شفقة عليه، وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه صلى الله تعالى عليه وسلم والمحبة له، والشفقة عليه.
وقوله في الحديث "أكبر الكبائر" ليس على ظاهره من الحصر، بل فيه "من" مقدرة فقد ثبت في أشياء أخر أنها من أكبر الكبائر، منها حديث أنس عند المصنف حيث عد فيه "قتل النفس" وحديث ابن مسعود عنده أيضًا "أيُّ الذنب أعظم"؟ فذكر فيه "الزنى بحليلة الجار" وحديث عبد الله بن أُنيس الجهنيّ مرفوعًا قال: من"أكبر الكبائر" فذكر منها "اليمين الغَمُوس" أخرجه التِّرمذي بسند حسن، وله شاهد عند أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث أبي هريرة، رفعه، أن عن أكبر الكبائر "استطالة المرء في عرض رجل مسلم" أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وحديث ابن عمر رفعه، "أكبر الكبائر سوء الظن بالله" أخرجه ابن مَرْدَويهِ بسند ضعيف، وحديث بُرَيدة رفعه، من أكبر الكبائر، فذكر منها "منع فضل الماء" و"منع الغسل" أخرجه البّزار بسند ضعيف، ويقرب من هذا حديث أبي هريرة "ومن أظلم ممن يخلق كخلقي" أخرجه المصنف في اللباس وغيره، وحديث عائشة "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" أخرجه الشيخان. وحديث عبد الله بن عمرو عند المصنف "من أكبر الكبائر أن يسب الرجل أباه" ولكنه من جملة العقوق.
قال ابن دقيق العيد: يستفاد من قوله "أكبر الكبائر" انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويستنبط منه أن في الذنوب صغائر وكبائر، وقد اختلف السلف فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر وصغائر، وشذت طائفة، منهم أبو إسحاق الإسْفراينيَّ، فقال: ليس في الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عباس أخرجه عنه إسماعيل القاضي والطبري بسند صحيح، على شرط الشيخين، وحكاه القاضي عياض عن المحققين. واحتجوا بأن كل مخالفة لله فهي، بالنسبة إلى جلاله كبيرة. ونسبه ابن بَطّال إلى بعض الأشعرية، فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 345)
وكبائر، وهو قول عامة الفقهاء، وخالفهم من الأشعرية أبو بكر بن الطَّيب وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة، بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبْلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا وكلها كبائر.
قالوا: ولا ذنب عندنا يغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر، لقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وأجابوا عن الآية التي احتج أهل القول الأول بها، وهي قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31]. أن المراد الشرك. وقال الفراء: من قرأ كبائر، فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع والمراد به الواحد، كقوله تعالى {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105]. ولم يرسل إليهم غير نوح. قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة، كجوازه على الكبيرة، قال النّوويّ: قدّ تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة إلى القول الأول. وقال الغزالي في "البسيط": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه، وقد حقق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة واختاره، وبين أنه لا يخالف ما قاله الجمهور فقال في "الإرشاد" المرضيُّ عندنا أن كل ذنب يُعصى الله به كبيرة، فرب شيء يعد صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو كان في حق الملك لكان كبيرة، والرب أعظم من عُصي، فكل ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم، ولكن الذنوب وإن عظمت فهي متفاوتة في رتبها، وظَنَّ بعض الناس أن الخلاف لفظي، فقال: التحقيق أن للكبيرة اعتبارين، فبالنسبة إلى مقايسة بعضها لبعض فهي تختلف قطعًا، وبالنسبة إلى الآمر الناهي، فكلها كبائر. والتحقيق أن الخلاف معنوي، وإنما جر إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدال على أن الصغائر تكَفَّر باحتناب الكبائر.
وقال القرطبي: ما أظنه يصح عن ابن عباس أن كل ما نهى الله عز
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 346)
وجل، عنه كبيرة؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32] وقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] فجعل في المنهيات صغائر الكبائر، وفرَّق بينهما في الحكم، إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حَبْر القرآن؟ كذا قال، لكن النقل المذكور عنه قد مر لك من أخرجه فالأَوْلى أن يكون المراد بقوله "نهى الله عنه" محمولا على نهي خاص، وهو الذي قرن به وعيد، كما قيد في الرواية الأخرى الآتية، عن ابن عباس فيحمل مطلقَهُ على مقيده جمعًا بين كلاميه.
وقال الحَلِيميّ في "المنهاج": ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تضم إليها، وتنقلب الكبيرة فاحشة كذلك، إلا الكفر بالله فإنه أفحش الكبائر، وليس من نوعه صغيرة، ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش، وافحش. ثم ذكر الحليمي أمثلة لما ذكر، فقال: الثاني كقتل النفس بغير حق، فإنه كبيرة، فإن قتل أصلًا أو فرعًا أو ذا رحم أو بالحرم أو بالشهر الحرام، فهو فاحشة والزنا كبيرة فإن كان بحليلة الجار، أو بذات محرم، أو في شهر رمضان أو في الحرم فهو فاحشة. وشرب الخمر كبيرة فإن كان في شهر رمضان نهارًا فهو فاحشة. والأول كالمفاخذة مع الأجنبية صغيرة، فإن كان مع امرأة الأب أو خليلة الابن أو ذات رحم فكبيرة، وسرقة دون النصاب صغيرة، فإن كان المسروق منه لا يملك غيره، وافضى به عدمه إلى الضعف فهو كبيرة، وأطال في أمثلة ذلك، وهو منهج حسن لا بأس باعتباره، ومداره على شدة المفسدة وخفتها.
وقال الطَّيبيّ: الصغيرة والكبيرة أمران نسبيان، فلابد من أمر يضافان إليه، فهو أحد ثلاثة أشياء: الطاعة أو المعصية أو الثواب. فأما الطاعة، فكل ما تكفره الصلاة مثلًا فهو من الصغائر، وكل ما يكفره الإِسلام أو
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 347)
الهجرة فهو من الكبائر، وأما المعصية فكل معصية يستحق فاعلها بسببها وعيدًا أو عقابًا بأزيد من الوعيد أو العقاب المستحق بسبب معصية أخرى فهي كبيرة. وأما الثواب ففاعل المعصية إن كان من المقربين فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة. فقد وقعت المعاتبة في حق بعض الأنبياء على أمور لم تعد من غيرهم معصية.
قال فى"الفتح": وكلامه فيما يتعلق بالوعيد والعقاب يخصص عموم من أطلق أن علامة الكبيرة ورود الوعيد أو العقاب في حق فاعلها، لكن يلزم منه أنَّ مطلق قتل النفس مثلًا ليس كبيرة؛ لأنه وإن ورد الوعيد فيه أو العقاب، لكن ورد الوعيد والعقاب في حق قاتل ولده أشد، فالصواب ما قاله الجمهور. وأن المثال المذكور ينقسم إلى كبيرة وأكبر.
قال النوويّ: اختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافًا كثيرًا، فروي عن ابن عباس أنها كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وهذا أخرجه عنه ابن أبي حاتم بسند لا بأس به، إلا أن فيه انقطاعًا. وأخرج عنه من وجه آخر متصل، لا بأس برجاله، قال: كل ما توعد الله عليه بالنار كبيرة، وجاء نحو هذا عن الحسن البصري، وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار في الآخرة أو أوجب فيه حدًا في الدنيا. نص على هذا الإمام أحمد، والماوَرْدِيّ من الشافعية قال: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود أو توجه إليها الوعيد. وقد ضبط كثير من الشافعية الكبائر بضوابط أخرى منها قول إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة. وقال الرافعي: هي ما أوجب الحد. وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة. هذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل. لكن الثاني أوفق، لما ذكره عند تفصيل الكبائر، وقد أقره في الروضة، وهو يشعر بأنه لا يوجد عند أحد من الشافعية الجمع بين التعريفين، وليس كذلك، فقد مر قريبا عن الماوردي الجمع بينهما، وكيف يقول عالم أن الكبيرة ما ورد فيه الحد مع التصريح في الصحيحين بالعقوق واليمين الغموس
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 348)
وشهادة الزور ونحو ذلك، وأجاب بعض الأئمة بأن مراد قائله ضبط ما لم يرد فيه نص بأنه كبيرة.
وقال ابن عبد السلام: لم أقف على ضابط للكبيرة يسلم من الاعتراض. قال: والأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارًا صغر الكبائر المنصوص عليها، قال: وضبطها بعضهم بكل ذنب قرن به وعيد أو لعن. وهذا أشمل من غيره، ولا يرد عليه إخلاله بما فيه حد؛ لأن كلل ما ثبت فيه الحد لا يخلو من ورود الوعيد على فعله، ويدخل فيه ترك الواجبات الفورية منها مطلقًا والمتراخية إذ تضيقت.
وقال ابن الصّلاح: لها أمارات، منها إيجاب الحد وألا يعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها في الكتاب أو السنة، ومنها وصف صاحبها بالفسق أو اللعن. وهذا أوسع مما قبله، وأخرج إسماعيل القاضي بسند فيه ابن لهيعة عن أبي سعيد مرفوعًا "الكبائر كل ذنب أدخل صاحبه النار" وبسند صحيح عن الحسن البصري قال "كل ذنب نسبه الله تعالى إلى النار فهو كبيرة ومن أحسن التعاريف قول القرطبيّ "المفهم": كل ذنب أُطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو اجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدة العقاب أو علق عبيه الحد أو شدد عليه النكير فهو كبيرة. قال: وعلى هذا فينبغي تتبع ما ورد فيه الوعيد أو اللعن أو الفسق من القرآن، أو الأحاديث الصحيحة أو الحسنة، ويضم إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والاحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عرف تحرير عدها.
وقد أخرج البخاريّ في كتاب الحدود عن أبي هريرة رفعه "اجتنبوا السبعَ الموبقات قالوا: يا رسول الله، وما هي؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربى، وأكل مال اليتيم، والتَّولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". وقد شرط القاضي أبو سعيد الهَرَويّ أن شرط كون غصب المال كبيرة أن يبلغ نصابًا ويطرد ذلك في السرقة، وفي أكل مال ليتيم وجميع أنواع الجناية.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 349)
والمراد بالموبقة هنا الكبيرة، وقد تتبع في "الفتح" عند هذا الحديث جميع ما وقف عليه من الأحاديث فيه التصريح بأن الذنب من الكبائر أو من أكبر الكبائر صحيحاً وضعيفًا مرفوعًا وموقوفًا فقال في عدها. وللطبرانيّ عن سهل بن أبي خَيْثَمة عن عليّ رفعه، "اجتنبوا الكبائر السبع" فذكرها، ولكن ذكر "التعّرب بعد الهجرة بدل "السحر" وله في "الأوسط" عن أبي سعيد مثله، وقال "الرجوع إلى الأعراب بعد الهجرة" ولإسماعيل القاضي عن عبد الله بن عمرو قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر ثم قال: "أبشروا من صلّى الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنة"، فقيل له: أسمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يذكرهن؟ فقال: نعم. فذكر مثل حديث على سواء.
وقال عبد الرزاق عن الحسن قال: الكبائر: الإشراك بالله، فذكر مثل الأُصول سواء إلا أنه قال: "اليمين الفاجرة" بدل "السحر" ولابن عمر فيما أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" والطبري في التفسير، وعبد الرزاق والخرائطيّ في "مساوىء الأخلاق" وإسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" مرفوعًا وموقوفًا قال "الكبائر تسع"، فذكر السبعة المذكورة، وزاد "الإلحاد في الحرم وعقوق الوالدين" ولأبي داود والطبرانيّ عن عُبيد بن عُمير اللَّيثيّ عن أبيه، رفعه "أن اولياء الله المصلون، ومن يجتنب الكبائر" قالوا: وما الكبائر قال: هن تسع، أعظمهن الإشراك بالله، .. " فذكر مثل حديث ابن عمر سواء، إلا أنه عبر عن الإِلحاد في الحرم باستحلال بيت الله الحرام". وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح عن سعيد بن المُسيّب قال: هن عشر، فذكر السبعة التي في الأصل وزاد و"عقوق الوالدين واليمين الغموس وشرب الخمر".
ولابن أبي حاتم عن مالك بن الحُوَيرث عن عليّ قال: فذكر التسعة إلَاّ مال اليتيم، وزاد "العقوق، والتَّعرب بعد الهجرة وفراق الجماعة، ونكت الصَّفقة" وللطّبراني عن أبي أُمامة أنهم تذاكروا الكبائر، فقالوا: الشرك،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 350)
ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والسحر، والعقوق، وقول الزور، والغُلول، والزنى. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه سلم: "فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا"، وعند عبد الرزاق والطَّبراني عن ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، وهو موقوف. قلت: هذا لا مجال للرأي فيه، فهو في حكم المرفوع.
وروى إسماعيل، بسند صحيح، عن ابن سيرين عن عبد الله بن عمرو مثل حديث الأصل قال: البُهْتان، بدل السحر، والقذْف. فسئل عن ذلك، فقال: البُهتان يجمع. وفي الموطأ، عن النعمان بن مُرّة، مرسلًا "الزنى، والسرقة، وشرب الخمر فواحش" وله شاهد عن عمران بن حُصين عند البخاريّ في "الأدب المفرد" والطَّبراني والبّيهقي، وسنده حسن ولاسماعيل القاضي من مرسل الحسن ذكر "الزنى والسرقة" وله عن أبي إسحاق السَّبيْعيّ "شتم أبي بكر وعمر" وهو لابن أبي حاتم من قول المغيرة بن مِقْسَم. وأخرج الطبريّ عنه، بسند صحيح "الإضرار فى الوصية من الكبائر" وعنه "الجمع بين الصلاتين من غير عذر" رفعه، وله شاهد أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر قوله، وعند إسماعيل من قول ابن عمر، ذكر النُّهبة، ومن حديث أبي هريرة عند الحاكم "الصلوات كفّارات إلا من ثلاث: الإشراك بالله، ونكَثُ الصَّفقة، وترك السنة" ثم فسر نكث الصفقة بالخروج على الإِمام، وترك السنة بالخروج عن الجماعة.
ومن الضعيف في ذلك نسيان القرآن. أخرجه أبو داود والترمذِيّ عن أنس، رفعه "نظرت في الذنوب فلم أر أعظم من سورة من القرآن أُوتيها رجلٌ فنسيها" وحديث "من أتى حائضًا أو كاهنًا فقد كفرًا أخرجه التِّرْمِذي. وقد مر في أول الكلام على هذا الحديث، وذكر أحاديث وردت فيها أشياء من أكبر الكبائر "قتل النفس، والزنى بحليلة الجار، واليمين الغموس، واستطالة المرء في عرض رجل مسلم، وسؤ الظن بالله، ومنع فضل الماء،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 351)
ومنع الغسل، ومن اظلم ممن يخلق كخلقي، وأبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم، وسب الرجل أباه" ومر في الطهارة ذكر النميمة، والغيبة، وترك التنّزه عن البول، ثم قال: وقد تتبعه غاية التتبع.
وفي بعضه ما ورد خاصًا ويدخل في عموم غيره كالتسبب في لعن الوالدين، فهو داخل في العقوق، وقتل الولد وهو داخل في قتل النفس، والزنا بحليلة الجار، وهو داخل في الزنا، والنهبة والغلول واسم الخيانة يشملها، ويدخل الجميع في السرقة، وتعلم السحر وهو داخل في السحر، وشهادة الزور وهي داخلة في قول الزّور، ويمين الغموس وهي داخلة في اليمين الفاجرة، والقنوط من رحمة الله كاليأس من روح الله. والمعتمد من كل ذلك ما ورد مرفوعًا بغير تداخل من وجه صحيح، وهي السبعة المذكورة في الحديث السابق، والانتقال عن الهجرة يعني الرجوع عنها، والزنى، والسرقة، والعقوق واليمين الغموس، والإِلحاد في الحرم، وشرب الخمر، وشهادة الزور، والنميمة، وترك التنزه من البول، والغلول، ونكث الصفقة، وفراق الجماعة، فتلك عشرون فصلة، وتتفاوت مراتبها. والمجمع على عده من ذلك اقوى من المختلف فيه إلا ما عضده القرآن أو الإِجماع فيلتحق بما فوقه، ويجتمع من المرفوع والموقوف ما يقاربها، ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع، ويجاب بان مفهوم العدد ليس بحجة، وهو جواب ضعيف، وبأنه أعلم أولًا بالمذكورات، ثم أعلم بما زاد فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة ونحو ذلك. وقد أخرج الطبريّ وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له: الكبائر سبع؟، فقال هن أكثر من سبع وسبع. وفي رواية عنه هي إلى السبعين أقرب. وفي رواية إلى السبعمائة، ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع وكأَن المقتصر عليها اعتمد على حديث أبي هريرة السابق. هذا تلخيص ما بسطه في فتح الباري في ثلاثة مواضع في الشهادات والادب والحدود وكتاب المحاربين.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 352)
ثم قال المصنف:
وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "هل بَلَّغْت"، ثلاثًا. وهذا طرف من حديث وصله المؤلف في خطبة الوداع، ووصله أيضًا في كتاب الحدود، أوله " ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة" الخ وقوله: "ثلاثًا" متعلق بقال، لا بقوله: بلّغت. وتقدم الكلام على هذا الحديث في باب قوله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "رُبَّ مُبَلِّغٍ أوعى من سامع" ومر عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 353)
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا.
قوله: "إنه كان إذا سلّم" أي من عادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمراد أن أنسًا مخبر عما عرفه من شأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وشاهدَه، لا أنه، عليه الصلاة والسلام، أخبره بذلك، ويؤيد ذلك أن المؤلف أخرجه في كتاب الاستئذان عن عبد الصمد بهذا الإسناد إلى أنس، فقال: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كان. وقوله: "سلم ثلاثا" أي ثلاث مرات، ويشبه أن يكون ذلك عند إلاستئذان لحديث، "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا ولم يؤذن له فليرجع" وعورض بأن تسليمة الاستئذان لا تُثَنى إذا حصل الإذن بالأولى، ولا تثَلّث إذا حصل بالثانية. نعم يحتمل أن يكون معناه إنه عليه الصلاة والسلام، كان إذا أتى على قوم سلم عليهم تسليمة الاستئذان، وإذا دخل سلم تسليمة التحية، ثم إذا قام من المجلس سلم تسليمة الوداع وكل سنة.
وقوله: "إذا تكلم" قال الكَرماني: مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار عند الأَصوليين، وقوله: "بكلمة" أي بجملة مفيدة من باب إطلاق اسم البعض على الكل، وقوله: "أعادها ثلاثًا" أي ثلاث مرات. قال الدماميني: لا يصح أن يكون أعاد مع بقائه على ظاهره عاملًا في "ثلاثًا" ضرورة أنه يستلزم قول تلك الكلمة أربع مرات، فإن الإعادة ثلاثًا إنما تتحقق بها إذ المرة الأولى لا إعادة فيها، فأما إن تضمن معنى قال ويصح
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 354)
عملها في "ثلاثًا" بالمعنى المضمن، أو يبقى أعاد على معناه، ويجعل العامل محذوفًا، أي أعادها فقالها وعليهما فلم تقع الإعادة إلا مرتين.
رجاله خمسة:
الأول: عَبدة، بفتح العين، ابن عبد الله بن عَبْدة الخُزاعيّ الصَفّار، أبو سهل البَصْري، كوفي الأصل. قال أبو حاتم: صدوق، وقال النَّسائي: ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حِبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث. روى عن عبد الصمد بن عبد الوارث، ويحيى بن آدم وأبي داود الطَّيالِسيّ، ويزيد بن هارون الطَّيَالِسيّ وغيرهم. وروى عنه الجماعة سُوى مسلم، وابن خُزَيمة وأبو حاتم ومحمد بن هارون الرَّوْيَانيّ وغيرهم. مات بالبصرة أو الأهواز سنة سبع أو ثمان ومئتين وخمسين سنة.
وفي الستة عبدة سواه خمسة، عَبْدة بن سليمان المَرْوَزِيّ، روى له أبو داود وابن سليمان الكلابِيّ، روى له الجماعة وابن عبد الرحيم وابن أبي لُبَابة الأَسديّ وابن حَزْن النَّصْريّ.
الثاني: عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العَنْبرِيّ، مولاهم، التَّنُّوريُّ أبو سهل البصري. قال ابن سعد: ثقة إن شاء الله وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن قانع: ثقة يخطىء. وقال ابن المدِينى: ثَبْتٌ في شُعْبة. وقال أبو أحمد: صالح الحديث صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. روى عن أبيه وشُعْبة وحمَّاد بن سلَمة وهشام الدَّسْتَوائِيّ وهمّام بن يحيى وغيرهم، وروى عنه عبد الوارث، وأحمد ويحيى وعلي وعبدة الصفّار، ومحمد بن يحيى الذهْلِيّ وغيرهم. مات سنة ست أو سبع ومئتين. وفي الستة عبد الصمد سواه أربعة: ابن حبيب العوذِيّ، وابن سليمان العَتكيّ وابن عبد الوهاب الحَضْرَمِيّ وابن معقل اليمانيّ.
الثالث: عبد الله بن المثّنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 355)
أبو المثنى الأنصاري البصري. قال العَجْليّ: ثقة، وقال التِّرْمِذِيّ: محمد بن المثنى ثقة، وأبوه ثقة. واختلف فيه قول الدارقطنيّ. وقال ابن مُعين وأبو زرعة وأبو حاتم: شيخ صالح. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال السَّاجِيّ: فيه ضعف، ولم يكن من أهل الحديث. روى مناكير. وقال العقِيليّ: لا يتابع على أكثر حديثه.
قال ابن حجر: لم أر البخاريّ احتج به إلا في روايته عن ثُمامه، فعنده عنه أحاديث، وأخرج له من روايته عن ثابت عن أنس حديثًا توبع فيه عنه، وهو في فضائل القرآن. وأخرج له أيضًا في اللباس عن مسلم بن إبراهيم عنه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في النهي عن الفزع بمتابعة نافع وغيره، عن ابن عمر.
وروى له التِّرمِذيّ. وابن ماجَة روى عن عمه ثُمامة بن عبد الله، وعن أبي موسى والنَّضْر ابني أنس بن مالك والحسن البصري وثابت البنانيّ وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد وابن ابنه سلمَة بن المُثَنُّى وعبد الصمد بن عبد الوارث ومسدد، وغيرهم. وليس في الستة عبد الله بن المثنى سواه.
الرّابع: ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، قاضيها. قال العَجْلِيّ: مَدَني تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال أحمد والنسائي: ثقة. وقال ابن عَدِي: له أحاديث عن أنس، وأرجو أنه لا بأس به، وأحاديثه قريبه من غيره، وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي. وقال عمر بن شَبَّة: سمعت بعض علمائنا يذكر أن ثمامة لما دعي إلى ولاية القضاء، شاور محمد بن سيرين فأشار عليه أن لا تقبل، فقال: لا أترك، فقال: أخبرهم أنك لا تحسن القضاء، قال: فأكذب؟ قال: فجعل ابن سيرين يعجب منه.
وقال ثمامة: وقعت على باب من القضاء جسيم أدفع الخصوم حتى يصطلحوا، فكتب ذلك بلال إلى خالد فعزله عن القضاء. روى عن جده
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 356)
أنس والبراء بن عازب، وأبي هُريرة، ولم يدركه، وروى عنه ابن أخيه عبد الله بن المثنى، وحُميد الطويل وعَوْف الأَعرابيّ، وأبو عَوانة، وجماعة. مات سنة عشر ومئة. وكان تولى القضاء سنة ست ومائة. وليس في الستة ثُمامة بن عبد الله سواه. وأما ثمامة فستة سواه.
الخامس: أنس، وقد مر في السادس من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفيه من هو مفرد في البخاري، ليس فيه غيره، ورواته كلهم بصريون. أخرجه البخاري هنا، وفي الاستئذان عن إسحاق بن منصور، والتِّرمِذِيّ فيه أيضًا عن إسحاق بن منصور أيضًا، وفي المناقب عن محمد بن يحيى، وقال: حسن غريب صحيح إنما نعرفه من حديث عبد الله بن المُثَنَّى.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 357)
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا.
قوله: "اعادها ثلاثًا أي: ثلاث مرات، وقد بين المراد بالتكرار في قوله: "حتى تُفْهم عنه" بضم أوله وفتح ثالثه، أي لكي تعقل، لأنه عليه الصلاة والسلام، مأمور بالإبلاغ والبيان، وعبر "بكان إذا تكلم" ليشعر بالاستمرار؛ لأنّ كان تدل على الثبات والاستمرار، بخلاف صار، فإنها تدل على الانتقال فلهذا يجوز أن يقال: "كان الله" ولا يجوز "صار" وكون كان تفيد الاستمرار مما ينازع فيه.
وقوله: "فسلم عليهم" من تتمة الشرط، عطف على أتى لا جواب والجواب قوله: "سلم عليهم". قال الإسماعيليّ: يشبه أن يكون ذلك "كان إذا سلَّم سلام الاستئذان وإما أن يمر المار مسلمًا" فالمعروف عدم التكرار، وقد فهم المصنف هذا بعينه، فأورد هذا الحديث مقرونًا بحديث أبي موسى في قصته مع عمر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الاستئذان، لكن يحتمل أن يكون ذلك كان يقع منه أيضًا إذا خشي أنه لا يسمع سلامه. قال ابن التين: فيه أن الثلاث غاية ما يقع به الاعتذار والبيان. واختلف فيما إذا ظن أنه لم يسمع، هل يزيد على الثلاث؟ فقيل: لا يزيد أخذًا بظاهر الحديث. وقيل: يزيد، وهذا الحديث رجاله رجال الأول، وهو هو بعينه، إلا أن هذا فيه زيادة لفظ "حتى تفهم عنه" وقد سقط حديث عَبْدة الأول من رواية ابن عساكر وأبي ذرٍ، ولا يخفى الاستغناء عنه بالثاني.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 358)
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
قوله: فأدركنا، بفتح الكاف، وقوله: "أرهقْنا"، بسكون القاف، والأصيلي "أرهَقَتْنا" وقوله: "صلاة العصر" بدل من "الصلاة" إن رفعًا فرفع، وإن نصبا فنصب. وقوله: "مرتين أو ثلاثًا" هو شك من الرواي، وهو يدل على أن الثلاث ليست شرطًا بل المراد التفهيم، فإذا حصل بدونها أجزأ، وقد مر الكلام على الحديث في باب من رفع صوته بالعلم، وأعاده هنا لغرض الاستدلال به على الترجمة.
رجاله خمسة:
الأول مسدد، وقد مر في السادس من كتاب الإيمان، ومر عبد الله بن عمرو في الثالث منه، ومر أبو عُوانة في الخامس من بدء الوحي، ومر أبو بِشْرٍ جَعْفر بن إياس ويوسف بن ماهِكَ في الثاني من كتاب العلم، وتقدمت مواضع ذكره في الثاني من كتاب العلم. ثم قال المصنف.
باب تعليم الرجل أَمَتَه وأَهْلَه
هذا من عطف العام على الخاص لأن أَمة الرجل من أهل بيته، ومطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص، وفي الأهل بالقياس، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنة رسوله، أكد من الاعتناء بالإماء.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 359)
الحديث التاسع والثلاثون
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ابْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ: عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ". ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.
قوله: "ثلاثة لهم أجران" ثلاثة مبتدأ، والتقدير ثلاثة رجال أو رجال ثلاثة. ولهم أجران خبره. وقوله: "رجل" بدل تفصيل، أو "بدل كل" بالنظر إلى المجموع. وقوله: "من أهل الكتاب" لفظ الكتاب عام، ومعناه خاص، أي المنزل من عند اقه، والمراد به التوراة والإنجيل، كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة، حيث يطلق أهل الكتاب وحكم المرأة الكتابيَّة حكم الرجل، كما هو مطرد في جل الأحكام حيث يدخلن مع الرجال بالتبعية إلا ما خصه الدليل. وقيل: المراد بالكتاب هنا الإنجيل خاصة، لأن عيسى، عليه الصلاة والسلام، قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمن أجابه منهم نسب إليه، ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنًا، فلا يتناوله الخبر؛ لأن شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيه.
نعم من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحضرة عيسى عليه السلام، فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن بنبيه موسى عليه السلام، ولم يكذب نبيًا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد، صلى الله تعالى عليه وسلم، ممن كان بهذه المثابة، وآمن به لا يشكل أنه يدخل في الخبر المذكور ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها، فمن دخلوا في
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 360)
اليهودية، ولم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام، لكونه أُرسل إلى بني إسرائيل خاصة نعم، الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث، وهي قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص: 54] نزلت في طائفة آمنت منهم، كعبد الله بن سَلَام وغيره، ففي الطبراني عن رفاعة القُرَظِيّ قال: نزلت هذه الآيات فيَّ وفيمن آمن معي وروي الطَّبَري بإسناد صحيح، عن عليّ بن رِفاعة القُرَظيّ "خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبو رفاعة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قآمنوا به، فأُوذوا فنزلت {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ …} [القصص: 52] الآيات.
وأما قول ابن التين: إن الآية المذكورة نزلت في عبد الله بن سَلَام وكعب الأحبار، فذِكره لكعب خطأ، لأن كعبًا ليست له صُحبة، ولم يُسلم إلا في عهد عمر بن الخطاب والذي في تفسير الطبري وغيره أنها نزلت في عبد الله بن سَلام وسلمان الفارسي، وهذا مستقيم لأن عبد الله كان يهوديًا فأسلم، كما سيأتي في الهجرة، وسلمان كان نصرانيًا، كما سيأتي في البيوع.
وهما صحابيان مشهوران، فعبد الله بن سلام ومن ذكر معه في حديث عليّ بن رِفاعة من بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد، صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد ثبت أنهم يؤتون أَجرهم مرتين، فيحتمل أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: أنه لم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام؛ لأنها لم تنتشر في أثر البلاد، فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى عليه السلام، إلى أن جاء الإِسلام، قآمنوا بمحمد، صلى الله تعالى عليه وسلم، وبهذا يرتفع الإشكال.
ويحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذ لا يبعد أن يكون طرَيان الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام سببًا لقبول تلك الأديان، وإن كانت
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 361)
منسوخة. وقد قال القرطبيّ: إن الكتابيَّ الذي يضاعف أجره مرتين، هو الذي كان على الحق في شرعه عقدًا وفعلًا إلى أن آمن بنبينا، صلى الله تعالى عليه وسلم، فيؤجر على اتباع الحق الأول والثاني.
ويشكل عليه أنه، عليه الصلاة والسلام، كتب إلى هرقل "أسْلِم يؤتكَ الله أجرك مرتين" وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد مر في حديث أبي سفيان في بدء الوحي استنباط شيخ الإِسلام البَلْقِينيّ منه أنَّ كل من دان بدين أهل الكتاب، كان في حكمهم في المناكحة والذبائح، لأن هرقل وقومه ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال له ولقومه "يا أهل الكتاب" فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب الخ.
وقال الداوديّ، ومن تبعه: يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير" وهو متعقب بان الحديث مقيد بأهل الكتاب فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان، وأيضًا فالنكتة في قوله "آمن بنبيه" الِإشعار بعلية الأجر، أي أن سبب الأجرين الإيمانُ بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك. ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدًا عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]. فمن آمن به واتبعه منهم، كان له فضل على غيره، وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره.
وقد ورد مثل ذلك في حق نساء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن، فإن قيل: لِمَ لم يذكرنَ في هذا الحديث، فيكون العدد أربعة. أجاب البلْقِينيّ بأن قضيتهنَّ خاصة بهنّ، مقصورة عليهنّ، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة، وهذا مصير منه إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرة، وهذا هو الصحيح، وما ادعاه الكَرمَاني من اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 362)
غير صحيح. قلت: يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، حديثُ الطَّبرانيّ في عد نسائه، عليه الصلاة والسلام، مع الثلاثة المذكورة.
وقوله: "آمن بنبيه" أي موسى أو عيسى، عليهما الصلاة والسلام. وقوله: "وآمن بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم" أي بأنه هو الموصوف في الكتابين المنعوت فيهما المأخوذ له الميثاق على سائر النبين وأممهم. وقوله "والعبد المملوك" أي: والثاني جنس العبد المملوك. وقوله: "إذا أدى حق الله تعالى، وحق مواليه" حق الله كالصلاة والصيام، وحق مواليه خدمتهم. ومواليه بسكون الياء، جمع مولى، لتحصل مقابلة الجمع في جنس العبيد بجمع المولى أو ليدخل ما لو كان العبد المملوك مشتركًا بين موال. ووصف العبد بالمملوك لأن كل الناس عبيد الله فميزه بكونه مملوكًا للناس.
قال ابن عبد البرَّ: ومعنى ذلك أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربّه في العبادات، وطاعة سيده في المعروف، فقام بهما جميعًا كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته لأنه قد ساواه في طاعة الله، وفضل عليه بطاعة من أمره الله بطاعته، قال: ومن هنا أقول إن من اجتمع عليه فرضان فأداهما أفضل ممن ليس عليه إلا فرض واحد فأداه، كمن وجب عليه صلاة وزكاة، فقام بهما فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاة فقط. ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروض فلم يؤد منها شيئًا كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها.
قال في "الفتح": والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة، لما يدخل عليه من مشقة الرق، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل، لم يختصر العبد بذلك، وقال ابن التين: المراد أن كل عمل يعمله يضاعف له. قال: وقيل سبب ذلك التضعيف أنه زاد لسيده نصحًا، وفي عبادة ربه إحسانًا، فكان له أجر الواجبين، وأجر الزيادة عليهما. قال: والظاهر خلاف هذا. وأنه بيّن ذلك، لئلا يظن ظان أنه غير
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 363)
مأجور على العبادة وما ادُّعي أنه الظاهر لا ينافي ما نقله قبل ذلك، فإن قيل يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات، أجاب الكرماني بأنه لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أُخر يستحق بها أضعاف أجر العبد. أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما.
قلت: هذا الأخير لا يصح أن يكون مرادًا، ولا ينبغي أن ينسب إلى الشارع التنبيه عليه لبداهته ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصًا بالعمل الذي تتحد فيه طاعة الله وطاعة السيد، فيعمل عملًا واحدًا ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلف الجهة، فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار.
وإنما عني العبد، ونكر رجلًا في الموضعين الأخيرين، لأن المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة، وكذلك الإِتيان في العبد "بإذا" دون القسم الأول. لأن إذا ظرف، وآمن حال وهي في حكم الظرف، لأن معنى جاء زيد راكبًا في وقت الركوب وحاله، وما قاله الكرماني من أن وجه المخالفة الإشعار بفائدة عظيمة، وهي أن الإِيمان بنبيه لا يفيد في الاستقبال الأجرين، بل لابد من الإِيمان في عهده حتى يستحق أجرين بخلاف العبد، فإنه في زمان الاستقبال يستحق الأجرين أيضًا، فأتى بإذا التي للاستقبال.
تعقبه في "الفتح" فقال: إنه غير مستقيم، لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس متفقًا عليه بين الرواة، بل هو عند المصنف وغيره مختلف، فقد عبر في ترجمة عيسى "بإذا" في الثلاثة، وعبر في النكاح بقوله "أيما رجل" في المواضع الثلاثة، وهي صريحة في التعميم.
وقوله: "ورجل كانت عنده أمة" أي: والثالث رجل كانت عنده أمة وفي رواية زيادة "يطأها". وقوله: "فأدبها" أي: لتتخلق بالأخلاق الحميدة،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 364)