Arabic source text

📘 তাকবীমুল আদিল্লাহ ফী উসুলিল ফিকহ (আবু যায়েদ আদ-দাব্বুসি - মৃত্যু 430 হিজরী)

📘 تقويم الأدلة في أصول الفقه (أبو زيد الدبوسي - ت 430 هـ)

📘 তাকবীমুল আদিল্লাহ ফী উসুলিল ফিকহ (আবু যায়েদ আদ-দাব্বুসি - মৃত্যু 430 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
باب

‌‌القول في أقسام دلائل العقل الموجبة
منها ما يدل عليه ببداهة العقول كحدوث العالم ودلالة البناء على الباني.
ومنها ما لا يكون دلالة إلا بجد تأمر ونظر كدلالة العالم على صانع هو الله تعالى، ولهذا اختلف العقلاء في ذلك لاختلافهم في استعمال النظر ولم يختلفوا في حدوث العالم المحسوس ووجوب القول ببانٍ للبناء.
ومنها ما لا يكون دلالة إلا بالتجربة كمعرفة الأدوية والأغذية، ولكن إذا دق المطلوب اختلف فيه للشبهة.
ومنها ما لا يكون دلالة إلا بمعونة الحس كالنجوم على الطريق والجبال والأميال حتى شاركت البهائم العقلاء في هذه المعرفة لمشاركتها إيانا فيما ينال بالحواس، والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)

باب

‌‌القول في مباحات العقول للحياة الدنيا
لا للدين قطعاً واجب القول بالإباحة
وهذه المباحات قطعاً أربعة أقسام:
فعل ما تقوم به النفس من حيث التنفس والأكل والشرب بقدر ما لا يحيى بدونه يجب أن يكون مباحاً أصله.
وفعل ما يدفع عن نفسه أسباب التلف من آفات خارجة، وفعل ما يقوم به الجنس نحو الجماع.
وفعل ما تقوم به التربية بعد الوجود في نحو الحضانة إلى أن يستغنوا، لأن العقل يستحسن السعي لإبقاء نفسه بقدر الإمكان فالبقاء رأس المال إلا بدليل يبين له خيراً في هلاكه، والبقاء فيما يجلب له القوى التي فيها حياته وفيما يدفع عنه ما يقطع عليه حياته بعد وجود العلل، فلا بد أن يقال بحسنها وأدنى درجات الحسن أن يقال بإباحتها له ليفعله.
وكذلك فعل ما يتفرع عنه من يبقى بعده لأنه لا يمكنه السعي لإبقائه بعد موته إلا بفرعه، والعقل يستحسن السعي للإبقاء بقدر المكنة ثم السعي بحضانته لأن قوامه بعد موته بفرعه فيلزمه لفرعه ما يلزمه لنفسه ما لم يستغن عنه بنفسه، ولهذا ركب الله تعالى في الطباع دواعي إليها من الشهوات وغيرها حتى شاركت البهائم العقلاء في فعل هذه الأمور بحكم الطباع ولأنا لما وجدنا هذا مما يدعو إليه الطبع والطباع رأس مال الحياة لم يجز القول بحرمة دواعيها إلا بعارض يغير حكم الحال فصارت الإباحة أصلاً والحرمة عارضة إلا أن ما يجعل حقاً لنا ينافي الوجوب علينا، فلذلك وصفنا بالإباحة، ولهذا لم يبح الزنا وإن كان التناسل به أكثر لأن التربية في بني آدم أكثر ما يكون بالرجال حتى تكون نفقة النساء على الرجال.
وكذلك نفقة الأولاد شرعاً، والآباء يشتهون بالزنا فتوف تربية الرجال والنساء لا يمكنهم التربية بأنفسهم فيضيع الأولاد وينقطع النسل إلا نادراً ويدل عليه أن شهوة الجماع

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)

مخلوقة والخلق لغير حكمة عبث ولا حكمة إلا في الاقتضاء لما فيه من التلذذ وشفاء الصدر إذ في كف نفسه عن ذلك طاعة لربه فيثاب عليه كما يجب عن الزنا فتكون الحكمة أمراً من أمور الآخرة وكلامنا في الحكمة العاجلة قبل أن يأتي أمر الدين والآخرة، ولأن في الكف عن اقتضاء الشهوة بعد الحاجة إليه ضرراً ومكروهاً ولا يجب تحملها إلا بدليل يلزمنا لنفع العاقبة فثبت أن الإباحة أصل والحرمة بدليل عارض، والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)

باب

‌‌القول في موجبات العقول الواجبة ديناً
نعني بالوجوب الوجوب في الذمم حقاً لله تعالى بوقوعه علينا لا وجوب الأداء والتسليم إلى الله تعالى فقد ذكرنا أن الأداء لا يجب قبل الشرع، هذه الواجبات أربعة: معرفة نفسه بالعبودية.
ومعرفة الله بالألوهية.
ومعرفة العبيد للابتلاء إلى حين الموت بطاعة الله تعالى على أوامره ونواهيه للجزاء الوفاق خالدين.
ومعرفة الدنيا وما فيها للعبيد المبتلين لضرب نفع يعود إليهم منها.
ونعني بموجب العقل ما دل عليه العقل قطعاً إذا استدل به العبد إلا أن ما يكون منه ديناً يجب فعله لله تعالى لأنه مبتلى به، وما يجب للحياة الدنيا فلا نصفه بالوجوب عليه بحق الدنيا لأنه فيها كالبهائم وإنما فارقناها في حق الدين، ولهذا بنينا الباب الأول على إثبات الإباحة قطعاً وههنا على الوجوب.
وقد يقال بالوجوب في الباب الأول أيضاً للدين إذا كان قوامه للتدين ما تقوم به الحياة الدنيا فيجب الأكل والشرب تديناً، وكذلك التنفس، والتحصن عن شر الأعداء وشر البرد والحر ولو ترك حتى قتل أثم.
فأما الجماع فحظ الدين فيه بقاء الجنس إلى يوم القيامة، لأن الله تعالى حكم ببقائه إلى تلك المدة وعلقه بالجماع، وفرض علينا ديناً السعي لإقامة حكم الله تعالى فإنه لا تبديل لحكمة غير أن هذا الحكم يتأدى بجماع البعض فلم يجب على كل واحد بخلاف الأكل فإن الله تعالى حكم ببقاء كل شخص إلى حين، وعلق بأكله لا بأكل غيره فتعين كل شخص لوجوب الأكل عليه ديناً قطعاً ثم إثماً.
قلنا: إن هذه الأحكام الأربعة واجبة بالعقل ديناً لله تعالى أما معرفة نفسه بالعبودية لأن قوامه باجتماع أجزاء، والاجتماع عرض يضاد القدر فيلزمه القول على نفسه بالحدث ثم يرى نفسه بفوته محاباة مما أصابه مع شدة حرصه على إمساكه، وبفوته أغراضه مما يطلب مع شدة عزمه على الإصابة، ويجد نفسه تعيش بما ليس له من قوت يخرج من الأرض بماء وطبائع هواء ليست في يده فيعلم أنه مقدور عليه وله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)

وإذا علم هذه الأوصاف علم أنه مملوك لأن المملوك لغة ما قهر بيد الاستيلاء وإنه مقهور بالتكوين والإنشاء.
وإذا عرف أنه مملوك عرف أنه عبد لأن العبد اسم خاص للملوك من العقلاء الصالح لفعل العبادة وهو صالح لها ومملوك فإذا علم نفسه بهذه الصفات عرف ربه ضرورة لأن كونه محدثاً لا يخلو عن محدث، وكونه مقدوراً عليه لا ينفك عن قادر، والمضروب لا يخلو عن ضارب وكونه مملوكاً لا يخلو عن مالك، وكونه عبداً لا يخلو عن إله العبد اسم لمن خلق للعابد ولا بد للعباد من معبود.
الإله لغة: اسم لمن يستحق العبادة، ولهذا سمت العرب الأصنام: آلهة فيعرف بضرورة هذه الصفات التي ظهرت عليه من حيث لا شك فيه أن له إلهاً مالكاً قادراً محدثاً، ولهذا قال النبيصلى الله عليه وسلم:"من عرف نفسه فقد عرف ربه"، وإذا عرف أنه خلق لعبادة ربه، ولا يجوز في الحكمة خلو الصنع عن عاقبة حميدة، وعاقبة الصنع لدى العقلاء. أحد أمرين: فائدة تعود إليهم من جلبة نفع أو دفع ضر أو ظهور الفاعل بعظمته وجلالته وكرمه وصفاته الحسنى بذلك الصنع لدى غيره.
وتعالى الله عن الحكمة الأولى فإن الله غني عن العالمين فتعينت الأخرى وهي ظهور عظمته وقيام الثناء والحمد منهم إياه بالإحسان إليهم ولما وجب أن يكون الخلق لهذه الحكمة وهو أن يعرفوه ويشكروه.
ثم وجدنا الناس بين شاكر وكافر علمنا أن الله تعالى خلقهم ليعبدوه بأمره إياهم على ذلك لا بجبره.
وقد جعلهم مختارين في الإباحة مبتلين بشهوات معلومة فيهم تصدهم عن الإجابة.
ولأن الأحياء يجدون من أنفسهم في أفعالهم حد الاختيار ضرورة ويجدون في أنفسهم ما يصدهم عن طاعة الله تعالى ضرورة ويدعوهم إلى خلافها.
وفي ذلك ما يفوت هذه العاقبة وفوت العاقبة من الصنع دليل على عجز الصانع وتعالى الله عن ذلك فعلمنا أن تعليق وجوب الطاعة بالاختيار من العبد مع خلق الله الهوى والشهوات الصادة عن الإجابة، كان لحكمة أخرى هي فوق حصول الطاعة بلا فوت وهو أن خلقهم لهذه الأعمال ليجازيهم عليها بوفاق أعمالهم. الإحسان بالإحسان، والسيئة بالسيئة، وما كان يجب الجزاء مع الجبر فالفعل من المجبر غير مضاف إليه بل إلى الذي أجبره فكانت الدار تصير داراً واحدة، وهي الدنيا فكان لا يتم للعبيد من الله نعمة لكونهم مبتلين بالعبادة، والكف عن اقتضاء الشهوات متصرفين تحت الأمر والنهي وكان لا يصفو عن الشبهة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)

علمهم بصفات الله تعالى فالدنيا على ما نراها ما فيها آيات قاهرة للحق على المعرفة.
ولأن لله تعالى صفتين عدل وفضل، ولو كان التخليق على سبيل لا يكون فينا ما يصدنا عن الطاعة لكان لا يقع منا معصية، والله تعالى لا يعذب أحداً ابتداء فكان لا تعرف صفة عدله بدلالة صنعه وصفات الله تعالى مما وجب القول بها بدلائل صنعه عليها فخلق الخلق على هذا الوصف ليصير الناس بين شاكر وكافر ليجازيهم على ذلك في دار أخرى ذات آيات قاهرة لا يبقى فيها أحد منكراً له عاصياً لأمره جاهلاً بصفات بدلالات صنعه لتحصل العاقبة المطلوبة من المعرفة والطاعة بآثار صنعه فيعرفه أهل الجنة بصفة إحسانه بآثار صنعه بمكانهم، وأهل النار بصفة عدله وغضبه وانتقامه بآثار صنعه بمكانهم.
فتكون المعرفة بجميع صفاته بأبلغ أسباب المعرفة تعالى الله من حكيم لا يحاط بحكمته ولما وجب القول بدار أخرى، وهي دار الجزاء على هذه الأعمال وجب البقاء والخلود لأنا أثبتنا هذا الترتيب، لأن تناهي الحكمة المطلوبة من الصنع فيه وكان الخلق بدونه عبثاً فلم يجز أن يفوت فيصير عبثاً.
ألا ترى في الشاهد كما لا تفوت العاقبة المطلوبة من الصنع عن الصانع إلا لعجزه، كذلك لا تفوت بعد الوجود إلا لعجزه وتعالى الله عن ذلك، وبذلك نطق كتاب الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} أي حسبتم أنا عبثنا بخلقكم، ثم نفى صفة العبث بحكم الرجوع إليه، فبين أنه لا يجوز أن تكون الدنيا بلا دار جزاء.
وقال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات} الآية فبين أن التسوية بين الكافر والمؤمن حكم سيء والكافر والمؤمن سواء في حظوظ الدنيا، وأخبر الله تعالى أنه غير حق والله تعالى خلق بحق، وأخبر أن الحق في المجازاة على وفاق العمل.
وقال: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض} الآية فأخبر أن الآدمي حملها عن اختياره لعاقبة تعذيب المشتركين ومغفرة المؤمنين وهما في دار أخرى للجزاء.
وقال: {خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}.
وقال: {وليبتلى الله ما في صدوركم} والابتلاء لا يتصور إلا بفعل يكون الفاعل مختاراً فيه، وقال الله تعالى في حكاية تمام الإيمان: {ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فثبت أنه لا تتمه إلا بالمصير إليه وليس التتمة بالفناء.
ولما ثبت أن الصنع من الله تعالى لا يجوز إلا لعاقبة الاستعباد للجزاء وما سوى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)

الإنسان من المحسوسات لا يصلحون للعبادة ولم يخاطبوا بها علم أنهم خلقوا لفائدة تجلب منهم أو ضر يدفع بهم، وتعالى الله عن ذلك فعلم أنه خلقها لعود ضرب هذه الفائدة إلى عبده المبتلى بعبادته وإنه حسن في الشاهد فعل شيء لفائدة تعود إليه أو إلى عبده.
وبذلك نطق الكتاب وقال: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه} وقال: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر} وقال: {فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم} وقال: {فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} وقال: {الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً} الآية، إلى آيات كثيرة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)

باب

‌‌القول في محرمات العقل قطعاً للدنيا
هذه المحرمات أربعة: الجهل، والظلم، والعبث، والسفه.
أما الجهل: فإنه يكون بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه العقل إلا ليقف به على مصالح غائبة لا تنال إلا بالحواس، وبه غلب ما في البر والبحر وسخرها، وادعى لنفسه كل شيء منها، فمتى لم يستدل بنور عقله لم ينل شيئاً مما تمنى لنفسه من هذه المطالب فيحرم عليه بالعقل ما تفوت به أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذي فيه حياته، وكما يحرم بالعقل ترك النظر بالعين عند إرادة المشي إلى الموضع احتاج إليه أو إطفاء السراج ليلاً مع إرادته السلوك في مضائق لا يهتدى فيها إلا بسراج.
ولما حرم الجهل قطعاً حرم الظلم من طريق الأولى، لأن الظلم تفسيره: وضع الشيء في غير موضعه فيصير فعله فعل جاهل بعد المعرفة، فيكون الظلم مكابرة لما رأى بنور عقله.
والأول تركاً للرؤية كالذي لم يفتح عينيه حتى وقع في بئر فيقبح منه ذلك.
والذي فتح فرأى البئر ثم أوقع نفسه فيها قصداً كان الفعل منه أقبح.
ومثاله في باب الشرع: من بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحاً.
والذي تأمل وعرف ورد تعنتاً كان أقبح نحو كفر إبليس وفرعون عليهم اللعائن حيث جحدوا واستيقنت أنفسهم ظلماً.
أما العبث: فحرام عقلاً لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن نفس الفعل وإن قل ففيه أدنى مشقة، فلا يتحمل عقلاً إلا لفائدة أولى منها.
والسفه: اسم لما يوجب مضرة فكان أقبح من الأول لوجود معنى الأول فيه من فوت الفائدة وزيادة من ضرر، فكان السفه من العبث كالظلم من الجهل ففي الجهل، والعبث حرمان الفائدة، وفي الظلم والسفه قبح العاقبة، والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)

باب

‌‌القول في محرمات العقل قطعاً للدين
هذه المحرمات أربعة:
أ-الإيمان بالطاغوت.
ب-وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيها.
ج-والإنكار بالصانع.
د-والإنكار بالبعث للجزاء.
فهذه محرمات لقبح فيها لا لأنها أضداد الواجبات التي مر ذكرها في باب: موجبات العقل للدين وأما للإيمان بالطاغوت: فإنه اسم لما عبد دون الله سبحانه وتعالى أو سمي قديماً دونه، أو أولاً على حسب اختلاف المشركين والملحدين، وذلك لأن ما دون الله لا يخلو عن صفات الحدث كما هو نفسه لا يخلو عنه فلما حرم على نفسه القول بأنه الإله المعبود فليحرم القول به لغيره من طريق الأولى، وإلى هذا أشار الله تعالى فقال: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} يعني من حيث أنها مخلوقة، ثم قال: بل هي دونكم فقال: {ألهم أرجل يمشون بها} الآية.
وأما القول بأن الدنيا مخلوقة لاقتضاء الشهوة: فحرام لأنك كما لا تجد نفسك، ومن دون الله إلا وأمارات الحدث فيه ظاهرة فلا تجد شهوة إلا مشوبة بما لا يشتهى، فإن الحياة رأس مال الحي، وقد ابتلي الحي بالموت.
والشهوة شهوتان: شهوة بطن، وشهوة فرخ وما سواهما أتباع في حق الحياة.
وشهوة البطن في الأكل والأكل لا ينال أصله إلا بضرب كسب، ويحتاج بعده إلى قضاء الحاجة التي لو تأمل في قبحه ما باشر العاقل سببه مع الإمكان بدونه، ألا ترى أن الأكل في الآخرة كيف يخلو عن الكسب وعن قضاء الحاجة لما كان لاقتضاء الشهوة، والجماع لا ينال إلا بطلب وغرامة ثم لا تقضى الشهوة إلا بذهاب القوة، وقد تقصينا الكلام فيه في كتاب"الأمد الأقصى"، حتى خلا جماع الآخرة عن طلب السبب وعن الإنزال الذي فيه ضعف فيحرم القول بأنه خلق لاقتضاء الشهوات فيها، ولا تنال شهوة خالية عما لا يشتهى.
وأما الكفر بالله: فحرام لأنه من حيث عرف نفسه مخلوقاً يعرف الله تعالى خالقه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)

والمنعم عليه، والكفر بمن أنعم عليه حرام لأنه من فعل اللسان بمنزلة ذم من أحسن إليه فيكون كذباً وظلماً وسفهاً، فقد وضع الشيء في غير موضعه ولما حرم الكفر بالله حرم إنكار البعث للجزاء لأن خلق الدنيا بدون البعث للجزاء يكون عبثاً من الله تعالى على ما مر، وفي وصف الله تعالى بالعبث كذب عليه كالكفر كذب على الله تعالى فكانا باباً واحداً، والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)

باب

‌‌القول في مباحات العقول الجائزة للدنيا
هذه المباحات أربعة أقسام، ونعني بالجائزة: ما يجوز أن يكون مباحاً عقلاً، ولا يجب حتى يجوز القول بحرمتها إذا قام دليل الحرمة شرعاً أو عقلاً.
فأما الأقسام: فنحو مباشرة أسباب البقاء فوق ما تندفع به الضرورة، وجمع المال
فوق الحاجة من نوع واحد، أو من الأنواع كلها، والتزين بأنواع ما يتجمل به على وج لا يتعلق به القوام، والجماع لا لطلب الولد، أو فوق ما يكتفى به للود من النساء فهذه إباحات غير واجبة بالعقول، ولهذا جاء الشرع بالتحريم فيها مرة وبالإباحة أخرى.
وقد مر أن موجبات العقل لا يرد الشرع بخلافها لأن الشرع والعقل حجتان من الله تعالى على عباده.
وحجج الله تتأيد ولا تتناقض فمجيء الشرع بالتحريم دليل على أن العقل جوز تحريمه.
وإنما كانت الإباحة لظاهر دليل يحتمل أن لا يكون دليلاً أو لانقطاع دليل كالعمل بدليل القياس جائز ويجوز ورود الشرع بخلافه فيبطل، وقد اختلف العلماء في حكم هذه الأقسام بمجرد العقول؟
فقال بعضهم: لا نشتغل بها لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول.
وقال بعضهم: بالحرمة حتى تثبت الإباحة بدليل شرعي.
وقال بعضهم: بالوقف.
وقال علماؤنا: بالإباحة حتى يقوم دليل الحظر.
أما الأول فقد مضى.
وأما الثاني: فنقول إن الإنسان عبد الله والدنيا كلها لله تعالى.
والأصل في ملك الغير حرمة التناول حتى يبيحه المالك وكما في عبيدنا معنا، ولا دليل فيما وراء ما يتعلق به أصل البقاء من حيث الضرورة وضرورة الحاجة كانت مبيحة فبقي ما وراءها تحت الحرمة.
وأما الثالث فنقول: إن دليل العقل فيها يحتمل الإباحة والحظر، ولهذا جاء الشرع بالحظر تارة وبالإباحة أخرى والشرع لا يأتي بمخالفة دليل العقل ولكن قد يتبين به ما يدل عليه العقل مما كان قد يخفى قبل الشرع لقلة التأمل أو لاحتمال دليل العقل أو لتعارض

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)

دقة الأصول عند الله تعالى.
والقول الرابع: قول علمائنا: والحجة فيها ما ذكرنا من الآيات المثبتة أنها خلقت لنا ولما ذكرنا أن الخلق لا لهذه الحكمة عبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وبدليل أن الله تعالى ما حرم شيئاً من أنواع هذه المتناولات إلا لمصالح تعود إلينا في الحرمة.
فحرم الزنا لما فيه من ضياع النسل لعدم التربية في ذلك.
وحرم الإسراف في الأكل لما فيه من الضرر.
وحرم تضييع الأموال لما فيه من السفه.
وحرم الخمر لما فيها من نقص العقول والصد عن ذكر الله تعالى وأفعال المجانين.
وحرم القمار لما فيه من البغضاء والعداوة وفساد الأموال.
وحرم الخنزير لما فيه من عدوى طبعه إلى الأكل وكذلك سائر السباع الناهشة.
وحرم ما حرم باسم الخبائث ليدلنا على حكمة التحريم أنه ما حرم على سبيل الابتلاء بالتحريم لكن حتى لا يعدو إلينا الخبث الذي فيها.
وأباح عند الضرورة لأن ضرر الهلاك فوق ضرر عدوى الخبث، ونقضان العقل بالخمر إلا الزنا لأنه لا يتصور فيه ضرورة مهلكة، لأنه حرم لصلاح النسل وحقهم مثل حقه فلا يسقط حقهم بحقه كما إذا أكره عن القتل، ولو كان التحريم لحق الله تعالى لما سقط بضرورتنا كحرمة الكفر وحرمة الفطر عن الصوم، فإنه وإن هدد بالقتل لم تسقط الحرمة حتى إذا صبر وقتل كان مأجوراً لأن الحرمة ثبتت حقاً لله تعالى، فلم تسقط بحقنا فصار العبد في طاعة الله بالانتهاء عما حرمه عليه.
ولو هدد على أكل الميتة بالقتل فصبر حتى قتل أثم لأن الصلاح لما تعين في التناول سقطت الحرمة لأنها ثبتت لمال فيها من الصلاح، فلما تبدل الصلاح وصار في الإباحة سقطت الحرمة، ولما سقطت الحرمة لم يكن الامتناع عنه طاعة لله تعالى فصار بالامتناع موقعاً نفسه في الهلكة لا على سبيل طاعة الله تعالى فأخذ به.
فثبت أن التحريم من الله تعالى كان على سبيل نهي الطبيب المريض عن بعض الأغذية لصلاح المريض في الامتناع عنه لحاله ثم يبيحه له إذا صار الصلاح في التناول، والنهي عن شرب الدواء في بعض الأحوال، والأمر به في البعض من غير تبدل حال المشروب في نفسه بل لتبدل حال الشارب.
وقد يبيح الطبيب شيئاً لإنسان دون إنسان مع اتفاق حالهما، وإن كان لهما جميعاً صلاح في التناول لأن الصلاح في الكف أتم فنهى عن التناول أحدهما ليظهر له زيادة عناية بمكانه، وإن كان التناول صالحاً.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)

والذي دل على أن التحريم من هذا الطريق وأن الأصل هو الإباحة قول الله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحى إلى محرماً على طاعم يطعمه} الآية فعلم رسول الله الاحتجاج بلا دليل على أن التحريم من طريق الشرع، وعدم الدليل لا يكون حجة للإباحة فعلم أن الإباحة فوق الحاجة أصل ثابت بدليل العقل ظاهرًا لا قطعًا، وإنه حجة يجب العلم به حتى يتبين بالشرع أن الحق في خلاف ذلك الظاهر الذي كان يحتمله الدليل فيصير دليل الشرع كالمخصص لدليل العقل، ويكون حكمه حكم الخاص يرد على العام فيبقى العام حجة فيما لم يرد الخصوص فيه.
فأما الجواب عن قولهم: إن العبد والدنيا لله تعالى فهذا استدلال واهي، لأن ملك الغير لا يحرم تناوله لمعنى في المتناول بل صيانة لحق المالك، فإن حقه ثبت لما يعود إليه من الفائدة بتملكه حتى إذا مات وصار بحيث لا يحتاج سقط ملكه.
ولما ثبت الملك لحاجته إليه في الجملة وجب الصيانة عليه حتى لا يتضرر بالائتلاف عليه.
فإن الإضرار ظلم فنهى الغير عن تناوله كما نهى عن شتمه وسائر وجوه الإضرارات إلا أن يوجد إذنه فيباح لسقوط حقه بإذنه، وسقط معنى الضرر، إذا جاء الرضى فإن الإباحة إحدى جهات التصرف من المالك فلا يكون نفاده من الملك ضرراً يلحقه.
وأما الملك لله تعالى فليس يثبت من هذا الطريق-تعالى الله عن ذلك-بل لأنه خلقه وكونه وليس يجب الصيانة عليه لدفع الضرر عنه-تعالى الله عن ذلك-بل خلقه للحكمة التي قلناها وذلك في أن تكون هذه الأشياء مخلوقة لبني آدم فيصير الأصل هو الإباحة كالمولى جعل شيئاً لمكاتبه فإن الحظر الذي يكون من جهة المالك يزول بهذا الجعل.
ولما صارت هذه الأشياء بحيث لا يتضرر المالك بتناولها، ولا ينتفع ببقائها أشبه من أموال الناس ملا ينتفع به من حبة سمسم وقطرة ماء ونحوها، وهذا القدر مباح التناول إذا وجدت ساقطة على الطريق.
فإن قيل: إنما جعلنا هذه الأشياء مخلوقة لنا حتى لا يخلو الصنع عن العاقبة الحميدة، وهذه الحكمة تثبت بأن يجعلها لنا من حيث نستدل بها على الصانع.
قلنا: قلنا: فائدة الاستدلال بها من قبيل فائدة الاستدلال بنفسه من حيث الاستدلال بأمارات الحدث بل في الفلك ما يوجب الشبهة، ويدل على الإنسان حتى لم يختلف الحكماء في حدث الإنسان.
وقال بعضهم بمن ينسب نفسه إلى الحكمة: بقدم العالم العلوي، أو الطباع على حسب اختلافهم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)

ألا ترى أن إبراهيم فيما حكى الله عنه من الاستدلال عليه لم يبدأ بنفسه، ولم يقل: أنا رب، ولم يشكل عليه حدثه، ولم يكن أيضاً مشكلاً على غيره إذ لو كان لبدأ بها ليزيل الإشكال عن غيره بأمارات الحدث.
وبدأ بدعوى الربوبية للنجم والقمر والشمس لإشكال كان على القوم، فأزال الإشكال بذكر أمارات الحدث لتقع البراءة عنها إلى الله تعالى فثبت أن الفائدة ما قلناه.
ولأن حرمة التناول لم يجز إثباتها لحق الله تعالى على ما بينا، ولا لحق هذه المخلوقات في أنفسها لأنه لا حق لها على ما بينا علم أنها خلقت لنا.
والخلق لنا يوجب الإباحة عامة لا أن يثبت مقتضى ثبوت الحكمة للخلق فإن الحكمة ثابتة في أن خلقت لنا ثم الإباحة بحكم أنها خلقت لنا، والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)

باب

‌‌القول في المشروعات الدينية الجائزة بالعقول ثبوتها وسقوطها وظهر
التناسخ فيها شرعاً ولم يدم وجوبها
اختلف العلماء في حكم دلالات العقول على هذه المشروعات الدينية لولا الشريعة على أقوال أربعة:
فقال قائلون: الاشتغال به لغو لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول بمجردها.
وقال بعضهم: هذه المشروعات كلها تكون حسنة بالعقول لولا الشريعة لا تزيد على صفة الحسن بدلالة العقل.
وقال بعضهم: أما العبادات فكانت تجب دائمة لولا الشرع لا راحة عنها إلا عند عدم الإمكان كالإيمان بالله تعالى وإنما سقط لا لضرورة بالشرع تيسيراً، وإليه ذهب بعض الصوفية.
وأما العقوبات المعجلة فما وجبت إلا شرعاً.
والمختار عندنا أن على العبد بمجد العقل أن يؤمن بالله تعالى ويعتقد وجوب الطاعة على نفسه لله تعالى على أوامره ونواهيه وإنه خلقه لعبادته لكنه يقف نفسه للبدار إلى ما يأمره وينهاه من غير أن يقدم على شيء منه بالاستباحة تعظيماً لله تعالى، لا لقبح هذه المشروعات قبل الأوامر بل مع معرفة حسنها بدلالات العقل، وهو مذهب علمائنا-رحمهم الله-ولهذا كان بعث الرسل-صلوات الله عليهم-على الله تعالى حقاً واجباً ليمكنهم الإقدام على العبادة، الوقف للطاعة ضرب عبادة ما فيها تميل للعقل فكان يلزمه ذلك بمجرد العقل مع اعتقاد أنه مخلوق للعبادة المطلقة فإنها مجملة وأن الله تعالى يبين له ذلك.
أما القول الأول فعلى ما مر.
وأما الثاني: فلأن العبادة اسم لما حسن فعلها في الشاهد تعظيماً للمعبود فليزمه اعتقاد فعلها على أنها حسنة، وسأتي بها على هذا الوصف.
وأما الوجوب فلا يثبت إلا بالشرع.
وأما الثالث: فلأن العبد لله تعالى بنفسه ومنافعه، وقد علم بدلالة عقله أنه مخلوق لعبادته فيصير صرف نفسه ومنافعه إلى العبادة أصلاً دائماً، كما في الإيمان إلا إذا لم يمكنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)

وأما الرابع؛ فلأنا نقول: إنه ثابت بدلالة العقل أنه مخلوق لعبادته، كما ثبت أن الدنيا مخلوقة له فيلزمه اعتقاد وقف نفسه للعبادة، كما لزمه اعتقاد أن الدنيا خلقت لمصالحه.
فأما عبادة معتادة عبادة في الشاهد فلا يأتي بها إلا بعد الأمر لأن الإتيان به.
وإن كانت عبادة فالكف عنها هيبة، واحتشاماً إلى أن يؤمر عبادة أيضاً، فإنه ما من فعل يكون عبادة إلا وفيه ضرب بسوطه، وطلب قرب منزلة فإن رأس العبادات الصلاة، وإنها بمنزلة المناجاة مع الملك في الشاهد، وفي لمصير إلى مكان الخلوة للخدمة.
والمناجاة ضرب بسوطة وطلب منزلة واقتضاء مراد وكانت قرة عين رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته فلما كانت مشوبة ما عليه بما له لم يقدم على ما له بمجرد العقل واقتصر على مجرد ما عليه من وقف نفسه، ولو عن الحركة حتى يأتيه الأمر.
ولهذا قال علماؤنا-رحمهم الله:إن الأصل في الدعوات والعبادات كف اليد عن الرفع إلا حيث أذن، وكف البصر عن الشخوص وخفض الصوت بالدعاء إلا حيث أذن به، وبه نطق كتاب الله تعالى: {أدعوا ربكم تضرعاً وخفية}، وقال الله تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}.
والجملة فيه: أنا عرفنا بدلالة العقل أن الله تعالى خلقنا لنؤمن به ونعبده كما نطق به كتاب الله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وسائر الآيات لكن العبادة مجملة فيجري مجرى خطاب الله إيانا بالصلاة فما يلزمنا من أمره بالصلاة بالوحي قبل البيان يلزمنا من أمره بالعبادة الثابتة بدلالة العقل فرأس الإسلام التعظيم، وهو الكف عن كل فعل على اعتقاد الطاعة حتى يأتينا البيان مخافة أن نقع بما يتصور عندنا حسناً فيما ليس بحسن مرضي لله تعالى تعظيماً له.
ألا ترى أن بعد الشرع كانت الصلاة بلا طهارة قبيحة ومكروهة في بعض الأوقات وترددت بين فاسدة وجائزة.
وهذا كما قلنا في الدنيا إنا نعلمها بدلالة العقل مخلوقة لنا ولضروب فوائد تعود إلينا، ولكن الانتفاع بعين منها لعين منفعة لا يكون إلا ببيان أن ذلك العين يصلح لتلك المنفعة غير أن الصلاح لنا مما يعرف بدلائل غير دلالة الوحي وأن يكون مرضياً لله تعالى لا يعرف إلا بدلالة الوحي، والله أعلم.
ولهذا المعنى كان ترك اعتقاد وجوب الطاعة فراراً لأنه من الإيمان فأما الطاعة نفسها فتركها فسق وفعلها فيه زيادة فضيلة ودرجة، فكان أمراً زائداً على الإيمان من جملة ما يحتمل قبحاً في الجملة.
ويدل عليه أن هذه العبادات علقت بأسباب شرعاً لا تدرك بالعقول كزوال الشمس والبيت وخمس من الإبل السائمة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)

والإيمان بالله علق وجوبه بآيات الحدث فينا وهي معروفة بدلالات العقل فقام العقل في إيجاب الإيمان مقام الشرع في العبادات ولهذا قلنا: إن الله تعالى لا يخاطب الكافر بالعبادة إبانة لهوانه وعدم أهليته لا نظراً ومرحمة، ولما كان مشوباً بالكرامة لم يكن للعبد المصير إليها إلا بأمر لما فيه من الترقي إلى درجة الكرامة.
قال القاضي أبو زيد-رحمه الله:انتهى كلامي في ذكر الحجج والخطاب إلى ما ختمت عليه الكتاب ليفارق الآدمي البهيمة في علمه، ويفرق بين حفظه وفهمه.
ولما كان ذكر الحجج لإفادة العلم، والعلوم أنواع لم يكن بد من ذكرها وذكر أضدادها، وما يختلف عليه أحوال قلب الآدمي فيه، وأنا استوفق الله تعالى وأستهديه ليعنني على كشف ما أنا فيه، والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)

باب

‌‌القول في أحوال قلب الآدمي قبل العلم، وأحواله بعد العلم
قال القاضي-رحمه الله:يولد الإنسان وهو نظير المجنون في عدم العقل، ليس معه قدرة التمييز التي بها خوطب الإنسان بهذه العلوم، وضده العاقل لا العالم ثم يصير عاقلاً.
والعقل: عبارة عن نور في الصدر به يبصر القلب إذا نظر في الحجج كالشهاب للعين، ومع هذا النور يبصر القلب الأمور الغائبة عن الحواس إذا نظر في الحجج، كما أن العين إنما تبصر مع نور الهواء إذا نظر فيصير الإنسان إذا عقل قادراً على النظر لكنه على جهل ما لم ينظر، وضد الجهل العلم.
ثم ينظر نظراً ضعيفاً فيصير شاكاً، والشك ضد اليقين، وذلك كالشيء يبدو للعين إذا نظر إليه بدواً غير قوي فلا يميز الناظر إليه بين حقيقة وجود لا شيء، وبين جبال تمثل للعين، أو علم بحقيقة الوجود، ولكن احتمل أن يكون زيداً أو عمراً فيشك فيما رأى ولن يكون الشك إلا بإحتمال الأدلة، ونظيره الريب.
ثم ينظر نظراً فوق ذلك غير تام فيصير ظاناً، والظن في اعتقاد القلب أحد وجهي الشك برجحانه على الآخر بهوى النفس، لا بدليل هو دليل على الحقيقة كظن الكفرة الأصنام آلهة، والملائكة بنات الله ونحوها من اعتقادات كانت لهم بلا دليل.
قال الله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً} ولهذا صح استعارة الظن للعلم فإن مثل تلك الرؤية للقلب إذا كان عن دليل كان علماً وحقاً على ما نذكره.
وضد الظن الحق كما قال الله تعالى: {وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً}.
فهذه أحوال أربعة للقلب قبل العلم، وقبل النظر في الحجج نظراً على وجهه، فإذا صار النظر على الوجه وميز بين الدليل وما ليس بدليل وطلب الرجحان لأحد وجهي الشك بالحجة وترجح ومال القلب إليه من غير يقين فذلك مبدأ العلم بغالب الرأي؛ كالعلم الذي يقع بالمقاييس والاجتهادات التي تحتمل الخطأ وأخبار الآحاد ونحوها من الأدلة المجوزة على ما مر القول في بيانها.
وهذه الحالة تسمى علماً لكنه على سبيل المجاز لقيام شبهة الخطأ واحتمال مع هذا الدليل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)

واسمه على الخصوص الحق لأنه ثبت بدليله.
وضده الظن إذا ثبت لا عن دليل لكن بهوى النفس.
ثم إذا جد في النظر وفوق للإصابة وزالت الشبهة من كل وجه عن تبدي الحق للقلب صار علماً الذي ضده الجهل.
فصار حد العلم رؤية القلب المنظور فيه كرؤية العين المنظور إليه فالعلم للقلب صفة خاصة كالرؤية للعين.
وقد تستعار الرؤية عن العين للقلب لأن العلم بمعناه.
والرؤية إنما تكون بتبدي المنظور إليه للعني، فكذا العلم بتبدي المنظور فيه للقلب.
والاعتقاد عندنا صفة زائدة للقلب بعد العلم بعلم ثم يعتقد أي: يعقد الإنسان قلبه على ما رأى، وإنما يتبين الشيء بضده فضد العلم الجهل وضد العقد الحل، وحتى أضيف العقد إلى كل شيء، يقال: عقد الحبل فانعقد، كما تقول في ضده: حللته فانحل، والعقد والعزم والقصد في صفات القلب نظائر بعضها فوق بعض، وذلك كله بعد العلم أي بعد رؤية ما يعتقده ويقصده ويعزم عليه.
وكان إبليس على هذا عالماً بالله تعالى غير معتقد أي: غير مؤمن ولا مصدق ولا عامل بعلمه، فإنه للقلب كالطاعة للبدن يعلم بوجوب الصلاة ثم يعمل به فيكون تصديقاً لقلبه على ما علم، وإن ترك كان تكذيباً لقلبه بفعله واسم هذا العلم على الخصوص اليقين الذي هو ضد الشك على الخصوص، وهو ضرب من الجهل.
ثم العلم الأول ما يقع للقلب لا يخلو عن ضرب اضطراب بحكم ابتداء الوقوع كالرجل يدخل داراً أول ما يدخل فيكون على اضطراب بحكم ابتداء الصحبة.
والعين ترى الشيء لأول ما ترى فإذا دامت الرؤية وزال اضطراب البدو صار العلم معرفة؛ كالغريب إذا دخل بلدة وصحب أهلها تثبتت بينهم المعرفة، وإن كان يثبت العلم بأول الرؤية، ولهذا يقال للبهائم: عرفت كذا، ولا يقال علمت لأنها لا تعرف شيئاً إلا بالعيان الذي يزيل كل اضطراب.
والعلم ما يكون بنظر القلب والاستدلال الذي هو دون العيان حتى إذا زال الاضطراب بدوام الصحبة قيل: معرفة، وضد المعرفة الفكرة.
وضد العلم: الجهل.
ثم النكرة بعد المجهول بدرجة فإنك إذا قلت: أعط زيداً درهماً من غير إشارة إلى أحد كنت أمرت بإعطاء رجل مجهول لا نكرة.
فزيد معرفة لغة إلا أنك جهلته للتعارض فإن الزيدين كثيرة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)

وإذا قلت: أعط رجلاً درهماً، كنت أمرت بإعطاء رجل نكرة فرجل منكور لأنه مجهول بعدم دلالة المعرفة لا للتعارض وزيد جهل بعد قيام اسم المعرفة بحكم التعارض فتكون النكرة من الجهل كالجهل من الشك.
فتقول: فلان جهل ربه إذا لم يعلمه، وفلان أنكر إذا زاد على الجهل التكذيب والجحد.
ويقال: علمت فلاناً لكنه ليس من معارفي، إذا لم يكن بينكما صحبة.
فعلمت أن المعرفة فوق العلم بزيادة صفة الصحبة للقلب لا بزيادة درجة الثبوت، فإنهما سيان في اليقين.
ثم العلم بعدما يصير معرفة ينقسم إلى ضربين:
علم الظاهر دون المعنى الباطن الذي فيه الحكمة، وعنده يلتذ القلب به ويصير معقولاً له ويجري مجرى الطبيعة فإن العقل مما خلق فينا ورأيه بمنزلة رأي هوى النفس في القبول وسكون الإنسان، فمتى نظر بدلالة عقله ووقف على المعنى الباطن والتذ القلب به بعدما اطمأن إليه صارت المعرفة فقهاً.
والفقه: اسم لضرب علم أصيب باستنباط المعنى.
وضد الفقيه صاحب الظاهر وهو الذي يعلم بظاهر النصوص من غير تأمل في معانيها ولا يرى القياس حجة.
ولو كانا لعلم والفقه سواء لم يكن ضد الفقيه نوعاً من العلماء بل كان ضده الجاهل.
وإلى هذه تناهى حد العلم فيرى القلب أول ما يرى بغالب رأيه من غير يقين فيميل إليه، ثم تزول الشبهة فيصير علماً حقيقة ثم يقر عليه فيصير معرفة ثم ينظر في معناه وحكمته فيقف عليهما فيصير فقهاً وقد فسر عبد الله بن عباس رضي الله عنه الحكمة بالفقه في جميع القرآن.
ولهذا خص بهذا الاسم العلماء الذين يرون القياس حجة لأن القياس لا يكون حجة إلا بالوقوف على المعاني الباطنة.
غير أن الله تعالى يوصف بالعلم وال يوصف بالمعرفة والفقه، لأن العلم يتبدى المعلوم للعالم على حقيقته، والله تعالى لا يخفى عليه شيء فكان عالماً.
والمعرفة والفقه اسما حالي العلم على ما مر، وليس لله تعالى أحوال في صفاته وأسمائه تعالى عن ذلك علواً كبيراً فلا علم لنا إلا بديل.
والدليل قد يكون حسياً وقد يكون عقلياً أي لا يعرف دليلاً إلا بدلالات العقول كالآيات على الله والمعجزات على الرسل عليهم السلام.
فالحسيات مما يشارك البهائم الآدميين في المعرفة الواقعة بها، فإنها تعرف أولادها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)