حدود حرية الفكر في الشريعة الإسلامية (صالح بن زابن المرزوقي البقمي)القسم: الفرق والردود
الكتاب: حدود حرية الفكر في الشريعة الإسلامية
المؤلف: صالح بن زابن المرزوقي البقمي
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، السعودية
الطبعة: الأولى، 2023 م
عدد الصفحات: 69
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 6 جُمادَى الآخرة 1445
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
المقدمة
الحمد لله رب العالمين القائل {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] والقائل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]
والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه(1) وبعد:
فقد اطلعت على مقال منشور في مجلة جون أفريك الفرنسية في عددها 2057 وتاريخ 13/ 6/ 2000 م للكاتب محمد طالبي(2)، والمعنون بـ (كل ما يتضمنه القرآن يدعو إلى حرية الفكر).
وقد تعرض الكاتب لعدد من المسلمات في الشريعة الإسلامية فردّها واستهجنها؛ لأنها على حد زعمه لا تتفق مع حرية الفكر التي ينص القرآن بكل وضوح عليها، ويرى أن الأخذ بما عليه السلف جمود وعبودية.
ومما جاء في المقال المذكور: «إنه لمن المخجل أن يدافع عدد من الدول الإسلامية عن عقوبة الإعدام، ليس فقط لجرائم فظة يكون لها ما يبررها، ولكن أيضاً لجرائم الفكر والضمير» ويقول: «إن كل ما في القرآن يدعو إلى حرية الفكر، وإنه رحمة ورأفة وكل شيء في القرآن يدعو إلى العفو، وكل الشريعة التي هي من عمل الإنسان تركز على استخدام العنف».--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود 4/ 200 من حديث المقدام بن معد يكرب، دار الفكر، تحقيق محمد محيي الدين. وأخرجه الإمام أحمد في المسند، 28/ 410، رقم الحديث (17174)، وابن عبد البر في التمهيد 4/ 149 و 150.
قال الألباني، وشعيب الأرناؤوط إسناده صحيح انظر المسند، تحقيق الأرناؤوط وآخرون، 28/ 410، رقم الحديث (17174)، سلسلة الأحاديث الصحيحة 6/ 2/ 870 و 871.
(2) محمد طالبي وزير سابق في الحكومة التونسية، ثم استوطن فرنسا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
ويقصد بحرية الفكر، حرية التدين بالنسبة للمسلمين، واستشهد بقوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] حيث يستنكر قتل المرتد عن الإسلام، ويقول: «فالتطرف الديني ينتشر بسرعة عندما يهيء الفقر المادي والفكري الظروف الملائمة له، خاصة أن له رعاة أغنياء وكرماء في الوقت الذي لا يملك فيه الإسلام الحديث لا الوسائل ولا المال أو وسائل التعبير».
ويقول: «وقد نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً يدين بصراحة نظام الرعب والظلم الجاثم على المملكة العربية السعودية؛ حيث تطبق الشريعة حرفياً، الأمر الذي يقود إلى تكاثر أحكام الإعدام في كل المجالات؛ جرائم اغتصاب تجارة المخدرات، والردة بالطبع».
ويقول (فالسنة التي يجب التحقق من صحتها نسبة لكثرة التفاسير، هي شيء قابل للطعن في صحته، ويظل القرآن هو وحده الذي يرجع إليه).
ويقول: لا توجد عقوبة إعدام المرتد في القرآن وهي واردة في الإنجيل. ونسبة لعدم وجود أي مرجعية لها في القرآن، وتحت تأثير الإنجيل، دون أدنى شك، فقد لجأ الفقهاء في القرون الوسطى لتبرير القتل بسبب الردة عن طريق السنة، وتبعاً لتقليد متقن فقد نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم القول التالي (اقتلوا من بدل دينه)، وأصبح هذا السلاح ضرورياً لكل حاكم ومتمرد وإرهابي، ولم تطعن في صحته أي سلطة دينية رسمية في أي بلد مسلم، وذلك خوفاً من التعرض لنفس مصير سلمان رشدي).
وبناءً على ما تقدم يتضح أن الكاتب قد وقع في عدة مخالفات هي:
* إنكاره الاحتجاج بالسنة، واتهامه الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقلها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
* إنكاره قتل المرتد وتجار المخدرات.
* وصف البلدان التي تطبق الشريعة الإسلامية بالوهابية، وهو وصف يقصد به التشدد الممقوت الذي يخرج عن سماحة الإسلام ويسره؛ لما قر في ذهنه وأذهان من هم على شاكلته بسبب الدعاية المغرضة ضد الدعوة الإصلاحية التي قادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ حيث يصفونها بالتشدد والقسوة مع أنها لا تطبق إلا أحكام الشرع التي كلها عدل ورحمة.
_ ادعاؤه مخالفة المملكة العربية السعودية لحرية الفكر التي دعا إليها القرآن الكريم، واستنكاره عدم توقيعها على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ونظراً لخطورة هذه المخالفات، وسوء أثرها على الإسلام وأهله كتبت مقالاً فيه رد على الكاتب، أرسلته إلى مجلة جون أفريك الفرنسية، ثم رأيت بسط المقال المذكور فألفت هذا الكتاب مستعيناً بالله، قاصداً بيان الحق، في ضوء القرآن الكريم والسنة الشريفة، وبقية الأدلة المعتبرة، دونما أي تعصب أو تحيز. وقد سميته: (حدود حرية الفكر في الشريعة الإسلامية)، وقدمت الكلام على السنة، وقتل المرتد؛ لأنهما موضوع احتجاج وتمثيل عند الكاتب لعدم وجود حرية الفكر في بعض البلدان الإسلامية حسب زعمه، وفي نفس الوقت هما تمهيد لحرية الفكر في الشريعة الإسلامية، وقد جعلته بعد هذه المقدمة في ثلاثة مباحث وخاتمة:
* المبحث الأول: في السنة، وفيه مطلبان:
- المطلب الأول: حجية السنة.
- المطلب الثاني: مناقشة اتهام الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول لم يقلها.
* المبحث الثاني: حكم المرتد وتجار المخدرات.
* المبحث الثالث: حرية الفكر في الشريعة الإسلامية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
* الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
تم الانتهاء من أصله في عام 1422 هـ/ 2001 م، وتمت مراجعته وإعداده للنشر بالعوالي في مكة المكرمة يوم الثلاثاء 22/ شعبان/ 1444 هـ الذي يوافقه 14/ مارس/ 2023 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
المبحث الأول في السنة
المطلب الأول: الاحتجاج بالسنة
يظهر من كلام الكاتب - هدانا الله وإياه - أنه يقصر الاستدلال على القرآن، ولا يرى الاحتجاج بالسنة على إقامة حد الردة، ولذا فهو يعتمد في مقاله المذكور على ميزان غريب بل بالغ الغرابة في ميدان البحث العلمي.
إذ من المعروف أن العالم أو الكاتب المخلص يتجرد عن كل هوى وميل شخصي فيما يريد البحث عنه، ويتابع النصوص والمراجع الموثوق بها، فما أدت إليه بعد المقارنة والتمحيص كان هو النتيجة الحتمية التي ينبغي عليه الوصول إليها والقول بها. ولكنه حمل في ذهنه فكرة معينة فأثبتها بدون دليل، بل قبل البحث عنها وعن دليلها، بل إنه في سبيل إثباتها أنكر الأدلة الصحيحة الصريحة؛ لأنها مصادمة لهواه.
وقد زاد عمله سوءاً واضطراباً المنهج الاستشراقي الذي درج عليه والتزم به، وذلك بإخضاعه النصوص لأفكاره المسبقة، وأهوائه المتحكمة، يختار منها ما يقبله، ويرفض ما يجده مناقضاً لما يريد، ثم تحريفه لما يعتمد منها.
إن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، ولا يشكك في حجيتها إلا جاهل أو منافق، وموقف أمثال هذا الكاتب قد وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم في معرض الذم لمن يتنكرون لسنته، وبين فيه أن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله، فعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ثم يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
عز وجل فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله»(1).
ولمناقشة هذا الكاتب نقول له: مادام أنك لاتزال تعترف بحجية القرآن فإليك بعض النصوص القرآنية الواضحة الدالة على وجوب العمل بالسنة ونفي الإيمان عمن لا يحتكم إليها، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] والرد إلى الله هو الرد إلى القرآن الكريم، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)} [الأحزاب: 36].
وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].
فهذه الآيات الكريمات توجب التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنفي الإيمان عمن لم يحتكم إليه.
وهي تتناول الموضوع الأساس في حياة الأمة المسلمة، إنها تتناول بيان شرط الإيمان وحده، وتحدد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها، إن الرسل--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي 5/ 37 وقال حديث حسن صحيح، جامع الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق أحمد شاكر، وأبو داود 4/ 200، والحاكم في المستدرك، وصححه، ووافقه الذهبي، 1/ 191 - 192، وابن حبان وصححه، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، 1/ 107.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
أرسلت لتطاع - بإذن الله لا لمجرد الإبلاغ والإقناع {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64].
وما دمت تعتقد أن القرآن الكريم كلام الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم لزمك أن تعتقد بعدم إمكان الفصل بين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي هي تفسير وتطبيق عملي للقرآن.
وإن الناس لا يؤمنون إلا إذا تحاكموا إلى كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}؛ إذ لا يكفي أن يتحاكموا إليه ليكونوا مؤمنين، بل لابد من أن يتلقوا حكمه صلى الله عليه وسلم مسلّمين راضين {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي ينقادوا لأمرك في القضاء، وقوله: تسليما مصدر مؤكد، أي ويسلموا لحكمك تسلمياً لا يدخلون على أنفسهم معه شكاً.
فهذا النص يتحدث عن المنافقين الذين لا ينتفعون بآيات الله المبينات ولا يهتدون، فهؤلاء لا يتأدبون بأدب المؤمنين في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الرضا بحكمه والطمأنينة إليه، ويوازن بينهم وبين المؤمنين الصادقين في إيمانهم، فآيات الله مبينة كاشفة تجلو نور الله، وتكشف عن ينابيع هداه وتحدد الخير والشر، والطيب والخبيث.
ومع أن في القرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ما يكفي ويشفي لرد زعم الكاتب وأمثاله، إلا أنه لا مانع من أن نورد له بعض أقوال المستشرقين المعتدلين، أو ممن اضطروا أن يعترفوا بالحقيقة؛ لاعتقادنا أن أقوالهم ستجد قبولاً لديه، ولدى أمثاله.
يقول المستشرق محمد أسد ليويولد قابس والذي تسمى ب (محمد) بعد أن هداه الله إلى الإسلام: (إن العمل بسنة رسول الله هو عمل على حفظ كيان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام .. لقد كانت السنة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدهشك أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟(1).
(إن حياته صلى الله عليه وسلم العجيبة كانت تمثيلاً حياً وتفسيراً لما جاء في القرآن الكريم، ولا يمكننا أن ننصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتبع الذي قد بلغ الوحي(2).
وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله فقالت: «كان خُلقُهُ القُرآنَ(3)».
وفي الحقيقة يجب علينا أن نعتبر أن السنة هي أهم تفسير لتعاليم القرآن الكريم، والوسيلة الأساسية لاجتناب الخلاف في تأويل تلك التعاليم وتطبيقها في الحياة العملية(4).
ويقول محمد أسد أيضاً: (إن تفكيرنا يقودنا حتماً إلى أنه ليس ثمة حكم فيما يتعلق بالتأويل العملي لتعاليم القرآن الكريم أفضل من الذي أوحيت إليه هذه التعاليم هدى للعالمين، إن التعبير الذي يتردد على مسامعنا اليوم كثيراً: لنرجع إلى القرآن الكريم، ولكن يجب ألا نجعل من أنفسنا أتباعاً مستعبدين للسنة يكشف بكل بساطة عن جهل للإسلام، إن الذين يقولون هذا القول يشبهون رجلاً يريد أن يدخل قصراً ولكنه لا يستعمل المفتاح الأصلي الذي يستطيع به وحده أن يفتح الباب(5).--------------------------------------------
(1) الإسلام على مفترق الطرق ص 87.
(2) المصدر السابق ص 88.
(3) مسند الإمام أحمد 6/ 91.
(4) الإسلام على مفترق الطرق ص 90.
(5) المصدر السابق ص 91.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
وما دمنا نعتقد أن القرآن الكريم كلام الله تماماً في مبناه ومعناه، فالنتيجة المنطقية لذلك أنه لم يُقصد به قط أن يكون مستقلاً عن هداية الرسول الشخصية على ما هي مبسوطة في السنة.
وقد قال المستشرق سنوك هركرونيه: «إنه ليس من السداد في شيء إنكار حديث لا يمكن تبيين السبب الذي يقال إنه وضع لأجله ولا توجد علة تاريخية تقتضيه»(1).
وقد اعترف المستشرق البروفيسور نيكولون بقول ابن قتيبة: «إنه ليس لأمة سنة مثل سنتنا»(2).
والأستاذ ونسنك، أستاذ كرسي اللغة العربية بجامعة لندن، والذي قام بنشر المعجم المفهرس لألفاظ الحديث نقل له الدكتور علي عبد القادر بحثاً عن الدور الذي قام به أهل الحديث، ذكر فيه جهودهم في دراسة الحديث ونقده، ورد على من زعم من المستشرقين أن الحديث من وضع أهلي القرنين الأول والثاني وأثبت فساد هذا الزعم(3).
ولتصوير الحقيقة على الوجه الصحيح لابد أن نذكر أن من وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم كما صرح بذلك القرآن - أن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] ولا شك في كونه قد قام بذلك على الوجه الأكمل، وواجب على المسلم أن يلتزم بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فما فائدة أوامره ونواهيه، وبالتالي ما فائدة رسالته.--------------------------------------------
(1) حاضر العالم الإسلامي 1/ 45 تأليف لو ثروب ستودار الأمريكي، نقله إلى العربية عجاج نويهض، تعليق الأمير شكيب أرسلان.
(2) تاريخ الحديث باللغة الأوردية ص 71 و 72 لعبد الصمد صارم الأزهري.
(3) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص 131، للدكتور علي عبد القادر، وانظر: الإسلام والمستشرقون ص 175 لنخبة من العلماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
وفي القرآن أحكام مجملة كثيرة كأحكام الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، فالصلاة لم يأت في القرآن بيان أنواعها، وأوقاتها، وعدد ركعاتها، لكن بينها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة، فإذا كان بيانه عليه السلام لذلك المجمل غير محفوظ، ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا منه، فإذن لم ندر صحيح مراد الله منها.
إن القول بعدم حجية السنة من أخطر القوارع لدك الدين من أساسه، وإلغاء ما بينه وبين غيره من مميزات وفروق، قصد طي آثار الحضارة الإسلامية، وإذابة المجتمع الإسلامي، والقضاء على هويته ومقوماته، وهذا منكر من القول، وكفر وتعطيل لأحكام الله وشريعته. وتصوير الإسلام بما يتفق وأغراضهم، ويخدم ميولهم ومصالحهم، لا بما أراده الله من إرساء قواعد العدل والأمن والسلم والمساواة وبناء الحياة الإنسانية على المنهج الرباني الذي دعت إليه الرسالة(1).
وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على العمل بالسنة، وكذلك أئمة الدين وعلماء الأمة(2).
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: «هؤلاء يعتمدون السنة ولا يتعمدون مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل، وإنهم متفقون اتفاقاً يقيناً على وجوب اتباعه، وعلى أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم(3).--------------------------------------------
(1) السنة في العصر الحديث، بحث للدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة، منشور في مجلة المجمع الفقهي الإسلامي، العدد التاسع، ص 66.
(2) الإحكام 6/ 121 لابن حزم.
(3) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ص 4، وانظر السنة في العصر الحديث ص 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
أما إصدار الأحكام بناءً على ما يراه العقل البشري فهو مرفوض، إلا إذا لم يصادم نصاً من القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة، أو إجماع العلماء، وبشرط أن يكون خاضعاً لقواعد الشريعة، غير متعارض مع مقاصدها.
ومن الثابت أن القوانين التي يضعها البشر لا تخلو من التأثر بالأهواء المضلة عن سبيل الله، المتحيزة إلى جانب دون جانب، أما شرع الله فقد وضعه خالق الناس الذي هو أعلم بحالهم وما يصلحهم، وضعه من لا يتأثر بالأهواء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع؛ لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف على كل ما يخبر به العقل»(1).
وقال: «إن تقديم المعقول على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض، وأما تقديم الأدلة الشرعية فهو ممكن مؤتلف، فوجب الثاني دون الأول، وذلك لأن كون الشيء معلوماً بالعقل، أو غير معلوم بالعقل ليس هو صفة لازمة لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيداً قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكر بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجهله في وقت آخر»(2).
ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى برد الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة في قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل 1/ 138.
(2) المصدر السابق ص 144.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
فأمر المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، وهذا يوجب تقديم السمع وهذا هو الواجب إذ لو ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافاً واضطراباً، وشكاً وارتياباً(1).
قال الخطيب البغدادي: «ولعمري إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي ومجانبته خلافاً بعيداً، فما يرى المسلمون بداً من اتباعها والانقياد لها، ولمثل ذلك ورع أهل العلم والدين فكفهم عن الرأي، ودلهم على عوره وغوره من ذلك رجلان قطعت أذنا أحدهما جميعاً يكون له اثنا عشر ألفاً، وقتل الآخر فذهبت أذناه وعيناه ويداه ورجلاه وذهبت نفسه ليس له إلا الاثنا عشر ألفاً .. فهل وجد المسلمون بُداً من لزوم هذا»(2).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لو كان الدِّينُ بالرأيِ لكان أسفلَ الخفِّ أولى بالمسحِ من أعلاه وقد رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يمسحُ على ظاهرِ خُفَّيْه»(3).
«وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه»(4).
ولكل ما سبق فإنه لا يجوز لعاقل أن يقول إن دلالة هذا الحديث مخالفة للعقل، فهذه الأدلة الواضحة لا تدع مجالاً ينفذ منه المشككون في حجية السنة.--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل 1/ 147، 146.
(2) الفقيه والمتفقه 1/ 152.
يعني أن من قطعت أذناه له دية كاملة، وهي اثني عشر ألفا. وقتل الآخر وذهبت نفسه وجميع حواسه ليس له إلا دية كاملة وهي اثني عشر ألفا.
(3) أخرجه أبو داود بإسناد حسن، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص: إنه حديث صحيح، 1/ 160، شركة الطباعة الفنية المتحدة، القاهرة، سنة 1384 هـ.
(4) درء تعارض العقل والنقل 1/ 141.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
المطلب الثاني: اتهام الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول لم يقلها
وأما اتهامه الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لم يقلها واستشهاده ب (اقتلوا كل من غير دينه)
فأقول للكاتب إن قولك هذا لا يخضع لمعايير البحث العلمي السليم، فلو أنك قلت إن هذا الحديث لا يصلح الاحتجاج به، وعللت قولك بتعليل صحيح، لكان من المناسب أن نناقشك فيه، أما وأنك تزعم أن الفقهاء نسبوا الحديث للرسول فهذا الأسلوب وسيلة للطعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها، والتشكيك فيها، وبالتالي عدم الاعتداد بحجيتها.
ونقول للكاتب -هدانا الله وإياه-: إن الحديث المذكور حديث صحيح لا يتطرق الشك إليه بأي حال من الأحوال، فقد رواه البخاري في صحيحه، وهو أصح كتاب على وجه الأرض بعد القرآن الكريم، كما روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده(1).
أما قول الكاتب: (وأصبح هذا السلاح ضرورياً لكل حاكم ومتمرد وإرهابي، ولم تطعن في صحته أي سلطة دينية رسمية … الخ).
فنجيب عليه بما قاله المستشرق محمد أسد:
(لقد أصبح من قبيل الزي في أيامنا هذه أن ينكر المرء -مبدئياً- صحة الحديث، ثم هو من أجل ذلك ينكر نظام السنة كله.
هل هنالك أساس علمي لهذا الاتجاه؟ أم هل هنالك مبرر علمي لرفض الحديث على أنه مصدر يستند إليه الشرع الإسلامي؟--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري، 12/ 267؛ سنن أبي داود، 4/ 521 تحقيق الدعاس، والسيد؛ سنن الترمذي، 6/ 242 - 243؛ سنن النسائي، 7/ 109؛ سنن ابن ماجه، 2/ 848؛ مسند الإمام أحمد، 190، تحقيق أحمد شاكر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
إننا نظن أن خصوم الرأي الصحيح -مذهب أهل السنة فيما يتعلق بالحديث- لا يمكن أن يأتوا بأدلة مقنعة فعلاً تثبت مرة واحدة عدم الثقة بالأحاديث المنسوبة إلى الرسول، ولكن ليس هذا موضوعنا، إنه على الرغم من جميع الجهود التي بذلت في سبيل تحدي الحديث على أنه نظام ما، فإن أولئك النقاد العصريين من الشرقيين والغربيين لم يستطيعوا أن يدعموا انتقادهم العاطفي الخالص بنتائج من البحث العلمي، وإنه من الصعب أن يفعل أحد ذلك؛ لأن الجامعين لكتب الحديث الأولى، وخصوصاً الإمامين البخاري ومسلماً، قد قاموا بكل ما في طاقة البشر عند عرض صحة كل حديث على قواعد التحديث عرضاً أشد كثيراً من ذلك الذي يلجأ إليه المؤرخون الأوروبيون عادة عند النظر في مصادر التاريخ القديم.
إننا نتخطى نطاق هذا البحث إذا نحن أسهبنا في الكلام على وجه التفصيل في الأسلوب الدقيق الذي كان المحدثون -علماء الحديث- الأولون يستعملونه للتثبت من صحة كل حديث، ويكفي -من أجل ما نحن هنا بصدده- أن نقول إنه نشأ من ذلك علم ثابت الأصول تام الفروع، غايته الوحيدة البحث في معاني أحاديث الرسول وشكلها وطريقة روايتها، ولقد استطاع هذا العلم في الناحية التاريخية أن يوجد سلسلة متماسكة لتراجم مفصلة لجميع الأشخاص الذين ذُكروا على أنهم رواة أو محدثون، إن تراجم هؤلاء الرجال والنساء قد خضعت لبحث دقيق من كل ناحية، ولم يُعد منهم في الثقات إلا أولئك الذين كانت حياتهم وطريقة روايتهم للحديث تتفق تماماً مع القواعد التي وضعها المحدثون، تلك القواعد التي تعتبر على أشد ما يمكن أن يكون من الدقة؛ فإذا اعترض أحد اليوم من أجل ذلك على صحة حديث بعينه، أو على الحديث جملة فإن عليه هو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
وحده، أن يُثبت ذلك، وليس ثمة مبرر مطلقاً من الناحية العلمية أن يجرح أحد صحة مصدر تاريخي ما، ما لم يكن باستطاعته أن يبرهن على أن هذا المصدر منقوض، فإذا لم تقم حجة معقولة أي علمية على الشك في المصدر نفسه أو في أحد رواته المتأخرين، وإذا لم يكن ثمة من الناحية الثانية خبر آخر يناقضه، كان حتماً علينا حينئذ أن نقبل الحديث على أنه صحيح(1).
ونجيب عليه أيضاً بأن علماء الشريعة الإسلامية لم يخضعوا، ولا يستطيعون أن يخضعوا أحكام الشريعة الإسلامية لأهواء الحكام، ولا أن يؤلفوا أحاديث من عند أنفسهم وينسبوها للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يطعنوا في الأحاديث من تلقاء أنفسهم ولكن عندهم علم مضبوط بموازين دقيقة هو علم الجرح والتعديل، وهو علم اختصت به الأمة الإسلامية، ولا مثيل له في أمة سبقت أو لحقت يعرف به المختصون درجة الحديث من حيث الصحة والحسن والضعف ونحو ذلك، ويحكمون عليه بناءً على هذه القواعد الدقيقة، والتي لا يتصدر للكلام فيها إلا الخاصة من علماء الحديث، ونظراً لأن هذا الحديث المستدل به حديث صحيح فإنه لا يمكن لأحد من علماء الشريعة الطعن فيه، فالأحاديث الصحيحة ليست ألعوبة في أيدي أحد من الناس فلا تتحول إلى ضعيفة بعد أن كانت صحيحة.
وأما ما ذكره عن الوهابية.
فإن ما نقله الكاتب من سؤال السائل القائل (فأنا مسلم بالميلاد ولدي معرفة سطحية للإسلام وما تقوله يتناقض تماماً مع الوهابية المنتشرة بسرعة مذهلة في بلدنا عن طريق الطلاب العائدين كل عام بعد إتمام دراستهم في المملكة العربية السعودية).--------------------------------------------
(1) الإسلام على مفترق الطرق ص 91 - 92 بتصرف قليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
فقول السائل صحيح، فإن ما يقوله الكاتب يتناقض تماماً مع الإسلام، وأما وصف الدعوة الصحيحة بالوهابية فهو خطأ أراد به أعداء هذا الدين تشويه صورة الإسلام وبث الفرقة بين المسلمين، وهو وصف يقصد به التشدد الممقوت الذي يخرج عن سماحة الإسلام ويسره؛ لما قر في ذهنه وأذهان من هم على شاكلته بسبب الدعاية المغرضة ضد الدعوة الإصلاحية التي قادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ حيث يصفونها بالتشدد والقسوة، وبيان الخطأ هو أن الدعوة التي قام بها الشيخ محمد، وتسميتها «وهابية» نسبة إليه خطأ لغوي؛ لأن والده لم يقم بها، وإلا لاشترك في هذه النسبة الوالد وأولاده، ومحمد واحد منهم لتصبح نسبة مشتركة(1).
أما دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي ناصرها الإمام محمد بن سعود -رحمهما الله- فهي دعوة سلفية تصحيحية على مذهب أهل السنة والجماعة، قامت على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبذ ما يخالفهما، فهي لا تطبق إلا أحكام الشرع التي كلها عدل ورحمة.--------------------------------------------
(1) تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية ص 16 - 18 للدكتور محمد بن سعد الشويعر، مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الثالثة عام 1419 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
المبحث الثاني قتل المرتد وتجار المخدرات
تعريف المرتد:
المرتد: (هو الذي كفر بعد إسلامه؛ نطقاً، أو اعتقاداً، أو شكاً، أو فعلا(1)
وعرفه ابن قدامة فقال: (هو الراجع عن الإسلام إلى الكفر)(2).
إن الإسلام إيمان، ونظام، وحيث إن نظامه شامل لسلوك الإنسان من المهد إلى اللحد، فإنه لا غنى له من سياج يحميه، ودرع يقيه، فإن أي نظام لا قيام له إلا بالحماية والوقاية والحفاظ عليه من كل ما يهز أركانه، ويزعزع بنيانه، ولا شيء أقوى في حماية النظام ووقايته من منع الخارجين عليه؛ لأن الخروج عليه يهدد كيانه، ويعرضه للسقوط والتداعي.
إن الخروج على الإسلام والارتداد عنه، إنما هو ثورة عليه، والثورة عليه ليس لها من جزاء، إلا ما قررته الشريعة الإسلامية في الأحاديث الصحيحة، التي سيأتي بيانها، وهو الجزاء الذي اتفقت عليه القوانين الوضعية فيمن خرج على نظام الدولة، وأوضاعها المقررة؛ فإن أي إنسان سواء كان في الدول الشيوعية أم الدول الرأسمالية، إذا خرج على نظام الدولة فإنه يوصم بالخيانة العظمى لبلاده، والخيانة العظمى جزاؤها الإعدام(3).
فالإسلام في تقرير عقوبة الإعدام للمرتدين منطقي مع نفسه ومتلاق مع غيره من النظم، ومن أهم الأحكام التي تترتب على ثبوت الردة ما يأتي:--------------------------------------------
(1) كشاف القناع 6/ 167.
(2) المغني 264/ 12.
(3) فقه السنة 2/ 457، فتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الصادرة في دورتيه الأولى والثانية، فتوى رقم 4، الردة عن الإسلام لعبد الله قادري ص 33.
المسؤولية الجنائية ص 108، لأحمد فتحي بهنسي، حقوق الإنسان ص 99 لمحمد الغزالي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
إذا ثبتت الردة على شخص ترتب عليها أحكام أخروية وأحكام دنيوية، وأهم الأحكام المتعلقة بالآخرة حبوط العمل والخلود في نار جهنم، قال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].
وقال تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} [آل عمران: 86 - 90].
أما الأحكام المتعلقة بالدنيا فكثيرة نذكر منها:
قتل المرتد.
اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد الرجل وكان بالغاً عاقلاً غير مكره على الردة فإنه يقتل(1).
وهذا محل إجماع عند المسلمين. قال ابن دقيق العيد: (الردة سبب لإباحة دم المسلم بالإجماع في الرجل)(2)
وقال ابن قدامة: (وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين. روي ذلك عن أبي بكر، وعثمان وعلي ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، ولم ينكر ذلك فكان إجماعاً)(3).--------------------------------------------
(1) المبسوط 10/ 106، الشرح الكبير للدردير 4/ 270، حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير، مواهب الجليل 6/ 281، الأم 6/ 158، نهاية المحتاج 7/ 419، المغني 12/ 264، كشاف القناع 6/ 174، الإنصاف 9/ 462، أحكام الردة والمرتدين 286، الردة عن الإسلام ص 104 لعبد الله قادري.
(2) كشاف القناع 6/ 167.
(3) المغني 12/ 264.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
واستدلوا على ذلك بالحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره قال صلى الله عليه وسلم «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»(1) ويدل على مشروعية قتل المرتد، ورجم الزاني الثيب حتى الموت قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه «لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاثٍ الثَّيِّبِ الزَّاني، والنَّفسِ بالنَّفسِ، والتَّاركِ لدينهِ المفارقِ للجَمَاعة»(2).
ويدل عليه أيضا حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن ثم أرسل معاذ بن جبل بعد ذلك، فلما قدم قال أيها الناس: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، فألقى له أبو موسى وسادة ليجلس عليها، فأتي برجل كان يهودياً فأسلم ثم كفر، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله -ثلاث مرات- فلما قتل قعد(3) متفق عليه.
وقال مالك والشافعي وأحمد والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه والزهري والأوزاعي وإسحاق وابن حزم تقتل المرأة إذا ارتدت كالرجل(4).
واستدلوا بالأدلة السابقة:
1 - قوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فإن (من) عند أهل اللغة والأصول شاملة للذكر والأنثى.
2 - والأحكام الثلاثة المذكورة في الحديث الثاني يجب أن تكون كلها شاملة للذكر والأنثى، ولا يؤثر على ذلك ورود لفظ (امرئ) بدليل أن الزانية ترجم إذا كانت محصنة مثل الرجل وكذا القاتلة عمداً.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 12/ 267
(2) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري 12/ 201، صحيح مسلم بشرح النووي 4/ 243، سنن الترمذي 4/ 19.
(3) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري 8/ 60، وأيضاً، 12/ 268، صحيح مسلم 3/ 1456 ط فؤاد عبد الباقي، منتقى الأخبار مع نيل الأوطار 7/ 191
(4) حاشية الدسوقي 4/ 270، الشرح الكبير للدردير مواهب الجليل 6/ 158، نهاية المحتاج 7/ 149، المغني 12/ 264، 266، كشاف القناع 6/ 174، الإنصاف 9/ 462، المحلى، أحكام الردة والمرتدين ص 286، الردة عن الإسلام ص 104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)