صلة العلم بالدين في العصر الحديث: (أو العلاقة بين المادة والروح)
إن الانبهار والذهول أمام التقدم العلمي الذي سحر أعين الناس وقلوبهم قد شكل معالم القضية الماثلة للأذهان وهي: ضمور الاعتقاد بالغيبيات والحقائق الدينية حيث ساد في وقت ما الاعتقاد أن العلم سيحقق السعادة الكاملة وبذلك يمكن الاستغناء عن العقائد الدينية.
هذه هي القضية الملحة التي دارت حولها المناقشات وتشكل حجر الزاوية في ملامح العصر الحاضر.
ويرى برتراند رسل أن العلوم في العصور الجديدة أسكرت البشر ودفعت الكثيرين للسيطرة على بقية البشر بواسطة القوى التي حققها التقدم العلمي، وهو لا ينتقد هذه المعارف العلمية في ذاتها، ولكن ينتقد وضعها في أيدي أناس يفتقدون الحكمة. ولو وضعت في أيدي الحكماء لعرفوا كيف يستخدمونها.
إن هذه الحكمة موجودة إلا أنها - مع الأسف - لا حول لها ولا قوة على الأحداث، ثم يعطينا فكرة عن ضرورة تحقيق التعادل بين قوتي العلماء والحكماء فيقول: (لقد دعا الأنبياء والحكماء إلى تجنب الدنايا والصغائر، ولو أننا أنصتنا إليهم لعشنا في سعادة متجددة) (1) .
والرأي الذي ذهب إليه رسل يشاركه فيه الكثيرون في الآونة الأخيرة بعد المراحل التي مر بها العلم منذ عدة قرون، فقد توقع أغلب العلماء في القرن التاسع عشر الميلادي الذين آمنوا بالعلم، توقعوا له القدرة على الإحاطة في المستقبل بمجهولات الغيب التي لم يحط بها في ذلك الحين ولكن حينما أطل القرن العشرون تواضعت دعوى العقل (2) .
وأخذت عقول العلماء تنحني إجلالا لحقائق ما فوق طور العلم التجريبي الحسي، ورأينا الاعترافات تصدر من علماء كثيرين لهم مكانتهم فها هو أنيشتين يقول: (العلم بغير دين أعرج، والدين بغير علم أعمى) .--------------------------------------------
(1) رسل: هل الإنسان مستقل؟ ص 12 - 13.
(2) العقاد: عقائد المفكرين في القرن العشرين ص 32 - 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
ويقف مندهشًا أمام السر في نجاح العلماء معللا إياه بالإلهام مقرراً في يقين (إن العاملين في العلم الجادين في عصرنا هذا المادي هم وحدهم الذين يتصفون بالتدين العميق) (1) .
ويقرر كارليل أن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو أحد الكوارث التي تعاني منها الإنسانية، ويعلل ذلك بأن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة، لأن علوم الاجتماع والاقتصاد والنفس علوم تخمينية افتراضية، على عكس ما ظنه الكثيرون عندما خدعوا في بعض المذاهب التي حازت شهرة في صفحات التاريخ وعلى ألسنة الناس، كمبادئ الثورة الفرنسية وخيالات ماركس ولينين (2) .
ما هي النتيجة إذن بين التقدم الهائل في العلوم التجريبية وبين قصور العلوم الإنسانية عن اللحاق بها؟
يجيب الدكتور حسين مؤنس على هذا السؤال بقوله: (فإن الذين يفكرون في الدمار أنشط بكثير ممن يفكرون في البناء؟ فهناك من صنع القنبلة الذرية التي قتلت مائة ألف في ثوان وزاد عليه الذي صنع القنبلة الهيدروجينية التي تقتل المائتي ألف في ثوان، ثم جاء صاحب قنبلة النيوترون التي تشل أهل البلد الضخم وتصرعهم دون أن تؤذي العقارات والأشياء (3) .
ويتبين من ذلك أن العلم التجريبي أقام مدنًا ومصانع وجامعات وعبَّد الطرق، وساهم في تسهيل المواصلات وتذليل عقبات لا تحصى في حياة الإنسان، ولكنه ساهم في الوقت نفسه في تعاسته للأسباب الآنفة. كذلك يرجع فشل العلوم الإنسانية في علاج الأزمات لكونها افتراضية تخمينية وليست تقريرًا لواقع وبرهانًا على حقائق، إذ لا تملك وسائل الإثبات وتنقصها دقة مناهج العلوم الأخرى في الهندسة والفيزيقا--------------------------------------------
(1) أدرين كوخ: آراء فلسفية في أزمة العصر ص 112 ترجمة محمود محمود، الأنجلو سنة 1963.
(2) الكسيس كارليل: الإنسان ذلك المجهول ص 44.
(3) د. حسين مؤنس: الحضارة ص 136.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
والكيمياء والطب وغيرها من العلوم.
وهكذا أصبح العالم المتحضر منتفخًا بالإمكانيات ولكنه ضامر بالإرادات، أشياؤه كثيرة وأفكاره قليلة.
وهذا الوضع البائس المتناقض بين وفرة الأشياء وفراغ النفس أدخل البشرية في دوامة يصاب الإنسان فيها بالدوار (1) .
ولا نجد مبررًا للدفاع عن الجانب العلمي التكنولوجي بحجة وصول الإنسان إلى القمر إذ أن هذا النجاح يحمل في ذاته دلالة مفادها أن الصاروخ الذي يحمل مركبة الفضاء يستطيع إن يحمل قنابل ذات رؤوس نووية تصل إلى أي مكان في العالم فتهلك الحرث والنسل، قد تعود بالإنسان في طرفة عين إلى العصر الحجري من جديد.
ولكن ما معنى ذلك كله في ضوء البحث عن السعادة الحقيقية للإنسان على هذه الأرض، وما أثره على موقف المدافعين عن العقيدة الدينية في مواجهة المسحورين بالمخترعات العلمية لا سيما في العالم الإسلامي الذي يشعر بالفارق الضخم بينه وبين العالم الغربي؟
معناه أن منهج المعرفة الخاص بالكون قد هدى الله إليه الإنسان (أما منهج المعرفة الخاص بالإنسان نفسه، فإنه لما كان من العسير على الإنسان أن يعرف نفسه بنفسه فقد هداه الله إليه بالوحي في رسالات السماء) (2) .
ومعناه أيضًا: أن ركني الحضارة الإنسانية بمعناها الصحيح لا بد أن تحقق الارتقاء أو التحسن المادي والمعنوي معًا.
ونحن نميل إلى الرأي الذي يغلب التحسن المعنوي على التحسن المادي، (لأن الغاية القصوى للتحسين هي شعور الإنسان بالأمان والاطمئنان والكفاية،--------------------------------------------
(1) د. خالص جلبي: الطب في محراب الإيمان ج 2 ص 29 ط مؤسسة الرسالة - بيروت 1391 هـ - 1971 م.
(2) أنور الجندي: سقوط العلمانية ص 74 - دأر الكتاب اللبناني - بيروت 1393 هـ - 1973 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
وقيام مجتمعه على التفاهم والتعاون والمحبة، بدلا من قيامه على التحايل والأنانية والقانون الذي تنفذه قوة غالبة) (1) .
وبمثل هذا التحليل والتعليل الموجز لحضارة الغرب من حيث مقوماتها وآثارها، نستطيع تلخيص الأفكار والفلسفات الرئيسية التي تشكل ملامح المشكلات الكلامية فى عصرنا الحاضر، والتي استدعت اتخاذ موقف النقد والتمحيص من جانب علماء الإسلام، ودورهم هنا كدور أسلافهم من علماء السنة عندما واجهوا فلسفة اليونان منذ القرن الثاني والثالث الهجريين.
المشكلات الكلامية الطارئة في العصر الحديث:
لا شك أن هناك جانباً هامًا لا يزال محتفظًا بجدته وحيويته في القضايا المثارة في كتب الكلام لأنه متصل بالعقائد كالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والبعث والحساب والعقاب وما إلى ذلك من مسائل أصول الدين، ولهذا فإنه يحتفظ بأهميته ومكانته في العقول والقلوب، وينبغي أن يكون الأمر كذلك حيث يتحرى المسلمون معرفة أصول العقيدة فإذا درسناها وفق منهج صحيح واضح المعالم كما فعل علماء الحديث والسنة، فإنه يتيسر الوصول إلى الحقيقة بين وجهات النظر المتباينة.
ولا شك أيضًا أن مشكلات أخرى طرأت في العصر الحاضر لم تعرفها الأجيال الماضية ولا تدخل في نطاق القضايا الكلامية المثارة آنذاك بنفس المناهج، بالإضافة إلى الانقلابات الحادثة في نظم التعليم والاقتصاد والسياسة، وظهور التخصص في مجالات العلوم والمعارف.
كل هذا أدى إلى تشابك المشكلات وتداخلها.
ولكن إذا أعدنا للأذهان مرة أخرى تعريف ابن خلدون لعلم الكلام - أي إنه يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية - رأينا أن ظهور القضايا الجديدة تشكل في مجموعها لونًا من علم الكلام الحديث أو المعاصر.
صحيح أن العلماء القائمين بدور الدفاع عن العقائد الإيمانية في عصرنا لا--------------------------------------------
(1) د. حسين مؤنس: الحضارة ص 54. سلسلة عالم المعرفة - المجلس الوطني للفنون والأداب - الكويت محرم - صفر سنة 1398 هـ - يناير 1978 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
تنطبق عليهم أوصاف أسلافهم، ولكن حصيلة إنتاجهم العلمي يدخل في دائرة القضايا الكلامية حيث قاموا بالدفاع عن الإسلام - كل حسب تخصصه - وقد صدرت لهذا الغرض مئات المؤلفات والأبحاث، وكتبت آلاف المقالات، وانعقدت عشرات المؤتمرات والندوات، وكلها نتيجة جهود مخلصة لعلماء المسلمين في شتى صنوف العلوم والمعارف، واستهدفت الشرح والتفسير والدفاع عن الإسلام عقيدة وشريعة ونظمًا وأخلاقًا وتشكل في مجموعها ملامح عامة، يدور حولها الفكر الإسلامي المعاصر، ونعرضها بإيجاز:
ملامح الفكر الإسلامي المعاصر:
وما دمنا نتكلم عن الإسلام في العصر الحديث، فإننا نحترس من استخدام المصطلح الشائع الذي تأثرت به العلوم منذ ظهور فكرة دارون في النشوء والارتقاء ونعني به مصطح (التطور) والذي استخدمه الكثيرون حتى في مجال العقائد، ونسترشد هنا برأي الأستاذ الدكتور قاسم رحمه الله في رده على روجيه باستيد الذي ظن أن العقائد في الإسلام قد تطورت كما هي الحال فيما يتعلق بالعقائد المسيحية، وأغلب الظن أن جهله بعقائد الإسلام نفسه كان سببًا في جنوحه إلى هذا الرأي. وإذا بينا أن العقائد الإسلامية لم تتطور لهذا السبب اليسير، وهو أن القرآن دون مباشرة ولأن العقائد تتجه إلى العقل قبل كل شيء فلا يشعر بحاجة إلى تعديلها وتحويرها (1) .
ولا يحتاج الأمر إلى كبير عناء للاستدلال على أن الاتجاه العام للفكر الإسلامي المعاصر، هو اتخاذ الإسلام محوراً ترتكز عليه جهود المخلصين من المفكرين المسلمين للانطلاق نحو إحياء جديد للحضارة الإسلامية التي ازدهرت في عصور الارتقاء بفضله.
إن القرآن خلق العرب خلقًا جديدًا وقد وعد الله تعالى للمتمسكين به بالرفعة في الدارين والله عز وجل (غير مخلف وعده والقرآن لم يتغير وإنما المسلمون هم الذين تغيروا) (2) .
ولسنا نؤرخ هنا عوامل اضمحلال الحضارة الإسلامية - إلا أننا نستطيع أن نغفل ظاهرة أخرى تشكل ملامح الفكر الإسلامي في عصرنا الحاضر، وهو إظهار فضل مفكري الإسلام على الحضارة الأوروبية المعاصرة، لقد بقي الغرب في تأخره--------------------------------------------
(1) قاسم: مقدمة كتاب مبادئ الاجتماع الديني لروجيه باستيد ص 6.
(2) شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ص 12، 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
ثقافيًا واقتصاديًا (طوال الفترة التي عزل فيها نفسه على الإسلام ولم يواجهه، ولم ييدأ ازدهار الغرب ونهضته إلا حين بدأ احتكاكه بالعرب سياسيًا وعلميًا وتجاريًا.
واستيقظ الفكر الأوروبي، على قدوم العلوم والآداب والفنون العربية من سباته الذي دام قرونًا ليصبح أكثر غنى وجمالا وأوفر صحة وسعادة) (1) .
إن فهم هذه الحقيقة كان دافعًا لإعادة الثقة بالنفس، والتحول من موقف الخضوع لسلطان الحضارة الغربية، إلى موقف منابذتها وإظهار القدرة الذاتية للإسلام في مواجهة التحديات، لأن العالم الإسلامي (هدف ثمين من أهداف تصدير الأفكار نظرًا إلى موقعه وخطورة موقفه بين الكتل المتصارعة..، وأن يبقى هذا العالم مفتقرًا إليها على اختلافها وأن يحال بينه وبين أفكاره الأصلية التي يمكن أن تغنيه عن الاستيراد وتحقق له الاكتفاء الذاتي) (2) .
ونلمح نموذجًا لهذا الموقف المتحدي من جانب الشيخ رشيد رضا في قوله: نتحداهم بالقرآن - وهو يقصد الفلاسفة والمؤرخين من جميع الأمم ولا سيما أحرار الإفرنج - بأن يأتوا بالإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي مؤكدًا تقديم أسمى الحضارة على أساس قرآني (3) . ويبدو أن هذه النزعة للشيخ السلفي أحدثت تأثيرًا حاسمًا في أغلب مفكري الإسلام المحدثين، إذ رأوا مثله، بأنه لا بد من إظهار حقيقة الإسلام كما عرفه السلف الصالح ورفض التأثيرات المتراكمة التي فصلت بين المسلمين في عصورهم الأخيرة وبين فهم أجدادهم للإسلام في القرون الأولى.
وفي ضوء ظروف العصر كان لا بد للنظر إلى الإسلام في شموله في ذاته لأنه يتناول الجانب المادي وحياة الروح معًا.
ويقتضي ذلك فصل الإسلام ذاته عن فهم المسلمين للإسلام خلال العصور المتأخرة لأنه بمضي العصور، وبسبب التقاء المسلمين بثقافات الأمم الأخرى، حدث أن تفرعت--------------------------------------------
(1) زيجفرد هونكه: شمس الله تسطع على الغرب ص 541 ط التجارية للطاعة والنشر دبي 1969 م.
(2) كتاب (الإسلام يتحدى) لوحيد الدين خان ص 7.
(3) رشيد رضا: الوحي المحمدي ص 165.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
شعب ثلاث: أحدها فقهي، والثاني كلامي، والثالث أخلاقي، وكلما تقدم الزمن، انفصل بعضها عن بعض (بعد أن كان الإسلام وحدة شاملة) (1) .
ومن أقوال محمد إقبال: (إننا نحن المسلمين نواجه عملاً ضخمًا إن واجبنا أن ننظر في الإسلام من جديد؛ بصفته نظامًا فكريًا، من غير أن تقطع صلتنا عن الماضي (2) ، وسنرى أنه كذلك قام بنقد أسس الحضارة الغربية المادية موضحًا أن المنهج الصحيح لفهم الإسلام هو أن (يطابق الكتاب والسنة وفهم السلف) (3) .
ولكن لا يعني الاقتداء بالسلف الرجوع إلى الماضي بحيث تصبح الأمة الإسلامية (كأنها تعيش في متحف للتاريخ، كلا ولكن المقصود إقامة روح الإسلام الذي عرفه السلف وأخرج العرب من جزيرتهم فسادوا الأمم) (4) .
الإسلام والعلم:
هناك مقدمة لابد منها في بيان صلة العالم بالإسلام، وعالجها كثير من الباحثين وأفاضوا في شرح جوانبها لتجلية العلاقة الوثيقة بين الإسلام والعلم واستبعاد التوهم المصطنع الذي حاول به البعض الفصل بينهما في بداية الالتقاء بالحضارة المعاصرة وكان العالم الإسلامي حينذاك يغط في نوم عميق (5) ، فقام البعض محاولاً الدفاع عن حقائق الدين فأدّى به إلى الفصل--------------------------------------------
(1) محمد المبارك: الفكر الإسلامي الحديث فى مواجهة الأفكار الغربية 61 - 62 ط دار الفكر 1389 هـ 1970 م. (480) نفس المصدر ص 61.
(2) أبو الحسن الندوي: الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية ص 121 ط دار الندوة بلبنان 1388 هـ 1968 م.
(3) نفس المصدر ص 185.
(4) أبو الأعلى المودودي: نحن والحضارة الغربية ص 335 - 336 وأول القضايا إزاء نقد حضارة الغرب هي قضية الإسلام والعلم.
(5) قام الأستاذ الدكتور محمد جمال الدين الفندي بدراسة الآيات التي تحدثت عن الطبيعة: الهواء والماء، والرياح، والجبال والنجوم والسماء، ملفتًا الأنظار إلى ما في بعض آيات العلم من أوامر صريحة تطالب المسلمين بالبحث والدراسة وتأمرهم بالأخذ بأسباب العلم، حتى كأنها جزء لا يتجزأ من تعليم الدين أو من العبادات ذاتها وإذا كان المسلمون قد تخلفوا فمعنى ذلك: أنهم ولا شك قد ابتعدوا عن جوهر الإسلام مهما احتفظوا بطقوس من العبادات (الكون بين الدين والعلم ص 35) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
القاطع بين حقائق الدين ومعطيات العلم، وبالتالي إيجاد ثنائية بين التفكير العقلي واليقين القلبي، فموضوع العقل العلم وموضوع القلب الإيمان، وذلك تقليدًا لما حدث في أوروبا في عصر النهضة من انفصال بين الدين والعلم للأسباب التي قامت هناك حينذاك.
ثم تغيرت هذه الصورة رويدًا رويدًا عندما انتشر التعليم، وأعيدت الثقة في النفوس وقام العلماء بشرح الآيات القرآنية في ضوء الاكتشافات العلمية، وظهرت حقيقة التوافق بين الإسلام والعلم بالأدلة التي لا تقبل الشك.
وهنا نجد الدكتور موريس بوكاي يبدي دهشته البالغة عندما يستكشف في بحثه المبتكر في هذا المجال التوافق التام بين النص القرآني ومعطيات العلم الحديث، ثم - سرعان ما يقرر أنه لا داعي للعجب أو الدهشة في هذا (إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائمًا أن الدين والعلم توأمان متلازمان فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. وأن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوروبا) (1) .
أما عن وجهتي النظر التي يقابلهما الباحث في هذه القضية، وأعني بذلك وجهة النظر القائلة بأن النظريات العلمية كلها منصوص عليها بين دفتي القرآن الكريم، والأخرى التي تفضل عدم الزج بالقرآن في مجالات علمية قابلة للتغير في ضوء التجارب والمكتشفات المتوالية، فإن الرأي الوسط الذي نميل إليه أن كتاب الله عز وجل يستثير في بني آدم عملية التفكير ويحضهم على النظر في آيات الله الكونية المحيطة بهم في جوانب المخلوقات في عوالم النبات والحيوان والأفلاك والمجتمعات والتاريخ.
ومهما يكن اختلاف الآراء حول القرآن الكريم من آيات عرف العلماء الآن دلالتها العلمية في العصر الحاضر من شمس وقمر وكواكب، أو تتحدث عن الأرض والسماء، أو خلق الإنسان وأطواره، فإن الرأي الراجح بين الرأيين السالف الإشارة إليهما - أن القرآن الحكيم ليس في الواقع من مراجع العلوم (ولكنه وجه الحديث إلى القلوب المتفتحة وإلى العقول الواعية في نفس الوقت، وهو بذلك كتاب مشاعر وأخلاق وفكر في آن واحد، يعطي من--------------------------------------------
(1) موريس بوكاي: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص 14، ط دار المعارف سنة 1979 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
كل منها القدر اللازم للبشرية حتى لا تكون ثمة حجة لقارئه في مختلف العصور ومنها عصر العلم) (1) .
وها هي طريقة القرآن تبرهن أنها الوحيدة الثابتة بثبات القرآن مع تغير الدهور. ويزيدنا الدكتور "موريس بوكاي" إيضاحًا فيذهب إلى أن القرآن ليس كتابًا يهدف إلى عرض بعض القوانين التي تتحكم في الكون.
إن له هدفا وسببًا جوهريًا. وأوصاف القدرة الإلهية هي المناسبة الرئيسية في توجيه الدعوات للبشر أن يتأملوا في أعمال الخالق. وتصاحب هذه الدعوات إشارات إلى أمور يمكن للملاحظة الإنسانية أن تدركها أو قوانين عرفها الله تلك - التي تسود انتظام الكون - في ميدان علوم الطبيعة وفيما يخص الإنسان على حد سواء. وهناك جزء من هذه الأقوال يسير الفهم ولكن هناك جزء آخر لا يمكن إدراك دلالته إلا إذا كان المرء يملك معارف علمية لازمة لهذا (2) .
إن ثبات القوانين الطبيعية والنواميس الكونية يقابلها في انتظامها في مسيرتها ثبات أحكام العقول وبديهية الأوليات، إذْ لو لم تستمد العلوم أساسها من أوليات وبديهيات لانهار الصرح العلمي، ولما أمكن إثبات نظرية علمية.
وبنفس البديهيات والأوليات، عرف الإنسان ربه عز وجل، بل الأسبق في فطرة الإنسان أن يعرف خالقه، فهو مفطور على ذلك كما أنه مفطور أيضًا على معرفة القوانين الأولية والبديهيات العقلية.
ويرى الدكتور الفندي أن الذي يدرس ما جاء في القرآن الكريم من آيات بينات في شتى المجالات، يجد أن الإسلام إنما يخلق مجتمعًا (طبيعياً) يساير الفطرة ويتمشى مع الناموس الطبيعي، سواء من حيث ما فطر عليه، أو ما جبلت عليه الطبيعة.--------------------------------------------
(1) د. محمد جمال الدين الفندي: الله والكون ص 24. ط الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1976 م.
(2) د. موريس بوكاي: القرآن الكريم ص 13- 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
وهي نفس الفكرة التي أجمع عليها العلماء المسلمون عند تأكيدهم لتوافق الآيات العيانية والسمعية، وأن أدلة الشرع هي أدلة عقلية، حيث يأتي النظر والاستدلال أيًّا كانت وسائله تبعًا للعصور والأزمنة، معضدًا للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وبانياً على العقيدة النظم الصالحة للمجتمع الإنساني.
وهنا تظهر روعة القرآن الكريم، بل إنه أروع الكتب التي توضح العقيدة على هذا النمط وهو إلى جانب هذا، إنما يعطي الأحكام والأمثال والآيات كلها من الكون نفسه، ولهذا نطق على الإسلام اسم (الدين الكوني) أو دين الفطرة، ولهذا أيضًا يظل القرآن معجزًا أبد الدهر وتبقى حجته قوية إلى ما شاء الله (1) .
وإذا كان قيام علماء الكلام في القرون الماضية باستخدام الأدلة المنطقية والتفكير النظري السائد آنذاك، فإن ما يتصل بالقضايا التي اصطلح على تسميتها (كلامية) في تاريخ الفرق، يتصل أوثق الصلات بالآفاق التي كشف عنها العلم وتجاربه في العصور الحديثة.
ونود القول بأن الطريقة الاستدلالية التي استخدمها القرآن الكريم ظلت هي الوحيدة بين الطرق الأخرى - أي منهج الكلام والفلسفة - فهي ثابتة في نفسها كميزان عقلي متوافقة مع الاجتهادات العقلية، وتخاطب البشرية قاطبة مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة.
وإذا أردنا إثبات ذلك بنبذة موجزة عن دليل الآفاق، فإن هذا الدليل ما زال - وسيظل - ثابتًا، لأن نواميس الله تعالى في الكون والنفس لا تتغير، وبقدر ما يمنح الله تعالى العلماء من علم لاكتشاف المجهول، بقدر ما تتسع معارفهم وعلومهم عن الكون والمخلوقات والأنفس.
وقد سبق الإشارة إلى استخدام الصحابة رضي الله عنهم طريقة الاستدلال بحدوث العالم وهي طريقة عقلية شرعية كما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ) [السجدة، الآية: 27] فهذا مرئي بالعيون، وقال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ثم قال--------------------------------------------
(1) د. الفندي: الكون بين العلم والدين 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
(أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت، الآية: 53] (1) .
والآيات الكونية والنفسية أمامنا ثابتة النواميس ولكن وسائل العلماء أخذت في التطور فاستطاعوا اختراع آلات المقاييس والمجاهر (2) التي عمقت وزادت من القدرات الإنسانية على الاكتشاف ووسعت قوى الإدراك حيث يرى العلماء الآن في عالم الأفلاك ما لم يره علماء العصور السابقة ويجري العلماء المتخصصون التجارب بالوسائل المتطورة في مجالات عوالم الطبيعة والبحار والحيوان والنبات والميكروب وغيرها من الكائنات.
السنن الإلهية إذن ثابتة، ولكن التطور حدث في وسائل الإنسان لمعرفة أسرارها، وفي ضوء هذه الحقيقة كيف أمر الله تعالى في كتابه الحكيم بالتدبر والنظر والتفقه والاستدلال بآيات الله تعالى حولنا وفي أنفسنا.
والمستقرئ لآيات القرآن الكريم يلحظ أن أسلوب الدعوة القرآني يقوم على استثارة الفطرة الإنسانية، كمثل قوله تعالى: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بدلا من لغة الفلسفة التي لجأ إليها أغلب المتكلمين ظنًا منهم أنها تؤدي للدفاع عن عقيدة الإسلام.
وفي ضوء الآفاق التي امتدت إليها البحوث العلمية، أصبح الأسلوب المقبول هو الذي استخدمه القرآن الكريم قبل نحو أربعة عشر قرنًا، ومن ثم فإن المنهج الذي اتبعه علماء السنة أي الاقتصار على استخدام الأدلة الشرعية هو المناسب أيضًا لطبيعة العصر إذ يمكن اليوم وضع تعاليم القرآن أمام الناس بنفس الأسلوب الفطري الذي نزلت به آياته.
والأمثلة كثيرة مبسوطة في المؤلفات التي عالجت موضوعات الدين بلغة العلم واكتشافاته، نشير إلى بعض الأفكار الرئيسية بها، إذ يرى وحيد الدين خان أن الأسلوب العلمي - على عكس الأسلوب الكلامي - يعتمد على البساطة والإيجابية التي تراعي سرد--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: النبوات ص 52.
(2) منها على سبيل الأمثال: المقراب أو (التلسكوب) المستخدم فى رؤية النجوم، ومقاييس أعماق البحار والمحيطات ومقاييس الحرارة والزلازل والسرعة والضغط وعلماء الأحياء والكيميائيون والجيولوجيون وغيرهم من العلماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
الحقائق لغة وبيانًا (1) .
ويرى الدكتور الغمراوي أن العلم في الإسلام جزء من الدين، مستنداً إلى تفسير آية الفطرة المارة بنا، مع النظر إلى موقعها بعد آيات قبلها في سورة الروم كلها من أية 17: 29 وهي آيات كونية تتعلق بظواهر طبيعية لا يدرسها ولا يبحثها ويكشف أسرارها إلا العلم التجريبي الحديث.
ولو نظر الإنسان في نفسه وفيمن حوله لوجد نظريات العلم أتت موافقة لقوانين الفطرة، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم، الآية: 30] .
ويقول الدكتور الغمراوي (والعلم الحديث يقوم وجوده على هذا القانون الإلهي، قانون (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) إذ العلم وطريقته العلمية التجريبية متوقفة على اتساق الفطرة، واتساق سننها بالاطراد والثبوت) (2) .
خذ مثلاً بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن بعض الظواهر الطبيعية كقوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 22] .
وقوله سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة، الآية: 164] .
وقوله عز وجل: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى)--------------------------------------------
(1) وحيد الدين خان: الإسلام يتحدى ص 30.
(2) د. الغمراوي: بين الدين والعلم ص 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
[طه، الآيتان: 53، 54] .
إلى غير ذلك من الآيات التي يسهل إدراكها بواسطة الناس جميعًا ومنهم أولئك الذين كان القرآن موجهًا إليهم وقت نزوله، ومن ناحية أخرى فهي تعبر عن تأملات عامة يستطيع الجمهور المتنوع الثقافة بحسب كل مكان وزمان (أن يستخرج منها تعاليم إذا ما كبد نفسه عناء التأمل، وتلك هي السمة الكونية الشاملة للقرآن) (1) .--------------------------------------------
(1) موريس بوكاي: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص 196 - 197.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
الباب الثامن
دراسة في الفكر الإسلامي المعاصر
محمد إقبال
- حياته وعصره.
- موقف محمد إقبال من الحضارة الغربية.
- إقبال بين الغرب والشرق.
- منهجه.
- أهم آرائه.
- الإنسان في القرآن.
- الحقيقة بين التجربة العلمية والتجربة الدينية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
دراسة في الفكر الإسلامي المعاصر
محمد إقبال
وفي مجال هذه الدراسة، نرى استكمالاً للبحث، العرض بإيجاز لأفكار الشاعر المسلم محمد إقبال، إذ يعبر بآرائه عن نموذج متكامل معبر عن القضايا الكلامية المعاصرة، حيث جمع بين الثقافتين الغربية والإسلامية، واستطاع بمنهجه وإنتاجه - المازج بين الشعر والفلسفة - إظهار حقائق الإسلام والدفاع عنه بمنهج (كلامي) فلسفي مستخدمًا طريقة القرآن ومستلهمًا حقائقه، متحدثًا في الوقت نفسه بلغة العلم.
تقول السيدة مريم جميلة الأمريكية المهتدية للإسلام في تقويمها لمكانة إقبال الفلسفية والأدبية: (في هوجة تفسخ المجتمع الإسلامي الذي زاد من تفسخه تفشي الهيمنة الغربية، وزاد من مرضه وتخلفه الاستعمار الغربي، وفي هوجة الفوضى والتشويش والعقم الحضاري والثقافي، ظهر وبقي العلامة الشاعر الفيلسوف محمد إقبال متميزًا أصيلاً في تاريخ الأدب الإسلامي الحديث كله) وترى أن قصائده الشعرية الفلسفية التي نظمها منذ أكثر من خمسين عامًا لا زالت حية حتى الآن ورسالتها تلائم يومنا الحاضر تمامًا (1) .
وسنرى كيف وفق في بيان موقف الإسلام من المشكلات الناجمة عن الالتقاء بالحضارة المعاصرة.--------------------------------------------
(1) الإسلام في مواجهة الغرب: مريم جميلة ص 166/ 167 ترجمة طارق خاطر ط. المختار الإسلامي سنة 1992 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
محمد إقبال
حياته وعصره
ولد محمد إقبال في سيالكوت بالبنجاب عام 1289 هـ - 1873 م وكان أبوه تقيًا فألحقه بكتّاب لحفظ القرآن الكريم، وقد تلقى الابن تأثيرًا وحُبًّا من الأب، وكاد محمد إقبال يتخذ طريقًا دينيًا بحتًا لولا أن صديقًا لوالده - الذي كان يعمل بالزراعة - حثه على أن يتلقى الابن العلوم الحديثة، فالتحق بمدرسة البعثة الاسكتلندية في سيالكوت في رعاية صديق الوالد (مولانا مير حسن) وكان ضليعًا في الآداب الفارسية والعربية. التحق بعد ذلك بالكلية الأميرية في لاهور حيث اختار الفلسفة مجالاً لتخصصه، وفيها تتلمذ على يد المستشرق سير توماس أرنولد، ثم سافر إلى إنجلترا للدراسات العليا في الفلسفة حيث حصل على الماجستير ثم اتجه بعدها إلى ألمانيا، وهناك حصل على الدكتوراه في الفلسفة، إذ منعه النظام البريطاني من الحصول عليها لأنه أجنبي. وذاعت شهرته في أوروبا إذ أخذ يترنم شعرًا بأفكاره الإسلامية.
وعاد من أوروبا بانطباع جديد عام 1327 هـ - 1908 أنه إذا كانت مادية الغرب خالية من القيم الروحية والأخلاقية، فإن روحانية الشرق أصبحت خاوية، فرأى إعادة الروح إلى الحضارة الإسلامية بنفخة من الشرق والغرب معًا، فعلم الغرب وتقدمه التكنولوجي يعملان على القضاء على الفقر والمرض، ولكن ليس على الشرق أن يكرر خطأ الغرب بعبادة القوى المادية وإنما يجب أن نخضع هذه لأهداف روحية لأن إنقاذ البشرية لا يتم إلا بالدين. والمسلمون أنفسهم في حاجة إلى تجديد الفكر الديني وإزالة معالم الجمود والتحلل التي طمست معالم الإسلام الأصلية، كان دقيقًا في اعتبار حركته الفكرية (إعادة بناء الفكر الحديث) لأن أية محاولة إنسانية لا تتعلق بتعديل مبادئه طالما أن مصدره وهو القرآن له صفة الجزم والتأكيد الأبدية فإن دوره إذن يقتصر على إفهام المسلمين لمبادئه، فالتطور إذن في تفسير تعاليمه وليس هناك تطور في الإسلام نفسه على النحو الذي تم بفعل (مارتن لوثر) في المسيحية.
واشتغل بالمحاماة إلى جانب اشتغاله بالتعليم والتدريس في الجامعة من الخارج إذ درس الفلسفة في المدارس الأميرية ولكنه اضطر لتركها لأن إشراف الإنجليز لم يسمح له بالتعبير عن أفكاره، ثم عين عميدًا لكلية الدراسات الشرقية ورئيسًا لقسم الفلسفة دون التفرغ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
للتدريس، وكان يلقي المحاضرات العامة فألقى محاضرات في مدراس عام 1928 م ثم جمعت فأصبحت أهم كتاب فلسفي له (تجديد الفكر الديني في الإسلام) .
شارك في الحياة السياسية، وكان عضوًا في حزب الرابطة الإسلامية وانتخب في الجمعية التشريعية سنة 1926، وكان يدعو إلى استقلال المسلمين في دولة تجمعهم ثم أصبح رئيس حزب الرابطة الإسلامية في البنجاب سنة 1935 م. توفي في إبريل سنة 1938 (1) .
موقف محمد إقبال من الحضارة الغربية:
إذا انتقلنا إلى التأريخ للحركات الإسلامية بالهند قبل إنشاء الباكستان في عام 1947 فإننا نجد أن حركات كثيرة ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر تجعل شعارها (الرجوع إلى القرآن) .
وكانت هذه الحركات بمثابة رد فعل لتزايد المؤثرات الخارجية في حركة الغزو الاستعماري الغربي لبلاد الإسلام، وكان حامل لوائها محمد إقبال الذي كان (أهم ما يشغله هو الرجوع إلى تلك العقيدة البسيطة ليسترد الإسلام ما فقده) ، وربما كان مرد إعجابه بحركة محمد عبد الوهاب يرجع إلى هذا السبب، فقد سماه (المطهر العظيم) (2) .
وكافح محمد إقبال حتى ظهرت دولة الباكستان إلى الوجود ومن ثم أصبح هو (الأب الروحي) لها، كما أن غرس الثقافة الإسلامية الجديدة التي بدأت في الهند قبل إقبال بنحو قرن كامل أثمرت النتاج العقلي له، كما يذهب إلى ذلك أبو الحسن الندوي ويصفه بأنه أعمق مفكر وجده الشرق في عصرنا الحاضر (3) .
وكان محمد إقبال مشبعًا بالثقافة الغربية، ولكن - مع هذا - لم يدفعه ذلك إلى العودة لتقليد الحضارة الأوروبية كما فعل غيره من مفكري المسلمين في العصر الحديث حيث قنعوا بمظهر الحضارة الأوروبية الخلاب وأخفقوا في فهم روحها الصحيحة وذهب إلى العكس من ذلك فإن الماضي البعيد ظل ماثلاً أمام عينيه حيث استمد الفكر الأوروبي وحيه من الإسلام--------------------------------------------
(1) د. محمد البهي: صلة الفكر الإسلامي بالاستعمار الغربي ص 434.
(2) م. ل. فزاز: وجهة الإسلام ص 119، 129.
(3) أبو الحسن الندوي: الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية ص 98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
خلال العصور الوسطى.
وفي النص الذي ننقل ترجمته فيما يلي، يعبر لنا عن تحذيره الشديد للمسلمين من هذه الحضارة فيقول: (ولكن إياك والحضارة اللادينية التي في صراع دائم مع أهل الحق، وإن هذه الفتانة تجلب فتنًا وتعيد اللات والعزى إلى الحرم وإن القلب يعمى بتأثير سحرها.. وإنها تدع الإنسان لا روح فيه ولا قيمة له) (1) .
إن ثقافته الغربية التي اغترف منها بعمق، هي التي جعلته يدرك في سهولة ويسر عمق الصلة بين فكر فلاسفة الغرب المحدثين، والفكر الإسلامي في أوج نضجه، ومن ثم فقد اكتشف أن أوروبا كانت بطيئة في إدراك الأصل الإسلامي لمنهجها العلمي، ويعدد الأدلة على الجذور الإسلامية لنهضة الغرب فيعثر عليها في منهج الشك الذي أفاض فيه الغزالي ومهد به السبيل إلى ديكارت، كما تنبه لنقد ابن تيمية للمنطق الأرسططاليسي وبرهنته على أن الاستقراء هو الطريقة الوحيدة الموصلة إلى اليقين ومن ثم (قام المنهج التجريبي القائل بأن الملاحظة والتجربة هما أساس العلم وأصله لا التفكير النظري) وانتقاله إلى جون ستيوارت مل.
كذلك تلقى روجر بيكون علومه من الجامعات الإسلامية بالأندلس إلى غير ذلك من ميادين الفكر التي تتمثل في الرياضيات والفلك والطب، وكانت نتيجة ثورة عقلية إسلامية على الفلسفة اليونانية.
من هذه النظرة الواسعة يخلص مفكرنا إلى أن الزعم (بأن أوروبا هي التي استحدثت المنهج التجريبي زعم خاطئ) .
أضف إلى ذلك أن نظر إقبال في القرآن، وإحاطته بنتاج الفكر الإسلامي في شموله واتساعه جعله يؤكد أن (معارضة القرآن لعلوم القدامى أكدت وجودها بالرغم من أولئك الذين كانت رغبتهم في أول الأمر هي تفسير الإسلام على ضوء التفكير اليوناني) (2) ويقصد--------------------------------------------
(1) الترجمة العربية من قصيدة (ضرب كليم) نقلا عن كتاب الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية للندوي ص 99.
(2) محمد إقبال: تجديد التفكير الديني ص 149 - 164.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
بذلك نقده للفلاسفة الذين حاولوا التوفيق بين عقائد الإسلام وفلسفة اليونان كابن سينا وابن رشد.
إنه لم يستبعد احتمال إعادة الحيوية للفكر الإسلامي من جديد إذا ما تخلص من جمود التقليد فهو يقول: (عندما ندرس أصول الفقه الإسلامي الأربعة المتفق عليها.. وهو يعني القرآن والحديث والإجماع والقياس على الترتيب - وما ثار حولها من خلاف، فإن ذلك الجمود المزعوم عن مذاهبنا المعترف بها يتبخر ويبدو للعيان إمكان حدوث تطور جديد) .
بهذا العقل الناقد للحضارة الغربية، المطلع على التراث الإسلامي في مظانه الحقيقية، استطاع هذا المفكر أن يتخلص من روح اليأس من مظاهر أحوال المسلمين - مثلما فعل ابن تيمية من قبل بعدة قرون - ونظر بروح متفائلة مؤكدًا إمكان قيام الحضارة الإسلامية من جديد، إذا ما عادت الأمة الإسلامية إلى أساس حضارتها دون تقليد أوروبا (التي لا نصيب لها في التوجيه السماوي والتنزيل الإلهي. إنه يرى - فضلا عن ذلك - المخطط اليهودي مسيطرًا على أوروبا بحضارتها المادية، فليست المصارف إلا وليدة دهائهم) ، بل (لا يستغرب أن يرث تراثها الديني ويدير كنائسها اليهود) (1) .
وعلى هذا فإن المصدر الأصلي للتجديد الذي ينادي به هو الإسلام لأنه التوجيه السماوي، وقد أثر القرآن في عقلية إقبال وفي نفسه ما لم يؤثر فيه كتاب أو شخصية.
إقبال بين الغرب والشرق:
وظل إقبال سنين طويلة يفكر فى حال المسلمين، ويمعن النظر في أسباب ضعفهم، ويجول في دروب تاريخهم الطويل، فيتفتق ذهنه عن أنظومة رائعة، يخاطب بها الإنسان المسلم المعاصر (يا شاكيا جور الزمان ويا أسير الوهم والحسبان، اجعل قميصك ثوب الإحرام وأطلع الصبح في هذا الظلام، واستغرق كآبائك في السجود حتى تكون سجدة للواحد المعبود) إن المسلم الأول خضع للخلاق فسيطر على الآفاق ومشى على الشوك في سبيل الحق، فأنبت الورد في الغرب والشرق.
ويوجه إليه اللوم، فيقرعه، ويتساءل في أسى (إني لأرعد من خزيك يوم يسألك--------------------------------------------
(1) قصيدة ضرب كليم (كتاب الصراع. ص 100) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
الرسول صلى الله عليه وسلم: قد أخذت منا كلمة الحق، فلماذا لم تسلمها إلى الخلق) (1) ؟
ومعنى هذا أن الأمة الإسلامية قد قصرت في أداء رسالتها، وها هو يضع يده على عللها، فقد استحوذت على عقول المسلمين الأوهام والخرافات وانهمكت نفوسهم في الخلافات والخصومات، فلم يفقدوا وحدتهم فحسب بل فقدوا جميع مرافق الحياة ووسائل النمو والتقدم في هذا الكون، أي: بأنهم تخلفوا في ميدان القيادة في العالم الفكري والحضاري جميعًا ففي الجانب الأول - كالتصوف أو الشريعة أو الدين - أصبحوا وثنيين وعباد آلهة العجم بعد أن كانوا موحدين ومعلمي التوحيد للعالم أجمع وفي الجانب الثاني رأى أن روح القرآن في جملتها تعارض الفلسفة القديمة، فإنه ليس كتاب فلسفة ولكن فيه هدي إلى مقاصد الحياة ورقيها، ويجعلنا ندرك أن الإسلام دين يعنى بالعمل أكثر مما يعنى بالفكرة.
ولكن المسلمين خالفوا روحه وطغت عليهم نزعة التواكل، فالقول بالقضاء الذي يحمله نقاد الغرب للإسلام في كلمة (القسمة) يرجع بعض سببه إلى التفكير الفلسفي وبعضه إلى ما لحق القوة الحيوية التي كان الإسلام قد بعثها في أتباعه أول الأمر، من ضعف تدريجي (2) .
وأيضًا يولي فيلسوفنا وجهه قبل التصوف الذي كان له تأثير في بداية حياته، ولكن بعد دراسته واكتشاف أثره كأحد عوامل تأخير المسلمين، يعود فيلفظه. ويعني به تصوف وحدة الوجود أي التفسير الفلسفي الصوفي الذي أخذ به ابن عربي، إذ بينما - يرى الإسلام (الأنا) مخلوقاً ينال الخلود بالعمل، جعل ابن عربي فلسفة وحدة الوجود عنصرًا في الفكر الإسلامي، ثم اصطبغ كل شعراء العجم في القرن السادس الهجري بهذه الصبغة، فخاطب فلاسفة الهند - العقل - في إثبات وحدة الوجود، وخاطب شعراء إيران - القلب - فكانوا أشد خطرًا وأكثر تأثيرًا حتى أشاعوا بدقائقهم الشعرية هذه المسألة بين العامة فسلبوا الأمة الإسلامية الرغبة في العمل (3) .--------------------------------------------
(1) عبد الوهاب عزام: محمد إقبال - سيرته وفلسفته وشعره ص 105.
(2) محمد إقبال: تجديد التفكير الديني ص 127.
(3) عبد الوهاب عزام: محمد إقبال ص 51 - 52.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)