قلنا لهم: إن علتنا أولى لأن الحكم ينعدم بعدمها، وهو صرف الدراهم بالدراهم أو إسلام الدراهم في الحنطة لما كانا دينًا بدين أو ثمنًا بثمن شرط القبض في المجلس كي لا يكون كيلًا يكون كاليًا بكالي، لأن الأثمان لا تتعين بحال بيعًا.
وعلتهم لا توجب العدم لعدمها فإن القبض شرط في المجلس في باب السلم، وإن لم يشتمل على أموال الربا.
وكذلك إذا قلنا: إن الرجل إذا ملك أخاه عتق عليه لأن بينهما قرابة محرمة للنكاح فأشبه الأب والابن كان أولى من قولهم: لا يعتق لأنه يحل له وضع الزكاة فيه فأشبه ابن العم، لأن علتنا تنعدم لانعدامها في ابن العم وعلتهم لا توجب العدم فإن الكافر يحرم وضع الزكاة فيه، ولا يعتق على المسلم إذا ملكه.
وأما الترجيحات الفاسدة فما عدا هذه الأقسام.
منها ترجيح القياس بالقياس لما ذكرنا فيما مضى، وقد أجمع المسلمون في ابني عم أحدهما زوج ورثا امرأة أن الزوجية لا توجب ترجيحًا للعمومية لأنها علة بانفرادها، ولو كانا أخوين لأب أحدهما أخ لأم يرجح بالأم الأخوة لأب لأن هذه الوصلة رجعت إلى الأولى فصارت وصفًا له، فصار كعلة ثبتت بأصلين، وخير ثبت برواة كثيرة، وقال عامة الصحابة رضوان الله عليهم في ابني عم أحدهما أخ لأم: أن ابن العم الذي ليس بأخ يرث.
وقال بعضهم: لا يرث لأن الكل قرابة، إلا أنا نقول: الأخوة غير العمومة فلا يصيران علة واحدة بل كان كل واحدة علة منفردة فأشبه ابني عم أحدهما: زوج.
ومن الترجيح الفاسد: غلبة الأشباه، كقولهم: إن الأشباه بين الأخ وابن العم أكثر من حيث جريان القصاص في الطرفين وحرمان الإرث بالأولى وحلّ وضع الزكاة وقبول الشهادة لصاحبه، ولا شبه بينه وبين الأب إلا المحرمية بالرحم، وذلك لأن هذه الأشباه أوصاف أو أحكام تجعل عللًا، وكثرة العلل لا توجب ترجيحًا ككثرة الأخبار، وكثرة الآيات فلا فرق بين أوصاف تستنبط من أصل، أو من أصول ولو كانت من أصول شتى لم توجب ترجيحًا فكذا هذا بل أولى لما ذكرنا أن زيادة الأصول ترجيح للوصف الواحد.
ومن الترجيح الفاسد قول بعضهم: إن علتي أعم لأن العلل خلف النصوص، والنقض لا يترجح بعمومه فكذا العلة بل الخاص من النص أولى عند الخصم فيجعل العلة الخاصة أولى.
ومن الترجيح الفاسد: أن تكون إحدى العلتين بوصف، والأخرى بوصفين فيقال: إن التعليل بوصف أولى لأنها خلف النص، والنصان إذا تقابلا لم يترجح أحدهما بكونه أوجز عبارة.
فهذه وجوه أربعة متداولة بين أهل النظر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
باب
القول فى المناقضة
قد ذكرنا أن المناقضة لا ترد على العلل المؤثرة لأن تأثيرها لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه، ومثل هذا الدليل لا ينقض، وإنما تجيء المناقضة على الطرد لأنهم جعلوه حجة باطراده، وربما لا يطرد، فإنه دليل ما ثبت إلا بحسن الظن أو غالب الرأي، وهما لا يوجبان علمًا لا يحتمل الغلط، إلا أنا أثبتنا بالباب لنبين لك بالأمثلة أن المؤثرة لا يرد عليها نقض، ولكن يرد عليها الخصوص على سبيل أن الذي جاء ناقضًا ظاهرًا غير داخل تحت ما جعله المعلل علة معنى.
وبيان ذلك بطرق أربعة.
من حيث اعتبار معنى الوصف الذي هو ركن العلة.
ثم اعتبار معنى دلالة التأثير الذي به صار الوصف حجة يجب العمل بها.
ثم باعتبار الحكم الذي وقع التعليل لإثباته.
ثم بالغرض الذي قصد المعلل التعليل لأجله وأثبت الحكم بقدره.
أما الوصف فنحو قولنا: إن وظيفة الرأس مسح فلا يثلث كوظيفة الخف.
فلا يلزم الاستنجاء بالحجارة لأن تلك الوظيفة ليست بمسح بل هي إزالة للنجاسة الحقيقية، ألا ترى أن الإزالة بالماء أفضل لأنها أتمّ، ولو كانت الوظيفة مسحًا لكره التبديل بالغسل كما في وظيفة الرأس.
وكذلك إن الدم السائل عن الجرح حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول، ولا يلزمنا الدم إذا لم يسل عن رأس الجرح لأنه ظاهر وليس بخارج، لأن الخروج بالانتقال عن مكان باطن إلى مكان ظاهر، وتحت كل جلد ورطوبة وفي كل عرق دم، فالذي هو على رأس الجرح ظهر بزوال الجلدة التي كانت سترة له، ولم ينتقل عن مكانه إلى مكان ظاهر من بدنه خلقة فهو كرجل في البيت ظهر بفتح الباب أو بنقض البناء، والآخر ظهر بالخروج عن الباب لم يكن الظاهر في محله الباطن في أصله بزوال البناء، أو الستر خارجًا دلّ عليه أنه لا يجب غسله في نفسه إذا لم يسبل، وهذا حكم النجاسة الباطنة لا الخارجة.
وأما التأثير: فلأنا نقول: إن صفة المسح إنما صار علة لمنع التثليث، لأنه قد ظهر أثره في نفسه من حيث التخفيف في مقابلة الغسل فعلًا وذاتًا، وكذلك قدرًا من حيث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
التأدي ببعض المحل، وهذا المعنى معدوم في الاستنجاء، لأن أصل المأمور هو مسح موضع النجاسة ولا يتأدى ببعض محل النجاسة فكان نظير الغسل في محله سنة من مضمضة، أو فريضة من غسل وجه.
وكذلك النجاسة الخارجة إنما كانت حدثًا لأنها أوجبت تطهيرًا في نفسها، فإنه يجب غسلها إذا سالت عن رأس الجرح كما أوجب خروج البول، فلما ساوته في إيجاب الحقيقة ساوته في إيجاب الحكمية بل أولى لأنها دون الطهارة الحقيقية، وأخف منها من حيث أنها طهارة.
ولا يلزم التي لم تسل لأنها لم تصر كالبول في إيجاب الطهارة في محلها فكذا في غير محلها فتبين بدلالة التأثير أنها لم تدخل تحت التعليل بل تزيد قوة في انعدام الحكم إذا انعدم دلالة التأثير، وإن بقي الوصف.
وأما الحكم: فنحو قولنا، فيمن نذر صوم يوم النحر: إنه صحيح لأنه يوم فلا يفسد النذر بالإضافة إليه كسائر الأيام، ولا يلزم إذا نذرت المرأة صوم يوم حيضها لأن الفساد بالإضافة إلى الحيض فالحيض صفة لها لا لليوم.
وقولنا: إن الغصب سبب ملك بدل أصل المال فيكون سببا لملك الأصل قياسا على البيع، ولا يلزم غصب المدبر لأنا عللنا لنجعل الغصب سبب ملك ولم نعلل لبيان المحل الذي يعمل فيه، وفي المدبر الغصب سبب ملك، إلا أن التدبير منع عمله كما لو باعه.
وكذلك الكتابة عقد يحتمل الفسخ فلا يوجب ما يمنع التكفير به كالبيع والإجارة، ولا يلزم إذا أدى بعض بدل الكتابة لأن المانع أخذ بعض العوض عن العتق لا الكتابة، وهو معنى قول أهل النظر: إن المعلل للجملة لا يناقض بالإفراد.
وأما الغرض: فنحو قولنا: إن التأمين يخافت به لأنه ذكر، ولا يلزم التكبيرات من الإمام لأن غرضنا أن نجعل كونه ذكرًا علة لشرع المخافتة، وأنه كذلك في التكبيرات فإن أصل الشروع فيها المخافتة بها وإنما وجب الجهر بعلة أخرى، وهي إنما شرعت إعلاما، والعلة مع كونها علة قد تجب ضد حكمها بمعارضة علة أخرى أولى منها.
كذلك نقول: إن الدم السائل حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول ولا يلزم دم الاستحاضة لأن غرضنا أن نسوي بين الخارجين في كونهما حدثًا ناقضًا للطهارة وقد استويا لأن السيلان متى دام منها لم يكن حدثًا ناقضًا إلا بخروج الوقت.
ولأن الغرض أن نجعله علة ناقضة للطهارة وهو علة في الاستحاضة بعد الوقت.
ولكن امتنع النقض للحالة لعلة أخرى مانعة وهي أنها مخاطبة بالأداء فيجب أن تكون قادرة، ولا قدرة إلا بسقوط حكم الحدث فسقط ومنع العلة أن تعمل عملها لدفع ضرورة العجز عن الإمكان، فلا يخرج عن كونه علة بتأخر العمل إلى حين كالبيع بشرط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
الخيار ثلاثة أيام، وأهل النظر لقبوا هذا الدفع بأنه لا يفارق حكم أصله ونحن لقبنا بالغرض لأن الغرض أوجب القصر على تلك الجملة وبين أن العموم لم يدخل تحت التعليل.
وجملة الحد في الخروج عن المناقضات أن المعلل متى أمكنه الجمع بين حكم علته، وهذا الذي جاء مناقضا لم يكن نقضا، ومتى لم يمكنه كان نقضا كما في تناقض الدعاوي وهذا لأن الجمع بين النقيضين لا يتصور.
وبهذه الوجوه من البيان يمكنه الجمع بينهما من غير رجوع عن الأول أو ترك.
وبهذه الوجه يتبين الفقه: فإنه اسم لضرب معنى ينال بالتأمل والاستنباط.
وفسرت الحكمة في القرآن بالفقه، لأن الحكمة هي المعنى الباطن في المصنوع لأجله كان الصنع، فكذلك المعنى الباطن في النص الذي شرع لأجله الحكم هو العلة.
والحكمة والفقه هو الوقوف عليها، فالدافع على طرف الفقه هو أن يكون بوجه لا ينال إلا بضرب تأمل، فأما الدفع بألفاظ ظاهرة فمما يقع بها الاحتراز عن النقوض بالسماع، فلا يكون فقها.
إلا أن أهل الطرد لما كلت أفهامهم عن الفقه، وطمعوا في اكتساب اسم الفقه أبدلوا المقاييس المعنوية بمقاييس لفظية تشهيا ولم يدروا أنهم لما اعتمدوا الألفاظ، فالأولى بهم أن يقولوا بظاهر النصوص ويكونوا مع أصحاب الظواهر مع ما أطلقوا على أهل التوحيد والسنة أهل الإلحاد ببنائهم أحكام الشرع على ألفاظ ودعاويهم، وبالله نعوذ من الخذلان والكسل والعجب، ونسأله التوفيق للإصابة والجد.
وقد زاد مشايخنا من أصحاب الطرد في هذه العلل المؤثرة فعللوا لمسح الرأس بأنه مسح بالماء فأشبه مسح الخف احترازا عن الاستنجاء بلفظ ظاهر.
وعللوا للدم السائل بأنه نجس خارج إلى موضع يلحقه حكم التطهر في نفسه احترازا عن غير السائل بنص ظاهر.
وعللوا لإيجاب الملك في المغصوب بالغصب عند أداء الضمان أنه سبب أوجب ملك البدل عما يحتمل التمليك والتملك فيوجب ملك الأصل احترازا عن المدبر، وأنه سمع سماعًا ولغوًا ذكرًا لوقوع الغنية عنه بما دونه، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
باب
القول في صحيح الاعتراضات على العلل الطردية التي لا يضلل القائل بها ويجوز العمل بها بالإجماع
مما مر بيانه في التعليل بوصف ملائم القول بموجب العلة، ثم الممانعة، ثم بيان فساد الوضع، ثم المناقضة، فهذه وجوه أربعة تلجأ أصحاب الطرد إلى القول بالتأثير ضرورة.
وسنذكر كل قسم في باب على حدة ليكون أبين للمقصود، فقد أولع أهل زماننا لكسلهم في الدين بطريقة الطرد، وصار القول به عادة راسخة، وطبيعة خاصة وانتزاع الناس عن العادة أمر صعب وخطر هائل، ما قدر النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك عموما بقوة الحجة، حتى انضم إليها قوة السيف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
باب
في القول بموجب العلة
أما تفسير القول بموجب العلة: فهو التزام ما أوجبته العلة، وأنه سبب عجب لإلجاء أهل الطرد إلى القول بالتأثير، وذلك في قولهم: إن المسح بالرأس ركن في الضوء فيسن تثليثه كالغسل. فنقول: عندنا يسن تثليثه لأن قدر الفرص يتأدى بالإجماع ببعض الرأس، ويسن الاستيعاب بالإجماع، وفيه تثليث قدر المفروض من المسح لأن الباقي بعد الفرض من فعل المسح يكون مثلي قدر الفرض وزيادة فيكون تثليثا للفعل، ولكن في أمكنة فالغسل تثليث في مكان واحد، ألا ترى أنك تقول: دخلت ثلاث دخلات في ثلاث دور، ودخلت ثلاثا في دار واحدة فإن غير موجب العلة، وقال: وجب أن يسن تكراره.
قلنا: ولا نسلم هذا الحكم في الأصل، فإن تكرار الغسل غير مسنون في أصله، بل المسنون إطالته في محله ليكون إكمالا له كإطالة القراءة والركوع، إلا أن الفرض منه لما استوعب المحل لم يمكن الإطالة في المحل إلا بالتكرار، ويمكن في المسح الإطالة من غير تكرار فلم يجب التكرار.
أو نقول: إن الغسل لما كان ركنا وجب إكماله سنة، والغسل موضوع للتنقية، وإكمال التنقية في تكراره ليزداد المحل به طهارة، وأما المسح بالماء فلا يفعل في أصله لتنقية المحل، بل المتعلق به طهر حكمي تعلق بعينه فكان تكميل عينه في تطويله كالقراءة والركوع في الصلاة فيضطر إلى النظر في أثر الركنية، إذا قوبلت بالرخصة من مسح الخف في الفرق بينهما في إكمال قدر المفروض بالسنة فلا يجد أثرا، لأن قدر المفروض من الغسل شرع إكماله بمثليه في محله، ومسح الخف يساويه فيه، وإن لم يكن ركنا بل شرع رخصة فإن قدر المفروض منه مثل قدر المفروض من الرأس، وقد شرع إكماله باستيعاب ظاهر الخف بمثلي قدر المفروض في محله أو بأكثر.
ثم ننظر إلى المضمضة التي شرعت سنة فنجدها ثلاثا وأصل المشروع سنة بالمرة وكمالها بالثلاث، فيعرف أن وظائف الوضوء أركانها وسننها ورخصها سواء في إكمال قدر أصل المشروع لا عبرة للركنية فيها فيستوي مسحها وغسلها وركنها وما شرع رخصة.
وكذلك ننظر إلى سائر المشروعات من أركان الصلاة وغيرها فنجد الإكمال مسنونا، والإكمال أبدا يكون بزيادة من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
جنس الأصل لا بالتكرار وقد تصور الإكمال بالزيادة من جنس الأصل بغير تكرار في باب الممسوحات فلم يجب التكرار بعينه، ولم يمكن في باب المغسولات الإكمال بزيادة من جنس الأصل فوجب التكرار ضرورة.
وكذلك إذا قالوا: إن الصوم نفلا قربة لا يمضي في فسادها فلا يجب القضاء بإفسادها قياسا على الوضوء.
قلنا لهم: لا يجب القضاء بإفسادها وإنما يجب الشروع.
فإن قال: ولا يجب بالشروع، ولا الإفساد قياسا على الوضوء!
قلنا: ولا يجب بالشروع المضاف إلى عبادة لا يمضي في فسادها، لكن بالشروع في عبادة تلتزم بالنذر، ولابد من اعتبار إضافة الحكم إلى ما ذكر من الوصف لأن الأوصاف تذكر عللا، وبما ذكر من الوصف لا تصير العبادة محلا لا يلتزم بالشروع فيها، بل وصف آخر فلابد من رجوعه إلى نصب العلة لبيان أن الشروع ليس بسبب للالتزام الذي فيه النزاع.
وكذلك قولهم، في إسلام المروي بالمروي: أنه جائز، لأنه أسلم مذروعا في مذروع فيجوز كالهروي في المروي.
فنقول: من حيث أنه مذروع في مذروع يجوز العقد، وتعلق الجواز بهذا الوصف لا ينفي تعلق الفساد بأمر آخر، ألا ترى أنه لو شرط شرطا فاسدا، ولم يقبض رأس المال في المجلس كان فاسدا فكذا عندنا بصفة الجنس لأنه علة مفسدة كالشرط الفاسد، فيلزمه الرجوع إلى بيان أن الجنس ليست بعلة محرمة الذي فيه الخلاف.
وكذلك قولهم: إن المطلقة طلاقا رجعيا حرام لأنها مطلقة، فأشبهه المطلقة بمال.
فنقول: من حيث أنها مطلقة محرمة، ولكن من حيث أنها منكوحة محللة كما لو أبانها ثم تزوجها، وكان قيام النكاح مع الطلاق المحرم محللا فيضطر إلى الرجوع إلى بيان خلل في النكاح أوجب التحريم الذي هو حرف المسألة.
وكذلك قولهم في المبتوتة: لا يلحقها الطلاق في العدة لأنها منقطعة النكاح.
لأنا نقول: إن الطلاق لا يلحقها من حيث انقطاع النكاح، ولكن من حيث العدة عن النكاح التي هي أثره.
وكذلك إذا قالوا: لا يجوز تحرير الكافرة عن كفارة اليمين لأنه تحرير في تكفير فأشبه كفارة القتل.
قلنا: وعندنا لا يجوز لأنه تحرير في تكفير، ولكن من حيث أنه ائتمر بالأمر كما يجوز إذا كسا مساكين، ولا يجوز في كفارة القتل فيضطر إلى الرجوع إلى بيان أن المطلق يحمل على المقيد أم لا؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
وكذلك إذا قالوا: إن السرقة توجب الضمان لأنه أخذ لمال الغير بلا تدين كالغصب.
لأنا نقول: إنها موجبة للضمان إلا أن القطع ينفيه كما ينفيه الإبراء فيضطر إلى بيان أن القطع لا ينفي الضمان الذي هو حرف المسألة، وقد يجيء هذا الاعتراض على أكثر العلل الطردية لمقايستهم بأوصاف صالحة محتملة أن لا تكون عللا، وإنما قدمنا هذا لأن المنازعة إنما تجب إذا لم يمكن الموافقة، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
باب
القول في الممانعات
الممانعات على هذا الطريق أربعة:
ممانعة في نفس الوصف.
والأخرى: في صلاحه للحكم.
والثالثة: في الحكم.
والرابعة: بالحكم مضافا إلى الوصف لأنهم يشترطون الصلاح، وتعلق الحكم بالعلة وجوبا.
أما الوصف: فنحو قولهم في كفارة الإفطار: أنها عقوبة متعلقة بالجماع فلا يشاركه غير الجماع كالحد.
لأنا نقول: أنها غير متعلقة بالجماع بل متعلقة بالإفطار، لكن إذا كمل تعديا.
وكقولهم، لمسح الرأس: أنه طهارة مسح فيثلث كالاستنجاء.
لأنا نقول: في الأصل هي طهارة عن النجاسة الحقيقية لا طهارة مسح فيضطر إلى بيان أن الكفارة غير متعلقة بالإفطار الذي هو حرف المسألة فإنها تجب بالفطر عندنا، والفطر سواء بالأكل والشرب والجماع، ويضطر في الأخرى إلى الرجوع عن صفة المسح الدال على التخفيف إلى صفة أخرى يرده بها إلى الغسل الذي هو حرف المسألة في التسوية بين المسح والغسل فيما هو سنة أو التفرقة بينهما فيما يوجب خفة في المسح.
وكقولهم: بيع تفاحة بتفاحة حرام لأنه باع مطعوما بجنسه مجازفة فأشبه بيع صبرة حنطة بصبرة حنطة.
لأنا نقول: ما تعنون بقولكم: مجازفة، أتريدون مجازفة ذات أم وصف؟ فلابد من القول بمجازفة الذات.
ثم نقول: أتعنون بمجازفة ذات من حيث صورته التي بها عرفت تفاحة؟ أم من حيث المعيار الذي وضع لبيان القدر منه؟
فلابد من القول بمجازفة من حيث المعيار، فإن بيع الحنطة بالحنطة كيلا بكيل حلال، وإن كان ذات أحدهما من حيث الصورة عددا أكثر، ولأن الجوار يتعلق بالمساواة كيلا، وبها يقع الخلص عن فضل كان ربا ولا يزول بالمساواة كيلا إلا فضل من حيث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
الكيل، فثبت أن الحرمة متعلقة بالمجازفة كيلا لا بمجازفة مطلقة.
وإذا فسروا بالمجازفة كيلا لم يجدوها في التفاحة لأن المجازفة كيلا فيما لا كيل له محال، فيضطرون إلى الرجوع إلى قولهم: إن الطعم علة تحريم البيع في الجنس إلا بزيادة شرط وهو المساواة كيلا وهو حرف المسألة فإن الحرمة عندنا متعلقة بالفضل كيلا، وقد حرم الفضل كيلا بصفة الكيل والجنس على ما بينا في موضعه.
ومن ذلك قولهم، للثيب الصغيرة: أنها ثيب يرجى مشورتها فلا تزوج كرها قياسا على البالغة.
لأنا نقول: يرجى مشاورتها برأي قائم، أو برأي مستحدث، أم بأيهما كان.
إن قلت: بأيهما كان فبطل بالمجنونة فإن حدوث رأيها غير مأيوس عنه.
وإن قال برأي قائم لم نجده في الفرع، وتبين حرف المسألة، وهو أن القاطع لولاية الغير رأي قائم لا رأي سيحدث، فإن ما سيحدث من علة أو مانع لا يوجب حكما قبل الحدوث، والرأي هو القاطع فلم يجز أن يتعجل القطع على الرأي ولأن رأيا سيحدث لو قطع الولاية لما ثبتت الولاية على صبي ولا صبية، ولما لم يلتفت للحال إلى طلبها ورضاها وردها علم أن الرأي ساقط العبرة شرعا دون رأي الولي فلم يجز أن يبطل به حكم رأي الولي، ورأيها ساقط العبرة دون رأيه، وعلى هذا الوجه يتبين عوار من دخل في الأمر على حسن الظن بلا رؤية تميز له الصواب من الخطأ.
وأما الحكم: فنحو قولهم: إن المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه قياسا على الغسل، لأنا لا نسلم أن سنة الغسل في التثليث بل في الإكمال كما يكمل القراءة والقيام، والإكمال صفة الأصل فلا تثبت إلا بما هو جنس الأصل، والأصل لم يتصور إلا في محل مخصوص، فكذلك الإكمال كإكمال القراءة لا يكون إلا بالقرآن الذي يتأدى به أصل الفرض في القيام.
ولما استوعب الفرض كل محل لم يمكن إكمال فعل الغسل في ذلك المحل إلا بالتكرار، فكان التكرار لضرورة ضيق المحل لا لكونه ركنا، وقد أمكن الإكمال في المسح بغير تكرار فلم يجب فيضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة، فإنا أسقطنا التثليث لأن المرة المستوعبة من المسح كالغسل بالتثليث.
ولا يلزم على ما قلنا إكمال مسح الرأس بمسح الأذنين، ولا يتأدى الفرض بهما لأن الأذنين صارا من الرأس بالسنة إكمالا للرأس الذي هو محل ثم المسح شرع في المحل لأن المسح بهما شرع إكمالا بنفسه لمسح الرأس.
وكقولهم: إن صوم رمضان صوم فرض، فوجب أن يشترط لصحته نية تعيين الفرض قياسا على القضاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
لأنا نقول: أيشترط تعيين النية قبل تعينه، أم بعد تعينه أم مطلقا في الحالين جميعا؟ فلابد من أن يقول: قبل تعينه فلا يجد في صوم رمضان لأنه متعين، ويضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة فإنا أسقطنا نية التعيين لتعينه.
وكقولهم في بيع تفاحة بتفاحة: أنه باع مطعوما بجنسه مجازفة فوجب أن يرحم قياسا على الصبرة بالصبرة.
لأنا نقول: أتعنون حرمة مطلقة أم حرمة تزول في هذا المحل بالمساواة كيلا؟ فإن قالوا: حرمة مطلقة، لم نسلم لهم لأن الحرمة في الأصل تزول بالمساواة كيلا، وإن قالوا: حرمة تزول بالمساواة لم يجدوا في الفرع إذ ما للتفاحة بالتفاحة حال مساواة يجوز البيع معها عند الخصم، فتبين به حرف المسألة فإن الحكم عندنا حرمة نزول بالمساواة، لا حرمة مطلقة فلا يثبت إلا في محل قابل لمفاضلة محرمة، ومساواة مبيحة في نفسه.
وكقولهم للثيب الصغيرة: إنها ثيب يرجى مشورتها فلا تزوج كرها.
لأنا نقول: ما تعنون بقولكم: كرها فلابد أن تقولوا بدون رأيها إذ ليس ههنا إكراه تخويف، فنقول: بدون رأيها، ولها رأي معتبر شرعا أو غير معتبر، فلابد من قولهم معتبر لأن ما لا يعتبر شرعا لغو اعتباره، ومتى قالوا: معتبر لم يجدوه في الفرع وتبين به حرف المسألة.
وكذلك إذا قالوا: إن الحيوان يثبت دينا في الذمة مهرا فيثبت سلما قياسا على المكيل.
قلنا: أيثبت دينا مهرا معلوما بالوصف أم بالقيمة؟
فإن قالوا: بالوصف، لم نسلم لهم بالمهر.
وإن قالوا: بالقيمة، لم يجدوه في الفرع.
وإن قالوا: بنا غنية عن هذا التفسير.
قلنا لهم: لا غنية لكم لأنكم جعلتم أحد الدينين نظيرا للآخر، وإنما يكونا نظيرين إذا كان طريق ثبوتهما واحدا، وإنهما مختلفان عندنا فالسلم لا يثبت إلا معلوما بوصفه، والحيوان لا يصير معلوم المالية بالوصف، وأما المهر فيثبت بالتسمية مطلقا، وكينونته معلوم المالية بالوصف ليس بشرط لدليل، قام لنا فيه فيظهر حرف المسألة.
وكذلك إذا قالوا: إن الطعام بالطعام جمعهما علة ربا الفضل فيشترط القبض في المجلس كالثمن بالثمن.
قلنا لهم: إن القبض عينه ليس بشرط فيما هو ثمن، إنما الشرط هو التعيين حتى لا يكون دينا بدين لأن الأثمان لا تتعين، وإن عنيت إلا بالقبض، والطعام مما يتعين فيظهر به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
حرف المسألة، وهو أن القبض في الصرف أمشروط لدفع الدينية أو لزيادة صيانة؟
وكذلك إذا قالوا: إذا اشترى إياه ناويا عن الكفارة لا تجوز لأن العتيق أب فأشبه الإرث.
لأنا نقول: ما حكم علتكم؟
فإن قلتم: وجب أن لا يجوز عتقه نسلم لكم.
وإن قلتم: وجب أن لا يجوز إعتاقه فغير موجود في الإرث، فيظهر به حرف المسألة وهو أن الشراء إعتاق أم لا.
وكذلك إذا قالوا: إن التفكير بإطعام الإباحة لا يجوز لأنه ضرب تكفير يقبل التمليك فلا يجوز بدونه قياسا على الكسوة.
لأنا نقول: فلا يجوز بدون التمليك مع الائتمار بما أمر أو قبل الائتمار به.
فإن قال: أنا مستغن عنه لم ينفعه لأن سقوط الفرائض كلها متعلق بالائتمار بما أمر فلابد أن يقول بدون الائتمار فلا نسلم له، لأنه إذا أطعم طعام الإباحة فقد ائتمر بالأمر فيرجع إلى حرف المسألة، وهو أن تفسير الإطعام هو التغذية والتعشية أم التمليك.
وأما الحكم مضافا إلى الوصف فما مر من القول بموجب العلة، فإن الأحكام في العل الطردية مما لم تقم الدلالة على وجوبها بتلك الأوصاف وإن وجدت معها، وجملة العلل التي ركبت من نفي تبطل بهذا الاعتراض كقولهم لا يعتق الأخ على الأخ لأنه لا بعضية بينهما كابن العم فإنا نقول: عدم عتاق ابن العم ليس لعدم البعضية، فإن العدم لا يوجب حكما على ما مر بيانه.
وكذلك قولهم: الوكالة لا تثبت بشهادة النساء مع الرجال لأنها ليست بمال كالحد، لأنا لا نرد شهادة النساء في الحد لعدم المالية.
وكذلك قولهم: لا إحصار بالمرض لأنه لا يفارق الحال بالإحلال، والمبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنها ليست بمنكوحة، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
باب
القول في بيان فساد الوضع
وإنه من باب الشهادة يجري مجرى فساد الأداء، وإنه فوق النقص لأنه إنما يشتغل بإطراده بعد صحته علة، كالشهادة إنما تشتغل بتعديل الشاهد بعد صحة الأداء، وإنه أقوى من النقض لأن الوضع متى فسد لم يبق إلا الانتقال، والنقض خجل مجلس يمكن الاحتراز عنه بمجلس آخر.
وبيان ذلك أن الشافعي رحمه الله متى علل لوجوب الفرقة بعد إسلام أحد الزوجين بأنها فرقة وجبت لاختلاف الدينين فأشبهت الفرقة بالردة، كان فاسد الوضع.
لأن الاختلاف إنما يثبت فيما نحن فيه بإسلام المسلم منهما فقد كان الاتفاق ثابتا قبله، وإنما حدث الاختلاف بالحادث من الدين وهو الإسلام، والإسلام في الشرع جعل عاصما للأملاك لا مبطلا فكان الوصف ثابتا.
وكذلك متى علل لمسح الرأس بأنه ركن في الوضوء فيثلث كالغسل، كان فاسد الوضع لأن الشرع بنى المسح على التخفيف في مقابلة الغسل، وهو سعي ليزيد غلظا على الغسل، فإنه أوجب تثليث المسح بعد إكمال الفرض بما فوق قدر الجواز.
وكذلك قولهم: الصرورة إذا حج نفلا كان عن الفرض، لأن نية مطلق الحج تقع عن الفرض، فكذلك نية النفل كما لو تصدق بالنصاب ينوي الصدقة مطلقا، أو ينوي النفل لأنه قصد أن يحمل المفسر على المجمل والمقيد على المطلق وإنه فاسد وضعا، لأن المجمل مما يحمل على المفسر، وكذلك المطلق يحمل على المقيد على أصل الشافعي رحمه الله.
وكذلك عندنا إذا كان حكما واحدا كما في كفارة اليمين حملنا مطلق الكتاب بثلاثة أيام على مقيده بقراءة عب الله بن مسعود رضي الله عنه "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" ألا ترى أن مطلق تسمية الدراهم ينصرف إلى نقد البلد، ومفسره بنقد آخر لا ينصرف إليه؟
وعلل خبر ربا الفضل بالطعم، قال: لأن الطعم يتعلق به القوام فكان له زيادة حرمة على غيره، فعلق جواز البيع فيه بشرط زائد وهو المساواة إظهارا لحرمته، وإنه فاسد وضعا لأن المال خلق بذلة لحاجتنا إليه، وأشد الحاجات حاجة البقاء فزيد هذا المعنى في ابتذاله وتوسع أمر كسبه لا أن يزيد تضيقا، حتى حل أكل طعام الغنيمة قبل أن تخمس بخلاف سائر الأموال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
وعلل لحرمة نكاح الأمة بالطول بأن الحر يستغني بطول الحرة عن تعريض جزء منه للرق، فلا تحل له الأمة كما إذا كان تحته حرة، وهذا فاسد وضعا لأنه يثبت حجرا عن النكاح بسبب الحرية، والشرع جعل الحرية مؤثرة في الإطلاق فإن الحر تحل له أربع وللعبد ثنتان.
وكذلك قولهم: إن الجنون إذا تم وقت الصلاة في بعض اليوم، أو يوم من الشهر أسقط الفرض، قياسا على الجنون المطبق، وهذا فاسد وضعا لأنه ليس تحت الجنون إلا العجز عن تفهم الخطاب والائتمار به.
فأما المجنون في نفسه فأهل للعبادات فإنه لو كان صائما فجن يبقى صائما ومؤديا ومؤمنا، كذلك فإن الإيمان رأس العبادات، ويبقى في عباداته كالنائم والمغمى عليه مستحقا بحكم حاله كما يستحق أملاكه.
ثم النوم أثره في تأخير لزوم الفعل حتى لا يأثم دون أصل الإيجاب، فكذا الجنون فجعل ما يسقط الخطاب بالفعل علة لإسقاط أصل الإيجاب حكم بخلاف النص والإجماع فيكون فاسدا.
ولأن الائتمار لا يتصور إلا عن اختيار وتمييز فسقط بفوت شرطه.
وأصل الإيجاب في الذمة يكون جبرا وإلزاما من الله تعالى فيكون شرطه الذمة لا غير.
فأما إذا طال الجنون فالسقوط بحكم الضرورة والوقوع في الحرج، إذ لو ألزمناه تضاعفت عبادات تلك المدة، وهذا معنى مسقط للإيجاب أصلا لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ولقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ألا ترى أن الصلاة تسقط بالحيض لدفع الحرج من حيث أن الحيض يصيبها كل شهر عادة، والصلاة تجب كل يوم فلو ألزمناها قضاء أيام الحيض لتضاعف الوجوب عليها ولحرجت فيها، فسقط الإيجاب به لا لمنافاة الحيض للإيجاب، ألا ترى أن قضاء الصيام يلزمها لأنه لا حرج في إيجاب قضاء الصيام.
وكذلك خطاب تتابع صيام كفارة القتل يسقط بالحيض، لأنها تقع في الحرج لو ألزمناها التتابع لأنها قلما تجد شهرين لا تحيض فيهما في العادات الغالبة، ولا يسقط في صيام كفارة اليمين أو نذر بصوم عشرة أيام متتابعة لأنها تجد هذا القدر عادة بلا حيض فلا تحرج، فكان إضافة سقوط الإيجاب إلى الحرج أمرا مجمعا عليه، والإضافة إلى العجز عن الفعل أمر بخلاف الإجماع وقياس الأصول فكان فاسدا.
وكيف يسقط إيجاب العبادة والأداء منه صحيح، والأداء قبل الإيجاب لا يصح.
ولا يقال إن الصائم إذا جن بطل صومه لأن الجنون آفة سماوية تعجزه عن إقامة فعل المميزين وبقاؤه صائما ليس من فعل المميزين فلا يبطل صومه، ولا يخرجه عن جملة المؤمنين بحكم حاله، ألا ترى أنه يرث بحكم اتفاق دين الإسلام؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
وكذلك المحرم إذا جن لا يبطل إحرامه، فكان من قبل الإغماء والنوم وصحة أداء الصوم بعد صحة الشروع لا يبتنى إلا على ترك المفطرات، وما في الترك فعل فذهاب شرط صحة الفعل لا يمنع تأدية، وإنما يشترط كونه من أهل العبادة لا غير لأن ما يحصل يحصل له عبادة، فأحسن ما قالوا قولهم: إن الجنون يسقط الخطاب، وبهذا التفحص يتبين لك أن لا يسقط الإيجاب، وإن سقط الخطاب بالفعل عن المجنون.
ومن ذلك قولهم: إن الأثمان أموال تتعين في التبرعات، فكذلك في المعاوضات قياسا على الحنطة وسائر السلع، وهذا فاسد وضعا لأن التبرعات ما شرعت لإيجاب الأموال في الذمم بل للإيثار بعين ماله، والمعاوضات شرعت لإيجاب الأثمان في الأمم لأن مطلق المعاوضات المتعارف بين الناس عقدها بلا إشارة إلى الأثمان بل بتسمية مطلقة، وإنها توجب في الذمة، ولما كانت للإيجاب في الذمة كانت الذمة محل هذا الإيجاب فلم تصح الإضافة إلى العين كما لو أضاف هبة الألف إذا ذمته فإنه لا يصح.
وكما لو أضاف بيع المبيع إلى الذمة فإنه لا يصح إلا سلما رخصة بخلاف القياس لضرب من العذر لأن البيع شرع لإيجاب العين لغيره.
وإنما تصح الإشارة إلى عين الثمن على معنى بيان نوعه وقدره فأما استحقاقا فلا، فصار جعل التعيين في الهبة والعين محل الهبة علة لتعين الثمن في البيع، ومحل الثمن في البيع الذمة فاسدا وضعا.
وكذلك قولهم: إن البائع يثبت له خيار الفسخ بإفلاس المشتري لأن الثمن أحد عوضي البيع فالعجز عن قبضه يوجب خيار الفسخ، كالعجز عن قبض المثمن، نحو أن يأبق العبد أن يكون السلم رطبا فيذهب حينه هذا فاسد وضعا لأن القدرة على تسليم المبيع شرط لجواز البيع ابتداء.
والقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط للجواز ابتداء، لأن البيع وضع لإيجاب الملك، واليد في العين للمشتري، ولإيجاب ملك الثمن ابتداء في الذمة على المشتري للبائع.
ولما كان البيع لإيجاب الملك واليد في العين للمشتري كان شرطه قيام الملك واليد للبائع ليعمل العقد عمله فلم يصح قبل أن يقدر ملكا ويدا.
ولما كان الشراء لإيجاب ثمن ابتداء في ذمة المشتري لا غير اشترط لصحته قيام ذمة قائمة لثمن يجب فيها بحيث يقبل القبض بمثلها، من غير شرط القدرة على التسليم بالمثل، لأنه لا قدرة إلا بملك ولم يشترط للجواز قيام ملك ولا يد في عين مثله.
ولما لم تكن قدرة التسليم شرطا للجواز ابتداء لم يوجب العجز عن التسليم خللا فصار فاسدا وضعا، لما فيه من اعتبار ما لم يجعل شرطا بما جعل شرطا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
هذه الجملة أحسن عللهم وأظهرها للقلوب صحة وأبينها فقلها، ليعرف بهذه الجملة أن أكثر عللهم لا يخلو عن فساد الوضع، وتبين بهذا أنه لابد من القول بالتأثير الذي كان عليه السلف بلا خلاف، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
باب
القول في المناقضة
قال القاضي رحمه الله: قد ذكرنا فيما مضى تفسير المناقضة وحدها، وإنما أعدناها لنبين أن الاعتماد على الاطراد ليس بصواب، بل هو واهي الإطناب، لأنه بناء على عدم الدليل، على ما أوضحنا فيه السبيل، والرد بالمناقضة مما يلجئهم إلى القول بالتأثير.
قال الشافعي رحمه الله: إن النية شرط لصحة الوضوء قياسا على التيمم، وقال: طهارتان فكيف يفترقان.
فإن جعل موجب علته المساواة مطلقة لم يصح فإنهما يفترقان من وجوه، ويكون وجه المفارقة نقضا فإن قيد بالنية، وذلك غرضه انتقض بالطهارة عن نجاسة حقيقية فيضطر إلى الرجوع إلى موضع التأثير، وهو أن الطهارة حكمية أي حصولها عرف حكما وشرعا لا حقيقة، وهو حرف المسألة فإن الماء عندنا طهور خلقة فتحصل الطهارة باستعماله بطبعه فلا يتغير بالنية.
وأما التراب فطهور حكما فلا تحصل بطبعه طهارة ما لم يقترن به الشرط الشرعي الذي جعله طهورا أو إرادة الصلاة.
وقال أيضا: الطلاق ليس بحال فلا يثبت بشهادة رجل وامرأتين قياسا على الحدود، وهذا بظاهره يبطل بالبكارة فلا يجد بدا من الرجوع إلى طلب التأثير عند الاقتصار على هذا الوصف، وهو أن الأصل أن لا شهادة للنساء لنقصان عقلهن بكثرة غفلتهن، لكن جوز في باب المال لكثرة الحاجة إليه، وتكرار المعاملات فيه في الأسواق وغيرها حتى لا يضيق على الناس، وإنه معدوم فيما ليس بمال فلم يقبل كما ثبتت الولادة بشهادة النساء وحدهن لضرورة أن الرجال لا يحضرونها، ولم تكن حجة فيما يطلع عليه الرجال.
وهذا حرف المسألة فإن شهادة النساء مع الرجال شهادة أصلية عندنا كشهادة الرجال على ما نبين في موضعه، إلا أن فيها ضرب شبهة فلم يثبت بها ما يسقط بالشبهة كالحدود فأما ما لا يدرأ بالشبهات فهذه الشهادة حجة فيها والطلاق متى قوبل بالبيع كان أقوى ثبوتا منه، وكذلك الوكالات والوصايا، وكذلك النكاح فإنه يثبت عندنا مع الكره والهزل، وسائر الشروط الفاسدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
وقال أيضا: إن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنه وطء رجمت عليه، والنكاح فعل عقد حمدت عليه.
فإن قال: وجب أن لا يشارك هذا في حكم هذا بطل بوجوب الاغتسال والمهر. وإن قال: في حكم المصاهرة.
قلنا له: ولم؟
فإن قال: لأن الصهر نعمة والزنا حرام، رجع إلى التأثير فبطل بالوطء عن نكاح فاسد.
فإن قال: ثم إنما يثبت لما فيه من جهة الحل على حسب اختلاف الناس فيه، فقد رجع عن الطرد إلى طريقتنا من بيان التأثير.
وقلنا له: إن المصاهرة لا تثبت بالزنا عندنا لأنه معصية، والمصاهرة كرامة فلا تضاف إلى المعاصي، ولكنه سبب لحراثة الولد في هذا المحل على ما بينا في موضعه، ولا معصية من حيث الحراثة فإنه أمر مشروع بسببه.
وكذلك قولهم: إن الغصب عدوان فلا يكون سببا للملك كالقتل، هذا باطل باستيلاد الأب أمة ابنه، واستيلاد أحد الشريكين أمة بينهما.
فإن قالوا: أوجبنا الملك فيهما لما لهما من تأويل الاستحلال شرعا، لا من حيث العدوان كان رجوعا إلى التأثير، وحرف المسألة فإنا نوجب الملك بالغصب لأنه سبب ملك البدل، وهذا حكم شرعي وليس بعدوان.
وكذلك قولهم: إن المنافع أموال فتضمن بالإتلاف قياسا على الأعيان.
قلنا: هذا باطل بالمتلف إذا كان معسرا.
فإن قالوا: هناك يضمن لكن الاستيفاء يتأخر إلى الميسرة كان هذا رجوعا إلى التأثير، لأن المتلف ضامن عندنا ههنا، لكن الاستيفاء يتأخر بعذر العجز عن إصابة المثل إلى حين الإصابة في الآخرة، وإنه حرف المسألة فإن العدوان موجب ضمان المثل، فلا يمكن الاستيفاء إلا بعد القدرة على المثل.
وعندنا الأعيان أجود من المنافع وليسا بمثلين، وعنده هما مثلان فيرجع الكلام إلى هذا ويبطل الطرد الذي اعتمده.
وكذلك قولهم: إن إسلام الهروي في الهروي يجوز، لأنه أسلم مذروعا في مذروع، هذا يبطل بما إذا شرطا شرطًا فاسدا.
فإن قالوا: إنما بطل بالشرط الفاسد لا بالوصف الذي قلنا، كان رجوعا إلى حرف المسألة، فإن الفساد عندنا بعلة محرمة وهو الجنس لا بالذرع فيرجع الكلام إلى أن الجنس محرم أولا ويبطل الطرد، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
باب
القول في بيان الطرد الفاسد ظاهرا
الطرديات الفاسدة أربعة أنواع:
نوع منها معروف ببداهة العقول من غير تأمل في الأصول، كقولهم: الفاتحة فرض قراءتها في الصلاة، لأن الصلاة عبادة ذات أركان مختلفة لها تحريم وتحليل، فوجب أن يكون من أركانها ذو عدد سبع قياسا على الحج ووجوب الطواف فيه.
وكقولهم: إن السبعة إحدى عددي صوم المتمتع، فوجب أن لا تجوز الصلاة إذا قرأ بدونها قياسا على الثلاث.
وقولهم: الثلاث أحد مدتي المسح فلا يتأدى بها فرض القراءة قياسا على الواحدة، فالواحدة ناقصة القدر عن السبع فلا يتأدى بها فرض القراءة قياسا على نصف الآية.
ويحكى عن كثير من شيوخهم أن الوطء فعل ينطلق مرة ويتعلق أخرى، فلا تثبت به الرجعة قياسا على القتل.
وسمعت واحدا من شيوخنا يحتج لإبطال النية في الوضوء بأن الوضوء فرض عين تقام في أعضائه فلا تكون النية شرطا لأدائه قياسا على قطع اليد قصاصا أو في السرقة، هذا مما يعرف ببداهة العقول فسادها فإنه لا مشابهة بين القطع والوضوء بوجه، ولا بين مدة المسح ومقدار القراءة، ولا بين أركان الحج وأركان الصلاة، وإن هذا الضرب مما لا يوجد في كلام السلف له نظير، ولكنه شيء أحدثته حشوية أهل الطرد، وأما السلف فما جوزوا إلا بأوصاف مخيلة أو ملائمة.
وأما النوع الثاني: فرد فرع إلى أصل لا يكاد الأصل يمتاز عن الفرع إلا بضم ما هو علة الحكم إليه، نحو قولهم: إن مش الذكر حدث، كما إذا مس وبال فإنه لا زيادة فيما جعله أصلا إلا البول وإنه حدث بالإجماع، وقد عدم ذلك في الفرع فيسقط اعتباره لإيجاب الحكم في الفرع فلا يبقى بعده إلا المس المختلف فيه، وإعتاق المكاتب لا يجوز عن الكفارة قياسا على ما إذا أدى بعض النجوم لأنه لا زيادة في الأصل إلا أخذ بعض العوض وإنه علة مانعة من التفكير، وقد عدمت في الفرع فتبقى العبرة لما بعده، وما بعده إعتاق المكاتب وإنه مختلف فيه. وشراء الأب لا يكون تكفيرا قياسا على ما إذا حلف بعقته إن اشتراه لأنه لا زيادة في الأصل إلا اليمن بعتقه وهو علة مانعة من التفكير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
بنية توجد عند الشرط عندنا وقد عدمت في الفرع وما بعده إلا شراء الأب وهو مختلف فيه.
ومن ذلك أن الوضوء بغير نية لا يباح به أداء الصلاة كما إذا توضأ وهو يبول، والفطر عن نفل الصوم لا يوجب القضاء كما إذا أكل وارتد لأن الردة عندي مسقطة لقضاء الواجب، وقد عدمت في الفرع فتسقط العبرة فبقيت العبرة للإفطار وهو مختلف فيه.
وأما النوع الثالث: فرد فرع إلى أصل بوصف اختلف في كونه علة وظهر ذلك بين العلماء، لأن الاختلاف لما ظهر فيه حل محل الحكم المختلف فيه ووجب نقل الكلام إليه، كقولهم: إن الكتابة الحالة فاسدة لأنها لا تمنع التكفير به كالكتابة على القيمة لأن الاختلاف ظاهر بيننا وبين خصمنا في الكتابة الصحيحة.
قال علماؤنا: لا تمنع التكفير، وعنده تمنع فلم يصر عدم المنع دليلا علينا على الفساد.
ومن ذلك قولهم: إن الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة فلا يعتق بسبب القرابة قياسا على ابن العم، لأن الأب عندنا يجوز إعتاقه عن الكفارة ويعتق بالقرابة، وعنده لما عتق بالقرابة لم يجز إعتاقه عن الكفارة.
ومن ذلك قولنا: إن رهن المشاع باطل لأنه لا يمنع صاحبه الانتفاع به كالرهن الفاسد لأن الصحيح عند الشافعي لا يمنع الانتفاع به.
ومنها التعليل بعدم الوصف، كقول الشافعي: النكاح ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال كالحد لما ذكرنا غير مرة أن العدم لا يوجب حكما، وهذه العلل تذكر موجبات وقد ذكرنا أن الإجماع ثابت أن العلة توجد ولا تعدم، وإنما الاختلاف في الشرط.
وقالوا: الأخ لا يعتق على الأخ لأنه لا بعضية بينهما، والإحصار بالمرض لا يوجب الإحلال لأنه لا يفارق الحال بالإحلال فأشبه الضلال والمبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنه لا نكاح بينهما، وإسلام الشيء في جنسه لا يحرم لأنه لا يجمعهما صفة الطعم ولا الثمنية.
فإن قالوا: قد قال محمد بن الحسن رحمه الله: إنه لا ضمان في إتلاف ملك النكاح لأنه ليس بمال، ولا خمس في اللؤلؤ لأنه لم يوجف عليها المسلمون، وقال في الصائم يأكل الحصاة لا كفارة عليه لأنه ليس بطعام وولد الغصب أمانة، لأنه لم يغصب.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: العقارات لا تضمن بالغصب لأنه لم ينقلها في أمثال لهذا كثيرة.
قلنا لهم: وإنما قالها محمد بن الحسن على سبيل الاستدلال دون التعليل، فإن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)