فأما الذين قالوا إن الحق حقوق: فإنهم ذهبوا إلى أن المجتهد كلف الفتوى بغالب رأيه وما كلف إلا الفتوى بالحق.
فلولا أنه يصيب الحق به، وإلا لما توجه التكليف عليه بإصابته بغالب الرأي لأن الله تعالى ما كلف ما ليس في الوسع ولن يصير كل مجتهد مصيبا للحق إلا ولاحق حقوق.
وهذا كاستقبال القبلة، فإنه شرط لصحة الصلاة، وهي إلى جهة واحدة حالة التبين وعند الاشتباه تصير الجهات كلها قبلة على ما قال الله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} حتى قيل: إن المتحرين إذا صلوا إلى أربع جهات مختلفة أجزأتهم صلاتهم قالوا وغير ممتنع أن يكون الحق حقوقا في أناس مختلفين في بعضهم حظر، وفي بعضهم إباحة إذا كان لا يلزم كل واحد منهم ما لزم الآخر.
كما صح عند اختلاف الأزمنة نسخ الإباحة بالحظر ونسخ الحظر بالإباحة.
وكما صح في باب قبلة الصلاة حالة الاشتباه إذا اختلفوا كانت قبلة كل فريق ما أدى إليه تحريه، ولأنه جائز من الله تعالى بعث رسولين في زمان واحد إلى قومين مختلفين على اقتصار رسالة كل واحد منهما إلى قومه خاصة مع كينونة كل واحد منهما محقا.
فكذلك جاز بالاجتهاد مثل ذلك، فيختلف عالمان بالاجتهاد ويلزم قوم كل واحد منهما إتباع إمامه مع كينونة كل واحد منهما محقا.
وهذا لأن الله تعالى ابتلى عباده بهذه الأحكام ليمتاز الخبيث من الطيب ويجوز اختلاف هذه الحكمة من الناس باختلاف الأزمان فيختلف الابتلاء لأجله وكذلك يجوز الاختلاف، باختلاف الطبقات في زمان واحد ألا ترى أن مصالح الأطعمة كما تختلف باختلاف الأزمنة كذلك تختلف باختلاف الناس في زمان واحد.
ولأن من قال أن الحق واحد عند الله تعالى، ولكن العمل صواب حق بكل اجتهاد فقد أثبت الحظر والإباحة حقا في حق العمل به كما أثبتنا نحن في حق الله تعالى.
ثم الذين قالوا إن الحقوق على مرتبة واحدة قالوا: لأن الرجحان لا يثبت إلا بدليل.
والذين قالوا إن الواحد أحق، فذهبوا إلى أنا لو سوينا بينها لبطلت مراتب الفقهاء، وساوى الباذل كل جهده في الطلب المبلى عذره بأدنى طلب، ولأن المجتهدين ما اجتهدوا إلا لإصابة ما تشهد النصوص بالحقية خلفا عن شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس كلهم إلى حكم واحد ما نرى بين أعدادهم اختلافا. إلا باختلاف أحوالهم كالمرض والسفر والغنى والفقر ونحوها.
فكذلك الاجتهاد يجب أن يكون كذلك، وكان يقتضي هذا أن يكون الحق واحدا في حق الكل، إلا أنا تركنا القول به ضرورة أن لا يصير الآخر مكلفا بما ليس في وسعه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
وهذه الضرورة ترتفع بإثبات نفس الحقية لفتواه فبقي الواحد أحق بناء على أصل الشريعة الثابتة بالوحي.
ولهذا استقامت المناظرة ودعوة كل واحد منهما صاحبه إلى حجته مع الإقرار بأن الحق مع كل واحد منهما بقوله إنما قلته أحق ألا ترى أنه لا مناظرة بين المسافر والمقيم في أعداد ركعات صلاتيهما لما ثبتت الحقية على السواء.
وقد روي أن علقمة ومسروقا سبقا بركعتين من صلاة المغرب، فلما قاما إلى القضاء صلى مسروق ركعة وجلس، ثم ركعة وجلس، ثم سلم، وصلى علقمة ركعتين ثم جلس فذكرا ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: كلاكما أصاب، ولكن صنيع مسروق أحب إلي.
وقال محمد لأبي حنيفة رضي الله عنه: طول القيام أفضل في الصلاة أم كثرة السجود؟ فقال: طول القيام أحب إلي، وكل ذلك حسن.
واتفقوا في صلاة الليل على أن المصلي إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أربعا ولا يكره ثم قال أبو حنيفة: الأربع أحسن، وقال صاحباه: ركعتان أحسن.
وأما الحجة على أن الحق عند الله واحد؛ فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن فقال له: بما تقضي؟ فقال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد فيها رأيي فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المجتهد "إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر".
وقال عبد الله بن مسعود - فيمن تزوج امرأته ولم يسم لها مهرا ثم مات عنها قبل الدخول بها -: أجتهد فيها رأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن ابن أم عبد.
قالوا: ولأنه ممتنع في العقول كينونة الحظر والإباحة والصوم والفطر حقين يلزمان في ساعة واحدة، لأنه لا يمكن العمل بهما.
ومن جعل الحق حقوقا ما شرع إلا هكذا إذ وجبا بالاجتهاد، وكل اجتهاد يوجب ما يؤدي إليه بلا تمييز بين عبد وعبد ألا ترى أنه امتنع ذلك بالنصين، إذا اختلفا فأباح أحدهما وحظر الآخر لم يجب العمل بهما بل وجب الوقف إلى أن يظهر الرجحان لأحدهما، أو التاريخ.
ولهذا قيل: إذا اختلفت الشرائع انتسخت الأولى بالثانية، وكذلك في شريعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
واحدة، ولأن الحق لو كان حقوقاً لجاز للعامي الذي يعمل باتباع العلماء أن يختار من كل مذهب ما تهواه نفسه.
كما أن الله تعالى لما أثبت الكفارة في باب اليمين أنواعاً كان للعبد الخيار بينها على ما يهواه بلا دليل.
ومن أباح هذا فقد أبطل الحدود، وشرع طريق الإباحة وبنى الدين على الهوى، والله تعالى ما نهج الدين إلا على دليل غير الهوى من نص ثابت بوحي أو قياس شرعي على ما بينا.
ومن جعل الحق حقوقاً أثبت الخيار للعامي بهوى نفسه.
ومن قال الحق في واحد ألزم العامي أن يتبع إماماً واحداً وقع عنده بدليل النظر أنه أعلم ولا يخالفه في شيء بهوى نفسه.
فإن قيل: أليس القياسان إذا تعارضا ثبت للمجتهد الخيار يعمل بأيهما شاء؟
قلنا: نعم، ولكن لا بهوى نفسه بل بالضرورة. فإن الحق في أحدهما، ويلزمه العمل به، ولم يبق قبله لله تعالى دليل يوصله إليه غير شهادة قلبه فلزمه العمل بها على ما مر أنها من حجج الشرع في مثل هذا الموضع، فإذا عمل بأحدهما لزمه الإعراض عن الآخر إلا بدليل يدل على الحقية فيه، ولما ذكرنا أن القياس خلف عن الوحي والثابت بالوحي من الأحكام ثابتة على أنها لا تخص قوم دون قوم على ما قاله الأولون فكذلك بالقياس لا يجوز أن يثبت على الخصوص وعلى العموم إجماع على امتناع الحظر والإباحة في ساعة واحدة على وجه يجب العمل بهما، لأنه لا يمكن، ولا يجتمعان لأنهما ضدان، والقياسان إذا اختلفا فأوجب أحدهما حظراً فإنما أوجب على وجه يجب العمل به.
وكذلك الذي أوجب الإباحة أوجب على هذا السبيل اعتقاداً، وهذا قول لم يقل به أحد إلا أنهم جوزوا ذلك في قومين مختلفين، وأنه قول ساقط لأن الدليل هو القياس، وأنه حجة على الكل ولأنا ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص قوماً بحكم فالقياس لا يكون حجة إلا على ما ورد به النص.
فأما الجواب عن قولهم أن فيه تكليف ما ليس في الوسع: فإن لا نكلفهم إصابة الحق عند الله تعالى لما لم يكن لله تعالى عندهم دليل يوصلهم إلى الحق بعينه، ولكن نكلفهم الاجتهاد للإصابة فإن أصابوا أجروا وإن أخطأوا عذروا.
والحجة للذين قالوا من أخطأ يقيناً صار مخطئاً من الأصل قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وقول معاذ وقول عبد الله: وإن أخطأت، والخطأ المطلق هو الخطأ ابتداء وانتهاء.
وإنما ألزمنا المجتهد العمل بقياسه على تقدير نه صواب كما يلزمنا العمل بالنص على تقدير أنه غير منسوخ، ومتى ظهر انتساخه بطل العمل به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
وكذلك متى عمل بالقياس ثم روي له نص بخلافه حتى تبين خطأه يقيناً بطل ما أمضى بقياسه.
وكذلك من حضرته الصلاة ومعه ثوب أو ماء شط في طهارتهما فإنه يستعملهما على تقدير الطهارة بحكم استصحاب حال الطهارة فيلزمه ذلك وإذا تبين نجاستهما فسد عمله من الأصل.
وما روي من إطلاق الإصابة على المجتهدين فعلى ما إذا لم يتبين وجه الخطأ واشتبه فإن الواجب عند الاشتباه العمل بأي قياس كان فيكون العمل من كل مجتهد بقياسه صواباً ظاهراً ما لم يتبين خطاؤه.
وهكذا نقول في قوم اختلفوا في جهة الكعبة عند الاشتباه وصلوا أن صلاة كل واحد منهم جائزة حتى يتبين عليه خطاؤه فيحنئذ نأمره بالإعادة، ولا يلزمنا ما ألزمنا الأول من القول بالحظر والإباحة لأنا أبينا ذلك حقاً من الله تعالى.
نحن بإيجاب العمل على كل مجتهد بقياسه ما أثبتنا الحقية في حق الله تعالى بل هو في حق العامل لضرورة عدم الحجة على الذي هو حق عند الله، وخطاب الله تعالى يسقط بحال الضرورة بقدرها ألا ترى أنه جاز مثله في النصوص فإن العلماء اختلفوا في الأحكام لاختلاف الأخبار على حسب الثبوت عندهم مع علمنا أن الثابت واحد من الجملة.
وأما الحجة للذين قالوا بأنهم مصيبون في حق العمل: فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المجتهد:"إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر"والأجر لا يجب إلا بالعمل على سبيل الائتمار بأمر الآمر فثبت أن المخطئ للحق عند الله تعالى مؤتمر بعمله بأمر الله تعالى، والائتمار بالأمر يكون صواباً لا محالة.
وقد اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في أسارى بدر، فأشار أبو بكر إلى الفداء، وعمر إلى القتل فشبههما رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوح وإبراهيم عليهما السلام حيث سأل نوح العذاب وإبراهيم المغفرة، وكان أحدهما مخطئ الحق عند الله تعالى لا محالة فلو كان يصير مخطئاً غير مصيب لما صح التشبيه بالرسولين عليهما السلام وسؤالهما كان صواباً.
فإن قيل: أليس الله عاتب رسوله صلى الله عليه وسلم على الفداء، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو نزل العذاب ما نجى إلا عمر"فدل على أن أبا بكر كان مخطئاً؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
قلنا: هذا لا يجوز أن يعتقد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل برأي أبي بكر ولا بد أن يقع عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقر عليه، والله تعالى قد قرره عليه فقال: {فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً} وتأويل العتاب والله أعلم: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} وكان ذلك كرامة خصصت بها رخصة لولا كتاب من الله تعالى سبق بهذه الخصوصية لمسكم العذاب بحكم العزيمة على ما قال عمر.
والوجه الآخر ما كان لنبي أن يكون له أسرى قبل الإثخان، وقد أثخنت يوم بدر فكان لك الأسرى كما كان لسائر الأنبياء عليهم السلام، ولكن كان الحكم في الأسرى المن أو القتل دون المفاداة فلولا الكتاب السابق في إباحة الفداء لك لمسك العذاب.
وقال في قصة داود وسليمان: {فهمنها سليمان وكلا ءاتينا حكماً وعلماً} فبين الله تعالى أن سليمان أصاب الحق الذي عند الله دون داود ثم أخبر أنهما جميعاً، أوتيا من الله حكماً وعلماً والخطأ المحض لا يكون حكم الله تعالى فثبت أن تأويله أنه حكم الله من حيث أنه صواب في حق العمل لولا الوحي بخلافه.
وقال عبد الله بن مسعود لمسروق وعلقمة لما اختلفا؛ كلاكما أصاب، ولكن صنيع مسروق أحب إلي.
والاستدلال يدل عليه فإن الخطاب مبني على قدر الوسع وقد أمرنا بالعمل بالقياس وأنها لا يوصلنا إلى الحق الذي هو عند الله قطعاً بلا خلاف.
والنزاع فيما لا يعلم يقيناً بالرأي فثبت أنا لم نؤمن بالعمل به على شرط إصابة الحق حقيقة لأنه لا يوصلنا إليه، ولكن على تحري الإصابة لأن الدليل مطمع في الإصابة غير موجب ليكون اللزوم بقدر الحاجة.
فإن قيل: إذا جعلناه معذوراً غير مأخوذ به إذا لم يصب الحق فقد أخرجناه عن عهده الإيجاب.
قلنا: إن كلامنا هذا في حقوق تحتمل النسخ والتبديل، فالفتوى بغالب الرأي لا يجوز إلا فيها، ومثل هذا الحق يسقط أصلاً بالحرج وعدم الوسع على ما ذكرنا في الباب الذي بعده وإذا سقط عنا ذلك لم نصر مخطئين بالاقتصار دونه.
ومثال ذلك أمر الله تعالى بقتال الكفار لإعلاء كلمة الله، وإذلال الشرك ونحن لا ندري إصابة النصرة إلا بغالب الرأي فمن قاتل على تحري إصابة النصر كان مصيباً في قتاله متمثلاً بأمر الله تعالى قتل أم قتل، وكان مستحقاً للأجر العظيم لأنه مصيب لما قاتل على تحري إصابة النصرة أصاب أم لم يصب حتى لو تيقن بأنه يقتل لا محالة من غير أن ينكأ نكاية وقصد بالقتال أن يقتل لا غير كان آثماً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
وعلى هذا الرماة إذا نصبوا غرضاً فرموا على تحري الإصابة كانوا كلهم مصيبين في تحريهم الإصابة.
وإذا أرسلوا أخطأ بعضهم الغرض وأصاب البعض ولم يصر واحد منهم مخطئاً في تحريه الإصابة بطريقه.
فإن قيل: خطاؤه في تقصيره في طلب طريق الإصابة لا في قصد الإصابة، وهكذا نقول في الرامي أنه أخطأ جهة الاستعمال للإصابة والتقصير من العبد آفة من قبله فأما الله تعالى فأعطاه من الرأي ما لو بذل مجهوده كل البذل لأصاب الحق على الحقيقة، ولكنا عند التعيين لا نجعل أحد مصيباً يقيناً لأنا لا نعلم بعدم تقصيره في الطلب.
قلنا: إن الله تعالى كما لم يكلف ما ليس في الوسع فما كلف ما فيه الحرج قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وفي بناء الخطاب على هذه المبالغة في استعمال الرأي حرج عظيم فيصير عفواً، ويجب بناء الخطاب على المعتاد من الاستعمال، وذلك لا يوصلنا إلى حقيقة العلم بلا خلاف وهذا كما قلنا: في الحربي إذا أسلم ولم يصل مدة لم يلزمه القضاء وسقط الخطاب عنه لأنا لو كلفناه طلب الدليل في دار الحرب لحرج في طلبه مسلماً يسأله، وإن تصور فيها مسلماً فسقط الخطاب، ولو كان ذمياً يلزمه القضاء لأن الطلب متيسر في دار الإسلام فلم يعذر بترك الطلب.
وعلى هذا الاختلاف يحرج أمر الكعبة في حق الغائبين عنها، وانقطاع دليل العيان عنهم: فالأمر بالتوجه إليها ثابت عندنا على تحري الإصابة دون الإصابة على الحقيقة.
وعند الشافعي رحمه الله: الأمر ثابت على تحقيق الإصابة يقيناً لأن طريق الإصابة ما يوقف عليه في الجملة لو تكلف العبد كل التكليف لمعرفة تركيب الأرض والسماء وكيفية جهات الأقاليم إلا أنه عذر دونه بسبب الحرج فكان مبيحاً لا مسقطاً أصلاً فبقي أصل الأمر متعلقاً بالإصابة حقيقة فمتى ظهر الخطأ يقيناً لزمت الإعادة كالعمل بالرأي أبيح بشرط أن لا يخالف النص، وعذر في العمل به، وإن لم يتحقق العدم، ولم يتكلف كل التكلف في طلب النص ولكن لم يسقط به أصل الخطاب فأبيح له على شرط أنه إن ظهر نص بخلافه فسد عمله.
وأصحابنا بنوا وجوب طلب الكعبة بعد الغيبة عنها على الدلائل المعتادة للبشر بلا حرج كثير يلحقهم في طلب ما ليس بمعتاد من العلم، ولا مأمور بالشرع من علم الهندسة وكيفية تركيب الأرض والسماء والدلائل المعتادة من الشمس والنجوم لا توصلنا إلى حقيقة الكعبة فقط الخطاب بإصابة الكعبة لقصور الحجة، ولزمه العمل بالتوجه إلى جهة فيها رجاء إصابة الكعبة.
وقالوا: إذا فقدت النجوم والمحاريب المنصوبة وخبر الناس عن هذه الأدلة، وجب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
العمل برأي القلب وهذا الرأي لا يوصله إلى الجهة الظاهرة حال ظهور الشمس والمحاريب أسقطت إصابة تلك الجهة ولزمه التوجه إلى جهة فيها رجاء إصابة المحراب الظاهر فإذا عمل بذلك القدر صار مؤتمراً بالأمر، فلا يقع عمله فاسداً بترك ما ترك لأنه لم يؤمر به كرجل يقاتل الكفار بطريق يرجو فيه نصرة الله فإنه يصير مؤتمراً بأمر الجهاد وإن قتل وكانت الدبرة عليه لأنه ليس في وسعه أكثر من هذا.
بخلاف حادثة فيها نص ولم يشعر به وعمل بالرأي بخلافه لأنه كلف العمل بالرأي بشرط أن لا يخالفه نصاً على ما قاله المخالف لأن النص الذي يخالفه مما ينال حال الحاجة إلى العمل لولا تقصير منه في الطلب، فإنه لو كان طلبه من قبل أمكنه العمل به حال حاجته هذه ألا ترى أن زوال هذا الجهل مقرون بمعنى يوجد منه لا بتبدل حال الدليل من الله تعالى.
فأما الخطأ في باب القبلة فإنما يتبين بزوال الغيم وظهور النجم، وذلك أمر سماوي يتبدل به حال الدليل، ولهذا المعنى نقول فيمن اجتهد وتوضأ بماء ثم تبين أنه نجس أنه يعيد الصلاة.
وكذلك الثوب لأن طريق العلم بتلك النجاسة الخبر كما في المسألة الأولى ولقصور منه في الطلب كان الجهل والخبر عن القبلة هو إن بلغه في موضعه لا ينفعه في هذا الموضع فلا يبقى إلا النجم.
وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيمن تحرى بصدقته، ووضعها عند غني أنه يجزيه لأن الأمر متوجه عليه بالدفع إلى إنسان على تحري الفقر لا غير لأن الدليل على حقيقة فقر الغير مما لا ينال أصلاً، ولا ينال إلا بحرج.
فالذي قاله الشافعي قياس والذي قلناه استحسان.
وهذا بخلاف الاجتهاد في صفات الله تعالى، فإن المخطئ لما عند الله مخطئ في حق نفسه أيضاً لأن لله تعالى دلائل عليها توجب العلم يقيناً في أصل الوضع فلم يقع الخطأ إلا بقلة التأمل، ألا ترى أن المخطئ فيها يضلل ويبدع بخلاف هذه الأبواب، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
باب
القول في المخطئ من جهة المجتهدين في هذه الأبواب التي لا نص فيها
قال بعضهم: هو مأجور.
وقال بعضهم: هو معذور.
وقال بعضهم: معاتب مخطأ.
وقال علماؤنا: إن كان طريق الإصابة بيناً عوتب عليه وخطئ، وإن كان خفياً صوب وأجر عليه ولا يضلل بحال.
فأما الذين قالوا: إنه مأجور فاحتجوا بما مر أنه مصيب في حق نفسه وبالحديث المروي (وإن أخطأ فله أجر واحد).
وأما الذين قالوا: إنه معذور فذهبوا إلى أن الخطأ ضد الصواب، هو في الأصل محظور إلا أن حكم الحظر يزول بعذر الخطأ فأما أن ينال أجر الصواب ولا صواب فلا كالنائم لا يأثم بترك الصلاة، ولكن لا ينال ثواب المصلي.
وأما الذين قالوا: إنه مخطئ معاتب فاحتجوا بأن الخطأ إنما يقع لتقصير في الطلب على ما مر فمتى لم يعاتب لم ينزجر عنه فلا ينال الصواب.
وقال عبد الله بن عباس لزيد بن ثابت: ألا يتقي الله زيد بن ثابت حيث يجعل ابن الابن مكان الابن، ولا يجعل أب الأب مكان الأب.
وقال: من شاء باهلته إن الله تعالى لم يجعل في مال واحد نصفين وثلثاً ولا ثلثين ونصفاً.
وقال أبو حنيفة في الوارث: إذا أقام البينة على أنه وارث دفع القاضي المال إليه ولم يأخذ منه كفيلاً وهذا شيء احتاطه بعض الفقهاء وهو جور.
وقال محمد بن الحسن رحمه الله في المتلاعنين إذا تلاعنا ثلاثاً ثلاثاً وفرق القاضي بينهما: نفذ قضاؤه وقد أخطأ السنة.
وأما علماؤنا فإنهم قالوا: بهذا القول؛ إذا كان طريق الإصابة بينا لعلمنا أنه ما أخطأ إلا بتقصير من قبله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
فأما إذا كان خفياً فقد جاء الخطأ لخفاء دليل الإصابة، وذلك من الله تعالى.
والخفي مما لا يدركه كل فهم وكل قلب فإن آلات البصر على التفاوت كالعيون أبصارها متفاوتة بحكم الخلقة فلا يجوز العتاب على فعل الله تعالى فيصير معذوراً فيما لم يدرك مصيباً فيما استعمل من الاجتهاد مأجوراً.
وما روي من التخطئة والتشنيع فعلى النوع الذي ظهر طريقة عند الذي خطأ وشنع فإنا قد روينا التصويب للفريقين أيضاً فنحمل ذلك على الذي خفي طريقه ليكون قولاً عدلاً وسطاً جامعاً بين المقصر والغالي، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
باب
القول في حين أهلية الآدمي لوجوب الحقوق المشروعة عليه، وهي الأمانة التي حملها الإنسان
قال القاضي رحمه الله: لا خلاف أن الآدمي يخلق هو أهل لإيجاب الحقوق عليه كلها.
فإنه يخلق وعليه عشر أرضه وخراجها بالإجماع، وعليه الزكاة على قول أهل الحجاز.
وإنما اختلفوا فيما سقط عنه بعذر الصبا كما يسقط عن الحائض الصلاة بعذر الحيض، لا لأنها ليست بأهل للإيجاب عليها فإن الصوم قد لزمها وهذا لأن الآدمي من أهل الوجوب عليه بالذمة فمحل الوجوب الذمة يقال: وجب في ذمته كذا، ولا يضاف الوجوب إلى غيرها.
والآدمي كما يخلق يخلق وله ذمة ألا ترى أن الطفل إذا انقلب على مال فأتلفه يلزمه ضمانه بخلاف البهيمة، وكذلك يلزمه مهر امرأته وسائر حقوق الناس، وإنما عرف وجوبها بالشرع.
ولأن الذمة عبارة عن العهد في اللغة فالله تعالى لما خلق الإنسان لحمل أمانته أكرمه بالعقل والذمة حتى صار بها أهلاً لوجوب الحقوق له وعليه فثبت له حق العصمة والحرية والمالكية بأن حمله حقوقه وثبت عليه حقوق الله تعالى التي سماها أمانة ما شاء كما إذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة يثبت لهم حقوق المسلمين وعليهم في الدنيا.
والآدمي لا يخلق إلا وله هذا العهد والذمة فلا يخلق إلا وهو أهل لوجوب حقوق الشرع عليه كما لا يخلق إلا وهو حر مالك لحقوقه وإنما يثبت له هذه الكرامات بناء على الذمة، وحمله حقوق الله تعالى.
ولأن هذه الحقوق الشرعية التي تلزم الآدمي بعد البلوغ تجب بلا اختيار منه جبراً شاء أو أبى.
وإذا لم يتعلق الوجوب عليه باختياره وتمييزه لم يفتقر الوجوب إلى قدرة العقل، ولا قدرة التمييز ألا ترى أن الصالة تلزم النائم والمجنون على أصلنا إذا كان الجنون أقل من يوم وليلة.
فإن قيل: الوجوب مما يثبت بلا اختيار منه، ولكن سببه الخطاب فإنه لا يصح قبل العقل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
قلنا: هذا غلط فإن وجوب الحقوق الشرعية كلها بأسباب جعلها الشرع أسباباً للوجوب دون الأمر.
والخطاب كالزكاة بملك النصاب والعشر بالأراضي العشرية والخراج بالأراضي الخراجية، والحج بالبيت، والصلوات بأوصاتها، والصوم بشهر رمضان، والإيمان بالآيات الدالة على الله تعالى، والمهر بالنكاح، والثمن بالشراء، والنفقة بالقرابة ونحوها على ما بينا في باب أسباب حقوق الله تعالى فيما مضى ثم الخطاب بعد ذلك لطلب أداء الواجب بسببه نحو قولك: اشتريت عبداً بألف درهم فأد ثمنه فيكون وجوب الثمن في الذمة بالشراء لا بقوله أد الثمن بل أنه طلب للخروج عن الواجب بالأداء إلى مستحقه فكذا قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} أي: فليؤد الواجب عليه بشهود الشهر.
وقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} أي أدوا ما يلزمكم بأوقاتها.
وهذه الأسباب قائمة في حق الصبي والبالغ على السواء فلا ينبغي أن يقع الفرق بينهما في صحة الوجوب فعلمنا أن سقوط ما يسقط عن الصبي كان بعذر يسقط بمثله بعد البلوغ تيسيراً علينا لا لأنه ليس بأهل له.
وإنما يفارق الصبي الذي لا يعقل العاقل في وجوب أداء ما لزم ذمته فإنه متعلق بالطلب من صاحب الحق بالأمر والخطاب، وغير العاقل ليس من أهلها فلا يلزمه الأداء على ما نذكر بعد هذا.
وهذا كما قيل: إن النائم يلزمه حقوق الله تعالى، ولا يلزمه أداؤها حتى يستيقظ لأنه لا يقدر عليه ولا يعلم به، وهذا لأن الأداء إنما يكون بفعل منا على سبيل الاختيار فلا بد من العلم به ثم القدرة عليه فأما الوجوب في الذمة فصحيح من غير اختيارنا فلم يكن من شرط صحته قدرتنا ولا علمنا به.
فإن قيل: أليس الوجوب للأداء لا لنفسه فكيف جاز الإيجاب على من لا يقدر عليه؟
قلنا: إن الوجوب للأداء لا حال الوجوب بل يجوز بعده بزمان إما أداء، وإما قضاء فصح الإيجاب على من يرجى له قدرة الأداء والقضاء في الجملة والصبي من تلك الجملة كالنائم والمغمى عليه.
فإن قيل: فأي واجب علينا سوى الأداء في باب العبادات البدنية؟
قلنا: إن الوجوب حكم إيجاب الله تعالى علينا بسببه، والواجب اسم لما لزم ذمته بالإيجاب والأداء فعل العبد الذي يسقط الواجب عنه، وإنما هذا بمنزلة رجل استأجر خياطاً ليخيط له هذا الثوب قميصاً بدرهم فيلزم الخياط فعل الخطاية بالعقد، والأداء الخياطة نفسها وبها يقع تسليم ما لزمه بالعقد فكان الفعل المسمى واجباً في الذمة غير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
الموجود مؤدى حالاً بالقبض وإنما من باب الأموال كدرهم في الذمة من الدراهم المؤداة عيناً فيكونان غيرين لا محالة.
فإن قيل: أرأيت لو مات الوليد قبل أن يعقل حتى لم يقدر على الأداء أتجعله أهلاً لحمل أمانة الله تعالى واستحقاق جزائه في الآخرة؟
قلنا: اختلف في جواب الجزاء أهل الملة روي عن أبي حنيفة أنه توقف في جواب هذه المسألة.
وعن محمد أنه قال: أما أنا فأعلم أن الله تعالى لا يعذب أحداً بغير ذنب، وقد جاءت الأخبار بجنة الأطفال وكونهم شفعاء لآبائهم من المسلمين فأما الاختلاف بينهم في ووقع الحمل عليهم على ما مر واختلافهم في الجزاء لا يدل على اختلافهم في الحمل فالجزاء يقابل الأداء لا حمل الأمانة فإنه يقع علينا بإيجاب الله تعالى شئنا أو أبينا كما بعد البلوغ لا يجب الجزاء بوجوب الصلاة علينا بل بالأداء.
ويحتمل أن يقال: بأن الله تعالى لما حمل الأطفال أمانته بالإيجاب عليهم أهلهم بذلك لاستحقاق الجزاء ولم يؤاخذهم بتركهم الأداء لعذر العجز، وأثابهم كرماً إلحاقاً بالمؤدي حكماً بعذر العجز بمنزلة البائع يدرك وقت الصلاة وهو لا يجد ماء يتطهر به فإنه تلزمه الصلاة، ولا يؤاخذ به إذا مات قبل القدرة على الأداء ويثاب عليه إذا تألم لذلك، وهذا لأن الإيجاب شرعاً مبني على اهر الحال لا على ما يكون في الغيب وبظاهر الحال كل صبي ممن يرجى منه الأداء.
أرأيت طفلاً له أرض عشرية ولا ولي له؟ أليس العشر يلزمه أو الخراج إن كانت خراجية، وإن مات قبل أن يلي عليه أحد أو يقدر بنفسه يسقط، وكم من بالغ يلزمه حقوق الله تعالى ثم لا يقدر على الأداء فيسقط عنه، وكذلك الحرمات الشرعية متعلقة بأسباب كحرمة الأكل بالموت وحرمة النكاح بالنسب والصهر والرضاع.
فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم:" رفع القلم عن ثلاث؛ عن الصبي حتى يحتلم".
قلنا: رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة إنما يدل على سقوط أداء الواجب لأن القلم للحساب، والحساب على ترك ما عليه من الأداء لا على الوجوب في الذمة.
فإن الواجب متى تأجل لم يؤاخذ العبد به والوجوب قائم ألا ترى أنه قرنه بالنائم، والنائم يلزمه الصلاة في ذمته.
ولا يلزمه الأداء حتى يستيقظ فكذلك الصبي لأنهم دخلوا جميعاً تحت رفع واحد، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
باب
القول في حين الخطاب شرعاً
لا خلاف أن حين الخطاب شرعاً حين البلوغ عن قدرتين:
قدرة فهم الخطاب: وهو بالعقل.
وقدرة العمل به: وهو بالبدن بدليل قوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ولا وسع إلا بعد هاتين القدرتين، وقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي ضيق، وقال: {ويضع عنهم إصرهم} أي الثقل فدل رفع الحرج والإصر على رفع ما لا يطاق من طريق الأولى، فدلت آية الوسع أن لا تكليف لأول حال الآدمي لأنه لا قدرة له أصلاً.
ودلت الآية الثانية على سقوطه لأول ما يعقل لأنه يحرج للفهم بأدنى عقله ويثقل عليه الأداء بأدنى قدره البدن أيضاً فلم يخاطب شرعاً لأول أمره حكمة، ولأول ما يعقل رحمة إلى أن يعتدل عقله وقدرة بدنه فيتيسر عليه الفهم، والعمل به ثم وقت الاعتدال يتفاوت في جنس بني آدم، ولا يمكن الوقوف عليه إلا بعد تجربة وتكلف عظيم، فوقت الله تعالى بحال تعتدل لديه العقول في الأغلب على سلامة الفطرة عن الآفات وهو البلوغ.
فقام البلوغ شرعاً مقام اعتدال العقل فتوجه لديه الخطاب وإن لم يعتدل وسقط قبله، وإن اعتدل دفعاً للحرج الذي كان يلحقنا بالوقوف على الاعتدال بالتجربة لكل صبي على ما مر من قبل في فصل بيان إقامة الأسباب مقام العلل الموجبة، وتعطيل العلل في أنفسها تيسيراً، وقد أيد هذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ"فلا قلم إلا للحساب، ولا حساب إلا بعد الخطاب على ما بينا أن الحساب لا يكون على الوجوب في الذمة بل هو بعد طلب الأداء بالخطاب، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
باب
القول في بيان ما أسقط من الحقوق بعذر الصبي رحمة
حق الأداء ساقط بعذر الصبي، أما الأول فأمره للعجز الحقيقي، وفيه الحكمة، وأما بعد ما عقل فللحرج وإنه رحمة وإنه بمنزلة دين على معسر يكون أصل الحق على الغريم، وحتى الأداء إليه ساقط إلى أن ينقضي الأجل الثابت بالعسرة، وحاكى أجلاً ثبت بالنص، ولأن سقوط الخطاب يدل على سقوط، وجب الأداء للحال فإن الوجوب في الذمة لا يوجب الأداء عقيبه بحال ألا ترى من باع عبداً بألف وجبت الألف ولا يجب الأداء إلا بعد الطلب، وكذلك إذا استأجر رجلاً يخيط له قميصاً بدرهم وجب العمل عليه ولا يجد الأداء للحال حتى يطالبه به فكذلك حق الله تعالى علينا.
فإن قيل: أليس لا يحل تأثير المغرب عن أول الوقت، ولا تأخير العصر إلى آخره ولا عن الوقت؟
قلنا: ثبت ذلك بخطاب غير الوجوب عليه بدخول الوقت ألا ترى أن الفقهاء اختلفوا في التأخير بقدر ما ثبت عندهم من أنواع الدلائل مع اتفاقهم على أصل الوجوب بدخول الوقت.
وأما التأخير عن الوقت فتفويت العين الواجب إلى مثله، وتفويت الحق تعدٍ زائد غير ترك الأداء فيحرم وأنه كإتلاف عين للغير عنده، ولهذا لا يأثم الصبي ولا يحاسب، وكذلك إذا استوصف الله تعالى فلم يصف في حال صباه لم يكن كافراً، وهو كفر بعد البلوغ لأن الوصف أداء لفرض الإيمان، ولا أداء عليه حال الصبا، وكذلك إذا لم يستدل بالآيات حتى بقي على جهله كان في حكم المسلمين كالذي لا يعقل.
فإن قيل: إذا أسلمت امرأة الصبي الكافر وهو يعقل الإسلام عرض عليه الإسلام، وإذا أبى فرق بينهما!
قلنا: ذلك السقوط الذي ذكرنا في حق الله تعالى رحمة منه دون حق العبد لأن النظر واجب لخصمه كما وجب له فمتى أسقط عنه الأداء لحق الصبي تضرر به الآخر فلم يسقط، والله أعلم.
فصل في بيان ما سقط من حقوق الله تعالى بأصله
حقوق الله تعالى على الإنسان أربعة:
أ- النظر في الآيات الدالة على الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
ب- ثم الاعتقاد على ما توجبه الدلائل.
ج- ثم العبادات.
د- ثم الأجزية.
قال علماؤنا رحمهم الله: وجوب العبادات والأجزية ساقط عن الصبي أصلاً، ووجوب النظر في الآيات والاعتقاد حق لله تعالى غير ساقط وإنما الساقط عنه الأداء.
وقال الشافعي رحمه الله: وجوب البدن ساقط عنه، ووجوب المال غير ساقط.
وتفسير الاعتقاد ما يتأدى بفعل القلب كأصل الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله.
وتفسير العبادات ما يتأدى بفعل البدن تعظيماً لله تعالى وطاعة إياه.
وتفسير الأجزية: ما شرعت جزاءاً على أفعال محظورة في الجملة معجلة في الدنيا.
والبدني من العبادات والأجزية ما لا يتأدى إلا بالبدن والمالي منهما ما لا يتأدى إلا بالمال.
وأما الشافعي فإنه يحج له بأن أجمعنا على أن العشر يلزمه، وفيه معنى العبادة حتى لم تجب على الكافر.
وكذلك صدقة الفطر حتى تؤدى من ماله ولا يلزمه الصلاة.
والصوم لان الجنس الأول مالي والآخر بدني ولأنا ذكرنا أن الصبي أهل للوجوب عليه بذمته وإنما سقط ما سقط لعجزه عن الأداء ما لم يعقل ويقدر عليه بذمته، ولو لم يسقط عنه الوجوب لتضاعفت عليه الواجبات في مدة الصبي، وهي مديدة ثم كان يلزمه القضاء بعد البلوغ فكان يحرج فيه والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فأسقطها أصلاً نفياً للحرج عنه رحمة كما أسقط الصلاة عن الحائض بعذر الحيض لأنها تحيض كل شهر عادة والصلاة تتكرر كل يوم فلو لم تسقط لتضاعف عليها أبداً فكانت تحرج في القضاء.
ولما كان السقوط بسبب العجز عن الأداء اقتصر على البدني دون المال لأنه مما يتأدى بالنائب فلا يقع العجز عنه لقيام ولي الشرع مقام ولي ثبت بعد البلوغ بأمره فقال يلزمه الزكاة، وكفارة القتل وكفارات ارتكاب محظورات الإحرام، وكل ما صح سببه في حق الصبي.
فأما كفارة اليمين فإنها لا تلزمه لأن سببها اليمين ويمينه باطلة شرعاً بخلاف إحرامه فإنه صحيح شرعاً.
وقال: إسلامه لا يصح لأنه بدني، والشرع إنما علق بالإسلام ما علق من الأحكام بإسلام واجب شرعاً، ولا وجوب قبل البلوغ لأنه بدني فلا يتأدى واجباً كما لا يتأدى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
الصوم والحج والصلاة واجبة وإن صحت في حق الآخرة والثواب.
وكذلك الردة لأن أحكام الردة في الدنيا علقت بترك الإسلام الواجب ولا وجوب فلم يعتبر في حق أحكام الدنيا.
وقال: ولا يلزمنا قولنا: أنه إذا صلى الظهر ثم بلغ في الوقت أو أحرم بالحج ثم بلغ قبل الوقوف فإنه يقع عن الفرض لأنا إنما أسقطنا الوجوب عنه رحمة عليه ونظراً له ودفعاً للحرج عنه، والنظر في هذه الحالة أن لا يسقط الوجوب لأن الفرض لزمه لما بلغ قبل مضي الوقت.
وكذلك فرض الحج يلزمه إذا بلغ قبل الوقوف بعرفه فمتى جعل الوجوب عليه في حال صباه ترفه بالسقوط عنه بما أدى ومتى لم يجعل عليه الوجوب بقي تحت عهدة الوجوب إلى أن يؤدى ثانياً وهذا كما قلتم في المعاملات أن قبول الهدية يصح، وهبته لا تصح لأن في الهبة ضرراً وفي القبول نفعاً.
وقلنا نحن: إن صدقته باطلة، ووصيته بالصدقة صحيحة، لأن الصدقة حال الحياة تضره للحال إن نفعته في الأخرة وبعد الموت تنفعه في الآخرة، ولا تضره للحال لأن الملك يزول بالموت لولا الصدقة.
وقلنا جميعاً إن نفل الصلاة مشروع في حقه دون الفرض لأن شرع النفل نفع محض إن فعل انتفع به، وإن ترك لم يؤاخذ به والفرض يضره من وجه، وهو المؤاخذة على الترك ولا يلزمني إبطالي قبول هبته لأن الشرع لما جعل ذلك النظر مستوفى له من قبل الولي، وقعت به الغنية عن ترك الأصل الممهد في بابه لاستيفاء النظر إليه كما لا يجوز بيعه ما يساوي درهماً بألف درهم، وفيه نفع له لأنه مما يستوفي له ذلك بالولي، والله أعلم.
والحجة لعلمائنا رحمهم الله: أنه لما ثبت أن الصبي مثل البالغ في أهلية الوجوب عليه، وأن السقوط عنه بعذر الحرج كما في حق البالغ لم يسقط إلا ما احتمل أن لا يكون مشروعاً حقاً لله تعالى كالصلوات الخمس والفروع التي تحتمل النسخ والتبديل وثبوتها مشروعة بعد البلوغ في وقت دون وقت وحقية الله تعالى بصفاته لا تحتمل أن لا تكون ثابتة مشروعة حقاً لله تعالى دائماً.
ألا ترى أنا لا نجد شيئاً من العبادات والأجزية إلا ويسقط بعد البلوغ بعذر ما فكان السقوط بعذر الصبي أولى لأنه رأس الأعذار لأنه لأول أمره لا يقدر أصلاً ولا تتم قدرته ما لم تعتدل قواه.
ولأن سقوط ما يسقط عن الصبي لم يكن إلا للعجز عن الأداء دفعاً للحرج عنه حتى لا يتضاعف عليه القضاء بعد البلوغ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
ووجوب أصل الإيمان على الصبي لا يوجب تضاعف الأداء بعد البلوغ ولا زيادة.
ولأن الصبي مثل البالغ في حق صحة الوجوب عليه متى تقرر سبب الوجوب في حقه كما في حقوق العباد، وإنما لم يصح الوجوب عليه إذا لم يصح السبب لأن السبب لا يعتبر صحيحاً شرعاً لنفسه بل لحكمه فمتى وجد صحيحاً لا بد أن يكون حكمه معه فإنه متى تخلف عنه أصلاً لم يكن سبباً.
وما عرف سبباً لذلك الحكم إلا بحكمة كبيع الحر وطلاق البهيمة ونحوهما لا يكون بيعاً ولا طلاقاً شرعاً ثم الآيات الدالة على الله تعالى لا تتصور أن لا تكون آية على حدوث العالم للمستدلين، ولا حدوث العالم يتصور أن لا يكون دلالة على محدث فكذلك ما تعلق بها من وجوب النظر فيها علينا لا يجوز أن يون ساقطاً بحال وإن كان يسقط الأداء عنا لفقد شرط الأداء من القدرة.
فأما وقت الصلاة فيجوز أن لا يكون سبباً للوجوب ولم يكن كذلك قبل الشرع فجاز أن لا يثبت سبباً في حق الصبي، وكل معذور سقط عنه الوجوب.
وكذلك أسباب الأجزية وكل ما صارت أسباب شرعاً، ولولا الشرع لما كانت أسباباً ولا عللاً في أنفسها فثبت أن الصبي إنما يسقط عنه وجوب ما يحتمل أن لا يكون في نفسه حقاً لله واجباً دون ما لا يحتمل.
ثم المالي والبدني من العبادات سوء وكذلك الأجزية: لأن العبادات اسم لنوع ابتلاء الآدمي بفعله تعظيماً لله تعالى مختاراً لطاعته على خالف هوى نفسه لا على سبيل الجبل والإكراه لأنه يجازى على وفاق فعله، ولا جزاء يستقيم في الحكمة مع الجبر لأنه لا فعل للجبر على الحقيقة فلا يستحق الجزاء ألا ترى أن الحقوق التي نستحقها فيما بيننا بأداء الأفعال لا تثبت إلا لمن يفعل مختاراً بنفسه أو نائباً عنه ثبت نائباً عنه بأمره واختياره.
إلا أنا في البدني ابتلينا بفعل يتأدى بالبدن.
وفي المالي بفعل يتأدى بالمال.
أما فعل لسان من نحو الإعتاق أو فعل يد كالإعطاء إلا أن المالي مرة يتأدى بمباشرتي ومرة بغيري كما زعمت، ولكن لا بد أن يكون الفعل مضافاً إلى على سبيل الاختيار مني، ولن يتصور الاختيار إلا أن يكون الولي علي بأمري فأما متى ثبت، ثبت شرعاً بلا اختيار مني فيكون كإعطار مني جبراً فلا يكون عبادة فالخصم زل خاطر قلبه عن اعتبار صفة الاختيارية.
وأما الأجزية فلا تجب إلا على ارتكاب ما يلزم العبد الانتهاء عنه حقاً لله تعالى، والانتهاء أداء حق النهي كالائتمار أداء حق الأمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
وقد ذكرنا أن الصبي غير مخاطب بأداء حقوق الله تعالى لا ائتماراً ولا انتهاء ولهذا لا يأثم بالإجماع ولا تقام عليه العقوبات البدنية وإن لم يحتج لإقامتها إلى قدرة المقام عليه على فعل ما وإذا لم يكن عليه الانتهاء لم يلزمه ما شرع من الجزاء على مخالفته واعتبره بإثم الآخرة.
ولهذا لا يحرم الصبي القاتل الميراث لأنه شرع جزاء على قتل محظور كالكفارة على ما بينا في موضعه.
ولأن هذه الأجزية مما يحتمل النسخ ولم تكن مشروعة على هذا الوجه قبل شرعنا والصبي مما يلحقه بوجوبها ضرر فيسقط عنه بعذر الصبا كالعبادات رحمة عليه.
ولهذا قلنا: إن الصبي إذا أحرم صح في حقه أن يثاب عليه ولا يجب الكف عن محظوراته ولا تلزمه الكفارة ويمكنه رفضه لأن اللزوم من حيث الإحرام حكم ثبت بشرعنا ويحتمل أن لا يكون ولأنه مما يزول بعد البلوغ بعذر الإحصار، والرق والنكاح، وكذلك الكفارة عندكم تسقط بعذر الكره والنسيان فلأن تسقط بعذر الصبا أولى.
ولهذا قلنا: إن الصبي إذا أحرم ثم ترك، وجامع لم يلزمه القضاء، كما قال الشافعي في البالغ المتطوع إذا أحصر فتحلل.
ولأن اللزوم حق ثبت لله تعالى شرعاً ويجوز أن لا يكون فلم يثبت في حق الصبي، ولهذا لا يجوز أن ينوب عن الفرض ما أداه في الصبا لأن وقت الوجوب شرعاً في حقه البلوغ وكان بمنزلة رجل صلى أربع ركعات بعد الزوال ثم نزل شرع الظهر بعد ذلك فإنه لا ينوب عن المشروع بعد أداء ما سبق.
وأما الجواب عن شبهة النظر فإن سقوط الوجوب في حق نفسه هو النظر وإنما انقلب في مسألتنا هذه ضرراً باتفاق حاله فلا يعتبر تيسيراً فإن التمييز مما يندر من الحالات يتعذر على الطالبين كما قلنا في الخطاب أنه متأخر إلى حين اعتدال العقل والشرع قدره بالبلوغ تيسيراً وسقط ما يتفق في نادر الأحوال من اعتدال قبله أو نقصان يبقى معه.
ولهذا قلنا إن وصيته بالصدقة باطلة لأنها تمليك بلا عوض وأنه ضرر في وضعه كما في حالة الحياة، وإنما انقلبت نفعاً باتفاق حال الموت فلم تعتبر وقبول الهبة يصح من الصبي إذا عقل القبول لأن الحجر بعد معرفة التصرف ما ثبت إلا نظراً له كي لا يخدع في ماله ونفسه ولا يغبن، وليس في قبول الهبة مخافة غبن، فلم يثبت الحجر في حقه فالأصل في الشرع إثباته في حقه على وجه النظر، والنظر في الإطلاق فيما هو نفع محض فبقي مطلقاً، وثبت للولي لأن الولاية أثبتت له نظراً للصبي أيضاً، وفي إثبات ولاية قبول الهبة للصبي نظر ولم يجز بهذا النظر حجر الصبي عن نظره لنفسه بقبوله بل وجب إطلاقه لأن تمام النظر فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
ولهذا قلنا: يصح إسلامه استحساناً لأن أصل الوجوب كان ثابتاً على ما مر أنه لا يحتمل السقوط بخلاف ما يحتمل السقوط، فإذا جاء الأداء كما وجب كان عن الواجب لا محالة وإن لم يكن مخاطباً بالأداء كالصلاة لأول الوقت، والصوم في السفر، وأداء الدين المؤجل وما للأداء في الشرع حد للصحة إلا أن يعتقد وحدانية الله تعالى عن معرفة، ويشهد بلسانه كما اعتقدوا الخلاف فيما إذا تصور منه ذلك ما لو كان بالغاً.
وأما إذا ارتد فردته صحيحة استحساناً عند أبي حنيفة ومحمد، ولا تصح قياساً عند أبي يوسف.
قال أبو يوسف: لأن الردة من المضار والإيمان من المنافع، فالصبي محجور عن المضار دون المنافع شرعاً في حق أحكام الدنيا.
فأما في حق الآخرة فما ينبغي أن يستحق الجنة وقد اعتقد الشرك وترك اعتقاد الدين الصحيح، والجنة ثمن الدين كما لا يستحق ثواب الصوم إذا أفطر إلا أنهما استحسنا، أي تركا هذا القياس الظاهر فإنه مسلم لهم هذا الأصل فيما يحتمل النسخ والتبديل فيكون الصبا عذراً مانعاً من ثبوت الشرع فلا يصير مشروعاً إذا احتمال أن لا يكون مشروعاً حقاً لله تعالى.
فأما ما لا يحتمل أن لا يكون مشروعاً حقاً مستحقاً لله تعالى، فلا تعتبر فيه المضرة والمنفعة بل يكون مشروعاً في حق الصبي والبالغ على السواء على ما مر وإنما يختلفان في وجوب أداء المشروع فإن الأداء يلزم البالغ دون الصبي وإذا صار الإسلام مشروعاً وجوبه حقاً لله تعالى في حق الصبي لأنه لا يحتمل غير ذلك فكذلك وجوب حرمة الردة، وإذا ثبت الشرع صح الأداء شرعاً فلزمه ما تعلق به من الأحكام الشرعية إلا ما شرع جزاء على الفعل المحظور، لما ذكرنا أن الجزاء المعجل يحتمل أن لا يكون مشروعاً على أن القتل على المرتد عندنا مشروع لصيرورته حربياً لا كافراً حتى لم تقتل المرأة لأنها ليست من أهل الحرب، والصبي بمنزلتها.
فأما حرمان الإرث، وفساد النكاح فليسا بجزاء فعل الردة لا محالة فإنهما يثبتان ببقاء الكفر الأصلي فهذا وجه الاستحسان، والله أعلم.
فإن قيل: أليس أن الصبي يؤدب إذا أساء أفعاله؟
قلنا: التأديب لا يقام جزاء على ما مضى حقاً يجب بإزائه عليه لغيره بل تقويماً في المستقبل حقاً له، ألا ترى أن الدابة تراض وتؤدب تقويماً وإصلاحاً وأنه لتسوية الأخلاق بمنزلة الدواء لطلب الشفاء وبمنزلة الحجامة.
فإن قيل: أليس الصبي يسرق فإن عقوبة جزاء للكف؟
قلنا: إن الاستيلاء على المباح شرع سبباً للملك كما في حق الصيود، وأهل الحرب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
ما لهم عصمة فلا يكون تملكهم بسبب الاستيلاء عقوبة كما في حق البهائم وإنما لم يملك غيرهم بالاستيلاء لعصمة ثبتت لهم من الله تعالى كرامة فيكون زوال العصمة بالكفر حقيقة أو تبعاً لأبويه بمنزلة زوال النعمة، فلا يكون عقوبة واجبة على أحد بمنزلة زوال الصحة والحياة والمال وسائر الكرامات.
فأما الجواب عن استدلالهم بالعشر وصدقة الفطر: أما صدقة الفطر فتجب على الأب بسبب ولايته على رأس الصبي ومؤنته كما تجب على المولى بسبب رأس عبده حتى أوجبنا على العبد الكافر، وأما جواز الأداء من مال الصبي فلأن وجوبها بمنزلة وجوب المؤنة عن رأسه، والمؤن تتأدى بولاية جبرية كالعشر والخراج وأنه شبهه لا في هذه المسألة وقد خالف محمد أستاذه فيه.
فأما العشر عندنا فمؤنة الأرض كالخراج، ولهذا لا يجتمعان وإذا كان العشر من حقوق غير الله صح تأديه بولاية جبرية على من عليه الحق كما صح أخذ القاضي من البالغ كرهاً ولا يكون لمن أخذ منه ثواب فعل العبادة، وإنما يكون له ثواب ذهاب المال في وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصائب.
فأما إذا كان الحق لله تعالى صار الأصل فيه الفعل فإن العبادة اسم للفعل دون المال، وإنه اسم لفعل يأتي به من عليه على سبيل الاختيار ليثاب عليه فلا يجوز تأديه بدون فعل منه على اختياره.
ولهذا قلنا: ليس للسلطان أن يأخذ الزكاة من صاحبه كرهاً كما يأخذ ديون الناس.
ولهذا قلنا: لا تؤخذ من تركته بعد موته بدون الوصية بخلاف العشر وحقوق الناس فصار المعنى الذي اعتبره الخصم للفرق بين المالي والبدني حال عجز الصبي عن الأداء بنفسه معتبراً في حقوق غير الله تعالى فالمالي منها يلزم الصبي دون البدني.
وأما ما يجب لله تعالى فالمالي والبدني سواء ويسقط عن الصبي ما احتمل للسقوط ولا يسقط عنه ما لا يحتمله والأداء ساقط في الأحوال كلها، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)