ولأنه لا يثبت إلا بنقل متواتر يرفع شبهة التبديل بتهمة الجهل بالمعنى.
ولأن ناقل القرآن عن جهل لا يقدر عليه إلا بعد الجهد لحفظه سنين كثيرة، ولو ظهر مثله في الحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل.
ولهذا قلت الرواية من كبار الصحابة وكانوا يمتنعون عن كثرة الرواية.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "إذا سئلتم عن شيء فلا ترووا، ردوا الناس إلى كتاب الله تعالى".
وعن عمر رضي الله عنه: "لو حدثتم فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم".
وكان زيد بن أرقم إذا سئل عن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع وقال: "كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد".
وعن عمرو بن ميمون: جالست عبد الله بن مسعود سنة فما سمعته يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذه البهر والعرق- ثم قال: هذا أو نحوه أو قريباً منه أو كما قال.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يكثر الرواية وكان يرد عليه به، قالت عائشة رضي الله عنها وأشارت إلى أبي هريرة رضي الله عنه: أما تعجب من هذا وكثرة روايته ما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بكلمات لو عدها عاد لأحصاها. أو نحواً من ذلك. وكانوا يستدلون بكثرة الرواية على قلة المبالاة بموضع التوقف للحزم.
وهذا باب معتبر حتى قيل- فيمن يعتاد فعل مباحات بحرم المروءة وآداب النفس نحو الأكل في الأسواق وقضاء حاجته بينهم-: أنه لا تقبل شهادته لقلة مبالاته.
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "كنا نروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ركب الناس الصعب والذلول فتركنا الرواية". اللفظ كما هو، وقد تكلم أهل الأخبار في هذا الباب فأطالوا واقتصرنا نحن على الإشارة إلى ما فيه الضبط والدين والورع.
وأما الإسلام: فاسم لهذه الشريعة وإنه نوعان:
أ- ظاهر وهو بالميلاد في المسلمين والنشوء بينهم على طريقهم شهادة عبادة.
ب- وباطن لا يوقف عليه إلا باستيصاف الصانع عز ذكره، فإذا وصفه بجميع أسمائه وصفاته التي لا بد من وجودها للألوهية عن علم لا تلقن، كان مسلماً على الحقيقة، وإذا لم يعلم شيئاً منها كان كافراً.
قال محمد بن الحسن- رحمه الله في المرأة إذا بلغت فاستوصفت فلم تصف أنها تبين من زوجها، وإن كنا حكمنا بصحة النكاح بناء على ظاهر الإسلام، وهذا لأن الشرط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
أن تعلم الله تعالى بأسمائه وصفاته، وحفظ اللغة غير العلم بالمعنى.
وكذلك من آمن برسالة محمد ثم لم يعرفه ولم يدر أي محمد هو فإنه لا يكون مؤمناً به ولا من أمته، وكالنصارى آمنوا بعيسى وهو ولد الله تعالى عندهم فلم يكن إيماناً بعيسى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبده، وهذا من أهم العلوم فقد استخف الناس به ولا ينبغي ذلك.
فإن كان الرجل ممن له معرفة بالوصف لكنه عاجز عن العبارة عنه إذا سئل كان مسلماً حقيقة فيما بينه وبين ربه، إلا أنا لا نعرف باطنه فنحكم بكفره إذا عجز واستحساناً أن نستوصفه على سبيل التلقين، فنقول له: أليس الله بقادر وعالم أيضاً، وأيضاً حتى يسهل عليه الجواب به إذا وافق استفهامي ما قلبه وعلمه.
فإذا تمت هذه الشروط كان مقبول الرواية وإن كان عبداً، لأن الرق لا يؤثر في شيء من هذه الأوصاف وإنما لم تقبل شهادته لأنها مبنية على الولاية على غيره، والرق يسلب الولاية على الغير وإنما بنيت الولاية على غيره لأن فيها تنفيذ حكم قوله عليه، كما ينفذ بيع ماله وإجارته نفسه.
وأما أخبار الدين فإنها تلزم السامع باعتقاده أن الله تعالى إله تجب طاعته ومحمد رسول الله تجب طاعته وتصديقه وهذا كما يلزم القاضي الاستماع إلى خبر المدعي الكافر إذا ادعى وإلى إنكاره وإلى شهادته على الكافر ويلزمه القضاء به لأنه لا يلزمه بشهادة الشاهد فإن في لفظه إلزام المشهود عليه دون القاضي، وإنما يلزمه بقبول أمانة القضاء من الله تعالى بالشروع فيه.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بقراءة" ما فيه إلزام السامع شيئاً لغة بل فيه إخبار عن صفة تقوم بها الصلاة كما تقول: لا خياطة إلا بإبرة، لم يكن هذا خطاباً يلزم السامع شيئا وإنما يلزمه ما يلزمه لاستعماله الخياطة باختياره فكذا السامع خبر الرسول صلى الله عليه وسلم يلزمه بعقد أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق يدان الله به.
ولما لم يكن فيه إلزام من الراوي لم يشترط قيام ولايته على السامع، ألا ترى أنا نسمع أخبار الحدود من النساء وما لهن من ولاية إقامة الحدود ولا شهادتها، ألا ترى أن كثيراً من الصحابة الذين هم موالي نقلوا أخباراً وتلقتها الأمة بقبولها ولم يتفحصوا عن التاريخ والنقل أنه كان قبل العتق أو بعده.
ولو كانت الحرية شرطاً لما كانت حجة حتى يعلم أن النقل كان بعد العتق.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد المملوك، وما كان يجيب إلا بخبره أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
المولى أذن له به ولم يظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخبر المولى به ولو كان شرطا لنقل في الحديث ولم يجز الإعراض عنه.
وكذلك بريرة: كان يتصدق عليها وهي تهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقبل ويصدقها على ذلك.
وثبت أن رواية الأعمى مقبولة لأن العمى لا يوجب خللاً في العلم ولا في العبارة، بخلاف الشهادة لأنه يحتاج إلى تمييز المشهود له من المشهود عليه عند الأداء، والعمى يوجب خللاً فيه لأنه حال البصر يميز بالعيان والآن بالاستدلال، والراوي لا يحتاج إلى هذا التمييز.
ولأن باب الشهادة أضيق على ما مر في بيان شرط العدد ولفظ بعينه ليصير حجة، وهذا لأن الشاهد يلزم غيره ولا يلزم نفسه وراوي الخبر يلتزم كما يلزم غيره فجرى التزامه مجرى شاهد آخر معه.
ولأن كثيراً من الصحابة كف بصرهم وقبلت روايتهم بلا فحص عن التاريخ، منهم: عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع- رضي الله عنهم.
وكذلك رواية النساء مقبولة لأنهن في الشهادات فوق العميان ثم قبلت رواية العميان فالنسوان أولى، ولأن النقصان قيهن في باب الشهادات بشرط زيادة العدد، وزيادة العدد لها عبرة في باب الشهادات، ولا عبرة لها في باب الروايات لأخبار الشرع، ألا ترى أن زيادة العدد شرط في شهادة الرجال وليس بشرط في روايتهم الأخبار.
ولأن شهادة القابلة حجة بانفرادها لضرب عذر، فباب الخبر أولى لأنه أوسع من كل شهادة.
ولأن الصحابة كانوا يسألون نساء النبي- صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن- فيما يختص بهن وكانوا يعملون بروايتهن وعائشة رضي الله عنها كانت من علماء الصحابة رأياً ورواية، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
باب
القول في الرواية عن الخط وما فيه من بيان الضبط
قال القاضي: إما أن يكون الكتاب تذكرة، والرواية عن علمه بعد ما تذكر بالنظر فيه. أو يكون الكتاب إماماً لا يتذكر ما فيه.
وإذا كان تذكرة لم يخل عن تذكرة سماع أو كتاب إليه من الراوي بالحديث عنه أو رسالة أو إجازة.
فالسماع والإجازة ضرب والكتاب إليه والرسالة ضرب لا سماع فيهما حقيقة.
وإذا كان الكتاب إماماً فهو ضربان أيضاً:
إما أن يكون كتابه بسماعه وخطه أو سماعه بخط غيره والخط معروف، والكاتب ثقة أو سماع أبيه بخط أبيه أو راوي معروف بالرواية معروف الخط، فسماعه نوع وسماع غيره نوع.
أما إذا كان الكتاب للتذكرة قبلت الرواية لأنه لا فرق بين التذكر بالتفكر وبين التذكر بمذكر إذ في الحالين جميعاً روى عن ذكر ولا يمكن اشتراط أن لا ينسى لأن الإنسان لا يمكنه الاحتراز عنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصاً به على ما قال الله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} وعلى أنه قد استثنى {إلا ما شاء الله}، وروي أنه كان يقرأ في الصلاة فتردد في آية.
وهذا إذا كان صحيحاً علمه ابتداء بأن كان سماعاً فعلى الحد الذي مر من قبل.
وأما إذا كان علمه بالكتاب إليه.
فإن كان كتاباً على وجهه على رسم الكتب وثبت الكتاب بحجة يثبت بمثله الكتاب وفيه: إذا جاءك كتابي هذا فحدث عني هذا الحديث بهذا الإسناد، حل له الرواية وقبلت منه روايته، وإن علمنا به، لأن الكتاب من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، وبلغه مرة بالخطاب، ومرة بالكتاب ومرة بالرسالة، وكذلك اليوم يثبت بالكتاب من السلاطين إلى الرعية ولاية السلطنة والقضاء ويثبت به الوكالات، ويقع به الطلاق، والرسالة بمنزلة الكتاب بل أولى لأن الرسول يضبط كالكتاب ثم ينطق والكتاب لا ينطق.
وأما الإجازة فالرواية بها لا تحل حتى يعلم المجاز له ما في الكتاب ثم يقول الروي: أتعلم ما فيه؟ فيقول: نعم، ثم يجيز له الرواية عنه به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
فأما إذا قال له الراوي: أجزت لك الحديث عني بما فيه، والسامع غير عالم به فلا يحل له، فإنا قد ذكرنا أنه لو سمع، ولم يعلم لم يحل فكيف الإجازة.
وهذا كما قالوا في القاضي يشهد الشاهد على كتابه أو المقر على صك عليه، والشاهد لا علم له بما فيه أن شهادته باطلة.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف: جائز ذلك إذا كان الكتاب معلوماً بنفسه وصورته بحيث يعلم ما يزاد فيه أو ينقص منه، فأما ما كان على غير ذلك ينبغي أن لا يحل بحال لأنه لا يدري عند الشهادة أنه ذلك إلا أن يشهد على كتاب ويسلمه إلى الشاهد فيصير كالمختوم.
والاحتياط فيما قاله أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأنه إذا لم يعلم بما فيه كان الضبط بالخط والختم وكل ذلك يحتمل التغيير فإن الخط يشبه الخط والكتاب يشبه الكتاب وكذلك الختم.
ثم الإجازة إذا صحت كانت كالسماع وحلت الرواية بحدثنا، أو خبرنا جميعاً لأنهما خطاب.
فأما الكتاب والرسالة فإنما نقول: أخبرنا بكذا، ولا نقول: حدثنا، كما نقول: أخبرنا الله بما أنزله من كتاب ورسول، ولا نقول حدث ولا كلم، وكان موسى عليه السلام مخصوصاً بالتكليم.
فأما إذا كان الكتاب إماماً فمن أهل الحديث من جعل الكتاب كالسماع، وقال: إذا وقع في علم الراوي أنه كتابه بسماعه وخطه ووثق به أو كتاب أبيه بخطه وله ثقة بعلمه بخط أبيه حلت له الرواية كما لو سمعه، وتذكر سماعه ما فيه، وعلى هذا يجب أن يحل له إذا علم أنه خط راو معروف فلا فرق بين خط أبيه وخط غيره.
وقال أبو يوسف في باب القضاء: إن القاضي إذا رأى خطه بقضاء فلم يتذكر حل له العمل بذلك إذا كان قمطره بخاتمه.
وقال أيضاً- في الشاهد- أنه يحل له أن يشهد بخطه وإن لم يتذكر. فعلى هذا تحل له الرواية بالخط وإن لم يتذكره.
وعلى قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ أنه لا يحل له إلا بعد التذكر ولا تقبل روايته عن الخط بنفسه.
وهذا هو الصحيح لأن الخط في الأصل لم يوضع إلا للتذكرة فما في عينه إعلام وإنما الكتاب للقلب بمنزلة المرآة للعين، وإنه لا عبرة بالمرآة إذا لم تر بها العين وجهه فكذا الكتاب إذا لم يتذكر القلب به علماً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
وعن إبراهيم النخعي: أنهم كانوا يكرهون الكتابة ثم أباحوا بعد ذلك لكسل حدث بالناس، وكذلك القرآن كان محفوظاً بالقلوب ابتداء ثم كتب مخافة النسيان.
فإن قيل: أليس كتب ليحفظ به، فلو لم يكن عينه حجة على القارئ لما كان حافظاً؟
قلنا: التحفظ به على سبيل أنه مذكر كالمرآة على ما قلنا لا أنه حجة بنفسه فإن الخط غير ناطق بنفسه، ولكن مذكر بصورته وقد يشبه الخط الخط شبهاً لا يمكن التمييز بينهما فيقع بالبناء عليه ضرب شبهة يمكن الاحتراز عنه بالجد في الحفظ فلا يلغو اعتبار تلك الشبهة بنسيان يكون بالتقصير في الحفظ وما فسد دين الأديان إلا بالبناء على الصور دون المعاني.
ألا ترى أنا لا نقبل رواية الأخرس وإن كانت له إشارة معلومة معقولة لضرب شبهة فيها يقع الاحتراز عنها بغيره فاعتبرناها، ولم نعتبر فيما يتصرف لنفسه وعليه فيثبت بها النكاح والطلاق والعتاق لأنه لم يمكن الاحتراز عنها في حقه.
ألا ترى أنه لا فرق بين علمه بخطه وخط غيره ثم خط غيره لم يكن حجة فكذا خطه، فعلمنا أن الرواية عن كتاب لا تحل إلا عن ذكر سماع أو ما يقوم مقامه من كتاب إليه أو برسالة أو بالسماع بإجازة صحيحة على الوجه الذي فسرناها أو برواية المحدث له بلسانه أو القراءة عليه وتصديقه القارئ، وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه: إن قراءتك على الراوي أضبط من قراءة الراوي عليك فلعله يغفل فيقرأ خطأ وأنت لا تشعر لتداركه وتشعر بخطائك وتداركه بالإعادة.
فإن قيل: إذا قرأت على الراوي لم تأمن غفلة الراوي عن سماعك!
قلنا: الغفلة عن السماع أهون من الخطأ في القراءة فلما يمكن الاحتراز عنهما سقط اعتبار ما لم يمكن ووجب الاحتراز عن الأهم منهما، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
باب
القول في ضبط المتن ونقل الخبر بالمعنى
قال بعض أهل الحديث: ضبط المتن في مراعاة اللفظ ويحل له نقله بالمعنى عنده.
قال القاضي رحمه الله: وقد رأيت عن بعض أهل النظر أنهم قالوا: لفظ الراوي لا يكون حجة بل يطلب في تلك الحادثة لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحمل عليه لفظ الراوي. وهذا قول مهجور.
وقال جمهور العلماء: يجوز نقل الخبر بالمعنى في الجملة لكنه على أقسام أربعة تفصيلاً فتقول:
إن كان الخبر محكماً فإنه يجوز نقله بالمعنى لكل من سمعه من أهل اللسان.
وإن كان ظاهراً يحتمل غيرها ما ظهر لم يحل له النقل بالمعنى إلا للفقيه بعلم الشريعة وطرق الاجتهاد.
وإن كان مشكلاً أو مشتركاً لم يحل لأحد النقل بتأويله.
وإن كان مجملاً فلا يتصور نقله بالمعنى.
أما الأولون فإنهم احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نضر الله وجه امرء سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" فالنبي صلى الله عليه وسلم رغب في مراعاة الحفظ ونبه على المعنى وهو اختلاف الناس في معرفة معاني الألفاظ، والفقه الذي يدور عليه أمر الشرع، فإذا صار الأصل هذا ثبت الحجر عاماً، وإن كان من الألفاظ ما لا يتفاوت الناس في معرفة معناه.
وأما عامة العلماء فإنه يحتج لهم بما ظهر من الصحابة رضي الله عنهم: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا، وأمر بكذا، ورخص في كذا". ظهوراً لا يرده إلا متعنت ولو لم يكن حجة لما نقلوا للعمل به ولا للإلزام هكذا، وعن عامر الشعبي وإبراهيم النخعي أنهما كانا ينقلان بالمعنى.
وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يروي ويقول: هذا أو نحوه. والفقهاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
كلهم في تصانيفهم احتجتوا [احتجوا] بقولهم: وبلغنا نحو من ذلك: ومثل ذلك، وكثيراً ما أورده محمد بن الحسن رحمه الله.
ولأن اللفظ إنما يجب مراعاته لعينه إذا كان معجزاً أو آية لزوال الإعجاز فإنه يزول الإعجاز بالتبديل أو تعلق بعينه حكم يزول بغيره.
فأما إذا كان اللفظ مما يجب نقله للعمل بمعناه فوقف على معناه حقيقة ثم أداه بلفظ آخر بلا خلل فيه سقط اعتبار اللفظ، ونحن أنما نجوز ترك اللفظ بهذا الشرط.
وأما الجواب عن احتجاجهم بالحديث فإن أكثر ما فيه أن حفظ اللفظ مرغوب فيه في الجملة ونحن هكذا نقول فالنقل باللفظ عزيمة عندنا وبالمعنى رخصة في بعض الأخبار على ما فصلناه.
أما المحكم من الألفاظ فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً دائماً على ما مر تفسيره ولما تعين المعنى فيه ولم يقع وهم الخلل في الوقوف عليه ممن عرف اللسان رخص لهم ذلك لحصول الغرض منه بأجمعه بلفظ آخر.
وأما الظاهر فلأن المعنى وإن ظهر منه بظاهره فقد احتمل مجازه، والخصوص من عمومه بدليل موجب فلا يرخص في نقله بالمعنى إلا للعالم بطريق الدين والفقه حتى يؤمن بعلمه عن الخلل بمعناه إذا كساه بلفظ آخر فلعل الجاهل بالفقه يكسوه بلفظ لا يحتمل ضرب مجازه ولا ضرب خصوصه، ويكون المراد باللفظ المسموع مجازه أو خصوصه فتفوت تلك الفائدة، أو ينقله بلفظ أعم من اللفظ الأول لجهله بالفرق بين الخاص والعام فيوجب ما لا يوجبه الأول فيلزمه المحافظة على اللفظ فأما العالم بطريق الدين فخال عن هذه التهمة فأبيح له.
وأما المشكل أو المشترك من الألفاظ فلا يوقف على معناه، والمراد منه إلا بضرب تأويل وتأويل الراوي لا يكون حجة على غيره لأنه يصدر عن رأيه في أصول الشرع فجرى إظهار المعنى بالتأويل مجرى القياس فلا يحل نقله إلا بلفظ مسموع، ولا يظن بالعدل إذا نقل بلفظه إلا أحد الضربين الأولين اللذين يحلان له.
وأما المجمل مما لا يوقف على معناه فلا يتصور نقله بمعناه فيكون الامتناع بذاته لا بدليل يحجر الناقل عنه فيكون ضرباً آخر من الحجر غير الضرب الأول، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
باب
القول في انتقاد خبر الواحد بعد ثبوته عن الرسول عليه السلام مسنداً أو مرسلاً
خبر الواحد ينتقد من وجوه أربعة:
العرض على كتاب الله تعالى، ورواجه بموافقته، وزيافته بمخالفته.
ثم على السنه الثانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواتراً أو استفاضة أو إجماعاً.
ثم العرض على الحادثة فإن كانت مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذ كان ذلك زيافة فيه.
وكذلك إن كان حكم الحادثة مما اختلف فيه السلف اختلافاً ظاهراً ولم ينقل عنهم المحاجة بالحديث كان عدم ظهور الحجاج به زيافة فيه.
أما الأول: فلما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مئة شرط" أي كان حكمه بخلاف ما في كتاب الله تعالى، فإن نفس هذا الحديث ليس في كتاب الله تعالى فيبطل لو أريد به ظاهره.
وكذلك كثير من الأحكام مما يثبت بخبر الواحد والقياس بعد كتاب الله تعالى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا روي لكم مني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه" ولأن كتاب الله تعالى ثابت يقيناً وخبر الواحد ثابت ثبوتاً فيه شبهة فكان رد ما فيه شبهة باليقين أولى من رد اليقين به.
وسواء عندنا خالف الخبر من الكتاب أصله أو عمومه أو ظاهره بأن حمله على مجازه.
وعند الشافعي جائز تخصيص العموم به.
وكذلك الحمل على المجاز على ما مر أنه جوز مثله بالقياس وبخبر الواحد، إلا أنا لم نجوز لما مر من قبل: أن العام عندنا يوجب العلم بالعموم يقيناً كالخاص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
ولأن متن العام من كتاب الله تعالى ثابت يقيناً ومتن خبر الواحد فيه شبهة وإن كان معنى المتن لا شبهة فيه وفي معنى متن الكتاب ضرب شبهة احتمال الخصوص فكان ترجيح متن الكتاب لقوة ثبوته أولى من ترجيح معنى خبر الواحد لقوة ثبوته، لأن المتن قالب المعنى وقوامه فيجب طلب الترجيح من قبله أولاً إذا استويا فمن جهة المعنى، والله أعلم.
وكذلك السنة الثابتة بالتواتر أو الاستفاضة أو الإجماع لأنها بمنزلة الكتاب في إفادة العلم على ما مر.
والمشهور فوق خبر الواحد وإن كان في ثبوته أدنى شبهة، وفي هذا الانتقاد علم كثير وصيانة للدين بليغة.
فأكثر الأهواء والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد اعتقاداً أو عملاً بلا عرض على الكتاب أو السنة الثابتة، ثم تأويل الكتاب بموافقة خبر الواحد وجعل المتبوع تبعاً، وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقيناً، فيصير الأساس علماً بشبهة فلا يزداد به إلا بدعة.
وكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل خبر الواحد فاضطر إلى القول بالقياس، أو استصحاب الحال، إذا لم يجد الحكم الواقع فى كتاب الله تعالى، لأن هذا الرجل ما أخذ بحكم الكتاب، وجعل أساس دينه ما فيه اليقين إلا أنه رد خبر الواحد لتهمة الكذب وشبهته ثم وقع فيما هو أبلغ منه تهمة من رأيه أو التمسك بأي أصل كان.
والأول جعل خبر الواحد أصلاً فعرض كتاب الله عليه وبنى دينه على ما لا علم له به يقيناً، فكان القول العدل الوسط أن يجعل كتاب الله تعالى أصلاً، وهو الثابت يقيناً، وخبر الواحد مرتباً عليه يعمل به على موافقته أو إذا لم يوجد في الكتاب ما فيه خبر الواحد، ويرد إذا خالف بحكمه حكم كتاب الله تعالى.
ثم القياس بعده مرتباً عليه يعمل به على موافقته أو إذا لم يوجد في الكتاب والسنة ذلك الحكم الثابت بالقياس ويرد إذا خالف الخبر الصحيح بشروطه.
ونظير ذلك عمل مخالفنا بخبر مس الذكر وأنه مخالف لكتاب الله تعالى والسنة الثابتة والإجماع.
فإن الاستنجاء بالماء مشروع بالكتاب في أهل قباء وبالسنة والإجماع.
ولا بد من مس الذكر حال الغسل بالماء على الوجه الذي جعله الخصم حدثاً والاستنجاء طهارة، والطهارة لا تحصل بما هو حدث يضاده.
ومن ذلك خبر القضاء بالشاهد واليمين، فإنه ورد مخالفاً لكتاب الله تعالى والسنة الثابتة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
أما الكتاب فلأن الله تعالى قال: {واستشهدوا شهيدين} الآية أمر بالاستشهاد لإحياء الحق فكان الأمر مجملاً في حق ما هو شهادة كقول القائل: كل مجمل في حق بيان المأكول، فلما قال، {شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} كان بياناً لجميع ما دخل تحت الأمر كقول القائل: كل هذا الطعام أو هذا، وجالس فلاناً، وكقولك للآخر: استشهد زيداً أو بكراً على صفقتك، لم يكن استشهاد غيرهما من المأمور استشهاداً غيرهما من المأمور استشهاداً بحكم الأمر لا محالة، بل يكون زيادة عليه، وكذلك ههنا يكون الشاهد واليمين زيادة، والزيادة على النص في حكم النسخ عندي على ما نذكر فيكون خلافاً على أصلي.
ولأنه قال: {وأدنى ألا ترتابوا} فجعل المذكور أدنى ما تقطع به الريبة من الشهادات فمن جعل الشاهد، واليمين حجة كانت أدنى من المنصوص عليه في الشهادة فيكون خلافاً للنص بعينه.
ولأن الله تعالى بين ما هو المعتاد بين الناس في الشهادة من شهادة الرجال وما لا يوجد عادة من شهادة النساء، فإن النساء لا يحضون مجالس الحكام للشهادات عادة ولو كانت اليمين مع شاهد حجة وهي شهادة تستوفي من الخصم الذي يحضر عادة لم يصلح النقل إلى بيان ما ليس بمعتاد مع ترك ما هو المعتاد ولا كان لائقاً بالحكمة، ولأن النقل إلى غير المعتاد دليل الاستقصاء وحقيقة الاستقصاء في الإتيان على الكل.
وكذلك في آية الوصية أمر بشاهدين منا أو من أهل الذمة وذلك اليوم ليس بحجة فعلم أنه لم يكن بعد الشاهدين منا حجة أولى من شهادة الذميين ولأنه أمر الشاهدين بالقسم لإثبات الحجة وهو اليوم ليس بحجة فلو كان يمين المدعي حجة ثابتة لما عدل عنه إلى يمين الشاهد التي هي أبعد عن الحجة من يمين الخصم.
وأما السنة الثابتة فقوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" فهذه السنة نصت على أن اليمين غير البينة لأنها عطفت اليمين على البينة ونصت على أن اليمين على غير من عليه البينة، وخبر الشاهد واليمين يرده من طريقين: فقد جعل اليمين من البينة وعلى من عليه البينة.
ومن ذلك خبر تحريم الرطب بالتمر بعلة أنه ينقص إذا جف لأنه ورد مخالفاً للسنة الثابتة "التمر بالتمر مثلاً بمثل يداً بيد والفضل ربا " لأن الحديث قصر الربا على فضل يضاد المماثلة المبيحة لأن قوله: "مثلاً بمثل " للإجابة وقوله: "والفضل ربا " إشارة إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
فضل يضادها لا محالة وعليه الإجماع.
وخبر الرطب بالتمر جعل الربا فضلاً يتوهم حدوثه لمعنى طارئ وهو الجفاف، وفضلاً لا يضاد المماثلة المبيحة في الأصل وحرم البيع مع قيام المماثلة كيلاً فالتحريم مع المماثلة خلاف للأول بالرد والوجهان الآخران خلاف بالزيادة بجعل فضل آخر سوى المنصوص عليه فيه ربا.
إلا أن أبا يوسف ومحمداً رحمهما الله قبلا هذا الحديث ميلاً إلى أن الرطب بالتمر لم يدخل تحت قوله: "التمر بالتمر" لأن الرطب لا يسمى تمراً عرفاً حتى إذا حلف لا يأكل تمراً فأكل رطباً لم يحنث، فبقي حكم الرطب بالتمر مأخوذاً من الحديث الغريب.
وأما الوجه الثاني فلأن البلوى بالحادثة متى كانت عامة فلا بد من معرفة حكمها من الحجة، وما كان الراوي يعلم به إلا بعد النص، كان النص يشتهر لديهم لو كان ثابتاً اشتهار حكم الحادثة، لأخذهم الحكم عن النص، ألا ترى أن النص كيف اشتهر اليوم لدينا لما كان ظاهراً في الخلف فصار الخلفاء لديهم وعنايتهم بالحجج أشد من عنايتنا زيافة في ثبوته.
وقال علماؤنا- رحمهم الله في الشهادة بهلال رمضان: قول الواحد مقبول إذا كان بالسماء علة أو جاء من موضع آخر، وإذا لم يكن بالسماء علة لم يقبل قول الواحد من أهل المصر بالهلال، لأن الناس لما شاركوه في النظر والمنظر والأعين، كان اختصاص الواحد بالرؤية خارجاً عن العادة فأوجب تهمة في خبره.
وكذلك الوصي إذا أخبر بنفقة على اليتيم كثيرة خارجة عن المعتاد لم يصدق، وإن احتمل الصديق للتهمة بتكذيب العادة.
فكذلك خبر الواحد مما سبيله الاشتهار لعموم البلوى مكذب في العادة فيرد بالتهمة.
ومن ذلك خبر مس الذكر، وخبر الوضوء مما مسته النار، وخبر التوضئ عن حمل الجنازة.
وكذلك الحادثة التي ظهر الخلاف فيها من السلف ولم تجز المحاجة بالخبر، لأنه لو كان ثابتاً لما حل لهم الإعراض عن المحاجة به، ولو وقعت المحاجة به لظهر ظهور الفتوى ولوجب الرجوع عن الاختلاف على ما عليه عاده المتدينين، فإذا لم يظهر كذب بخلاف العادة، منها: اختلاف الصحابة في زكاة مال الصبي ورواية عمرو بن شعيب: "ابتغوا في أموال اليتامى خيراً كي لا تأكله الصدقة" فأنهم لم يرد عنهم المحاجة به.
واختلاف الصحابة في عدد الطلاق أنه بالرجال أو النساء والخبر المروي: "الطلاق بالرجال" فإن المحاجة لم تجز به، فثبت أنه مخترع أو تأويله المباشر بالرجال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
فثبت أن الخبر: يصير مزيفاً بالوجهين الأولين بمقابلة ما هو فوقه كنقد بلد رائج يصير زيفاً في مقابلة نقد فوقه ببلد آخر، ويصير مزيفاً بالوجهين الآخرين لتهمة الكذب إما قصداً أو غفلة كالزيف من نقد بلده لزيادة غش وقع فيه، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
باب
القول فيما يلحق الخبر بتكذيب من جهة الراوي نفسه
التكذيب من جهة الراوي يلحق الخبر من جهات أربع:
إنكاره الرواية نصًا وعملًا بخلاف الخبر قبل الرواية أو بعدها، وامتناعه عن العمل به.
فأما الإنكار نصًا: فما اختلف فيه أهل الحديث:
فمنهم من زيف الحديث به ورده.
ومنهم من قبله.
وروى ربيعه عن سهيل عن أبى صالح عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين، فسأل سهيل فلم يذكره، فقيل له: إن ربيعة يرويه عنك، فكان يقول بعد ذلك: حدثني ربيعة عني. وعن أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- في قاض ادعى رجل عليه قضاه بحق له على رجل فلم يذكره، فأقام عليه البينة بذلك- قال أبو يوسف: لا يسمع البينة، وقال محمد: يقبلها وهذه شهادة عليه وهو منكر، فتدل هذه المسألة على اختلافهما على ذلك في مسألة الرواية، لأن نفس الرواية في باب الدين كالشهادة في حقوق الناس إلزامًا، ولا يجوز أخذ هذا من الشهادة على الشهادة، فإنها تبطل بإنكار الأصل لأن شاهد الفرع لا يشهد عن علم بل عن تحمل على ما عرف.
ألا ترى أنه لا بحل له أن يشهد بأصل الحق ولا تقبل شهادته حتى يقول، وأمرني أن أشهد على شهادته أو: أشهدني.
فأما الذين قالوا بالقبول فاحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "صلى إحدى صلاتي العشاء فسلم على رأس ركعتين فقال ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيتها؟ " فقال: "كل ذلك لم يكن". فقال: "وبعض ذلك قد كان، فأقبل على القوم وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: أحق ما يقوله ذو اليدين؟ فقالا: نعم، فقام وصلى ركعتين" فقبل روايتهما وهو منكر وهذا ظاهر فيما يتعاطى الإنسان من أمور دينه فقد ينسى عمله ويعمل بخبر غيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
وأما الذين قالوا بالرد، فاحتجوا بأن خبر الواحد يرد بتكذيب العادة على ما مر في الباب الأول فلأن يرد بتكذيب الراوي نفسه أولى، لأن إنكاره حجة في حق نفسه فسقط روايته: إما بالحجة، وإما بالتناقض فيصير الحديث منقطعًا.
وعن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يرى للجنب التيمم، فروى له عمار فقال له: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا كنا الإبل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض فتمسح بهما وجهك وذراعيك" فلم يذكره عمر ولم يعمل به، وعمار كان عدلاً ثقة.
وكذلك لم يعمل أبو حنيفة وأبو يوسف بحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" لأن ابن جريج سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه.
ولأن خبر الفرع في إثبات الراوية ليس بأولى من خبر الأصل في إنكاره إن لم يترجح الإنكار على الدعوى لأن كل واحد منهما عدل، وكما يحتمل حال المنكر النسيان بعد المعرفة احتمل حال المدعي الاشتباه والغفلة، وأنه قد سمع الحديث غيره فنسي فظن أنه سمع هذا.
وإذا كان كذلك تثبت المعارضة فلم يثبت أحدهما، يدل عليه أن الإنسان كما يعلم بسماعه عن أمر يقين فكذلك يعلم بتركه الرواية عن سبب يقين فلا فرق بينهما بوجه.
وحديث ذو اليدين محمول على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر أنه ترك الشفع من الصلاة، أو تذكر غفلته عن حاله يشغل قلب اعتراض له.
وعلى هذا عادات الناس أنهم إذا عملوا من أحوالهم في الغفلة تعرفوا من غيرهم.
وعلى هذا يجوز أن يقال في الخبر أن الراوي الأصلي ينظر في نفسه فإن كان رأيه يميل إلى غلبة نسيان إذا كانت عادته ذلك في محفوظاته قبل رواية غيره عنه، وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلاً بذلك الخبر رده وقلما ينسى الإنسان شيئًا ضبطه نسيانًا لا يتذكر بالتذكير، والأمر يبتنى على الظواهر لا على النوادر.
وأما عمل الراوي بخلاف الخبر:
فإن كان قبل الرواية فلا يكون تكذيبًا بوجه لأن الظاهر أنه تركه لما بلغه الخبر وكذلك إذا لم يعلم التاريخ حمل عليه تحريًا لموافقة السنة.
وأما إذا كان بعد الرواية نظر فيه: فإن كان الخبر يحتمل ما عمل به الراوي بضرب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
تأويل لم يكن تكذيبًا لأن باب التأويل في الإخبار غير مسدود، ولكن الخبر لا يترك على ذلك، لأن الحجة هو الخبر لا تأويله لأن تأويله كان برأيه ورأيه ورأي غيره بمنزلة، وظاهر النص فوق رأيه بلا شك.
وأما إذا كان الخبر لا يحتمل ما عمل به فالخبر مردود لأن عمله بخلافه لا يخلو: إما أن يكون عن غفلة أو إنكار أو نسيان، أو علم بانتساخ الخبر أو تقول الراوي عنه كذبًا عليه، ولم يكن عنده ذلك الحديث فلا شك بأنه مردود.
وكذلك إذا ثبت انتساخه فهو مردود في حق العمل به وإن ارتكب خلافه فسق، ورواية الفاسق لا تقبل.
وكذلك إن غفل أو نسي فرواية المغفل أو الناسي ساقطة دل عليه ما ذكرنا في القسم الأول من بطلان الرواية بإنكار الأصل والعمل بخلافه إنكارًا ظاهرًا فيصير الخبر به مردودًا ظاهرًا ما لم يثبت رجوعه إلى تصديق الراوي عنه، والعمل به على قول من يجوز مثله وإن لم يتذكر الحديث.
والوجه في مثل هذا الخبر أن يحمل على الانتساخ فرارًا عن تكذيب الراوي ليكون الإسناد ثابتًا والعمل به ساقطًا على ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج. فدل العمل بخلاف ما روى أنه علم بانتساخه.
وروت عائشة- رضي الله عنها وعن أبيها-: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" ثم زوجت بنت أخيها عبد الرحمن بغير إذنه فدل على أنها عرفت بطلاته.
وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الصلاة عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، ثم روي عن مجاهد أنه صحب ابن عمر سنين فلم يره يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة فدل أنه علم بانتساخه.
وعن عيسى بن أبان أن غير الراوي أذا عمل بخلافه من أئمة الدين والحديث ظاهر كان دليلًا على انتساخ الحديث وبطلانه، لأنه يجوز إساءة الظن كان مقتدى به في دين الله وإمامًا يشار إليه بالأصابع.
وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة" فدل عمل الأئمة بخلاف ذلك في الثيب بالثيب، على أنه منسوخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
وكذلك عمر رضي الله عنه نفى رحلًا فلحق بالروم فحلف أن لا ينفي أحدًا بعده.
وقال علي رضي الله عنه: "كفى بالنفي فتنة" فدلت فتواهم بخلاف الخبر في النفي على أن خبر النفي غير ثابت على ظاهره.
وعن ابن سيرين في متعة النساء أنه قال: "هم شهدوها وهم نهوا عنها، فما في رأيهم ما يرغب عنه، ولا في نصيحتهم ما يتهم".
وكذلك عمر رضي الله عنه لما فتح سواد العراق وامتنع عن القسمة علم أن القسمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن حتمًا.
فإن قيل: عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه كان يرى التطبيق في الركوع سنة، وخبر الأخذ بالركب مشهور، ولم يدل على ضعفه.
قلنا: لأنه كان يحمل الأخذ بالركب على الرخصة لما فيه من الترفيه. وقد ذكرنا أن تأويل الراوي لا يكون حجة، فكذا تأويل السامع. وأما إذا لم يكن الخبر مشهورًا، فخلاف غير الراوي لا يضعفه لاحتمال أنه خالفه، لأنه لم يبلغه، وكذلك إذا امتنع عن العمل به، لأنه حرام مثل العمل بخلافه. والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
باب
القول في أقسام جملة الأخبار في حق العمل بها
هي أربعة أقسام:
أ. قسم يحيط العلم بصدقه.
ب. وقسم يحيط العلم بكذبه.
ج. وقسم يحتملهما على السواء لا يترجح أحد احتماليه على الآخر.
د. وقسم يترجح أحد احتماليه على الآخر.
فأما الأول: فأخبار الرسل، لأنه ثبت بالدليل أنهم كانوا معصومين عن الكذب. وحكمها افتراض الاعتماد بصدقها والعمل بها بقدرها.
وأما القسم الثاني: كدعوى فرعون الألوهية مع عياننا آيات الحدث فيه، وخبر الكفار أن الأصنام لآلهة مع عياننا أنها جماد لا قدرة لها بوجه بعد قيام آيات الحدث فيها، وكأخبار مسيلمة، وزرادشت، وماني من المتنبئين كذبًا لظهور آيات الكذب من معاملاتهم الخارجة على سبيل السفه، ولعدم آيات التصديق من المعجزات، فإن النبوة لا تثبي إلا بمعجزة ليمتاز بها الصادق من الكاذب.
وحكمها، وجوب اعتقاد الكذب فيها وردها باللسان، أو بما فوقه بحسب قيام الأمر.
وأما القسم الثالث: فنحو خبر الفاسق، لأن الخبر في أصله يحتمل الكذب والصدق، إلا أنا نرجح من العدل صدقه، لأنه عاقل متدين، وهما يمنعانه الكذب، ولم يظهر منه لما ثبتت عدالته مخالفة المانع، فصار الحكم للجري على موافقة العقل والدين الذي اعتمده، فإذا فسق ظهر منه مكابرة المانع ومخالفته فيما ارتكب من المحظور حتى فسق به، وذلك إنما يكون بغلبة الهوى، ولابد من وقوع ضروب فعل على موافقة العقل من كل عاقل، وإن كان فاسقًا، وذلك يدل على غلبة العقل، فيصير الخبر مشكلًا بينهما في خروجه على حكم غلبة عقلة فيكون صدقًا، أو هواه فيكون كذبًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
وحكمه التوقف فيه على ما قال الله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} وعلى ما هو الحكم في النص الذي هو محتمل وجوهًا على السواء، وفي الحجج المتعارضة.
وأما القسم الرابع: فنحو خبر العدل، فإن جانب صدقه أرجح لظهور غلبة عقله على هواه، حتى امتنع عما يوجب الفسق من دواعي نفسه، لكنه غير يقين لاحتمال حاله مساعدة هواه.
وحكمه العمل به لا عن اعتقاد بحقيقة ذلك، وكذلك الفاسق، إذا شهد فردت شهادته صار جانب الكذب برد القاضي أرجح، والله أعلم بالصواب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
باب
القول في أقسام الصحيح من الأخبار
الأخبار التي يعمل بها ضربان: مشهور، وغريب.
فالمشهور: ضربان، ما بلغ حد التواتر، وما اشتهر ولم يبلغ حد التواتر.
والغريب: نوعان، ما لم يشتهر، ولكنه لم يدخل في حد الاستنكار، وما دخل في حد الاستنكار.
وأما المتواتر: فحده ما مر في أول الكتاب، وهو أن يتصل بك عن المخبر اتصالًا لا يبقى لك شبهة فيه، كما يتصل بقلبك من طريق السماع من المخبر نفسه، وذلك بأن ينقل إليك قوم لا يتوهم في العادات تواطؤهم على الكذب لكثرتهم، وبعد أماكنهم عن قوم مثلهم، حتى يكون آخر طرفيه كأوله، وأوسطه كطرفيه.
وحكمه: أنه يوجب العلم يقينًا كما يكون بالسماع.
وقال بعض الناس: إن المتواتر من الأخبار لا يوجب علم اليقين، وإنما يوجب علم طمأنينة، وذلك لأن اليهود والنصارى نقلوا قتل عيسى نقلًا متواترًا وإن كان كذبًا، وهم أكثر منا عددًا.
والمجوس نقلوا معجزات زرادشت نقلًا متواترًا وكان كذبًا.
وإذا رجعت إليهم كانوا على طمأنينة القلب بصدق ما عندهم من الخبر كما نحن بما لدينا من الأخبار المتواترة من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وآياته ثم إنهم لم يكونوا على يقين. فلم وجب لنا اليقين بمثله.
وكذلك الرجل يعلم بحياة الرجل يقينًا، ثم يمر بداره فيسمع النياح ويرى أعلام الموت، ويرى المأتم، فيقولون: إنه قد مات، فيعزيهم ويعزونه، ويطمئن قلبه إلى العلم الحادث، ويزول الأول على احتمال أنه حيلة وليس بحقيقة.
قال العبد رضي الله عنه: وهذا مع الحجة قول رذل. لأنه زعم أنه لم يعرف رسولًا من الرسل، ولا كتاب الله، ولا أباه، ولا أمه، لأنه ما توصل إلى علمهم إلا بالخبر، ولم يعرف أنه مولود، وكان قبله بشر من جنسه. ومن قال: إني لا أعرف ذلك فقد أبطل دينه قبل كل شيء، ثم عقله، لأنا إذا رجعنا إلى قلوبنا التي هي معدن المعرفة، وجدناها عارفة بالآباء والأمهات عن خبر متواتر مثل معرفتنا بالبنين والبنات عن عيان، ووجدناها تعرف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)