قال تعالى: (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ) [الدخان: 21] ويستدل طائفة من الناس من علمائهم وعامتهم على جواز اعتزال أهل الحق والباطل والبعد عن الصراع بينهما بعموم بعض النصوص من الكتاب والسنة متخذين من ذلك ذريعة لهم في ابتعادهم عن الانضمام إلى أهل الحق والجهاد معهم ضد الكافرين المحاربين لله ورسوله والمؤمنين.
وجملة النصوص التي يستدل بها أولئك هي ما يلي:
1 - قول الله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195].--------------------------------------------
(1) انظر المعجم الوسيط (2/ 605)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)

2 - قول الله تعالى: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [المائدة: 105].
3 - قول الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29].
وبما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الواردة في مثل هذا الموضوع وهي كما يلي:
1 - ما روي عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني قال: قلت كيف نصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية تريد؟ قلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) قال: سألت عنها خبيرا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا يدان لك به، فعليك خويصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن على مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون بمثل عمله» (1).
2 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم» قال زيد:--------------------------------------------
(1) رواه ابن ماجه انظر سنن ابن ماجه (2/ 478 - 488) وانظر جامع الأصول (10/ 3/ 7453) ورواه الترمذي في التفسير (3060) وقال حديث حسن غريب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)

تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم والعلم في رذالتكم أي: إذا كان العلم في الفساق (1).
3 - وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (2).
4 - ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا؟ وشبك بين أصابعه، قال» قلت يا رسول الله ما تأمرني؟ قال: «عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم» (3).
5 - ما روي عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه» قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال يتعرض «من البلاء لما لا يطيقه» (4).
6 - وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرف لها تستشرفه فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به» (5).
وقد أجاب القائلون بعدم جواز الاعتزال بإجابات على هذه الأدلة نوجزها فيما يلي:--------------------------------------------
(1) المصدر السابق نفسه (2/ 488).
(2) رواه البخاري انظر فتح الباري (1/ 69).
(3) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (1/ 3/ 26) رقم الحديث (206).
(4) انظر المصدر السابق (2/ 172) رقم الحديث (613) وانظر: مسند أحمد (5/ 405) وانظر سنن ابن ماجه (2/ 488).
(5) رواه البخاري انظر صحيح البخاري (9/ 64).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)

أولاً: إن المقصود بالتهلكة في الآية من سورة البقرة هو ترك الجهاد والإنفاق في سبيل الله كما روى يزيد بن أبي حبيب عن أسلم بن عمران عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم صف من المسلمين مثلهم أو أكثر فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله: يلقي بيده إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقال: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو قمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الآية يرد عليه ما قلنا، فكانت التهلكة، الإقامة على الأموال، وإصلاحها وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم مجاهدا في سبيل الله» (1).
ثانيا: إن المقصود بآية المائدة في قوله تعالى: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ليس الغرض منها بيان أن المؤمن غير مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا اهتدى هو بذاته فقط فهذه الآية لا تسقط عن الفرد أو مجموعة من الأفراد التبعة في كفاح الشر، ومقاومة الضلال، ومحاربة الطغيان فقد روى أصحاب السنن أن أبا بكر رضي الله عنه قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ--------------------------------------------
(1) انظر تفسير القرطبي (2/ 361، 362) وانظر صور من حياة الصحابة د. عبد الرحمن رأفت الباشا (1/ 131).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)

الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقاب من عنده (1) وهكذا صحح الخليفة الأول رضوان الله عليه ما ترامى إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة.
ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح، لأن القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت أشق وأثقل في مجتمع يتتبع القاعدون فيه كل عذر يعفيهم من المسئولية فما أيسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآيات على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاق الدعوة، ويريحهم من عنت الجهاد وبلائه (2).
ثالثا: إن المقصود من سورة النساء في قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) هو النهي عن أن يقتل بعض المسلمين بعضا وقد أجمع أهل التفسير على ذلك، وإنما عبر بذلك باعتبار المسلمين كالجسد الواحد والنفس الواحدة، وأن ما يضر الكل يضر الجزء مثل قول الله تعالى: (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) [الحجرات: 11] فغير متصور أن يعيب الإنسان نفسه ولكنه تعبير يوحي بعظم الرابطة وعظم الوحدة بين المسلمين (3).
أما الإجابة عن الأحاديث المتقدمة فكما يلي:
أولاً: إنها معارضة بآيات من القرآن الكريم وبأحاديث قد ورد معظمها في الصحيحين وذلك فيما يتعلق بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولزوم جماعة المسلمين.--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود: انظر سنن أبي داود (4/ 122) رقم الحديث (4338) رواه الترمذي في سننه انظر (4/ 322) ورواه أحمد في مسنده انظر (1/ 2 - 5 - 7) ورواه ابن ماجه في سننه انظر (2/ 484) رقم الحديث (4069).
(2) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (2/ 7/ 63).
(3) انظر تفسير القرطبي (5/ 156).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)

ثانيًا: أنه يمكن الجمع بين الأدلة الدالة على جواز الاعتزال وبين أدلة المنع عن الاعتزال بأن الاعتزال يجوز عند توفر أحد الأسباب الآتية:
السبب الأول: عدم معرفة صاحب الحق من صاحب الباطل.
فيجوز الاعتزال عندما يتعذر على الإنسان المسلم معرفة صاحب الحق من صاحب الباطل، ففي حالة التباس الأمر عليه يجوز له اعتزال المتخاصمين كما فعل بعض الصحابة رضي الله عنهم فقد اعتزل سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة أثناء الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهم والسبب في ذلك عدم وضوح الدليل مع أحد الطرفين المتنازعين في نظرهما، فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: عندما أمره رجل بالقتال بدعوى أنهم بغاة فقال: لا أدري من هي الفئة الباغية؟ ولو علمنا ما سبقتني أنت ولا غيرك إلى قتالها (1) اهـ.
أما إن استبان له الحق والصواب فالجمهور متفقون على منع الاعتزال زمن الفتنة لما يترتب على ذلك من خذلان أهل الحق وتقوية أهل الباطل ويستدلون على ذلك بفعل بعض الصحابة رضي الله عنهم الذين اشتركوا في القتال في موقعة الجمل وصفين، وبفعل خزيمة (2) بن ثابت رضي الله عنه حيث كان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان لا يقاتل فلما قتل عمار قاتل حينئذ وحدث بحديث «يقتل عمارًا الفئة الباغية» (3).
السبب الثاني: فقدان القدرة القولية أو الفعلية على إظهار الحق وقمع--------------------------------------------
(1) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل علي بن أحمد بن حزم (4/ 171).
(2) هو خزيمة بن ثابت بن ثعلبة الأنصاري يكنى أبا عمارة وهو ذو الشهادتين جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته عن شهادة رجلين شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر الجمل وصفين مع علي ولم يقاتل حتى قتل عمار وقاتل وقتل سنة (37) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (2/ 114، 115).
(3) انظر فتح الباري (13/ 42، 43).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)

الباطل، فيجوز للإنسان الاعتزال إذا لم يكن لديه القدرة القولية أو الفعلية على إظهار الحق وقمع الباطل، وذلك بموجب الأعذار الشرعية، لا بموجب هوى النفس ورغبتها (1) قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) [البقرة: 286].
السبب الثالث: إذا تيقن الإنسان أنه ليس له أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك.
فيجوز للمسلم أن يعتزل مواجهة الكفار وأن يمسك عن محاربتهم حتى تحين الفرصة المناسبة لذلك، كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد في مكة حتى صار له شوكة وأنصار بالمدينة، فإذا وجد الأنصار وإن قلوا وجب التناصر بينهم، ولا يصح ترك أحدهم للآخر بلا نصرة أو معونة طلبا للراحة وإيثارا للسلامة لأن ذلك مما يتعارض مع المبادئ العامة لرسالة الإسلام (2).
ولذلك أجمع الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب على الظن عند أهل الحل والعقد في الأمة، أنهم سيقتلون من غير نكاية في أعدائهم، إذا ما أجمعوا على قتالهم، فينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس، لأن المصلحة المقابلة لذلك وهي مصلحة حفظ الدين منتفية الحصول في غلبة الظن (3).
ويقرر عبد العزيز (4) بن عبد السلام حرمة الخوض في مثل هذا--------------------------------------------
(1) انظر مختصر إغاثة اللهفان (80).
(2) انظر فتح الباري (13/ 42، 43) وانظر مختصر إغاثة اللهفان (80).
(3) انظر فقه السيرة د/ محمد سعيد رمضان البوطي (77).
(4) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن القاسم بن الحسن المعروف بـ عز الدين بن عبد السلام ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة من الهجرة وسمع الكثير من العلوم ثم علم جمعا كثيرا من طلاب العلم بدمشق وولي خطابتها ثم سافر إلى مصر مهاجرا بسبب إنكاره على حاكم دمشق فأكرمه صاحب مصر وولاه القضاء والخطابة فيها ثم أنكر الشيخ على الحاكم بعض مواقفه فانتزع منه الخطاية والقضاء وسمح له بالتدريس وتوفي الشيخ العز بن عبد السلام في العاشر من جمادي الأولى سنة ستين وست مائة من الهجرة وقد نيف على الثمانين ودفن في سفح المقطم وحضر جنازته السلطان الظاهر وخلق كثير رحمه الله رحمة واسعة وله من المصنفات التفسير واختصار النهاية، والقواعد الكبرى والصغرى، وكتاب الصلاة والفتاوى الموصلية، وغير ذلك انظر البداية والنهاية لابن كثير (13/ 235) وانظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (5/ 249).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)

الجهاد قائلا: فإذا لم تحصل نكاية وجب الانهزام، لما في الثبوت من فوات النفس، مع شفاء صدور الكفار، وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت في هذه الحال مفسدة محضة، ليس في طيها مصلحة (1) اهـ،.
وتقديم مصلحة النفس هنا ليس خاصا بالنفس فقط كما هو الظاهر بل إن ذلك هو مصلحة الدين أيضا، إذ المصلحة الدينية تقتضي في مثل هذه الحال أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى.
حيث إن هلاكهم يعتبر إضرارًا بالدين نفسه، لأن ذلك سوف يفسح المجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدودا أمامهم من السبل ويحتثوا أهل الإسلام من أساسهم، وخلاصة القول في هذه المسألة أنه لا يجوز للمسلم أن يعتزل المسلمين إلا وفق الشروط الخاصة التي تقدم ذكرها وهو وإن اعتزلهم عمليا لا يعتزلهم شعوريا في جميع تلك الحالات بل الواجب أن يكون مع المسلمين ومع أصحاب الحق منهم خاصة ولو بمشاعره فإن القلب لا سلطان لأحد عليه، كما يجب أن يعمل للإسلام في الميادين المفتوحة أمامه ولو سرا إذا كان الجهر بالدعوة والانتساب إليها مما يترتب عليه ضرر بالدعوة وأصحابها.
فالإسرار بالدعوة سنة عند الحاجة إلى ذلك فنوح عليه السلام دعا قومه سرا وجهرا قال تعالى: (ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) [نوح: 9].--------------------------------------------
(1) انظر قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لعز الدين بن عبد السلام (1/ 95).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)