حَفَّ شَارِبَهُ ، وَأَظُنُّهُ قَدِ اشْتَرَى كُتُبًا وَتَعَبَّأَ لِلْفُتْيَا ، فَذَكَرُوا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ ، فَقَالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ ، وَلَيْسَ يَسْوُونَ شَيْئًا ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي. قَالَ: أَنَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قُلْتُ: إِيشْ تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ وَرَفَعْتَ يَدَيْكَ؟ فَسَكَتَ ، فَقُلْتُ: فَإِيشْ تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا وَضَعْتَ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ؟ فَسَكَتَ ، قُلْتُ: إِيشْ تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدْتَ؟ فَسَكَتَ ، قُلْتُ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي؟ أَنْتَ إِنَّمَا قِيلَ لَكَ: تُصَلَّى الْغَدَاةُ رَكْعَتَيْنِ ، وَالظُّهْرُ أَرْبَعًا ، فَالْزَمْ ذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَذْكُرَ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ ، فَلَسْتَ بِشَيْءٍ وَلَا تُحْسِنُ شَيْئًا " فَهَذَا الْمَذْكُورُ مَثَلُهُ فِي الْفُقَهَاءِ كَمَثَلِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِمَّنِ انْتَسَبَ إِلَى الْحَدِيثِ وَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ مِنْهُ غَيْرُ سَمَاعِهِ وَكُتُبِهِ ، دُونَ نَظَرِهِ فِي أَنْوَاعِ عِلْمِهِ. وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ فِيهِ الْمُتَخَصِّصُونَ بِهِ فَهُمُ الْأَئِمَّةُ الْعُلَمَاءُ ، وَالسَّادَةُ الْفُهَمَاءُ ، أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْمَرْتَبَةِ الرَّفِيعَةِ ، حَفِظُوا عَلَى الْأُمَّةِ أَحْكَامَ الرَّسُولِ ، وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْبَاءِ التَّنْزِيلِ ، وَأَثْبَتُوا نَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ ، وَمَيَّزُوا مُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ ، وَدَوَّنُوا أَقْوَالَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَفْعَالَهُ ، وَضَبَطُوا عَلَى اخْتِلَافِ الْأُمُورِ أَحْوَالَهُ ، فِي يَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ ، وَقُعُودِهِ وَقِيَامِهِ ، وَمَلْبَسِهِ وَمَرْكَبِهِ ، وَمَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ ، حَتَّى الْقُلَامَةِ مِنْ ظُفْرِهِ مَا كَانَ يَصْنَعُ بِهَا ، وَالنُّخَاعَةِ مِنْ فِيهِ كَيْفَ كَانَ يَلْفِظُهَا ، وَقَوْلِهِ عِنْدَ كُلِّ فِعْلٍ يُحْدِثُهُ ، وَكَذَا كُلُّ مَوْقِفٍ يَشْهَدُهُ ، تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ صلى الله عليه وسلم ، وَمَعْرِفَةً بِشَرَفِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ ، وَعُزِيَ إِلَيْهِ ، وَحَفِظُوا مَنَاقِبَ صَحَابَتِهِ ، وَمَآثِرَ عَشِيرَتِهِ ، وَجَاءُوا بِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَمَقَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ ، وَلَوْلَا عِنَايَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِضَبْطِ السُّنَنِ وَجَمْعِهَا وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ مَعَادِنِهَا وَالنَّظَرِ فِي طُرُقِهَا ، لَبَطَلَتِ الشَّرِيعَةُ ، وَتَعَطَّلَتْ أَحْكَامُهَا ، إِذْ كَانَتْ مَسْتَخْرَجَةً مِنَ الْآثَارِ الْمَحْفُوظَةِ ، وَمُسْتَفَادَةً مِنَ السُّنَنِ الْمَنْقُولَةِ ، فَمَنْ عَرَفَ لِلْإِسْلَامِ حَقَّهُ وَأَوْجَبَ لِلدِّينِ حُرْمَتَهُ ، أَكْبَرَ أَنْ يَحْتَقِرَ مَنْ عَظَّمَ اللَّهُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)