الفرع الثالث: الاستعانة بسلاح الكفار
إن السلاح سلعة من السلع التجارية التي يجوز للمسلم أن يشتريها من المسلم أو الكافر، ولكن شراء السلاح من الكافر خاصة يجب أن لا يترتب عليه موالاة لأعداء الله أو مودة أو مناصرة لهم، فقد ذُكِرَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن عند صفوان بن أمية أدراعًا وأسلحة، فأرسل إليه - وصفوان يومئذ مشرك - وطلب منه تلك الدروع والأسلحة. فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟! … قال: بل عارية: وهي مضمونة حتى نؤديها إليك. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح (1).
ومما تقدم يتضح لي أن الاستعانة ببعض ممتلكات الكفار كالسلاح وأنواع المعدات والصناعات المختلفة، أمر جائز ولا خلاف بين العلماء في ذلك (2).--------------------------------------------
(1) انظر فقه السيرة د/ محمد سعيد رمضان البوطي ص298.
(2) انظر زاد المعاد لابن قيم الجوزية ج2 ص190 - 192.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 826)
بشرط أن لا يجر ذلك إلى موالاة الكفار أو مودتهم، فنأخذ منهم السلاح بلا مودة أو محبة لهم، مثل ما أنهم يأخذون منا البترول وبقية السلع بأسعار رمزية ومع ذلك يعادوننا ويوالون أعداءنا فضلاً عن أن يقفوا منا موقف المسالم.
فلماذا نركع تحت أقدامهم؟ ونفتح لهم قلوبنا وبلادنا ليفسدوا فيها مقابل قطع من السلاح البالي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع إلا ضد الضعفاء من المسلمين، في الوقت الذي هم يأخذون منا أكثر مما يعطونا ومع ذلك يضمرون لنا الحقد والكراهية والمكر والاستغلال، فإذا كنا لا نستطيع أن نستغني عن أسلحتهم وصناعاتهم في الوقت الحاضر، فلا أقل من أن نستغني عن محبتهم ومودتهم في حال كفرهم بالله، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أسوتنا وقدوتنا في الحياة أخذ من صفوان بن أمية السلاح وهو في مركز القوة والاستعلاء ولم يتعامل معه بصورة المستجدي الضعيف، وهكذا يجب أن نتعامل مع الأعداء.
ولكن الحاصل في وقتنا الحاضر أن كثيرًا من الدول المنتسبة إلى الإسلام، إذا عقدت صفقة من الأسلحة مع إحدى الدول الكافرة، بادرت إلى إرسال مئات الشباب بحجة التدريب على هذه الأسلحة، فيعود أولئك المتدربون آلات تدير آلات، قد حطمت عقيدتهم ومسخت أخلاقهم وزرع في قلوبهم حب الكفر وبغض الإسلام، فيعودون أعداء لأمتهم وقوتهم ودينهم، فماذا استفادت الأمة من ذلك، اشترت السلاح من الأعداء ودفعت بالأيدي التي سوف تدير السلاح إلى العدو كي يصنعهم على عينه وهواه، فأصبحت الجيوش في معظم البلاد الإسلامية بمثابة قواعد عسكرية للأعداء، ولذا فإنه من الملاحظ على عامة الجيوش في البلاد الإسلامية أنها تقف دومًا في حماية الطغاة والمستبدين، وتزداد جرأة وشجاعة عندما يكون خصومها من المسلمين العزل، فصارت حالة المسلمين مع جيوشهم كحال القائل:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 827)
أعلمه الرماية كل يوم … فلما اشتد ساعده رماني
وقد يسأل سائل ما هو البديل عن ذلك؟
والجواب كما يأتي في قضية الابتعاث (1) هو الاهتمام بنوعية الأفراد ونوعية التكوين الثقافي للأفراد بحيث يتم تحصين الأفراد علميًا وخلقيًا وفكريًا ضد مخططات الأعداء ومقاصدهم الخبيثة.
كما أنه يمكن استقدام الخبراء اللازمين للتدريب على الأسلحة لفترة محدودة وتحت إشراف دقيق يتم فيه توجيه الخبراء والمتدربين لتحقيق الهدف المنشود من شراء الأسلحة والتدريب عليها، وبذلك نضمن في أقل الأحوال سلامة الأفراد من أن ينفرد بهم الكفار، فيسيطروا على عقلياتهم وأخلاقهم سيطرة تامة كما هو حاصل في وقتنا الحاضر من معظم البلاد الإسلامية.
وإذا كانت بعض دول الكفر تحتكر أنواعًا من الأسلحة فلا تبيعها إلا بثمنين:
الثمن الأول: هو الموالاة لها على كفرها بالقول والفعل.
الثمن الثاني: هو نهب خيرات البلاد والعباد مقابل عدد من قطع السلاح التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فإن واجب المسلمين أن يرفضوا التعامل بمثل تلك الصورة التي تنطوي على استذلال الكفار للمسلمين، وأن يتعامل المسلمون مع الكفار من مركز القوة والعزة والأنفة والإباء قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (2) فلا يجوز موالاة الكفار مقابل السلاح أو غيره. فلا يوالي الكفار من أجل سلاحهم أو الدخول في حمايتهم، أو قتالهم معه، إلا منافق ظاهر النفاق قال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا--------------------------------------------
(1) انظر ص787 - 813 من هذه الرسالة.
(2) سورة المنافقين آية (8).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 828)
دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (1).--------------------------------------------
(1) سورة المائدة آية (52).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 829)
المبحث الخامس: موالاة الكفار في الحقوق الجنائية
1 - الفرع الأول: قتل المسلم بالكافر.
2 - الفرع الثاني: إهانة المسلم بما دون القتل تكريمًا للكافر.
3 - الفرع الثالث: الستر على جواسيس الكفار وحماية مجرميهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 831)
الفرع الأول: قتل المسلم بالكافر
إن موالاة ومناصرة المسلم لأخيه المسلم واجب شرعي، بشرط أن لا يترتب على ذلك معصية أو تعطيل حكم شرعي من أحكام الله، ولما كان قتل المسلم بالكافر يوحي بموالاة الكافر ومناصرته ضد المسلم، فقد وضحت السنة النبوية هذا الجانب، وتحدث الفقهاء عنه بما لا يتطلب زيادة لمستزيد.
فقد أجمع الفقهاء على أن المسلم لا يقتل بالكافر الحربي (1). أما إذا كان ذميًا أو مستأمنا فقال جمهور الفقهاء بعدم القتل أيضًا (2). وقد استدلوا بحديث «وأن لا يقتل مسلم بكافر» (3) وحديث «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، ومن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة--------------------------------------------
(1) انظر فتح الباري ج12 ص261 (كتاب الديات).
(2) بداية المجتهد/ محمد بن أحمد القرطبي ج2 ص399.
(3) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج12 ص261.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 833)
والناس أجمعين» (1) وروي أيضًا عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقتل مؤمن بكافر» (2).
ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يقتل مسلم بكافر سواء كان الكافر ذميًا أو معاهدًا، أما المحارب فلا خلاف فيه حيث إنه ليس له أي شبهة تجعل قتله ممنوعًا أو مؤاخذًا عليه، واستدل الجمهور على قولهم بأنه لا يجوز قتل المسلم بالكافر بالأدلة التالية:
1 - إن من شروط القصاص المساواة، ولا مساواة بين المسلم والكافر فالإسلام ينبوع الكرامة، والكفر ينبوع الهوان، قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) (3).
2 - إن في إباحة دم الذمي والمستأمن شبهة قائمة لوجود الكفر المبيح للدم وعقد الذمة والعهد شيء عارض منع القتل مع بقاء العلة فمن الوفاء بالعهد أن لا يقتل المسلم ذميًا أو معاهدًا، فإن حصل القتل لم يتجه القول إلى القود، لأن الشبهة المبيحة لقتله موجودة ومع قيام الشبهة لا يلزم القول بالقود.
ولأن عصمة الدم وإيجاب القود على القاتل مشروط بالإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (4) فذكر أن عصمة الدم هو الإسلام، وعليه فالكافر غير معصوم الدم فلا يقتص بالمسلم منه.
وخالف في ذلك الأحناف فقالوا يقتل المسلم قصاصًا بالذمي دون--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود. انظر بداية المجتهد ج2 ص399.
(2) أخرجه أبو داود. المصدر السابق نفس المكان.
(3) سورة الحشر آية (20).
(4) رواه مسلم انظر صحيح مسلم ج1 ص52، 53.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 834)
المستأمن (1) وقد استدلوا بأدلة منها عموم آيات القصاص مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) (2). وقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (3). وقوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) (4) من غير فصل بين قتيل وقتيل ونفس ونفس ومظلوم ومظلوم.
ومن أدلتهم ما روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن البيلماني أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد مسلمًا بذمي وقال: «أنا أحق من وفى بذمته» (5) وقد ضعف البيهقي هذه الرواية (6).
وقال الجمهور: إن هذا الحديث لو ثبت لكان منسوخًا، نظرًا إلى أنه كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية، وحديث «لا يقتل مؤمن بكافر» كان يوم الفتح (7).
وقال الأحناف أيضًا: إن حديث «وأن لا يقتل مسلم بكافر» يراد به غير المعاهد حيث إنه لفظ عام قد ورد ما يخصص المعاهد منه، وقد رجح هذا القول عبد القادر عودة (8)، واستدل الأحناف أيضًا أن المسلم تقطع يده إذا سرق مال الذمي، فوجب قتله إذا قتل، لأن حرمة دمه أعظم من حرمة ماله (9).
وقد أجاب الجمهور بأن ذلك قياس حسن لولا النص على عدم قتل--------------------------------------------
(1) انظر فتح الباري ج12 ص261.
(2) سورة البقرة آية (178).
(3) سورة المائدة آية (45).
(4) سورة الإسراء آية (33).
(5) انظر أحكام القرآن للجصاص ج1 ص141.
(6) انظر السنن الكبرى للبيهقي ج8 ص30 - 34.
(7) انظر التشريع الجنائي الإسلامي/ عبد القادر عودة ج1 ص339.
(8) انظر أحكام القرآن للجصاص ج1 ص144.
(9) انظر فتح الباري ج12 ص262.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 835)
المسلم بالكافر، وقالوا إن السرقة حق لله، ومن ثم لو أعيدت السرقة بعينها لم يسقط الحد ولو عفا المسروق منه، بخلاف القتل، والقصاص في القتل يشعر بالمساواة، ولا مساواة بين المسلم والكافر بخلاف القطع في السرقة فلا يشترط له المساواة.
ولا نريد أن نسترسل في مناقشة أدلة الطرفين مما قد يخرج بنا عن مقصود الرسالة في تحديد العلاقة والمعاملة بين المسلم الجاني والكافر المجني عليه في دار الإسلام، وما يجب أن يعرفه ويتخذه كل مسلم كي يحدد موقفه من ذلك بما يتفق مع نظرة الإسلام في هذه القضية، وخلاصة القول في ذلك هو أن المسلم إذا قتل ذميًا أو معاهدًا، فينظر الحاكم المسلم والقاضي المسلم إلى الدوافع والأسباب التي دفعت إلى القتل هل هي في صالح الإسلام والمسلمين أم لمصالح شخصية ومنافع مادية، ثم ينظر كذلك إلى الذمي والمستأمن هل كانا قائمين بما يجب عليهما محافظين على العقد والعهد أم لا؟
فالذي يجب على المسلم القاتل للذمي أو المستأمن ليس حد قصاص وإنما هي عقوبة تعزيرية، تخضع للسياسة الشرعية (1).
فللحاكم المسلم العدل أن يعزر القاتل تعزيرًا بما دون القتل، وأن يعامله بما هو أخف من ذلك مثل معاملة الكفار للكافر إذا قتل مسلمًا، فغالب أحوالهم لا يوجبون القصاص على الكافر إذا قتل المسلم، فمن باب المعاملة بالمثل يترجح عدم جواز قتل المسلم بالكافر، عملاً بقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (2).
وإن كان الإسلام لا يبيح مجاراة الكفار في ظلمهم وغطرستهم بصفة عامة.--------------------------------------------
(1) انظر السياسة الشرعية لابن تيمية ص146.
(2) سورة النحل آية (126).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 836)
ومما تقدم يتضح أن قتل المسلم بالكافر ليس حدًا لا تصح الزيادة فيه أو النقص منه، ولذلك عارض جمهور العلماء مسألة القصاص في قتل المسلم بالكافر، للحديث الصحيح في ذلك «وألا يقتل مسلم بكافر» (1) والمرتد عن الإسلام كافر من جنس الكفار، فالذي ينتمي إلى الأحزاب الشيوعية، أو الأحزاب البعثية، أو الأحزاب الاشتراكية، أو المنظمات الماسونية، فإنه كافر ومرتد لخروجه من حزب الله إلى أحزاب الكفر والضلال، ولذلك لو قتل المسلم واحدًا ممن ينتمون إلى تلك الأحزاب الكافرة، فإنه لا يعاقب باعتباره قاتلاً عمدًا سواء قتل المرتد قبل الاستتابة أو بعدها، لأن كل جناية على المرتد هدرًا ما دام باقيًا على ردته (2).
ولكن للأسف الشديد ونظرًا لغياب الحكومة الإسلامية الحقة فإن المسلم اليوم لو قتل جاسوسًا من جواسيس اليهود والنصارى أو راهبًا من رهبانهم الذين ينشرون الفساد والإلحاد في بلاد الإسلام لأخذته السلطات الدخيلة على الإسلام والمسلمين، بالنواصي والأقدام، ولقتلته بهذا الكافر المحارب لله ورسوله والمؤمنين، وكذلك الشأن لو قتل المسلم شيوعيًا ينكر وجود الله ثم اقتيد إلى إحدى المحاكم التي يتربع على مقاعدها بعض القضاة الذين لا هم لهم إلا التكسب والأجر الزهيد، لحاولوا بشتى الوسائل وبالشاذ من الأقوال أن يحققوا رغبة الحاكم في قتل المسلم بالكافر المرتد عن الإسلام، وهذا ليس من قبيل الادعاء والتجني، بل هو الواقع، فعندما قتل أحد دعاة الشيوعية بالمغرب بأيدي مجهولة، عمدت السلطة إلى إلصاق التهمة بالمخلصين من المسلمين، وأجرت لهم، أو للبعض منهم محاكمات صورية كان من نتائج ذلك الحكم بالسجن المؤبد على بعضهم والبعض--------------------------------------------
(1) رواه البخاري، انظر فتح الباري ج12 ص261 وصححه كذلك بعد تنقيح جميع طرقه، وتخريج الأحاديث المعارضة له في اللفظ والمعنى الشيخ ناصر الدين الألباني، حيث يرى وجوب العمل به وضعف ما ذهب إليه الحنفية من جواز قتل المسلم بالكافر بعد تضعيفه لجميع الروايات التي يحتجون بها. انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ج1 ص473 - 476.
(2) انظر التشريع الجنائي الإسلامي/ عبد القادر عودة ج1 ص534 - 535.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 837)
الآخر شبه مؤبد، والبعض أودع السجن من خمس سنوات وهو لم يحاكم حتى محاكمة مزيفة (1).
كل ذلك إكرامًا للشيوعية والشيوعيين أعداء الإسلام والمسلمين. إلا أنها ردة لا أبا بكر لها!!!
وحتى لا يتوهم أحد أن الإسلام يشجع على سفك دماء الغير بدون سبب مباح نقول: إن الإسلام عندما خفف العقوبة من القتل إلى ما هو دون ذلك، إنما نظر إلى شبهة الكفر المانعة من تكافؤ دم المسلم مع دم الكافر ولكن يجب على المسلم القاتل للذمي والمستأمن عقوبة تعزيرية في الدنيا إذا كان الذمي والمستأمن ملتزمين بما يجب عليهما نحو الإسلام والمسلمين فقد وعد الله عز وجل من اعتدى على قتل معاهد سواء كان ذميًا أو مستأمنًا بحرمانه من الجنة، إذا لم يتب عن ذنبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا» (2).
وهذا من حماية الإسلام للمعاهد الملتزم بالعهد سواء كان يهوديًا أو نصرانيًا، إذا كان في دار الإسلام، وقد روي أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا من قتل نفسًا معاهدة لها ذمة الله ورسوله، فقد خفر ذمة الله، ولا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين خريفًا» (3).
وهذان الحديثان يستدل بهما من يرى عدم جواز القصاص من المسلم--------------------------------------------
(1) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (34) السنة التاسعة في 30/ 3/1399هـ. ص17 وعدد (485) السنة الحادية عشرة في 3/ 8/1400. ص604، وعدد (481) السنة الحادية عشرة في 5/ 7/1400هـ ص13، ص16 - 18.
(2) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج12 ص259.
(3) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. انظر سنن الترمذي ج2، ص429، (باب الديات) رقم الحديث (1424).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 838)
بالكافر، للاقتصار في أمره على الوعيد الأخروي دون الدنيوي (1). وقد رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مختصر الفتاوى المصرية (2).
والذي يظهر لي أن الأولى عدم جواز قتل المسلم بالكافر أيا كان نوع الكافر للحديث الصحيح الوارد في ذلك ولعدم تكافؤ المسلم مع الكافر بسبب الكفر، وإن كان هذا الموضوع بجملته من العقوبات التعزيرية التي هي متروكة للحاكم والقاضي إذا كانا عدلين مسلمين فلهما النظر في ذلك من منظار السياسة الشرعية، وما يحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين ولكن أين من ينظر إلى مثل هذه الموضوعات من الحكام والقضاة بمنظار الإسلام؟
فلا حول ولا قوة إلا بالله.--------------------------------------------
(1) انظر فتح الباري ج12 ص260.
(2) انظر مختصر الفتاوى المصرية/ ابن تيمية ص465.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 839)
الفرع الثاني: إهانة المسلم بما دون القتل دفاعًا عن الكافر
ذكرنا فيما سبق حكم القصاص من المسلم إذا قتل كافرًا وبينا الحكم والراجح في ذلك، وفي هذا الفرع نتناول مسألة اعتداء المسلم على الكافر بما دون القتل، من لطم أو شجاج أو تجريح بالكلام أو نحو ذلك، وهل يجب على المسلم القصاص أو التعزير كما لو اعتدى على مسلم مساو له سواء بسواء؟ أم أن التعدي على الكافر ينظر إليه باعتبار آخر لما فيه من صفة الكفر؟
والجواب على ذلك أن اعتداء المسلم على الكافر الذمي أو المستأمن من أجل مصلحة دنيوية أو حقوق مادية موجب للقصاص والتعزير على العقوبات التي تدخل في هذا الباب. وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة حيث يرى أن المسلم والكافر يكافئ بعضهم البعض الآخر ما دام الكافر معصوم الدم بعهد أو أمان.
إلا أنه يرى القصاص مطلقًا، أما الشافعي وأحمد فيرون القصاص فيما دون النفس فقط. وخالف في ذلك الإمام مالك حيث يرى أنه لا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 840)
قصاص بين المسلم والكافر حتى فيما دون القتل فلو قطع مسلم يد كافر فلا يقتص من المسلم لانعدام التكافؤ، لأن القصاص فيما دون النفس يقتضي المساواة بين الطرفين ولا مساواة بين المسلم والكافر (1).
أما إذا اعتدى المسلم على الكافر الذمي أو المستأمن بسبب تطاولهما على الله ورسوله ودين الإسلام، فقام المسلم بتغيير ما صدر منهم من المنكر بالقول أو الفعل أو بهما معًا، وأدبهم على ذلك بضرب ونحوه وهو غير متجاوز في العقوبة ما يجب عليهم أصلاً من عقوبة تجاه هذا المنكر فإن المسلم في هذه الحالة لا يعاقب على ما صدر منه بحق الذمي أو المستأمن، ما دام أن ما صدر منه إنما كان بدافع تغيير المنكر الذي رآه بيده، فإن من حق كل مسلم أن يغير المنكر الذي يراه بيده أو قوله أو بقلبه عند أضعف درجات الإيمان، كما ورد في صحيح مسلم «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان» (2). سواء كان هذا المنكر صادرًا من مسلم أو معاهد أو ذمي، ما دام هذا المنكر غير مباح أصلاً في حق المعاهد أو الذمي كشرب الخمر أو أكل لحم الخنزير، فإنه ليس من حق المسلم أن ينكر على هؤلاء مثل ذلك الشيء الذي يرونه مباحًا في دينهم، ما لم يجاهروا بهذه المحرمات ويتحدوا بها مشاعر المسلمين.
أما ما عدا ذلك من المحرمات عند أهل الكتاب، فإن المسلم ينكر على المعاهد والذمي كما ينكر على المسلمين سواء بسواء، ولو اقتضى الأمر تأديبهم بالفعل أو القول - دون تعدٍ - فلا قصاص عليه ولا تعزير والدليل على ذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قَد لُطِمَ وجهه فقال: يا محمد. إن رجلاً من أصحابك من الأنصار قد لطم وجهي. فقال: ادعوه، فدعوه، فقال:--------------------------------------------
(1) انظر التشريع الجنائي الإسلامي/ عبد القادر عودة ج2 ص215.
(2) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج1 ص69 (كتاب الإيمان) باب النهي عن المنكر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 841)
ألطمت وجهه؟ قال: يا رسول الله، إني مررت باليهود فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، قال فقلت: أعلى محمد صلى الله عليه وسلم قال فأخذتني غضبة فلطمته. قال: لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جزى بصعقة الطور (1). فلم يقتص الرسول صلى الله عليه وسلم للذمي من المسلم وهذا دليل على أن المسلم لما كان الدافع إلى فعله هو الغيرة لله ولرسوله وكان الذمي متعد بموجب عقد الذمة الذي يلزم أهل الذمة بعدم قول أو فعل أي شيء فيه انتقاص لله ولرسوله ودين الإسلام، كان ذلك مسقطًا للجزاء على المسلم، وفي هذا الحديث دليل على أن الذمي أو المعاهد إذا أقدم على ما فيه انتقاص الإسلام والمسلمين جاز للمسلم المعروف بالعلم والعدالة تعزيره على ذلك، إذا كان الموقف لا يحتمل تأجيل ذلك ورفعه إلى الإمام، ولا عقوبة عليه في ذلك (2) ولكن ذلك لا يعني جواز ظلم المعاهد أو التعدي عليه بغير حق فقد ورد في الحديث «ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» (3). وهذا يدلنا على حسن رعاية الإسلام لحقوق غير المسلمين إلا عند إساءتهم للإسلام والمسلمين فحينئذ تسقط الحصانة عنهم، ويعاملون معاملة المحاربين للإسلام والمسلمين.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج12 ص263.
(2) انظر فتح الباري ج12 ص263 وانظر التشريع الجنائي الإسلامي عبد القادر عودة ج1 ص505 - 511.
(3) أخرجه أبو داود والبيهقي - انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني م1 ص185 رقم الحديث (446).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 842)
الفرع الثالث: الستر على جواسيس الكفار وحمايتهم
إن من موالاة الكفار ومناصرتهم، ما تقوم به بعض الدول والأفراد من 3مساعدة جواسيس الكفار وحمايتهم، واستقدامهم بصورة مختلفة وطرق متباينة ليعبثوا بأرض المسلمين فسادًا، وليتخذوا بها أوكارًا ومرابض يفرخون من خلالها للأحزاب الكافرة والدعوات الهدامة، وينقلوا ما في المجتمع المنتسب إلى الإسلام من سلبيات وتناقضات لاستغلالها في حرب الإسلام وأهله بالطرق المختلفة.
وهؤلاء الذين يؤون جواسيس الكفار ويتسترون عليهم حكمهم حكم هؤلاء الكفار لأن المعين على الشيء له حكم المباشر له (1). ولقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (2) وقد اتفق العلماء على وجوب قتل الجاسوس المشرك (3)، وقد نقل ابن العربي القول بقتل الجاسوس المسلم--------------------------------------------
(1) انظر الفتاوي لابن تيمية ج35 ص91.
(2) سورة المائدة آية (51).
(3) انظر فتح الباري ج6 ص169.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 843)
الذي يتجسس على المسلمين لصالح الكفار، ورجح ذلك حيث قال: «وهو الصحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض» (1).
ومن هؤلاء الذين يتسترون على جواسيس الكفار الرئيس السوري - حافظ النصيري - فقد عفا وأطلق سراح ثلاثة وعشرين جاسوسًا لليهود في سوريا. بينما قتل في ساعة واحدة ألف نفس أو تزيد في سجن تدمر الصحراوي من خيرة المسلمين في سوريا.
إن حافظ النصيرية ليس محسوبًا أصلاً على الإسلام عند المسلمين الحقيقيين، ولكن هناك من يواليه وينصره بالقول والفعل ويتستر على جرائمه وهو يفعل باليهود هذا الفعل، ويفعل بالمسلمين ذاك الفعل، ومع ذلك يعتقد من يواليه وينصره أنه قائم على الصراط السوي، وسائر على الطريق المستقيم، رغم تلك الجرائم البشعة التي يندى لها الجبين.
وفي معظم البلاد الإسلامية تجد عملاء وجواسيس اليهود والنصارى والشيوعيين يسرحون ويمرحون بكل حرية وطلاقة في عرض البلاد الإسلامية وطولها، بعلم من السلطات الحاكمة أو بغير علم، وحتى لو اكتشف بعض الأنظمة الحاكمة في البلاد الإسلامية، شبكة تجسس من هذا القبيل لاكتفت بالنفي لهؤلاء خارج بلادها، بينما لو وقع في يدها فرد أو جماعة تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لاعتبر ذلك خيانة عظمى يستحق أصحابها أن يعلقوا على أعواد المشانق ويودعوا في غياهب السجون عشرات السنين.
فيا ترى هل مثل هؤلاء يقيمون للموالاة في الله والمعاداة فيه أي وزن أو تقدير؟
رحمتك اللهم يا رب، ولا حول ولا قوة إلا بك.--------------------------------------------
(1) انظر أحكام القرآن لابن العربي ج4 ص1770 - 1772.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 844)
المبحث السادس: موالاة المسلم للكفار في بلادهم
سنتناول هذا المبحث في فرعين هما:
1 - الفرع الأول: موالاة الكفار في السفر إليهم والإقامة بينهم.
2 - الفرع الثاني: موالاة الكفار في العمل لديهم وتحت ولايتهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 845)
الفرع الأول: موالاة الكفار في السفر إليهم والإقامة بينهم
يختلف حكم السفر والإقامة بدار الكفار تبعًا لاختلاف النية والمقصد الباعث على السفر والإقامة عند الكفار، فقد ورد في الحديث الصحيح «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (1). والنية إنما تدل عليها الأعمال الظاهرة، فإن كانت الأعمال الظاهرة حسنة والنية حسنة فالعمل حسن، وإن كانت النية سيئة فالعمل سيئ ولو حسن العمل في الظاهر لأنه يدخل حينئذ في باب النفاق.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «الإقامة في كل بلد تكون لأسباب فإذا كانت في موضع يكون فيه أطوع لله ورسوله، وأفعل للحسنات والخير، بحيث يكون المسلم أعلم بذلك وأقدر عليه، وأنشط له، فهي أفضل من الإقامة في موضع يكون حاله فيه في طاعة الله ورسوله دون ذلك» (2). اهـ. ومن ذلك نستدل على أن الإقامة في بلد - ما - أمر نسبي--------------------------------------------
(1) رواه البخاري ومسلم: انظر جامع العلوم والحكم/ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ص5.
(2) انظر مجموع الفتاوى/ ابن تيمية ج27 ص39.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 847)
يتعلق بنية الشخص نفسه، والظروف المحيطة به، فقد تكون إقامة المسلم في أرض يسود بها الضلال ويستعلي بها الكفر، أفضل إذا كان مجاهدًا في سبيل الله، داعيًا إلى منهج الله بقوله وفعله من إقامته في أرض كل أهلها من الناس الصالحين الطيبين (1).
ولذلك يمكن تقسيم السفر والإقامة بين الكفار إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: مَنْ سفره مأمور به شرعًا وصاحبه مجاهد في سبيل الله حتى يرجع وذلك إذا كان الذهاب إلى الكفار بقصد الدعوة إلى الله، أو تعلم ما هو وسيلة إلى مرضاة الله وخذلان أعدائه. ودليل هذا النوع سفر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف يعرض الإسلام عليهم، وكانت كلها دار كفر في ذلك الوقت، فلم يمنعه ذلك من السفر إليها والإقامة بينهم بعض الوقت. وكذلك بعث الرسول صلى الله عليه وسلم بالرسل إلى ملوك أهل الأرض ومن حولهم وهم كفار، فقد بعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس ودحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر - وهو هرقل - ملك الروم، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر، وشجاع بن وهب بن أسد بن خزيمة إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك عرب النصارى، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك النصارى بالحبشة وهو أصحمة بن الحر (2).
فهؤلاء الأشخاص الذين يستحب لهم الذهاب إلى الكفار يشترط فيهم أن يكونوا عارفين لدينهم بأدلته الشرعية. متمسكين بعقيدتهم مأمونًا عليهم في ظاهر حالهم من الوقوع في الفتنة، قاصدين من سفرهم وسكناهم مع الكفار إظهار دين الله والدعوة إليه، ومعرفة ما يعينهم على ذلك.
القسم الثاني: من أقسام السفر والإقامة مع الكفار ما يكون مباحًا.--------------------------------------------
(1) انظر الابتعاث ومخاطره/ محمد بن لطفي الصباغ ص12.
(2) انظر البداية والنهاية/ لابن كثير ج4 ص180.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 848)