ابن عبد العزيز، وكان على رأس المئة الثانية، من ذهاب العلم بموت العلماء، ورأى أن في تدوينه ضبطًا له وإبقاءً.
وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان هذه القصة بلفظ "كتب عمر إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فاجمعوه". وقوله: "ولا يقبل". بضم المثناة التحتية، وسكون اللام وفي بعض النسخ بالرفع، على أن "لا" نافيه وفي بعضها "تَقْبلْ" بفتح المثناة الفوقية على الخطاب مع الجزم، وقوله: وَلْيُفشوا العلم وليجلسوا" بضم المثناة التحتية في الأول، من الإِفشاء، وفتحها في الثاني من الجلوس، لا من الإجلاس مع كسر اللام وسكونها فيهما معًا وفي رواية ابن عساكر "ولتفشوا ولتجلسوا" بالمثناة الفوقية فيهما.
وقوله: "حتى يُعلم" بضم المثناة التحتية، وتشديد اللام المفتوحة وللكَشْمَيْهنيّ "يعْلم" بفتحها وسكون العين وتخفيف اللام، من العلم، وقوله: "فإن العلم لا يهْلِك" بفتح أوله وكسر ثالثه، من باب ضرب، وقد تفتح. وقوله: "حتى يكون سرًا" أي خفية، كاتخاذه في الدار المحجورة التي لا يتأتى فيها نشر العلم، بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها. وهذا التعليق يأتي عقبة موصولًا، وسنده اثنان: الأول عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين، مر في أول كتاب الإيمان في الأثر الأول قبل ذكر حديث منه.
والثاني: أبو بكر بن حَزْم، وهو ابن محمد بن عمرو بن حَزْم، الأنصاريّ الخزرجيّ البخاريّ القاضي، المدنيّ. يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد. وقيل: اسمه كنيته. قال ابن معين وابن خراش: ثقة، وذكره ابن حِبان في الثقات، وقال عطّاف بن خالد عن امرأة أبي بكر بن حزم قالت: ما اضطجع أبو بكرٍ على فراشه منذ أربعين سنة بالليل، وقال محمد بن عليّ بن شافع: قالوا لعمر بن عبد العزيز: استعملت أبا بكر غرك بصلاته. فقال: إذا لم يَغرَّني المصلون فمن يغرني؟ قال: وكانت سجدته
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 385)
قد أخذت جبهته وأنفه. وذكره ابن عديّ في محدّثي أهل المدينة، والواقديّ في ثقاتهم. وقال: كان ثقة كثير الحديث.
وقال مالك: لم يكن عندنا بالمدينة أحد عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن حزم، وكان ولاه عمر بن عبد العزيز، وكتب له من العلم ما عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد. ولم يكن بالمدينة أنصاري أمير غير أبي بكر بن حزم، وكان قاضيًا وقال أيضًا: ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مروءةً ولا أتم حالًا، ولا رأيت مثل ما أرى.
ولي المدينة والقضاء والموسم لسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، وسئل يحيى بن مُعين عن حديث عثمان بن حكيم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، قال: عرضت على النبي … فقال: مرسل. روى عن أبيه، وأرسل عن جده، وروى عن خالته عَمْرة بنت عبد الرحمن، وخالدة بنت أنس، ولها صحبةٌ، والسائب بن يزيد، وعمر بن عبد العزيز، وخلق. وروى عنه ابناه عبد الله، ومحمد وابن عمه محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم، وعمرو بن دينار، وهو أكبر منه، والزُّهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وخلق كثير. وله أخ اسمه عثمان. وأخت اسمها أم كلثوم، وأمهم كَبْشَة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة. مات سنة مئة، وفيها أقام الحج، وقيل: مات سنة عشر ومئة، وقيل سنة عشرين ومئة، في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
وليس في الستة أبو بكر بن محمد سواه إلا واحد، وهو أبو بكر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد فقهاء المدينة السبعة، كل منهما اسمه أبو بكر وله كنية، فهو كنيته أبو محمد، والثاني كنيته أبو عبد الرحمن. قال الخطيب لا نظير لهما، يعني ممن اسمه أبو بكر وله كنية، وأما من اشتهر
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 386)
بكنيته، ولم يعرف له اسم غيرها فكثير، ثم ذكر البخاري هذا التعليق موصولًا فقال:
حدثنا العلاء بن عبد الجبار قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن عبد بن دينار بذلك، يعني حديث عمر بن عبد العزيز، إلى قوله ذهاب العلماء.
وفي رواية الأصيلي: قال أبو عبد الله، أي البخاري: حدثنا العلاء بن عبد الجبار. ولم يقع هذا التعليق موصولًا في رواية الكشَمْيهنيّ وكريمة وابن عساكر، وأشار بهذا إلى أنه روى أثر عمر بن عبد العزيز موصولًا ولكنه إلى قوله "ذهاب العلماء" فسر ذلك بقوله: يعني حديث عمر بن عبد العزيز، إلى قوله "ذهاب العلماء" قال في "الفتح": يحتمل أن يكون ما بعده ليس من كلام عمر، أو من كلامه ولم يدخله في هذه الرواية. والأول أظهر، وبه صرح أبو نعيم في "المستخرج"، ولم أجده في مواضع كثيرة إلا كذلك، وعلى هذا فبقيته من كلام المصنف. أورده تلو كلام عمر، ثم بين أن ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر.
ولعل المصنف أخر إسناد كلام عمر بن عبد العزيز عن كلامه، لكونه لم يطلَّع عليه إلا بعد وضع هذا الكلام، فألحقه بالأخير.
رجاله ثلاثة: الأول العلاء بن عبد الجبار أبو الحسن البصريّ العطَّار الأنصاريّ، مولاهم، سكن مكة، أخرج البخاري من رواية إسحاق بن إبراهيم، وأبي الهيثم في العلم، عنه عن عبد العزيز بن مسلم هذا الأثر، ولم يخرج عنه غيره. قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال العَجْلِيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال النَّسائي: ليس به بأس، وفي الزهرة روى عنه البخاري حديثين. توفي سنة اثنتي عشرة ومئتين روى التَّرمْذِي والنَّسائي وابن ماجة عن رجل عنه، ولم يخرج مسلم له شيئًا.
الثاني: عبد العزيز بن مسلم القسْملِي، مولاهم، أبو زيد،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 387)
المَرْوَزي، البصريّ. ذكره ابن حبان، وقال: أصله من مرو. وقال ابن مُعين وابن نُمير والعَجْلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقة، وقال أبو عامر: حدثنا عبد العزيز، وكان من العابدين. وقال يحيى بن إسحاق: حدثنا عبد العزيز، وكان من الأبدال، وقال يحيى بن حسَّان: كان من أفاضل الناس، وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن حبان أيضًا: ربما وهم فأفحش.
روى عن أبي إسحاق الهَمْدانيّ، وعبد الله بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والاعمش، وابن عَجْلان وغيرهم. وروى عنه ابن مَهْدِيّ، وأبو عامر العَقْدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، والعلاء بن عبد الجبار وغيرهم. مات سنة سبع وستين ومئة في ذي الحجة، وليس في الستة عبد العزيز بن مسلم سواه إلا ابن مسلم الأنصاري، مولى آل رفاعة، والقسملي في نسبه مر الكلام عليه في التاسع والعشرين من كتاب الإيمان.
الثالث: عبد الله بن دينار، وقد مر في الثاني من كتاب الإيمان.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 388)
الحديث الثاني والاربعون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
قوله: "لا يقبض العلم انتزاعًا" أي: محوًا من الصدور، وكان تحديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، في حجة الوداع، كما رواه أحمد والطبراني والدارميّ عن أبي أُمامة. قال: لما كان في حجة الوداع، قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "خذوا العلم قبل أنْ يقبض أو يرفع" فقال أعرابيّ: "يا رسول الله: كيف يرفع العلم منا، وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها، وعلمناها أبناءنا ونساءنا، وخدمنا؟ فرفع إليه رأسه وهو مغضب فقال: وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يتعلقوا منها بحرف فيما جاءهم به أنبياؤهم، الا ان ذهاب العلم ذهاب حَمَلَته" ثلاث مرات. فبين عبد الله بن عمرو أن الذي ورد في قبض العلم ورفعه، إنما هو على الكيفية التي ذكرها، وقد فسر عمر قبض العلم بما وقع تفسيره به، وفي حديث عبد الله بن عمر، وذلك فيما أخرجه أحمد والبَّزار وابن عبد البر "أن عمر سمع أبا هريرة يحدث بحديث قبض العلم، فقال: إنَّ قبض العلم ليس شيئًا ينزع من صدور الرجال، ولكنّه فناء العلماء. وهذا يحتمل أن يكون عند عمر مرفوعًا، فيكون شاهدًا قويًا لحديث عبد الله ابن عمرو.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 389)
وقال ابن المنير. محو العلم من الصدور جائز في القدرة، إلَاّ أنّ هذا الحديث دل على عدم وقوعه. وأخرج الطبراني في "الأوسط" بسند ضعيف عن أبي سعيد بلفظ "يقبض اللهُ العلماء، ويقبض العلم معهم، فتنشأ أحداث، ينزو بعضهم على بعض نزو العير على العير، ويكون الشيخ فيهم مستضعفًا". وأخرج الدارمي عن أبي الدرداء قوله: "رفع العلم ذهاب العلماء" وعن حُذيفة "قبض العلم قبض العلماء" وعند أحمد عن ابن مسعود "هل تدرون ما ذهاب العلم؟ ذهابُ العلماء".
واستفيد من حديث أبي أمامة السابق أن بقاء الكتب بعد رفع العلم بموت العلماء، لا يغني عمن ليس بعالم شيئًا. وقوله: "ولكن يُقبْض العلم بقبض العلماء" أي بقبض أرواحهم، وإنما عبر بالمظهر في قوله "يقبض العلم" موضع المضمر، لزيادة تعظيم المظهر، كما في قوله تعالى {الله الصمد} [الصمد: 2] بعد قوله {الله أحد} [الصمد: 1]. وقوله: "حتى إذا لم يبق" بضم المثناة التحتية، وكسر القاف من الإبقاء، وفيه ضمير يرجع إلى الله تعالى، أي حتى إذا لم يبق الله. وقوله: "عالمًا" بالنصب على المفعولية، وفي رواية غير الأصيليّ "يَبْقَ" بفتح حرف المضارعة، من البقاء الثلاثي. و"عالم" بالرفع على الفاعلية، ولمسلم حتى إذا لم يترك عالمًا وقوله: "اتخذ الناس رُؤساء" أي بضم الراء والهمزة، والتنوين، جمع رأس. ولأبي ذرٍ "رؤساء" بهمزة مفتوحة، وفي آخره همزة أخرى مفتوحة، جمع رئيس. وقوله: "جُهّالًا" بالضم والتشديد والنصب، صفة لسابقه، وقوله "فسُئلوا" بضم السين أي: سألهم الناس.
وقوله: "فضلوا" من الضلال، أي في أنفسهم وقوله: "وأضَلَّوا" من الاضلال أي أضلوا السائلين، فإن قيل الواقع بعد حتى هنا جملة شرطية فكيف وقعت غاية؟ أجيب بأن التقدير "ولكن يقبض العلم بموت العلماء إلى أن يتخذ الناس رؤساء جهالًا وقت انقراض أهل العلم" فالغاية في الحقيقة هي ما ينسبك من الجواب مرتبًا على فعل الشرط.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 390)
وفي الحديث الزجر عن ترئيس الجاهل لما يترتب عليه من المفسدة، وقد يتمسك به من لا يجوز تولية الجاهل بالحكم، ولو كان عاقلًا عفيفًا، لكن إذا دار الأمر بين العالم الفاسق والجاهل العفيف، فالجاهل العفيف، أولى لأن ورعه يمنعه عن الحكم بغير علم، فيحمله على البحث والسؤال.
واستدل به أيضًا على جواز خلو الزمان عن مجتهد، وهو قول الجمهور خلافًا لأكثر الحنابلة وبعض من غيرهم، لأنه صريح في رفع العلم بقبض العلماء، وفي ترئيس أهل الجهل ومن لازمه الحكم بالجهل، وإذا انتفى العلم وفي يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد وعورض بحديث "لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله" وقد مر في باب "من يرد الله به خيرًا يفقهْه في الدين" بجميع رواياته. وأجيب أولًا بأنه ظاهر في عدم الخلو، لا في نفي الجواز وثانيًا بأن الدليل للأول أظهر للتصريح بقبض العلم تارة، وبرفعه أخرى بخلاف الثاني، وعلى تقدير التعارض فيبقى أن الأصل عدم المانع.
قالوا الاجتهاد فرض كفاية، فيستلزم انتفاؤه الاتفاق على الباطل، وأجيب بأن بقاء فرض الكفاية مشروط ببقاء العلماء، فأما إذا قام الدليل على انقراض العلماء، فلا لأن بفقدهم تنتفي القدرة والتمكن من الاجتهاد، وإذا انتفى أن يكون مقدورًا لم يقع التكليف به، وقد مر في باب "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" في حديث معاوية، أن محل وجود ذلك عند فقد المسلمين بهبوب الريح، التي تهب بعد نزول عيسى عليه السلام، وموته، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا قبضته إلى آخر ما مر. فلا يرد حينئذ اتفاق المسلمين على ترك فرض الكفاية والعمل بالجهل، لعدم وجودهم، وهو المعبر عنه بقوله "حتى يأتي أمر الله".
ومر هناك ما جوزه الطبري من أنه يضمر في كل من الحديثين المحل الذي تكون فيه تلك الطائفة الخ، وما اعترض به عليه، ويمكن أن تنزل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 391)
هذه الأحاديث على الترتيب في الواقع، فيكون أولًا رفع العلم بقبض العلماء المجتهدين الاجتهاد المطلق، ثم المقيد ثانيًا، فإذا لم يبق مجتهدٌ استووا في التقليد، لكن ربما كان بعض المقلدين أقرب إلى بلوغ درجة الاجتهاد المقيد من بعض، ولاسيما إن فرعنا على جواز تجزي الاجتهاد، ولكن لغلبة الجهل يقدم أهل الجهل أمثالهم، وإليه الإِشارة بقوله: "اتخذ الناس رؤساء جهالًا" وهذا لا ينفي ترئيس من لم يتصف بالجهل التام، كما لا يمتنع ترئيس من ينسب إلى الجهل في الجملة في زمن جهل الاجتهاد.
وقد أخرج ابن عبد البر في كتاب "العلم" عن درَّاج أبي السَّمْع أنه قال: يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حتى يصير عليها في الامصار يلتمس من يفتيه بسنة، قد عمل بها فلا يجد إلا من يفتيه بالظن، فيحمل على أن المراد الأغلب الأكثر في الحالين، وقد وجه هذا مشاهدًا. ثم يجوز أن يقبض أهل تلك الصفة، ولا يبقى إلَاّ المقلد الصرف، وحينئذ يتصور خلو الزمان من مجتهد، حتى في بعض الأبواب، بل في بعض المسائل، ولكن يبقى من له نسبة إلى العلم في الجملة، ثم يزداد حينئذ غلبة الجهل، وترئيس أهله. ثم يجوز أن يقبض أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، وذلك جدير بأن يكون عند خروج الدّجال، أو بعد موت عيسى عليه السلام، وحينئذ يتصور خلو الزمان عمن ينسب إلى العلم أصلًا، ثم تهب الريح فتقبض كل مؤمن، وهناك يتحقق خلو الأرض عن مسلم، فضلًا عن عالم، فضلًا عن مجتهد، ويبقى شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة، والعلم عند الله تعالى.
رجاله خمسة: الأول إسماعيل بن أبي أُويس، وقد مر في الخامس عشر من كتاب الإيمان، ومر الإِمام مالك، وهشام بن عُرْوة، وأبوه عُروة في الثاني من بدء الوحي، ومر عبد الله بن عمرو بن العاص في الثالث من كتاب الإيمان. أخرجه البخاري هنا، وفي الاعتصام عن سعيد بن تَلِيد،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 392)
ومسلم في القدر عن قتيبة وغيره، والتِّرْمذيّ في العلم عن هارون بن إسحاق، وقال: حسن صحيح. والنَّسائيّ فيه عن محمد بن رافع، وابن ماجة في السنة عن أبي كريب. وفي بعض نسخ البخاري وهي من زيادة الراوي عن البخاري.
قال الفربريّ: حدثنا عباس قال: حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن هشام نحوه. قوله "نحوه" أي بمعنى حديث مالك، وهذه هي عادة المحدثين يعبرون "بنحوه" في الحديث الذي بمعنى الحديث، وبمثله في الحديث الذي بلفظ الحديث. ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلم عنه.
رجاله خمسة: الأول الفَرْبَري أبو عبد الله محمد بن يوسف، وقد مر في التعاليق المذكورة بعد الرابع من كتاب العلم، الثالث قتيبة، وقد مر في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان، ومر هشام بن عروة في الثاني من بدء الوحي، ومر جرير بن عبد الحميد في الثاني عشر من كتاب العلم هذا.
والثاني من السند: -عباس بن الفضل بن زكرياء، روى عنه أبو منصور النضرويّ. قال الخطيب: كان ثقة من الطبقة الثانية عشرة، بل من التي بعدها، ولد بعد موت ابن ماجة ومات سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة. وعباس بن الفضل في الستة واحد، وهو أبو الفضل الأنصاري الواقفي، نزيل الموصل، وفي غير الستة خمسة بهذا، صاحب الترجمة. فإنه روى عن أحمد بن نجدة والحسين بن إدريس. وقول من قال: إن ابن ماجة روى عنه غلطٌ. كما مر من أنه إنما ولد بعد موته، إنما روى عن ابن الفضل الأنصاري. ثم قال المصنف:
باب هل يجعل للنساء يومًا على حدة في العلم
أي الإمام، وللأصيليّ وكريمة: يُجعل بضم أوله. وعندهما يومٌ بالرفع لأجل ذلك. وقوله على حدة، بكسر المهملة وفتح الدال المهملة المخففة، أي ناحية وحدهن، والهاء عوض عن الواو المحذوفة، كما قالوا في عدة من الوعد.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 393)
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ الأَصْبَهَانِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ. قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ "مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَاّ كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاثْنَيْنِ فَقَالَ "وَاثْنَيْنِ".
قوله: "قال: قال النساء": وفي رواية بإسقاط قال الأولى، ولغير أبي ذر وأبي الوقت وابن عساكر "قالت النساء" بتاء التأنيث، وكلاهما جائز في فعل اسم الجمع. وقوله: "غلبنا عليك الرجالُ" بفتح الموحدة من غلبنا، أي بملازمتهم لك كل الأيام، يتعلمون الدين، ونحن نساء ضعفة، لا نقدر على مزاحمتهم. وقوله: "فاجعل لنا يومًا من نفسك" أي: عيَّن لنا يومًا من الأيام، تعلمنا فيه، يكون منشؤه من نفسك، أي من اختيارك، لا من اختيارنا. ومن ابتدائية، وعبر عن التعيين بالجعل، لأنه لازمه.
وقوله: "فوعدهن يومًا لقيهن فيه" أي في اليوم الموعود به، ويومًا نصب مفعولٍ ثان "لوعد" ولا يقال إن في الكلام عطف جملة خبرية، وهي "فوعدهن"، على جملة إنشائية، وهي "فاجعل لنا". وقد منعه ابن مالك وابن عصفور، لأنا نقول: إن العطف ليس على قوله فاجعل لنا يومًا بل، العطف على جميع الجملة من قوله: غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يومًا من نفسك.
وقوله: "فوعظهنَّ" التقدير: فوفَّى بوعده، فلقيهنّ فوعظهنَّ. وفي رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هُريَرْة بنحو هذه القصة، فقال:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 394)
موعدكن بيت فلانة، فأتاهن فحدثهن. وقوله: "فأمرهن" أي: بالصدقة أو حذف المأمور به لإرادة التعميم. وقوله: "ما منكن امرأة"، وللأصيلي "ما من امرأة". ومن زائدة لفظًا، وقوله: "تقدم" صفة لامرأة، وقوله: "إلا كان لها حجابًا" أي: كان بالتقديم لها حجابًا. وللأصيلي "حجاب" بالرفع، وتعرب كان تامة، أي حصل لها حجاب، وللمصنف في الجنائز "إلا لها" أي الأنفس التي تقدم، وله في الاعتصام "إلَاّ كانوا" أي الأولاد. وحكم الرجل في ذلك كالمرأة.
وقوله: "فقالت امرأة" قيل: هي أم سُليم، كما عند الطبراني وأحمد، أو أم هانىء كما عند الطبراني في الأوسط، أو أم أيمن كما عنده في الأوسط أيضًا، أو أم مُبَشر الانصارية، كما عند الطبراني. والظاهر أنها بنت البراء ابن مَعْرور أو عائشة، كما في حديث ابن عباس عند التِّرمذي. وأم سُليم، جاء تعريفها في السبعين من كتاب العلم هذا، وجاء تعريف أم هانىء في الثلاثين من كتاب الغسل، وجاء تعريف أم أيمن في الثاني والستين من الهبة، ومرت عائشة في الثالث من الوحي، فيحتمل أن يكون كل منهن سأل عن ذلك في ذلك المجلس وأما تعدد القصة ففيه بعد، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم، لما سُئل عن الاثنين بعد ذكر الثلاثة، وأجاب بأن الاثنين كذلك، يكون الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعدًا جدًا، لأن مفهومه يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم، بناءً على القول باعتبار مفهوم العدد، وهو معتبر هنا كما يأتي البحث فيه قريبًا إن شاء الله تعالى.
وقد جاء من حديث جابر بن عبد الله عند أحمد أنه ممن سأل عن ذلك. وروى الحاكم والبَزَّار من حديث بُريدة أن عمر سأل عن ذلك، ولفظه "ما من امرىء، ولا امرأة يموت له ثلاثة أولاد إلا أدخله الله الجنة فقال: عمر: يا رسول الله، واثنان؟ قال: وأثنان". قال الحاكم: صحيح
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 395)
الإسناد، وهذا لا بعد في تعدده، لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال.
وقوله: "واثنين فقال واثنين" ولكريمة "واثنتين" بزيادة تاء التأنيث، وهو منصوب بالعطف على ثلاثة، ويسمى العطف التلقيني وروايته في الجنائز: قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان. أي: وإذا مات اثنان ما الحكم؟ فقال: واثنان، أي: وإذا مات اثنان، فالحكم كذلك، وكأنها فهمت الحصر، وطمعت في الفضل، فسألت عن حكم الاثنين: هل يلتحق بالثلاثة أم لا.
وقال ابن بّطال تبعًا لعياض: هذا يدل على أن مفهوم العدد ليس بحجة لأن الصحابية من أهل اللسان، ولم تعتبره، إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة، لكنها جوزت ذلك، فسألته كذا، قال: والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد، إذ لو لم تعتبره لم تسأل، والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينية، وإنما هي محتملة، ومن ثَمَّ وقع السؤال عن ذلك.
قال القرطبي: إنما خُصَّت الثلاثة بالذكر لأنها أول مراتب الكثرة، فبعظم المصيبة يعظم الأجر، فأما إذا زاد عليها، فقد يخف أمر المصيبة، لأنها تصير كالعادة، كما قيل:
رُوّعتُ بالبين حتى لا أُراع له
وهذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة ثم في الإثنين، بخلاف الأربعة والخمسة، وهو جمود منه شديد، فإنّ من مات له أربعة فقد مات له ثلاثة ضرورة، لأنهم إن ماتوا دفعة واحدةً، فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خفاء بأن المصيبة بذلك أشد، وإن ماتوا واحدًا بعد واحدٍ، فأن الأجر يحصل له عند موت الثالث بمقتضى وعد الصادق، فيلزم على قول القرطبي أنّه إن مات له الرابع، أن يرتفع عنه ذلك الأجر، مع تجدد المصيبة، وكفى بهذا فسادًا، والحق أن تناول الخبر الأربعة فما فوقها من باب أولى وأحرى.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 396)
ويؤيد ذلك أنهم لم يسألوا عن الأربعة، ولا ما فوقها، لأنها كالمعلوم عندهم، لأن المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم. وقال القرطبي أيضًا: يحتمل أن يفترق في ذلك بافتراق حال المصاب، من زيادة رقة القلب، وشدة الحب، ونحو ذلك. قال في الفتح جوابًا عما قال: لم يقع التقييد في طرق الحديث بشدة الحب ولا عدمه، وكان القياس يقتضي ذلك لما يوجد من كراهة بعض الناس لولده، وتبرمه منه، ولاسيما من كان ضيق الحال، لكن لما كان الولد مظَنَّة المحبة والشفقة نِيْط به الحكم، وإن اختلفت في بعض الأفراد.
وقد قال ابن بطَّال: إنَّ إخباره، عليه الصلاة والسلام، بالاثنين محمول على أنه أُوحي إليه بذلك في الحال، ولا بَعُد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين. ويحتمل أن يكون كان العلم عنده بذلك حاصلًا، لكن أشفق عليهم أن يتكلموا، لأن موت الاثنين غالبا أكثر من موت الثلاثة، كما وقع في حديث معاذ وغيره في الشهادة بالتوحيد، ثم لما سُئل عن ذلك، لم يكن بد من الجواب.
وقد وردت أحاديث في إلحاق الواحد بالاثنين، منها ما أخرجه الطَّبراني في الأوسط عن جابر بن سُمْرة مرفوعًا "من دفن ثلاثة، فصبر عليهم، واحتسب، وجبت له الجنة" فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ فقال: "أو اثنين"، فقالت: وواحد؟ فسكت، ثم قال: "وواحد".
وأخرج التِّرمذي عن ابن مسعود مرفوعًا، وقال: غريب، "من قَدَّم ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنًا حصينًا من النار" قال أبو ذَرٍّ: قدمت اثنين، قال: "واثنين" قال: أُبَيّ بن كعب: قدمت واحدًا قال: و"واحدًا".
وأخرج التِّرمْذِي أيضًا عن ابن عباس رفعه، "من كان له فَرْطان من أمتي أدخله الله الجنة" فقالت عائشة: فمن كان له فرْط؟ قال: "ومن كان له فرط" الحديث، وليس في شيء من هذه الطرق ما يصلح للاحتجاج،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 397)
بل وقع في رواية شريك: ولم يسأله عن الواحد. وروى النسائي وابن حبان عن أنس أن المرأة التي قالت "واثنان" قالت بعد ذلك: يا ليتني قلت: "وواحد".
وروى أحمد من طريق محمود بن لبيد عن جابر رفعه، "من مات له ثلاث من الولد فاحتسبهم، دخل الجنة، قلنا: يا رسول الله، واثنان؟ قال: واثنان" قال محمود: قلت لجابر: أراكم لو قلتم وواحد، لقال: وواحد، قال: وأنا أظن ذلك. وهذه الأحاديث الثلاثة اصح من تلك الثلاثة لكن روى المصنف من حديث أبي هريرة في الرقاق مرفوعًا: "يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة" وهذا يدخل في الواحد فما فوقه وهو أصح ما ورد في ذلك.
رجاله خمسة: الأول آدم بن أبي إياس، وقد مر هو وشُعبة في الثاني من كتاب الإيمان، ومر أبو صالح في الثاني منه، ومر أبو سعيد الخُدْري في الثاني عشر من كتاب الإيمان.
الثالث من السند: عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبْهاني الكُوفيّ الجُهنيّ، ويقال الجَدليّ، كان يتجر إلى أصبهان قال ابن معين وأبو زَرعة والنَّسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العَجْليّ: ثقة، روى عن أنس وأبي حازم الأشجعي وعِكْرمةَ وأبي صالح السمان والشعبيّ وغيرهم. وروى عنه أبن أخيه محمد بن سليمان، وشُعبة والثَّورْيّ، وأبو عُوانة وابن أبي زائدة، وابن عُيينة وغيرهم. مات في إمارة خالد القسْريّ على العراق. وعبد الرحمن بن عبد الله في الستة كثير.
والأصبهاني في نسبه نسبة إلى أصبهان، بفتح الهمزة وكسرها، وهي مدينة عظيمة في العراق العجميّ من بلاد فارس، وقد قال بعض السَّوّاح المتأخرين: لا تزال أصبهان أعظم مدن فارس وأجملها، لكن آثار عظمتها
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 398)
القديمة آخذة في التلاشي، والآن هي إحدى ولايات العجم، وبها من السكان نحو تسعين الفًا، وكان فتحها في خلافة عمر بن الخطاب سنة إحدى وعشرين، أرسل إليها عبد الله بن عبد الله بن عَتْبان، وأمدّه بأبي موسى الأشعري، ففتحت بعد قتال شديد. وفي معجم البلدان من أمرها، وما وقع فيها للشيعة شيء عجيب. و"الجدلي" في نسبه أيضًا نسبة إلى جديلة، وقد مر في الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده: - منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإِفراد والسماع والعنعنة، ورواته ما بين كوفيّ وواسطيّ ومدنيّ. أخرجه البخاري هنا، وفي الجنائز أيضًا، عن مسلم بن إبراهيم، وفي العلم أيضًا عن بندار، وفي الاعتصام عن مسدد، ومسلم في الأدب عن أبي كامل الجُحْدُري وغيره، والنّسائي في العلم عن أبي موسى وبُندار وغيره.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 399)
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِىِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: "ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ".
قوله: "وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني" الواو فيه للعطف على قوله: أولًا "عن عبد الرحمن"، والحاصل أن شعبة يرويه عن عبد الرحمن بإسنادين، فهو موصول، ووهم من زعم أنه معلق، وأفاد بهذا الإِسناد فائدتين:
إحداهما: تسمية ابن الأصبهاني المبهم في الرواية الأولى.
والثانية: زيادة طريق أبي هُريرة التي زاد، فيها التقييد بعدم بلوغ الحنث.
وقوله: "لم يبلغوا الحنِث" هو بكسر المهملة وسكون النون بعدها مثلثة، وحكي عن الداودي أنه ضبطه بفتح المعجمة والموحدة، وفسره بأن المراد لم يبلغوا أن يعملوا المعاصي، ولم يذكره كذلك غيره، والمحفوظ الأول. والمعنى: لم يبلغوا الحُلُم فتكتب عليهم الآثام.
قال الخليل: بلغ الغلام الحنث إذا جرى القلم، والحنث الذنب. قال الله تعالى: {وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} وقيل: المرادُ بلغ إلى زمان يُؤاخذ بيمينه إذا حَنَثْ. وقال الراغب: عبر بالحنث عن البلوغ لما كان الإنسان يُؤاخذ بما يرتكبه فيه، بخلاف ما قبله، وخص الإثم بالذكر، لأنه الذي يحصل بالبلوغ، لأن الصبي قد يثاب، وخص الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم، والحب له أشد، والرحمة له أوفر. وعلى
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 400)
هذا، فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة. وبهذا صرح كثيرٌ من العلماء، وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير، فإنه لا يتصور منه ذلك، إذ ليس بمخاطب.
وقال الزين بن المنير: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى، لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كلٌّ على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي، ووصل له منه النفع، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق؟ قال: ولعل هذا هو السر في الغاء البخاري التقييد بذلك في الترجمة، ويقوي الأول قوله في بقية الحديث: "بفضل رحمته إياه" لأن الرحمة للصغار أكثر، لعدم حصول الإِثم منهم، وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونًا مثلًا واستمر على ذلك فمات؟ فيه نظر، لأن كونهم لا إثم عليهم، يقتضي الإِلحاق، وكون الامتحان بهم يخف بموتهم يقتضي عدمه، وهل يدخل في الأولاد أولاد الأولاد؟ محل بحث، والذي يظهر أن أولاد الصُلب يدخلون، ولاسيما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب، وفي التقييد بكونهم من صُلبه، ما يدل على إخراج أولاد البنات.
وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعليم الدين، وفيه جواز الوعد، وأن أولاد المسلمين في الجنة، لأنه يبعد أن الله تعالى يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء، ولا يرحم الأبناء، وكون أولاد المسلمين في الجنة قاله الجمهور، ووقفت طائفة قليلة، وقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين، على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة الذي أخرجه مسلم بلفظ "تُوفيّ صبي من الأنصار، فقلت: طوبى له لم يعمل سوءًا، ولم يدركه، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلًا" الحديث. قال: والجواب عنه أنه لعله نهانا عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 401)
وقال القُرطبيُّ: نفى بعضهم الخلاف في ذلك، وكأنه عني به ابن أبي زيد، فإنه أطلق الإجماع في ذلك، ولعله أراد إجماع من يعتد به. وقال المازريّ: الخلاف في غير أولاد الأنبياء. وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن علي، مرفوعًا "أن المسلمين وأولادهم في الجنة، وأن المشركين وأولادهم في النار" ثم قرأ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ} [الطور: 21] الآية. وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية وبه جزم ابن عباس.
رجاله ثمانية: الأول محمد بن بَشَّار، وقد مر في الحادي عشر من كتاب العلم، ومر غُنْدُر، وهو محمد بن جعفر في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان، ومر شعبة في الثالث منه، ومر أبو صالح وأبو هريرة في الثاني منه أيضًا، ومر أبو سعيد الخدري في الثاني عشر منه أيضًا، ومر عبد الرحمن بن الأصبهاني في الذي قبل هذا.
والثامن أبو حازم وهو سَلْمان الاشّجْعيّ الكوفي، قال أحمد وابن مُعين وأبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وقال العَجْلي: ثقة: وقال ابن عبد البرّ: اجمعوا على أنه ثقة. روى عن مولاته عزة الاشجعية، وابن عمر وأبي هريرة، والحسن والحسين، وابن الزبير وغيرهم، وروى عنه الأعمشُ ومنصور وأبو مالك الأشجعيّ وعديّ بن ثابت، وفُضَيل بن غَزوان ومَيْسَرة وغيرهم. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقد يشتبه بأبي حازم سلَمة بن دينار الزّاهد، فإنهما تابعيان مشتركان في الكنية. قال أبو عليّ الجَيَّاني: أبو حازم رجلان تابعيان يكنيان بأبي حازم، يرويان عن الصحابة. فالأول الأشجعي هذا، والثاني سلمة بن دينار الأعرج، كثير الرواية عن سهل بن سعد، ومن الفرق بينهما أن الأول توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، والثاني توفي سنة خمس وثلاثين ومئة، والأول لم يرو في البخاري ومسلم إلَاّ عن أبي هريرة، والثاني لم يرو فيهما إلَاّ عن سهل بن سعد، وكلاهما ثقة. ثم قال المصنف.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 402)
باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه
زاد في رواية أبي ذَرٍّ "فلم يفهمه". قوله: "فراجع" أي راجع الذي سمعه منه، وللأصيليّ فراجع فيه. وفي رواية فراجعه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 403)
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَاّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ". قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} قَالَتْ فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ".
قوله: "إن عائشة" ظاهر أوله الإرسال، لأن ابن أبي مُليكة تابعي، لم يدرك مراجعة عائشة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لكن تبين وصله بعد في قوله: "قالت عائشة: فقلت. وقوله: "لا تسمع" أي: بالمضارع، استحضارًا للصورة الماضية لقوة تحققها، وقوله: وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" عطف على قوله أن "عائشة" وقوله: "فقلت: أو ليس يقول الله تعالى" يقول خبر ليس، واسمها ضمير الشأن، أو أن ليس بمعنى لا، أي أو لا يقول الله. وفي رواية في التفسير "يا رسول الله جعلني الله فداءك، أليس يقول الله عز وجل".
وقوله: "فقال: إنما ذلك العرض" بكسر الكاف، لأنه خطاب للمؤنث. قال القُرطبيْ: معنى قوله "إنما ذلك العرض" أن الحساب المذكور في الآية، إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه، حتى يعرف منّة الله تعالى عليه، في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة، كما في حديث ابن عمر في النجوى، أخرجه المؤلف في المظالم. وفي تفسير سورة هود، وفي التوحيد، بلفظ "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك في الآخرة".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 404)