يَا عَمْرُو وَامْنَعْهُمَا مِنْ حملِ السَّيْفِ. قَالَ عَمْرٌو: فَفَعَلْتُ. فَبَلَغَهُ أَنَّهُمَا يَنْطِقَانِ فِي الْقَدَرِ، فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: أَعِلْمُ اللَّهَ نَافِذٌ فِي عِبَادِهِ أَوْ مُنْتَقِضٌ(1)؟ قَالَا: بَلْ نَافِذٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَفِيمَ الْكَلَامُ. فَخَرَجَا، ثمَّ بَلَغَهُ أَنَّهُمَا قَدْ أَسْرَفَا(2)، فَقَالَ: مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي تَنْطِقَانِ فِيهِ؟ قَالَا: نَقُولُ مَا قَالَ اللَّهُ عز وجل فِي كِتَابِهِ: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} إِلَى قَوْلِهِ: { … وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان:1 - 3]. ثُمَّ سَكَتَ، فَقَالَ عُمَر، اقْرَأْ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: "يُدخل منْ يشاء في رحمته"، قَالَ: كَيْفَ تَرَى يَا ابْنَ الْأَتَانَةِ(3)؟ تَأْخُذ الْفُرُوعَ، وَتَدَعُ الْأُصُولَ ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ مَرَضِهِ بَلَغَهُ أَنَّهُمَا قَدْ أسرفا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا وَهُوَ مُغْضَب، فَقَالَ: أَلَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِ اللَّهِ - حِينَ أَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسّجُودِ - أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ؟، قَالَ عَمْرو: فَأَوْمَأْتُ إِلَيْهِمَا بِرَأْسِي، قُولَا: نَعَمْ. فَقَالَا: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمَا، وَالْكِتَابُ إِلَى الْأَجْنَادِ بِخِلَافِ مَا قَالَا. فَمَاتَ عُمَرُ قَبْلَ أَنْ تُنَفَّذَ تلك الكتب"(4).
قال أبو عمر الطلمنكي(5): "زعمت المعتزلة(6) الملحدة أن الله لا يضل أحدًا(7) وإن--------------------------------------------
(1) النقض: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء انظر: لسان العرب (7/ 242).
(2) الإسراف: مجاوزة القصد. انظر: لسان العرب (9/ 148).
(3) أي الحمارة. انظر: القاموس المحيط (ص: 1174).
(4) رواه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (ص: 371 - 372)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (23/ 334 - 336) و (38/ 195).
(5) أحمد بن محمد المعافري، الطلمنكي. أبو عمر. المحدث، الحافظ، سبقت ترجمته في الحديث رقم (4).
(6) المعتزلة: نسبة إلى واصل بن عطاء الغزال، - وهو رأس المعتزلة وداعيهم إلى بدعتهم بعد معبد الجهني، وغيلان الدمشقي -.
حيث زعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين. ولما سمع الحسن البصرى من واصل بدعته هذه طرده عن مجلسه فاعتزل عند سارية من سواري مسجد البصرة وانضم إليه قرينه في الضلالة عمرو بن عبيد، فقال الناس يومئذ فيهما: أنهما قد اعتزلا قول الأمة، وسمي أتباعهما من يومئذ معتزلة. وقيل سبب تسميتها: أن الحسن قال له حين ذكر بدعنه هذه: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة. وعُرفوا بأصولهم الخمسة وهي: العدل، والتوحيد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد بالغوا أشد المبالغة في اعتمادهم على العقل وعدم التقيد بالنصوص من الكتاب والسنة، وانغماسهم في الفلسفة اليونانية، حيث استمدوا منها بعض الأفكار ومزجوها بعقيدة المسلمين. مما كان له الأثر في تشعب آرائهم، وحصول الخلاف بينهم، وانقسامهم إلى اثنتين وعشرين فرقة لكل واحدة منها آرائها وأفكرها الخاصة بهم. ومن عقائدهم: نفي الصفات، والقول بخلق القرآن، ونفي القدر، وقولهم باستحالة رؤية الله عز وجل بالأبصار، وأجمعوا على أنه لا يغفر لمرتكب الكبيرة بلا توبة، وغير ذلك من البدع. ومن فرقهم: الواصلية، والهذيلية، والنظامية، والجاحظية، والمويسية، والمجبائية، وغيرهم. انظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للمَلطي (ص: 36)، والفرق بين الفرق (ص: 18 و 94 و 96 و 98)، والملل والنحل (1/ 47 - 48) و (1/ 92)، ومقالات الإسلاميين للأشعري (ص: 582)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق (ص: 52).
(7) يراجع شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص: 345) وما بعدها.
قال أبو عمر الطلمنكي(5): "زعمت المعتزلة(6) الملحدة أن الله لا يضل أحدًا(7) وإن--------------------------------------------
(1) النقض: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء انظر: لسان العرب (7/ 242).
(2) الإسراف: مجاوزة القصد. انظر: لسان العرب (9/ 148).
(3) أي الحمارة. انظر: القاموس المحيط (ص: 1174).
(4) رواه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (ص: 371 - 372)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (23/ 334 - 336) و (38/ 195).
(5) أحمد بن محمد المعافري، الطلمنكي. أبو عمر. المحدث، الحافظ، سبقت ترجمته في الحديث رقم (4).
(6) المعتزلة: نسبة إلى واصل بن عطاء الغزال، - وهو رأس المعتزلة وداعيهم إلى بدعتهم بعد معبد الجهني، وغيلان الدمشقي -.
حيث زعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين. ولما سمع الحسن البصرى من واصل بدعته هذه طرده عن مجلسه فاعتزل عند سارية من سواري مسجد البصرة وانضم إليه قرينه في الضلالة عمرو بن عبيد، فقال الناس يومئذ فيهما: أنهما قد اعتزلا قول الأمة، وسمي أتباعهما من يومئذ معتزلة. وقيل سبب تسميتها: أن الحسن قال له حين ذكر بدعنه هذه: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة. وعُرفوا بأصولهم الخمسة وهي: العدل، والتوحيد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد بالغوا أشد المبالغة في اعتمادهم على العقل وعدم التقيد بالنصوص من الكتاب والسنة، وانغماسهم في الفلسفة اليونانية، حيث استمدوا منها بعض الأفكار ومزجوها بعقيدة المسلمين. مما كان له الأثر في تشعب آرائهم، وحصول الخلاف بينهم، وانقسامهم إلى اثنتين وعشرين فرقة لكل واحدة منها آرائها وأفكرها الخاصة بهم. ومن عقائدهم: نفي الصفات، والقول بخلق القرآن، ونفي القدر، وقولهم باستحالة رؤية الله عز وجل بالأبصار، وأجمعوا على أنه لا يغفر لمرتكب الكبيرة بلا توبة، وغير ذلك من البدع. ومن فرقهم: الواصلية، والهذيلية، والنظامية، والجاحظية، والمويسية، والمجبائية، وغيرهم. انظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للمَلطي (ص: 36)، والفرق بين الفرق (ص: 18 و 94 و 96 و 98)، والملل والنحل (1/ 47 - 48) و (1/ 92)، ومقالات الإسلاميين للأشعري (ص: 582)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق (ص: 52).
(7) يراجع شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص: 345) وما بعدها.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 239)