ويرى شيخ الإسلام أن عقيدة السلف وما أجمع عليه العقلاء وما اتفق عليه الأطباء أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، ويؤيد هذا الأطباء بصفة خاصة في تناولهم لخلق الإنسان وأطوار نموه، فالله تعالى يقلبه ويجعله من جسم إلى جسم. وأيضًا فإن معنى الإعادة يدل على أن الله سبحانه وتعالى يعيد الجسم بعد أن يبلى (ولهذا يقال: هو مثله، ويقال: هذا هو هذا، فإن فعل مثل غيره، لا يقال: أعاده، وإنما يقال: حاكاه وشابهه، بخلاف ما إذا فعل ثانيًا مثل ما فعل أولاً، فإنه يقال: أعاد فعله) ، مثلما هُدم بيت ثم أعيد بناؤه.
وبعبارة أخرى، فإن الله عز وجل يعيد الخلق بعدما استحالت الأجسام إلى غيرها، فيعيدها من تلك الأجزاء التي انقلبت واستحالت إليها، والنشأة الأولى خلقة فساد وفناء وملاءمة للحياة الدنيا وطبيعتها الفانية بينما الثانية للبقاء فهما يتشابهان من وجه ويتنوعان من وجه آخر، فباعتبار اتفاق المبدأ والمعاد فهو هو، وباعتبار ما بين النشأتين من الفرق فهو مثله.
فلابد إذن من الاستناد إلى الحقيقة القرآنية الممثلة في خلق الله، منها قوله تعالى: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) [مريم، الآية: 67] وهو أمر للإنسان بأن يتذكر خلقه من نطفة، فإذا ما فسر الإنسان المخلوق في ضوء نظرية الجواهر الفردة، فإن جواهر الإنسان عندهم ما زالت باقية وحدث لها الأعراض، ومعلوم أن تلك الأعراض وحدها ليست هي الإنسان، فإن الإنسان مأمور، منهي، حي، عليم، قدير، متكلم، سميع، بصير، موصوف بالحركة والسكون، وهذه صفات الجواهر، والعرض لا يوصف بشيء لا سيما وهم يقولون العرض لا--------------------------------------------
=
الانقسام بالفعل، بل قد يضعف عن ذلك ولا يقبل البقاء مع فرط تصاغر الأجزاء، لكن يستحيل، إذ الجسم الموجود لابد له من قدر ما ولا بد له من صفة ما فإذا ضعفت قدرته على اتصافه بتلك الصفة انضم إلى غيره، إما مع ما استحالته إن كان ذلك من غير جنسه وإما بدون الاستحالة إن كان من جنسه كالقطرة الصغيرة - من الماء - إذا صغرت جدًا لا بدّ أن تستحيل هواء أو ترابًا أو تنضم إلى ماء آخر (كتاب الصفدية ص 118) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
يبقى زمانين (1) .
وهكذا يبرهن شيخ الإسلام أن فكرة الجوهر الفرد لا تفسر لنا المشاهدة العيانية في الخلق، ولا تتفق مع حقيقته الثابتة بالآيات القرآنية، والمرئية في أطوار الإنسان كما يثبت ذلك الأطباء أيضًا، فإنه يتحول في مراحل خلقه، فيخلق الله الإنسان من المني، فالمني استحال وصار علقة، والعلقة استحالت مضغة، إلى استواء الإنسان بشرًا سويًا، ويستشهد بهذا المثال ليقوض دعائم تفسير المتكلمين، إذ يعدون الأجسام متماثلة لأنها مركبة من الجواهر المتماثلة، وإنما اختلفت باختلاف الأعراض. ويستبدل بها حقيقة الخلق والبعث القرآنية المتفقة مع أدلة العقول وتجارب البشر.
بعد هذا العرض الموجز، يتضح أن طريقة الأشاعرة مع إخلاصهم في الدفاع عن النصوص لم تقو على الوقوف إزاء النقد الذي وجه إليهم من شيوخ السنة كابن تيمية وغيره حيث ناقشوا وفندوا بالحجج والبراهين.
ويبدو أن أئمة الأشاعرة أنفسهم قد ظهرت لهم الحقيقة، ولكن بعد طول بحث وبعد إفناء الأعمار.
ومن هنا نجد أئمتهم قد فضلوا طريقة السلف في نهاية حياتهم وأعلنوها صراحة وإلى القارئ بيان ذلك:
تحول أئمة الأشعرية إلى طريقة السلف:
لاشك أن الرغبة في الدفاع عن عقيدة أهل السنة بخاصة والإسلامية بعامة هي التي دفعت أئمة الأشاعرة إلى علم الكلام ظنًا منهم أنه المنهج الصحيح لهذا الغرض، ثم تبين لهم بعد التجربة غير ذلك، فتحولوا عنه، ولعل أول المتحولين إلى طريق السلف هو الإمام أبو الحسن الأشعري نفسه، وقصة تحوله من الاعتزال إلى عقيدة الإمام أحمد بن حنبل تبرهن على ذلك كما أسلفنا.
ومن الثابت عن الذين ترجموا للأشعري - وأبرزهم ابن عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري) أن كتاب (الإبانة) من أواخر كتبه وهو دليل على استقراره على--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: تفسير سورة الإخلاص (54 - 56) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
طريقة الإمام أحمد ومنهجه وعقيدته متابعة لطريقة السلف.
ويمكن تقسيم حياته العلمية إلى ثلاثة أطوار - الأول عندما كان معتزليا - والثاني عندما بدأ يعيد النظر في معتقدات المعتزلة ويخط لنفسه منهجًا جديدًا يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظن أنه يتفق مع أحكام العقل ثم الطور الأخير الذي كتب فيه (الإبانة) وعبر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم والتي كان الحامل لواءها حينذاك الإمام أحمد بن حنبل (1) ، وكرر أيضًا مضمون عقيدته في كتابه (مقالات الإسلاميين) ناسبًا إياها لأهل السنة والحديث.
وجاء بعده الإمام الباقلاني فكان حريصًا على الانتساب إلى الإمام أحمد بن حنبل أيضًا حتى كان يكتب في بعض أجوبته محمد بن الطيب الحنبلي (2) .
وأئمة الأشعرية بعده اتخذوا موقفًا مشابهًا أيضًا يثير الانتباه ويدعو لبحث هذه الظاهرة التي - إن دَلَّت على شيء - فإنها تدل على الإخلاص في البحث عن الحقيقة من جهة، كما يدل من جهة أخرى على أن لا سبيل إلى معرفة أصول الدين إلا من مصادره في الكتاب والسنة.
فها هو إمام الحرمين الجويني في كتابه (الرسالة النظامية) يشير إلى اختلاف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الكف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب. ثم يصرح بأن الذي يرتضيه رأيًا، ويدين لله به عقدًا، اتباع سلف الأمة، مبرهنًا على ذلك بأن الدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند الشريعة وقد درج صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما بها وهم صفوة الإسلام. والمستقلون بأعباء الشريعة كانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها. فلو كان تأويل هذه الظواهر مشروعًا أو محتومًا لأوشك أن--------------------------------------------
(1) ينظر تعليق الأستاذ محب الدين الخطيب على كتاب (المنتقى) للذهبي ص 43 ط السلفية 1374 هـ.
(2) ابن تيمية: موافقة ج 2 ص 9، 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة. وإذْ ثبت عنهم الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع فحق على كل ذي دين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب فليجر آية الاستواء، والمجيء، وقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: الآية: 75] (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن، الآية: 27] وقوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر، الآية: 14] وما صح من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا.
ويعضد ذلك ما ذهب إليه في كتابه (غياث الأمم) فبالرغم من أن الكتاب مخصص لعرض الفقه السياسي الإسلامي وآرائه في منصب الخلافة أو الإمامة، فقد حرص في باب (تفضيل ما إلى الأئمة والولاة) على أن ينص على أحد مهام الخليفة على صرف المسلمين عن الخوض في المشكلات الكلامية وتوجيههم إلى طريقة السلف فقال في هذا الصدد: (والذي أذكره الآن لائقًا لمقصود هذا الكتاب، أن الذي يحرص الإمام فيه على جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء، وكانوا رضي الله عنهم، ينهون عن التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات.. إلى أن يقول: وما كانوا ينكفون رضي الله عنهم عما تعرض له المتأخرون عن عي وحصر، وتبلّد في القرائح هيهات! قد كانوا أذكى الخلائق أذهانًا وأرجحهم بيانًا) (1) .
ورأي الغزالي أيضًا في علم الكلام مدون في كتبه معروف مشهور لا سيما (الإحياء) فقد قال فيه: (وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكبر من الكشف والتعريف) وإلى نفس المعنى يذهب في كتابه (المنقذ من الضلال) فذم علم الكلام أيضًا وقال بأن أدلته لا تفيد اليقين. وفي كتابه (التفرقة بين الإيمان والزندقة) ، صرح بتحريم الخوض فيه فقال: (لو تركنا المداهنة لصرحنا بأن الخوض في هذا العلم حرام) . ومات الغزالي على خير أحواله، مات على--------------------------------------------
(1) الجويني: غياث الأمم فى التياث الظلم ص 140، 141 تحقيق د. مصطفى حلمي ود. فؤاد عبد المنعم ط دار الدعوة بالإسكندرية سنة 1400 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
الصحيحين، صحيح البخاري وصحيح مسلم، طالبًا علم الحديث، فتحول من الكلام إلى طلب السنة من مصادرها الصحيحة.
أما الرازي - وهو المعبر عن المذهب الأشعري في مرحلته الأخيرة حيث خلط الكلام بالفلسفة، فقد نبه في أواخر عمره إلى ضرورة اتباع منهج السلف، وأعلن أنه أسلم المناهج بعد أن دار دورته في طرق علم الكلام والفلسفة، فقال في النهاية: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق القرآن أقرأ في الإثبات (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه،: 5] و (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر، الآية: 10] وأقرأ في النفي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى، الآية: 11] (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه، الآية: 110] (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم، الآية: 65] ثم قال: (من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) ، وكان يتمثل كثيرا الأبيات التالية:
نهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا له فيه قيل وقالوا (1)
وقال في وصيته: (أحمد الله بالمحامد التي ذكره بها أفضل ملائكته فى أشرف أوقات معارجهم، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهدتهم، بل أقول ذلك من تاريخ الحدوث والإمكان، فأحمده بالمحامد التي يستحقها لإلهيته ويستوجبها لكمال إلاهيته، عرفتها أو لم أعرفها، لأنه لا مناسبة للتراب مع جلال رب الأرباب) إلى قوله: (ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى ويمنع من التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذلك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية) وذكر في وصيته أيضًا أنه يدين لله تعالى بدين محمد صلى الله عليه وسلم، وسأل الله تعالى أن--------------------------------------------
(1) ابن الوزير اليماني: الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ج 2 ص 168 المطبعة
السلفية بالقاهرة سنة 1385 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
يقبل منه هذه الجملة ولا يطالبه بالتفصيل (1) .
ونكتفي بهذا القدر لبيان النتائج التي توصل إليها أكبر أئمة المتكلمين في المدرسة الأشعرية، إذ تأكدوا بعد رحلة طويلة مع الكلام والخوض في قضاياه إلى نتائج حاسمة حيث وجدوا - كما ذكر الرازي - أن طريقة القرآن كافية شافية، وأن طريقة أهل الحديث موصلة إلى اليقين، داعية إلى الاطمئنان وثبات الإيمان.
تقييم ابن تيمية لشيوخ الأشاعرة:
يرى ابن تيمية أن شيوخ الأشاعرة أقرب إلى الإمام أحمد تحقيقًا وانتسابًا. أما تحقيقًا، فإن الأشاعرة أقرب إلى مذهب السلف وأهل الحديث في مسألتي القرآن والصفات.
كذلك فإن انتساب الأشعري وأصحابه إلى أحمد بن حنبل والمحدثين عمومًا ظاهرة واضحة في كتبهم (2) ويقول: (ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة وكان منتحلاً للإمام أحمد ذاكرًا أنه مقتد به متبع سبيله. وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف) (3) .--------------------------------------------
(1) ابن الوزير اليماني: الروض الباسم. ج 2 ص 168 وقد أورد نصوصًا كثيرة أخرى تثبت رجوع أئمة الكلام إلى طريقة السلف، فنقل عن القرطبي في شرح مسلم أيضًا أن الجويني كان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.
وأوصى الكرابيسي قبل موته أتباعه بقوله: (عليكم بما عليه أهل الحديث، إني رأيت الحق معهم) وأورد قول أبي الوفاء بن عقيل لأصحابه: (لقد بالغت في الأصول طول عمري ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب يعني الذين يكتبون الحديث ويشتغلون به) وأيضا قول الشهرستاني: (عليكم بدين العجائز فإنه أسنى الجوائز) والمصدر السابق ص 968 - 169. وانظر أيضًا نص الوصية التي أوردها الدكتور علي محمد حسن العماري في كتابه (الإمام فخر الدين الرازي حياته وآثاره ص 75 ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة 1388 هـ 1969 م) .
(2) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص 68.
(3) ابن تيمية - نقض المنطق 137.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
أما عن موقفه من الإمام أبي الحسن، فإن القارئ لكتبه يلمس أحيانًا رقة في نقده، وذلك بسبب أقوال الأشعري المؤيدة لمذاهب أهل الحديث والسنة في عدة مواضيع كالصفات والقدر والإمامة، وردوده على المعتزلة والشيعة والجهمية. ولذا يرى أنه ينبغي أن يعرف لهذا الإمام حقه وقدره عملاً بقول الله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) كذلك فإن قيامه بنصرة مذهب أهل السنة في وجه أهل البدع وقهره للمخالفين يضعه في مرتبة المجاهدين (1) .
ومع أن شيخنا لا يعد أتباع المدرسة الأشعرية سلفيين خلَّصاً لأن المذهب السلفي بالمعنى الدقيق يلفظ استخدام الكلام المبتدع سواء على منهج المعتزلة أم بدفاع شيوخ الأشاعرة، إلا أنه يقر بوجود تقارب بين المذهبين كما قلنا، ويراه يكاد يلتحم عند المحدثين منهم خاصة: كابن عساكر (571 هـ) ، والبيهقي (458 هـ) ، والنووي (676 هـ) حيث غلب عندهم جانب الحديث عن الاتجاه الكلامي. ومن جهة أخرى، ينتسب إلى الحنابلة أيضًا من المتأخرين من يذهب إلى شيء من التأويل، كابن عقيل (513 هـ) وابن الجوزي (597 هـ) (2) كذلك فقد شذت منهم قلة - شأنهم في ذلك شأن أتباع المذاهب والفرق جميعًا - حيث اتفقت مع ابن حنبل في الفروع وخالفته في بعض الأصول قائلين بالجهة والجسمية ولكن (أحمد برئ منهم وأهل السنة والجماعة من الحنابلة لا يعدونهم منهم) (3) .
وفي نقده للمحدثين، يرى أن ما يعيب بعض علماء الحديث يرجع إلى الحشو الناجم عن الاحتجاج بأحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو ما لا يصح الاحتجاج به. أما القاعدة السليمة التي ينبغي على المحدثين التقيد بها حتى يسلم منهجهم من الأخطاء والحشو، فهي تتلخص في ضرورة توافر عاملين:
أحدهما: التثبت من صحة الحديث، والثاني: فهم معناه (4) .--------------------------------------------
(1) نفس المصدر 11.
(2) صفي الدين الحنفي: القول الجلي في ترجمة شيخ الإسلام. ص 253.
(3) ن. م 127.
(4) ابن تيمية: نقض المنطق ص 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
وهكذا استطاع ابن تيمية باستخدامه لمنهج (المعادلة والموازنة) أن يحدد مدى الاقتراب والابتعاد عن طريقة السلف، محاولاً البرهنة على أن المحدثين الذين تنسحب الشروط السالف الإشارة إليها عليهم - هم الممثلون الحقيقيون لشيوخ السلف لأنهم (اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص، لا على خيال فلسفي، ولا رأي قياسي ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات) (1) .
أما سبب ذيوع المذهب الأشعري في رأي شيخ الإسلام فيرجع إلى العوامل
الآتية:
أولاً: كثرة الحق الذي يقولونه وظهور الآثار النبوية عندهم.
ثانيًا: لبسهم ذلك لمقاييس عقلية ظنوا أنها صحيحة بينما هي في الواقع موروثة عن تيار خارجي من الفلسفة وغيرها، وظنوا أيضًا أنه لم يمكن التمسك بالآثار النبوية في مواجهة المعتزلة بهذا الوجه.
ثالثًا: ضعف الآثار النبوية في عصورهم الموضحة لسبيل الهدى.
رابعا: تقصير المنتسبين للسنة. ويحملهم ابن تيمية مسؤولية ما حدث ناقدًا لبعضهم بقوله: (إنهم تارة يروون ما لا يعلمون صحته وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور) (2) .
طريقة السلف أعلم وأحكم:
وبعد، فإن الغالب على القضايا المتنازع عليها أصبحت لها الصبغة التاريخية لأن الاهتمامات الثقافية والعلمية والدينية حينذاك هي الدافعة لجعلها الأولى بالبحث والمناقشة، ولكن لهذه القضايا نفسها جانبٌ ما زال يستحق الاهتمام والدراسة باعتباره يلقي الضوء على الصلة بين الاتجاهين النصي والعقلي، ولا يمكن تجاهل النقاش الدائر بينهما، فإن الإنسان بمكوناته العقلية والنفسية وثقافته المصطبغة أحيانًا بصبغة العصر الذي يعيش فيه، كل ذلك قد يؤثر عليه تأثيرًا كبيرًا عند تطلعه في--------------------------------------------
(1) نفس المصدر 81.
(2) ابن تيمية: فتاوى ج 12 ص 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
البحث عن الحقيقة التي ينشدها. وإذا خصصنا المسلم المعاصر بالحديث، فإننا نراه يقف أمام القرآن الحكيم والسنة النبوية أحد موقفين:
الأول: التأثر بالفلسفات السائدة والمناهج التي تجعل للعقل المكانة الأولى في نظرية المعرفة، ومن ثم يميل إلى المنهج الاعتزالي، وإن توسط في موقفه اختار المنهج الأشعري.
الثاني: وإما البحث عن المنهج الصحيح للعقيدة موقنًا بأنه من الخطأ العلمي والديني الانصراف عن الأصل الثاني للإسلام وهو الأحاديث النبوية الصحيحة في مصادرها، وما أكثرها وأوثقها.
وهنا ينبغي أيضًا الاسترشاد بطريقة علماء الحديث والسنة ومعرفة منهجهم في النظر والاستدلال لإثبات صحة أصول الدين.
وفي بحث كهذا محدود الهدف وموحد المنهج، رأينا توضيح التباين والتمايز بين الاتجاهين: المعتزلي والأشعري من ناحية، والسلفي من ناحية أخرى.
وقد تبين لنا أن المعتزلة اعتزلوا السنة والجماعة ووضعوا لأنفسهم أصولاً خمسة.
أما الأشاعرة فإنهم دافعوا عن عقيدة أهل السنة والجماعة وأعلنوا الانتماء إليهم. ولكنهم التزموا في منهجهم بصفة عامة بالمنهج الكلامي، بحجة التوفيق بين النصوص الشرعية والأحكام العقلية، وغلب عليهم تأويل النصوص الشرعية لتطويعها للأصول التي وضعها أهل الكلام قبلهم.
وإذا كانت دراستنا قد أوصلتنا إلى انتهاء أغلب أئمة الأشاعرة سلفيين، فإن ذلك يدل على اكتشافهم أن طريقة السلف هي الأعلم والأحكم، وعلينا الاستفادة من تجاربهم التي أمضوا فيها السنوات الطوال بحثًا وتفكيرًا وتأملاً ودراسةً، ويصبح من السرف أيضًا في الوقت والجهد، اتباع طريقتهم الكلامية قبل رجوعهم عنها، لا سيما ولدينا مؤلفات علماء الحديث والسنة بعدهم، أخلصوا في إظهار المنهج السلفي والدفاع عنه وبيان أنه يستند إلى الأدلة الشرعية العقلية.
وفي مقدمة هؤلاء يقف شيخ الإسلام ابن تيمية، وسنحاول عرض منهجه بإيجاز في الباب التالي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
الباب السادس
موقف ابن تيمية من القضايا الكلامية:
- حياته وعصره
- منهجه
- هدم المنطق الأرسططاليسي وإعلاء الميزان القرآني.
نظرية ابن تيمية في المعرفة
- الفطرة الإنسانية وطرق المعرفة.
- الهدى والبينات.
موقفه إزاء القضايا الكلامية:
- الصفات الإلهية.
- طرق البراهين القرآنية.
- إثبات صفات الله تعالى وأفعاله بالأدلة العقلية.
الميزان القرآني.
- قياس الأولى.
- الاعتبار واللزوم.
- النبوة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
موقف ابن تيمية من القضايا الكلامية
مقدمة:
ولد تقي الدين بن تيمية يوم الاثنين عاشر من شهر ربيع الأول سنة 661 هـ في حران ونشأ في بيت علم أتاح له الاطلاع إلى التراث الإسلامي واستيعاب علوم المسلمين، فبزَّ علماء زمنه لتفرده بالإحاطة الشاملة دونهم بأغلب هذه العلوم - كالتفسير واللغة وحفظ السنن والآثار، وعلم الفقه والتاريخ، والفلسفة وعلم الكلام وغيرها. وقد ساعدته مواهبه العقلية على بلوغ مرماه إذ كان يتمتع بذكاء حاد وحافظة متميزة استطاع بهما أن يفهم ويعبر عن أعوص المسائل في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وأصول الفقه بحيث ارتفع إنتاجه العلمي إلى مصاف المتخصصين في هذه الفروع كلها كما يذكر مترجموه، إلى جانب خصائص أخلاقية تتمثل في النهم والتشوق للمعرفة وقوة الجلد والصبر على قراءة ما يشبه الموسوعات، بحيث مكنته من استحضار النصوص وقت الحاجة والاستشهاد بها وتأييد صحة آرائه.
ويضاف إلى ذلك انقطاعه للعلم انقطاعًا تامًا فلم تشغله صاحبة ولا ولد، ولم يحل دونه منصب أو يعوقه سعي لطلب مال أو جاه لزهده وتقلله في معيشته. وعندما اضطهد وسجن، بسبب آرائه الجريئة التي ساقته إليها اجتهاداته المدعمة بالأدلة، انتهز فرصة سجنه واستمر في القراءة والبحث إلى أن أجبر في فترة سجنه الأخيرة عن التخلي عن أدوات الكتابة.
ومن أخلاقه الشخصية الدقة والأمانة في رواية النصوص المنقولة من مصادرها المختلفة؛ فحفظ لنا صفحات كاملة من كتب تعد في حكم المفقودة، مع شجاعته في إعلان رأيه مهما قوبل من صنوف الاضطهاد بسببها، وخوضه المعارك الحربية في مواجهة التتار وقيامه بحث الأمراء على مقاومة حروبهم مهما كلفهم ذلك من نفوس وأموال.
ولقي العنت بسبب خصومته لعلوم الكلام والطعن في شيوخ الصوفية ونقد آراء بعض الفقهاء، كما انتقد مظاهر الاضطراب والضعف في عصره لأنه عاش وسط جو صاخب مليء بالحروب الخارجية ومظاهر التشتت والاختلاف في الداخل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
بعد انهيار الخلافة العباسية في بغداد سنة 656 هـ وانقسام الدولة الإسلامية الكبرى إلى ولايات متعددة، فقامت بمصر والشام حينذاك دولة المماليك التي عاش فى ظلها ابن تيمية، وقد كتب لها أن تقوم بالنصيب الأوفى في خدمة الإسلام ودفاع المعتدين من المغول في الشرق والصليبيين في الشمال (1) .
ولم يأل ابن تيمية جهدًا فى شن الغارة على النصيرية والباطنية في الشام، لأن السواحل الشامية إنما استولت عليها النصارى من جهتهم وهم دائمًا مع كل عدو للمسلمين، كما قام ابن تيمية بالسفارة لدى ملك المغول غازان.
وجمع في شخصيته صفات العالم المجاهد الذي ضحى - كما يصفه الشيخ المراغي - بمتع الدنيا لنصرة دعوته، فانتقد انتقاد الرجل المثالي الذي كان يرى ألا حكم إلا لله، وأن الجماعة يجب أن تكون على النحو الذي شرعه الله، فله في الدين رأي، وله في الدولة رأي، وله في الصوفية رأي، وله في رجال الكلام رأي، وله في النصرانية رأي، والباطنية رأي (2) .
وأمضى حياة حافلة في التأليف والجدل والجهاد بنفسه ضد التتار والإفتاء ومحاربة البدع.
ومثل هذه الشخصية الفذة لابد أن تتعرض للابتلاءات والمحن، ولذا فقد استطاع خصومه إدخاله السجن أكثر من مرة في حياته، فكان موته بسجن القلعة بدمشق عام 728 هـ (3) .
والآن يحسن بنا أن نفصل هذه المقدمة.
حياته وعصره:
ولد الشيخ كما قلنا في بيت ثقافة إسلامية سلفية، فإن جده كان محدثًا مشهوراً، وكذلك كان أبوه. يصف ابن تيمية جده بقوله: (كان جدنا عجبًا في حفظ--------------------------------------------
(1) المراغي: ابن تيمية ص 59 ط الحلبي (سلسلة أعلام الإسلام) .
(2) المراغي: ابن تيمية ص 37- 38.
(3) ينظر كتاب المستشرق الفرنسي هنري لاوست (نظريات شيخ الإسلام في السياسة والاجتماع) ترجمة الأستاذ محمد عبد العظيم وتقديم وتعليق د. مصطفى حلمي دار الأنصار 1396 هـ - 1977 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
الأحاديث وسردها وحفظ مذاهب الناس بلا كلفة) ويصفه بأنه كان معدوم النظير في زمانه، رأسًا في الفقه وأصوله (1) .
أما والده فإنه (أتقن العلوم وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه.. كان محققًا كثير الفنون، وكان من أنجم الهدى، وإنما احتفى من نور القمر وضوء الشمس ويشير الذهبي في هذا الوصف إلى كل من أبيه وابنه) (2) .
وتلقى شيخنا الفقه والحديث والعلوم الأخرى، وكان مضرب المثل في قوة الحفظ والذكاء، كما استطاع أن يستوعب ثقافة العصر كما قلنا ويجيدها ويحاجج أهلها عن مقدرة ودراية. يصفه تلميذه الذهبي بأنه (برع في الرجال، وعلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام وعلم الكلام، وغير ذلك.
وكان من بحور العلم والأذكياء المعدودين والزهاد والأفراد. وسارت بتصانيفه الركبان، لعلها ثلاثمائة مجلد) (3) .
وكان عصره يموج بالتيارات السياسية العنيفة، فإن حروب التتار التي بدأت تغزو البلاد منذ عام 616 هـ - 1229 م، وظلت أمواجها تتلاحق دفعة وراء الأخرى عبر السنوات الطويلة حتى سنة 680 هـ - 1281 م حيث وصلت إلى حماه، واشترك ابن تيمية بنفسه في إحدى المعارك. إلى جانب صراع المماليك على السلطة في الداخل.
وكان سقوط بغداد عام 656 هـ - 1257 م على أيدي التتار هو النتيجة الطبيعية التي تمخض عنها ضعف الدولة العباسية، لأنها بدأت منذ أواخر القرن الرابع، وأوائل القرن الخامس (وكأنها جدار يريد أن ينقض وكان لا بدّ لها أن تنتهي إلى إحدى النهايتين: إلى الانحلال التام والفناء أو اليقظة والإحياء) (4) . ولكن مع الأسف--------------------------------------------
(1) الألوسي: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ص 18.
(2) نفس المصدر 19.
(3) الذهبي: تذكرة الحفاظ ج 4 ص 288 وقد لاحظ لاوست وحده النظرة الدينية عند ابن تيمية في وقتها ودوامها (حيث كانت الأفكار التي عرضها في مطلع فجر تأليفه هي نفس الأفكار التي تناولها شرحًا وتفصيلاً في سائر تواليفه المتأخرة) ص 835 من كتاب أسبوع الفقه - ابن كثير - البداية ج 13 ص 83.
(4) د. جمال الدين الشيال: تاريخ الدولة العباسية ص 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
انتهت إلى ما نعرفه من انقسام الدولة الإسلامية الكبرى إلى دويلات عديدة، وعاصر ابن تيمية دولة المماليك.
وكان للشيخ دور بارز في مقاومة الغزو التتاري وهذا يعطينا فكرة عن ارتباط العقيدة بالعمل عنده.
وقد أفرغ ما في جعبته من آيات وأحاديث لحث المسلمين على الجهاد، وتخليصهم من روح اليأس والهزيمة التي دفعت بجموع كبيرة منهم إلى الفرار هربًا من جحافل الجيش التتاري، الذي شرب من كأس النصر حتى الثمالة، وانتشى بروح السيطرة والتفوق.
وفي مقابل الحرب والغزو الخارجي الذي ملأ التاريخ بصفحات عديدة من المآسي والكوارث التي أصابت العالم الإسلامي، كانت هناك في الداخل تيارات عدائية تتمثل في روح الهزيمة، وبث روح اليأس، وترويج الإشاعات التي تروع القلوب وتخلعها لكي يسلم الناس دون قتال.
يقول ابن كثير: (وأشاع المرجفون بأن التتار وصلوا إلى حلب، وأن نائب حلب تقهقر إلى حماه، ونودي في البلد بتطييب قلوب الناس وإقبالهم على معايشهم) (1) .
ومما زاد الأمر سوءًا في هذا العام - أي عام 700 هـ 1300 م حيث بدأ التتار يقصدون بلاد الشام - أن هذه البلاد شهدت شتاء قارسًا مما أدى إلى صعوبة الهجرة (حيث جعلوا يحملون الصغار في الوحل الشديد والمشقة على الدواب والرقاب، وقد ضعفت الدواب من قلة العلف، مع كثرة الأمطار والزلق والبرد الشديد والجوع وقلة الشيء) (2) .
رأى ابن تيمية هذه الظروف العصيبة التي تضافرت فيها توالي انتصارات الأعداء، مع ضعف المسلمين ويأسهم، ومما زاد الطين بلة الأحوال الجوية التي جرت على غير المألوف. وهنا يتجلى إيمان الشيخ، وتظهر آثار التشبع بالروح السلفية فعالة قوية، في الوقت الذي كان بعض الفقهاء غيره يتركون دمشق فرارًا بأنفسهم--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية ج 14 ص 95.
(2) نفس المصدر 150.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
وعائلاتهم إذ (كان قد خرج جماعة من بيوتات دمشق، كبيت ابن صصري، وبيت ابن فضل الله وابن منجا وابن سويد وابن الزملكاني وابن جماعة) (1) .
وبذل الشيخ جهدًا كبيرًا ليقف في وجه كل العوامل التي تدعو إلى الهزيمة واليأس معلناً على الملأ آراءه الكفيلة بتحويل الهزيمة إلى نصر. فأخذ يحرض الناس على القتال بدلاً من الفرار (وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في إنفاق الأموال في الذود عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرًا) (2) .
كذلك سافر بنفسه إلى مصر لحث السلطان على الدفاع عن الشام، وأقنعه بضرورة تجهيز الجيش لهذا الغرض. وجاء ضمن أقواله للسلطان في هذا الصدد: (لو قدر أنكم لستم حكامًا للشام ولا ملوكه، واستنصركم أهله، وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه، وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم؟) (3) .
وعندما حان أوان المعركة المرتقبة بأرض الشام، وصلت جحافل التتار إلى حمص وبعلبك، ولم يكن جيش مصر قد وصل للنجدة بعد، تخبط الناس ومسهم الفزع والذعر، وعادوا يتحدثون عن التقهقر، ولكن ابن تيمية عاد ينفث من قوة إيمانه في صدور الأمراء والجند، مؤكدًا لهم النصر، متأولاً قوله تعالى: (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [الحج: 60] وإذا ما طلبوا منه ذكر مشيئة الله، أجابهم: (إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا) (4) .
أما عن تردد بعض المسلمين في حرب التتار لأنهم أعلنوا الإسلام تظاهراً، فقد أوضح لهم شيخنا هذا اللبس، إذ إن التتار كالخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، زاعمين أنهم أحق بالرياسة منهما، وكذا يفعل التتار، فبينما هم متلبسون بالمظالم والمعاصي (يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق بين المسلمين) .--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية ج 14 ص 14.
21 (نفس المصدر والصفحة.
(3) نفس المصدر ص 15.
(4) نفس المصدر ص 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
وحتى لا يدع مجالاً للشك في صحة رأيه لإدخال الطمأنينة والثبات في قلوب المترددين، أعلن لهم في وضوح قاطع (إذا رأيتموني من ذلك الجانب - يقصد التتار - وعلى رأسي مصحف فاقتلوني) (1) .
وقاتل الشيخ مع الجند، حاثًا إياهم على الإفطار في شهر رمضان، لأن الفطر أقوى لهم، وذلك تشبهًا بالمسلمين حين أفطروا عام الفتح تنفيذًا لنصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم (2) .
خلقه:
اتصف الشيخ بمكارم الأخلاق. أما عن حدة الطبع التي توصف بها كتاباته وشدته في نقد المذاهب والطوائف المخالفة للسنة، فهي كرد فعل لشدة خصومه ومخالفيه.
وكان هو على يقين بأنه على الحق بالأدلة الشرعية العقلية.
فالواقع أن الرجوع إلى مراحل حياة الشيخ، والاطلاع على التهم التي كيلت إليه ظلمًا، وما نسب إليه زورًا وبهتانًا (3) . كل هذا دفع بالشيخ إلى الثورة على المظالم التي أحدقت به.
ويزيد الأمر إيضاحًا ما يحدثنا به عن نفسه فيقول: (فإن الناس يعلمون أني من أطول الناس روحًا وصبرًا على مر الكلام، وأعظم الناس عدلاً في المخاطبة لأقل الناس) (4) فبم إذن يفسر ثورته وغضبه؟
هنا يجيب قائلاً: (فمتى ظلم المخاطب، لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن، بل عنف أبو بكر الصديق رضي الله عنه عروة بن مسعود بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: إني لأرى أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، وأجابه بحدة بالغة الشدة:--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية ج 14 ص 24.
(2) نفس المصدر ص 26.
(3) يقول ابن تيمية: (وكان قد بلغني أنه زور عليَّ كتاب) ويقول: (أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليَّ) 207. من كتاب العقود الدرية لابن عبد الهادي.
(4) محنة الشيخ ص 44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
(أنحن نفر عنه وندعه) ؟ (1) .
وفيما عدا هذا، فقد كان الشيخ متسامحًا، مطبقًا لأخلاقيات الإسلام في العفو وتصفية قلبه من الأحقاد والضغائن، إذ لما انقلبت الأوضاع السياسية وحل الملك محمد ابن الملك المنصور قلاوون، بدلاً من المظفر الجاشنكير بيبرس - وكان يكن للشيخ المحبة والتقدير في بداية حكمه - طلب منه أن يفتي بقتل بعض القضاة - الذين أفتوا بعزله عن الملك أيام الجاشنكير - فأبى، بل دافع عنهم بقوله: إذا قتلت هؤلاء، لا تجد مثلهم بعدهم. فلما ذكره الملك بأنهم سبق أن آذوه وأرادوا قتله مرارًا أجاب (من آذاني فهو في حل) .
وإزاء هذا التصرف، اضطر ابن مخلوف قاضي المالكية إلى الاعتراف بأنه لم ير مثل ابن تيمية، لأنه حرض عليه فلم يقدر عليه، فلمّا قدر عليهم جميعًا صفح عنهم، وحاج عنهم (2) وهذا صحيح. لأننا لو عقدنا مقارنة بين حديث هذا القاضي بعد أن زال عنه الصولجان، ووصف ابن تيمية له في السجن، لظهر الفرق بين الرجلين، إذ يقول عنه: (وابن مخلوف ولو عمل مهما عمل - والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه.. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين) (3) .
فإذا ما انتقل من هذه العلاقة الخاصة مع خصمه القاضي ونظر إلى المسلمين بعامة، فإنه يدعو لهم بالخير في دينهم ودنياهم، ويحب أن يراهم وقد اختفت من بينهم بذور الفتن والخلاف، فلن (ينقطع الدور وتزول الحيرة، إلا بالإنابة إلى الله والاستغفار والتوبة، وصدق الالتجاء، فإنه سبحانه لا ملجأ منه إلا إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (4) .
كذلك يعلن أنه لا يهدف إلى تحقيق غرض دنيوي، ولا يطمع في تحقيق--------------------------------------------
(1) نفس المصدر والصفحة 19، 20 ابن كثير ص 54، ج 14.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية ج 14 ص 54.
(3) محنة الشيخ ص 59.
(4) نفس المصدر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
منصب، أو جاه، أو الحصول على أموال، فإنه (لم يقبل من أحد شيئًا من النفقات السلطانية، ولا من الكسوة، ولا من الإدارات ولا غيرها، ولا تدنس بشيء من ذلك) (1) ، فهو يسعى إلى تحقيق ما يحبه الله ورسوله، فإذا ما قابلته بعض الخصومات، فإنه لا ينظر إليها نظرة شخصية خاصة، وإنما يتحمل كل الصعاب في سبيل هدفه العام الذي عاش من أجله (نحن إنما ندخل فيما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، ليس لنا غرض مع أحد، بل نجزي بالسيئة الحسنة، ونعفو ونغفر) (2) .
وكانت حياة الشيخ برهانًا على صدق قوله، واقتران العلم بالعمل. إنه تمكن من خصومه كما بينا فلم يصبهم بأذى، وعندما سجنه الملك الناصر، أصبح ذلك دليلاً على أنه لم يحاول أن يستمد قوته من الأمير، بل كان يعلن ما يراه حقًا (ولو كان يستمدها من الناصر ما ألقاه في غيابة السجن، فكان هذا هو الدليل القاطع على أنه متبوع لا تابع، وحر سيد نفسه، وليست نفسه، ولا فكره ملكًا لأحد) (3) وبذلك نراه يتخلق بأخلاق العالم المسلم.
منهجه:
تكاد تنحصر معالم المنهج لدى ابن تيمية في مميزات ثلاثة:
أحدها: إثبات اتفاق الدليل العقلي مع الدليل النقلي.
الثانية: رفضه لمصطلحات المتكلمين والفلاسفة وإخضاعها للمعاني الإسلامية قبل البت في قبول استخدامها أو رفضها لأن التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من التعبير عنها بألفاظ محدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع، والثالثة هدمه للمنطق الأرسططاليسي واستبعاده.
فبالنظر إلى الدليلين العقلي والنقلي فإن التعارض يأتي بسبب ضعف أحدهما أو كليهما أما الدليلان القطعيان فلا يجوز تعارضهما سواء كانا عقليين أو سمعيين أو أحدهما عقليًا والآخر سمعيًا، لأن القرآن دل على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية ج 14 ص 42.
(2) محنة الشيخ ص 58.
(3) محمد أبو زهرة: التعريف بابن تيمية ص 690 من كتاب أسبوع الفقه الإسلامي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
ونستطيع أن نستدل بالآيات العديدة على الأمر بالتدبر والفهم والتعقل، ولكن ابن تيمية يشترط ألا نقدم العقل بالإطلاق ويرى أن الجزم بتقديم الدليل العقلي ظاهر الفساد بالضرورة لأن وجود الله سبحانه وتعالى لا يتوقف على وجود الإنسان أو عقله المخلوق، وقد جاءت آيات الله السمعية والعقلية العيانية والسماعية كلها متوافقة متصادقة لا يناقض بعضها بعضًا.
وإذا تكلم أهل الكلام فيما يسمونه بـ (أصول الدين) كمسائل التوحيد والصفات الإلهية والنبوة والقدر والمعاد وغيره، فلا بد أن يكون المبين الأول والشارح لها هو الرسول صلى الله عليه وسلم ما دامت باعترافهم أصولاً في الدين، ولا حجة لهم بالاستمساك بدعوى (الأدلة العقلية) ؛ لأنه كان صلى الله عليه وسلم يتمتع بأكثر العقول وأعلاها ذكاء وفطنة، وهو كغيره من الأنبياء الذين خاطبوا عقول البشر وتسلحوا بأدلتها المتوافقة مع الفطرة فأخبروا الأمم التي بعثوا إليها بمجيزات العقول لا بمحالات العقول.
وقبل استخدام المصطلحات الكلامية والفلسفية كان على ابن تيمية توضيح مدلولاتها لا سيما ما تردد كثيرًا بحكم القضايا المعروضة للبحث والمناقشة كالتأويل مثلاً، فالتأويل لغة ما يؤول الأمر إليه إن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر، أو تفسير الكلام وبيان معناه وإن كان موافقًا له. أو صرف اللفظ من الأمثال الراجحة إلى الاحتمال المرجوح.
ويظهر معنى التأويل الذي استأثر الله بعلمه (1) أي: الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو كصفة النزول والاستواء والمجيء والإتيان فلا نعرف كيفيتها - فإن ذات الله سبحانه ليست كذوات المخلوقين وكذلك صفاته وأفعاله ليست كصفات المخلوقين وأفعالهم.
وعارض الفلسفة التي اعتبرها إسلامية مجازًا لأنها في أصلها يونانية، وكان يشير دائمًا إلى أن الرومان واليونان كانوا مشركين وكانوا يعبدون الهياكل والأصنام--------------------------------------------
(1) فإذا تحدث عن الاستواء (فإننا لا نعلم الكيفية التي اختص بها الرب مع أننا نعرف أن تفسيره العلو والاعتدال ولكننا لا نعرف الفارق الذي امتاز به الرب، فصرنا نعرفه من وجه ونجهله من وجه، وذلك تأويله) تفسير سورة الإخلاص ص 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
الأرضية ومنهم أرسطو وأمثاله من الفلاسفة المشائين.
كذلك في مناقشاته مع المتكلمين، عارض الألفاظ والاصطلاحات التي استخدمها علماء الكلام لأنها لا تعطي مدلولات إسلامية صحيحة، ولكنه لم يعارض استخدام الأدلة العقلية، بل ذهب إلى خطأ القول بأن الأدلة الواردة بالكتاب والسنة مجرد أدلة نقلية، فذهب إلى أنها عقلية أيضًا - أي أن العقول تجيزها فتزنها مستندة لآيات القرآن المنوهة بشأن العقل كقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) [طه، الآية: 128] أي العقول وقوله عز وجل: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) [الفجر، الآية: 5] لذي عقل وقوله عز وجل: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة، الآية: 197] وقوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [الأنفال، الآية: 22] فإن الله سبحانه وتعالى مدح وأثنى على ذوي العقول وبالعكس ذم غيرهم ممن لا يسمع أو يعقل في قوله تعالى عن أهل النار: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك، الآية: 10] (1) .
[وسيأتي بيان ذلك كله عند حديثنا عن طرق القرآن] .
الواجب إذن أن يجعل ما أنزل الله من الكتاب والحكمة أصلاً في جميع أصول الدين فإن القرآن جعله الله تعالى شفاء لما في الصدور.
ومن هنا عارض كافة البدع التي يعارض بها الكتاب والسنة التي يسميها أهلها كلاميات وعقليات وفلسفات أو ذوقيات ووجدانات وحقائق وغير ذلك لأنها لا بد أن تشتمل على لبس حق بباطل وكتمان حق.
ويعلل ابن تيمية ظهور البدع الكلامية والصوفية والفلسفية بسببين أحدهما ذاتي والآخر خارجي:
الأول: ابتداع ألفاظ ومعاني جعلوها هي الأصل المعقول المحكم وساروا في طريق التأويل تبعاً لما اعتقدوه صحيحًا وفقًا لأحكامهم العقلية.
الخارجي: وموجزه: أنه قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة؟ حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإما أن لا يعرفوا اللفظ وإما أن يعرفوا--------------------------------------------
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج 10 ص 435 - 436.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)