قَوْلُهُ {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33] ، فَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الْبَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِالْقَوْلِ» ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: 33] ، لَمْ يُسْجَنْ هَذَا، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَتَبَهُ عَلَى يُوسُفَ صلى الله عليه وسلم أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ؛ لِأَنْ لَا يُسْبَقَ إِلَى الْأَوْهَامِ أَنَّ لُبْثَهُ فِي السِّجْنِ كَانَ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى ذَنْبٍ، أَوْ مُعَاتَبَةً عَلَى تَقْصِيرٍ، وَلَكِنْ عَلَى اخْتِيَارٍ مِنْهُ، وَأَنَّهُ آثَرَ أَلَمَ نَفْسِهِ وَعَنَاهَا عَلَى ارْتِكَابِ مَا رُووِدَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عز وجل، فَهُوَ تَشَكُّرٌ مِنْهُ وَإِظْهَارُ فَضْلِهِ عليه السلام، وَلُبْثُهُ فِي السِّجْنِ مُدَّةَ مَا لَبِثَ رِفْعَةٌ لَهُ، وَإِظْهَارُ شَرَفِهِ، وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهِ، وَارْتِفَاعُ دَرَجَتِهِ، فَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنِ ابْتُلِيَ بِالرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَالْعُبُودِةِ إِذَا قَصَّرَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَأَيُّوبُ عليه السلام حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْبَلَاءِ، وَسُلَيْمَانُ عليه السلام حُجَّةٌ عَلَى الْمُلُوكِ ، وَلَيْسَ مَا جَرَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَلَا وَمَا ابْتُلِيَ بِهِ الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ مِنَ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا عُقُوبَاتٍ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُحَفٌ وَهَدَايَا وَخِلَعٌ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبًّا، وَسَجَّهُ سَجًّا» وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا» ، يَصْرِفُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ إِلَى الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ وَالتَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَلْبَثَ يُوسُفُ عليه السلام فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ، فَيَجُوزُ مَعْنَاهُ لَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا الْحَقُّ عز وجل مَا لَبِثَ يُوسُفُ عليه السلام مَا لَبِثَ ، لِقَوْلِهِ عز وجل {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} [السجدة: 13] ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْقَوْلِ {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 19] ، وَقَوْلُهُ {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)