ومقداره، فهذا لا يمكن أن يُثبت من الرواية الإسرائيلية الموجودة إطلاقاً، لذا يدخل فيما لا يصدق ولا يكذب.
أما إذا كان مما يُتفَق عليه أنه يخالف ما عُرف من حال الأنبياء كما يذكر في الرواية هذه أن الشيطان تسلَّط على نساء سليمان بنكاحهنَّ فهذا مما يُعلم بطلانه؛ لمخالفته لحال الأنبياء، وهذا مما وقع الإجماع على إنكاره.
ونحن نحتاج إلى التعامل مع القصص بطريقة علمية لا عاطفية، على حدِّ قوله تعالى: {… وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152].
وبعض الإسرائيليات ورد عن جماعة من الصحابة؛ كعمر (ت23هـ)، وابن مسعود (ت32هـ)، وابن عباس (ت68هـ)، وغيرهم من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
ومما ورد عن عمر ذكره لقوة موسى عليه السلام في قوله تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، قال ابن كثير: «قال الله تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا} [القصص: 24] قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عَمْرو بن ميمون الأوْدي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن موسى عليه السلام، لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوباً واحداً حتى رويت الغنم. إسناد صحيح» (1).--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير 6/ 2652، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الفضائل، ورقم الحديث (32503).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
وهذا الوارد عن عمر لا ننكره؛ لأن فيه غرابة ولا نستبعد أنه كان فيه قوة عشرة رجال.
والمقصود أن ننتبه إلى أن ضابط العصمة والكلام الذي ذكره المؤلف يحتاج إلى ضبط؛ ولتعلم أنَّ الأصل في معرفة ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز فيما يتعلق بالأنبياء إنما يؤخذ من الشرع.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى منهجه في نقل الإسرائيليات، فقال: (وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القصص ما يتوقف التفسير عليه، وعلى ما ورد منه بالحديث الصحيح).
وقوله: (ما يتوقف التفسير عليه) يفيد في تحديد ماهية التفسير، وأن بعض المعلومات التي تُذكر في كتب التفسير ليس لها أثر في التفسير، وهذه المعلومات إما أن تكون فضلة، وإما أن تكون من علوم القرآن.
وأما اقتصاره على ما ورد من الحديث الصحيح، فهو منهج حسن، لكن ليس بملزم لغيره ممن أخذ بالتصريح النبوي في تجويزه الرواية عن بني إسرائيل في قوله صلى الله عليه وسلم: «وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» رواه البخاري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
العلم السابع: التصوف
قال رحمه الله: وأما التصوف فله تعلق بالقرآن لما ورد في القرآن من المعارف الإلهية ورياضة النفوس وتنوير القلوب وتطهيرها باكتساب الأخلاق الحميدة واجتناب الأخلاق الذميمة، وقد تكلمت المتصوفة في تفسير القرآن، فمنهم من أحسن وأجاد، ووصل بنور بصيرته إلى دقائق المعاني، ووقف على حقيقة المراد، ومنهم من توغل في الباطنية وحمل القرآن على ما لا تقتضيه اللغة العربية، وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي كلامهم في التفسير في كتابٍ سمَّاه «الحقائق»، وقال بعض العلماء: بل هي البواطل، وإذا أنصفنا قلنا: فيه حقائق وبواطل.
وقد ذكرنا هذا الكتاب في ما يستحسن من الإشارات الصوفية دون ما يعترض أو يقدح فيه، وتكلمنا أيضاً على اثني عشر مقاماً من مقامات التصوف في مواضعها من القرآن، فتكلمنا على الشكر في أم القرآن، لما بين الحمد والشكر من الاشتراك في المعنى، وتكلمنا على التقوى في قوله تعالى في البقرة: {هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وعلى الذكر في قوله فيها: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]، وعلى الصبر في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، وعلى التوحيد في قوله فيها: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163]، وعلى المحبة في قوله فيها: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]، وعلى التوكل في قوله في آل عمران: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159]، وعلى المراقبة في قوله في النساء: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، وعلى الخوف والرجاء في قوله في (الأعراف): {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: 56]، وعلى التوبة في قوله في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
(النور): {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا} [النور: 31]، وعلى الإخلاص في قوله في (لم يكن): {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] (1).
هذا الكلام يتعلق بالتصوف، وقد سبق أن نبهتُ إلى أنه ليس من علوم القرآن، بل هو نتاج وثمرة للعلم.
وقد علل المؤلف سبب تعلقه بالقرآن، فقال: (لما ورد في القرآن من المعارف الإلهية، ورياضة النفوس وتنوير القلوب)، وإننا لو أخذنا حجة المؤلف وأجريناها على علوم أخرى غير علم التصوف وغير العلوم التي ذكرها، سنجد أن غيرها يمكن أن يدخل معها، لكن كأن المؤلف يريد أن ينبه على التصوف؛ لإرادة تزكية النفوس بالقرآن، والتزكية من أهم ثمرات القرآن.
وتزكية النفوس بالقرآن في معزلٍ عن علوم القرآن، وفي معزلٍ عن التفسير أصلاً؛ لأنها تدخل في باب الآثار والنتائج.
ثم قال بعد ذلك: (وقد تكلمت المتصوفة في تفسير القرآن فمنهم من أحسن وأجاد ووصل بنور بصيرته إلى دقائق المعاني، ووقف على حقيقة المراد، ومنهم من توغل في الباطنية، وحمل القرآن على ما لا تقتضيه اللغة العربية).
يلاحظ أن المتصوفة صاروا فرقة خاصة، وما داموا كذلك؛ فإن لهم مراجعهم ومصادرهم ومصطلحاتهم الخاصة، وهذه مشكلة في حد ذاتها؛ فحينما تتكلم هذه الفرقة عن القرآن لن تتكلم بمثل ما يتكلم فيه أهل التفسير، وإنما ستتكلم بطريقتها الخاصة، وقد يوافق ما يذكرونه--------------------------------------------
(1) التسهيل 1/ 66 - 68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
الحق ويكونون وصلوا إلى دقائق معانٍ ووقفوا على حقيقة المراد، مثلما وقف ووصل إليه غيرهم، فهذا ليس خاصاً بهم بسبب سلوكهم التصوف بل غيرهم وصل إلى هذه المعاني ولم يسلك هذا الطريق الذي سلكوه.
أما من توغل في الباطنية فمشكلته أعظم؛ لأنه يستخدم الرموز في تفسير كلام الله سبحانه وتعالى مثل التفسير المنسوب لابن عربي الحاتمي (ت638هـ)، وكذا تفسير البحر المديد، لابن عجيبة التطواني (ت1224هـ)، وتفسير الألوسي (ت1270هـ) الذي يذكر التفسير على أسلوب العلماء والمفسرين، ثمَّ يذكر تفسير من يسميهم (أهل الحقائق)، ويذكر من كلامهم ما هو موغل في الباطنية.
أما ما ذكره سهل بن عبد الله التستري (ت283هـ) في تعليقه على بعض الآيات، وأبو عبد الرحمن السلمي (ت412هـ) في كتابه «حقائق التفسير»، والقشيري (ت465هـ) في (لطائف الإشارات)، فإنه لا يخلو من الأحوال الآتية:
1 - أن يكون ما قالوه أو أثروه من قبيل التفسير.
2 - أن يكون من قبيل الاستنباط.
3 - أن يكون من قبيل توارد المعاني، ومقايسة معنى القرآن بمعنى آخر، وهذه قضية تكثر عند المتصوفة، حيث نجدهم يحرصون على أن يقيسوا ما ورد من المعنى القرآني بحالٍ أخرى لا علاقة لها بالآية إطلاقاً، وهذه الأحوال الثلاثة لا تخلو ـ أيضاً ـ من ثلاثة أحوال:
أـ أن يكون الكلام حقاً مراداً بالقرآن أو دل عليه القرآن من جهة الاستنباط.
ب ـ أن يكون الكلام حقاً، لكن ليس هو المراد بالجملة المفسَّرة من القرآن، أو لا تدل عليه، وهذا يُقبل على أنه كلام مستقلٌ لا علاقة له
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
بالآية، وإذا كان من باب المقايسة فإنه يُقبل إذا صحَّت المقايسة، ويكون كسابقه، وليس لأنه متعلق بالتفسير.
ج ـ أن يكون الكلام باطلاً، وهذا لا يُقبل؛ لأن القرآن لا يفسر بالباطل، ولا يدل على الباطل.
وإليك أمثلة على كون الكلام حقاً مراداً بالقرآن أو يدل عليه القرآن، وهي منقولة من تفسير سهل بن عبد الله التستري (ت283هـ):
المثال الأول: في قوله سبحانه وتعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] قال سهل: (أي: أضداداً)، فتفسير الأنداد بالأضداد صحيح فهو من التفسير الصحيح، ثم قال بعد ذلك: «فأكبر الأضداد: النفس الأمارة بالسوء المتطلعة إلى حضورها ومناها بغير هدًى من الله» (1)، فقوله هذا غير مقبول إذا كان يريد أن الأنداد لا تفسر إلا بالنفس الأمارة بالسوء، أما إن كان يريد أن هذا المقطع من الآية يشير إلى أن النفس الأمارة بالسوء هي أحد معاني الأضداد وهي أكبر الأنداد كما يراه، فنحن نقبل هذا الكلام على سبيل أن النفس الأمارة بالسوء مثال من الأمثلة التي تدخل في معنى الأنداد في قوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} على أنه عام، ولا شك أن النفس الأمارة بالسوء فيها شيء من هذا المعنى الذي ذكرته الآية، وأنها تكون نداً لله؛ لأنه لو اتبع نفسه جعلها مُشَرِّعَة له، وكذا لو اتبع هواه كما قال الله سبحانه وتعالى في قوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23].
المثال الثاني: في قوله تعالى: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] قال: «ولم يرد الله معاني الأكل في الحقيقة، وإنما أراد معاني مساكنة الهمة مع شيء هو غيره؛ أي: لا يهتم بشيء هو غيره، فآدم صلوات الله عليه لم يعتصم من الهمة والفعل في الجنة، فلحقه ما--------------------------------------------
(1) تفسير التستري، تحقيق محمد باسل عيون السود، ص27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
لحقه من أجل ذلك»، ثم قال: «فأهل الجنة معصومون فيها من التدبير» (1) إلى آخر كلامه الذي هو مرتبط بعبارات الصوفية، ولكن هذا الكلام غير صحيح بل هو باطل في ذاته، فلا يمكن أن يدل عليه القرآن إطلاقاً.
فقوله: (لم يرد الله معاني الأكل في الحقيقة) هذا مخالف لقوله تعالى: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا}، وهذا المعنى الباطل لا يمكن أن يكون مراداً بالقرآن.
المثال الثالث: في قوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] قال: «أهل القرآن، يعني العباد الذين اصطفى، أهل القرآن يلحقهم من الله السلام في العاجل في قوله تعالى: {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ}، وسلامٌ في الآجل وهو قوله: {سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]» (2).
هذا الكلام يصح على أن نأخذه من باب التمثيل، وسبق أن ذكرنا من القواعد أن تفسير العام قد يكون بالأمثلة، فإن كان من باب التمثيل فهو صحيح، وإن كان من باب التخصيص، فالتخصيص يحتاج إلى دليل.
هذه الأمثلة التي أخذناها من تفسير (سهل التستري) هي أمثلة على التفسير الصحيح، والإشارة الصحيحة، والتفسير الباطل، ونأخذ مثالاً على المقايسة التي ذكرناها: وهو أن يكون من قبيل توارد المعاني، قال سهل في قوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} [الحشر: 2] قال: (أي: يخربون قلوبهم ويبطلون أعمالهم باتباعهم البدع)، فالآية لم تنزل في أهل البدع أصلاً، وإنما نزلت في سياق اليهود، والمعنى الذي ذكرته الآية--------------------------------------------
(1) تفسير التستري، تحقيق محمد باسل عيون السود، ص29.
(2) تفسير التستري، ص116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
يشبه المعنى الذي ذكره سهل كأنه يريد أن يذكر معنى يشبه المعنى المذكور في الآية، فهو مقبول من باب توارد المعاني وليس من توارد التفسير، ولو قال: هذا هو التفسير نقول: خطأ؛ لأن السياق لا يدل على ذلك.
وباب الاستشهاد والاستدلال أوسع من باب التفسير.
فمن يقرأ كلام الصوفية ـ خصوصاً في هذا النوع، وهو توارد المعاني ـ في كتاب التستري (ت283هـ)، أو أبي عبد الرحمن السلمي (ت412هـ) أو القشيري (ت465هـ)، فلا يردُّه ابتداءً، بل ينظر فيه ليعرف ما يمكن أن يقبل منه، وما لا يُقبل منه.
وكتاب سهل بن عبد الله التستري (ت283هـ) من كلامه هو، وكذا لطائف الإشارات للقشيري (ت465هـ)، أما حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي (ت465هـ)، فهو منقول، وبعضه فيه كذب، ليس من أبي عبد الرحمن، وإنما من طرف من روى عنه أبو عبد الرحمن، وبعضه نقلٌ صحيحٌ عن بعض المتصوفة؛ سواء أكان كلامهم خطأً محضاً أم صحيحاً.
هذا باختصار ما يتعلق بتفاسير الصوفية، أما تفاسير الصوفية الباطنية أو الفلسفية؛ فالأصل فيها البطلان.
أما قوله رحمه الله: (وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يستحسن من الإشارات الصوفية دون ما يعترض أو يقدح فيه)، فلعل المؤلف يقصد كتابه هذا الذي بين أيدينا، فقد ذكر في كلامه من إشارات الصوفية ما يرى هو أنه يدخل فيما يستحسن دون ما يُقْدَحُ فيه أو يُعْتَرض عليه، ثم بعد ذلك ذكر اثني عشر مقاماً من مقامات التصوف، وهذه المقامات ليست خاصة بالتصوف كما يلاحظ، بل تسميتها بالتصوف أو حصرها بأن هذه من مقاماته تخصيص لأمرٍ لا دليل عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
وهذه المقامات لا تخلو أن تكون مما عليه عامة المسلمين، أو لا.
فإن كان مما عليه عامة المسلمين فلا معنى لتسميتها بهذا الاسم «التصوف».
وإن كانت مما يختص بفرقة بعينها يطلق عليها المتصوفة، وهي تخالف الشريعة، فإنها تردُّ ولا تُقبل، والحال هنا أن ما ذكره باسم مقامات التصوف هو مما وافق الشريعة، وليس خاصاً بالتصوف، بل هو من دين الإسلام.
فهذه المقامات التي ذكرها المؤلف ليس فيها إشكال من جهة الذكر، لكن كوننا نخص هذه المقامات بالمتصوفة فقط، فماذا بقي لغيرهم؟
لذا نقول: إن هذه المقامات لجميع المسلمين، وكذا غيرها من المقامات التي لم يذكرها المؤلف، ولا أدري لماذا خصَّ المؤلف هذه المقامات بالذكر دون غيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
العلم الثامن: أصول الدين
قال رحمه الله: وأما أصول الدين فيتعلق بالقرآن من طرفين أحدهما ما ورد في القرآن من إثبات العقائد، وإقامة البراهين عليها والرد على أصناف الكفار، والآخر أن الطوائف المختلفة من المسلمين تعلقوا بالقرآن، وكل طائفة منهم تحتج إلى مذهبها بالقرآن، وترد على من خالفها، وتزعم أنه خالف القرآن ولا شك أن منهم المحق والمبطل، فمعرفة تفسير القرآن أن توصل في ذلك إلى التحقيق مع التسديد والتأييد من الله والتوفيق (1).
ذكر في أصول الدين مسألتين:
الأولى: ما ورد في القرآن من إثبات العقائد وإقامة البراهين عليها وسبق الحديث عنها حين تكلم عن موضوعات القرآن.
الثانية: أن طوائف من المسلمين تعلقوا بالقرآن، وكل طائفة منها تحتج لمذهبها بالقرآن؛ ولذا فأصول الدين والعقيدة لها أثر في التفسير، ولا بد من ضبط العقيدة لينضبط تفسير الآيات المتعلقة بالعقيدة؛ لأن فهم الآيات المرتبطة بالعقائد تفسيرٌ، ومن الأمثلة المشهورة في ذلك الاختلاف في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23]، فمن يقول بأن معنى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}: «تنتظر--------------------------------------------
(1) التسهيل 1/ 68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
ثواب ربها» فهذا فسَّر الآية على وجهٍ باطل، ومن قال: «تنظر إلى ربها» فقد فسَّر على وجه آخر، وهو الوجه الصحيح في معنى الآية.
ولا بد من ضبط الاعتقاد لينضبط التفسير، والآيات المرتبطة بالاعتقاد كثيرة؛ ولهذا قد يقع الخلل عند بعض المفسرين من جهة الاعتقاد كما في إثبات الرؤية في الآية السابقة، ولما كانت العقائد لها تأثير جعل بعض العلماء من شروط المفسر صحة الاعتقاد، لذا لا بدَّ لطالب علم التفسير من معرفة الحق، ومعرفة الباطل، وكيفية الرد على الباطل، وإذا اختلت واحدة منها فسيكون فيه قصور.
ومما يلحظ أن بعض المعاصرين ـ ممن دَرَسَ مناهج العلماء في التفاسير ـ قد حصر مسائل الاعتقاد في باب الصفات الخبرية فقط، وتراه يحكم على عقيدة المؤلف من خلال باب الصفات، وهذا فيه خلل؛ لأن المؤلف قد يقع في بعض الأخطاء في باب دون غيره من الأبواب، فالبغوي (ت516هـ) مثلاً عند قوله سبحانه وتعالى: {الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] قال: «والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله، وقيل: ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من لا يستحق، فهي على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة (فعل)».
وقال في تفسير {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]: «إرادة الانتقام» (1)، وفي «شرح السنة» قال: «وقوله: إِنَّمَا أَنْتِ رحمتي، سمَّى الْجَنَّة رحمة؛ لأن بِهَا تظهر رحمة الله تَعَالَى عَلَى خلقه، كَمَا قَالَ: أرحم بك من أشاء، وإلا فرحمة الله تَعَالَى من صفاته التي لَمْ يزل بِهَا موصوفاً لَيْسَ لِلَّهِ سبحانه وتعالى صفة حادثة، وَلا اسم حادث، فَهُوَ قديم بجميع أسمائه وصفاته جل جلاله، وتقدست أسماؤه» (2)، وقال في تفسير: {بَلْ يَدَاهُ--------------------------------------------
(1) تفسير البغوي 1/ 55.
(2) شرح السنة (15/ 257).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]: «ويد الله صفة من صفاته كالسمع والبصر والوجه وقال جل ذكره: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [«كلتا يديه يمين»] والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم.
وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: أَمِرُّوها كما جاء بلا كيف» (1).
ولذا لا يُعَدُّ البغوي مخالفاً للمنهج العام، والاستدراك عليه في مثال أو في مثالين لا يخرجه من دائرة السنة والجماعة.
ونسْبةُ العلماء إلى بعض الفرق تحتاج إلى علم وعدلٍ وإنصاف، فلا يستعجل الباحث في مثل هذه الأمور.
وإذ لم يستطع الباحث أن يستقرئ كتاب التفسير، وكذلك كتب العالم الأخرى ـ إن وُجِدت ـ فإنه يستعمل عبارة: (وافق الفرقة الفلانية في كذا)، ولا ينسبه إلى فرقة من الفرق إلا بعد الاستقراء التام، فابن جزي ـ مثلاً ـ ذكر الصفات السبع التي يقول بها الأشاعرة، فإن لم يكن عندي في عقيدته استقراء، فإني أقول: وافق الأشاعرة في إثبات الصفات السبع.--------------------------------------------
(1) تفسير البغوي 3/ 76، 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
العلم التاسع: أصول الفقه
قال رحمه الله: وأما أصول الفقه، فإنها من أدوات تفسير القرآن، على أن كثيراً من المفسرين لم يشتغلوا بها، وإنها لنعم العون على فهم المعاني وترجيح الأقوال، وما أحوج المفسر إلى معرفة النص والظاهر، والمجمل والمبين، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ودليل الخطاب، وشروط النسخ، ووجوه التعارض، وأسباب الخلاف، وغير ذلك من علم الأصول (1).
الشرح
قوله: (أصول الفقه من أدوات تفسير القرآن على أن كثيراً من المفسرين لم يشتغلوا بها، وإنها لنعم العون على فهم المعاني وترجيح الأقوال).
علم أصول الفقه من العلوم التي قد يكون لها أثر في فهم المعاني؛ لذا أحتاج منه القدر الذي تتبين به المعاني.
وقد أستفيد منها في الترجيح بين الأقوال أثناء الاختلاف الواقع بين المفسرين.
أما الاستنباط فإنه يقوم على تعلم أصول الفقه على التفصيل؛ لذا فأنا أحتاجه في الاستنباط، وأحتاج منها قدراً أقل للتفسير.--------------------------------------------
(1) التسهيل 1/ 68، 69.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
والمفسرون قد يعملون بضوابط أصول الفقه دون أن ينصوا على ذلك، ومثاله: ما يتعلق بقضية العام والخاص، فالمفسرون المتقدمون خاصة يتعاملون معها تعاملاً تطبيقيّاً، وقد يبرز عند بعض المفسرين المتأخرين الذين لم يكن لهم عناية بأصول الفقه.
ولا شكَّ أن من يتعلم أصول الفقه فإن قدرته وملكته في بيان المعاني والاستنباطات ستكون أقوى وأجدر ممن ليس عنده شيء من هذه الأداة، فمعرفة العام والخاص، والمطلق والمقيد، وفحوى الخطاب مما يحتاجه المفسر، ومثال ذلك حمل العموم في قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ} [الشورى: 5] على الخصوص، بمعنى: الملائكة يستغفرون للمؤمنين، بدلالة قوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] فجعلت الآية الثانية {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} مخصصة لعموم الآية الأولى {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
العلم العاشر: اللغة
قال رحمه الله: وأما اللغة فلا بد للمفسر من حفظ ما ورد في القرآن منها، وهي غريب القرآن وهي من فنون التفسير. وقد صنف الناس في غريب القرآن تصانيف كثيرة، وقد ذكرنا بعد هذه المقدمة مقدمةً في اللغاتِ الكثيرة الدوران في القرآن، لئلا نحتاج أن نذكرها حيث وقعت فيطول الكتاب بكثرة تكرارها (1).
هذا العلم العاشر، وهو علم اللغة، وخصَّ المؤلف علم اللغة ببيان المفردة؛ لأنه قال: (فلا بد للمفسر من حفظ ما ورد في القرآن منها وهي غريب القرآن وهي من فنون التفسير).
وغريب القرآن من فنون التفسير إجماعاً، فإذا لم يُفهم معنى الكلمة لم يُفهم معنى الآية، وعلم المفردات هو العلم الوحيد الذي يستخدم في جميع الآيات، فما من آية إلا وفيها حاجة إلى معرفة معنى الكلمة، أما العلوم الأخرى فنحتاجها في آيات دون آيات، فأسباب النزول تأتي في بعض الآيات دون بعض، وقصص الآي في بعض الآيات دون بعض.
وقد صنف الناس في غريب القرآن تصانيف كثيرة كما ذكر المؤلف، وهذا يدل على حاجة الناس إلى كتب غريب القرآن، وكل مؤلف يرى أن الناس بحاجة إلى طريقة جديدة في التصنيف أو إضافة--------------------------------------------
(1) التسهيل 1/ 69، 70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
معلومات، وكل عالم يكتب غريب القرآن يُدخل ما يرى أن قارئ القرآن بحاجة إلى معرفته، لذا يتفاوتون في عدد المفردات التي يقع عليها تفسيرهم.
وكتب غريب القرآن صنفت على قسمين:
1 - على الترتيب الألف بائي، مثلما فعله المؤلف في مقدمته الثانية، وهذا كثير جداً، ومن أنفَسها كتاب «مفردات القرآن» للراغب الأصفهاني (ت: بعد 400)، وكتاب تفسير غريب القرآن لأبي بكر الرازي (ت: بعد 666)، وقد مشى فيه على نظام التقفية، وهو ترتيب الكلمة حسب آخرها، ثم ترتيبها بعد ذلك حسب أولها، فلفظة: «بقر» في باب الراء، يأتي قبلها لفظة: «بصر» لأن الصاد قبل القاف.
وليس كل واحد يستطيع أن يصل إلى بعض الألفاظ، ويعرف أين مكانها من خلال الترتيب الألف بائي، وترتيب أبي بكر الرازي على نظام التقفية.
مثلاً: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر: 53] نجد أن أصل لفظة: «مستطر» من مادة: «سطر»، لكن ليس كل واحد يتقن معرفة أصل اللفظة، فقد يشتبه عليه تقارب بعض الألفاظ فيظنها من أصل واحد؛ مثل لفظة: «مستطيراً» في قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: 7]، فقد يظنَّ القارئ أنها من مادة: «سَطَرَ»، وهي من مادة (طَيَرَ).
ومثلها لفظ: «مسيطر»: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 22] على قراءة السين: «بمسيطر» فيجدها في مادة: «سيطر»، وليست من مادة الكلمتين السابقتين، وهذا مما قد يشكل على بعض القراء.
2 - على ترتيب السور، يعني الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران وهكذا.
وكل نوع من هذه التصنيفات له فوائده الخاصة، فترتيب السور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
أسهل في الرجوع لأي قارئ للقرآن؛ لأنه إذا عرف الكلمة ومكانها من كل سورة، فإنه يسهل عليه الرجوع إليها في الكتاب.
كما أن الترتيب على السور يعطي الحافظ فرصة معرفة معاني القرآن في السورة التي يقرأ فيها.
أما على الترتيب الألف بائي الذي يرجع إلى أصل الاشتقاق فإنه يفيد في ربط الصيغ والتصاريف التي تكون من مادة واحدة؛ ككلمة «وسق» وكلمة «اتسق»، فهما من مادة واحدة، وهي مادة: «وسق» بمعنى: جمع.
وفي هذا الترتيب لطائف لا تخفى على من يراجع مفردات القرآن التي سارت على هذا النحو من الترتيب، إذ يحرص بعض المؤلفين على بيان وجوه استعمال اللفظة في القرآن، كما هو الحال في كتاب الراغب الأصفهاني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
العلم الحادي عشر: النحو
قال رحمه الله: وأما النحو فلا بد للمفسر من معرفته، فإن القرآن نزل بلسان العرب، فيحتاج إلى معرفة علم اللسان، والنحو ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: عوامل الإعراب وهي أحكام الكلام المركب.
والآخر: التصريف وهي أحكام الكلمات قَبْل تركيبها.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب من إعراب القرآن ما يحتاج إليه من الْمُشْكِلِ والمختلف، أو ما يفيد فهم المعنى، أو ما يختلف المعنى باختلافه، وإن ما تعرض إلى سوى ذلك من الإعراب السهل الذي لا يحتاج إليه إلا المبتدئ، فإن ذلك يكون بغير كبير فائدةٍ (1).
المفسر لا يطلب منه أن يكون متقناً لفن النحو بجميع تفاصيله، وإنما يكون عنده أصول المسائل من هذا العلم، أما التفاصيل والتشقيقات فهذه ليست بلازمة، ومحلها كتب النحو.
والأصل أن الإعراب فرع المعنى؛ أي: أن الإعراب يُبنى على فهم المعنى.
وهذا يعني أن المنطلق هو المعنى، وليس الإعراب، فنحن لا--------------------------------------------
(1) التسهيل 1/ 70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
نعرب لنفهم المعنى، وإنما نفهم المعنى ثمَّ نُعرب، هذا هو الأصل، لكن الآن صار النحو قواعد يُتوصَّل بها إلى فهم المعنى، وهذا لا يعني أن القاعدة (الإعراب فرع المعنى) التي ذكرت خطأ، وإنما تغيَّر الأمر بسبب اختلاف الزمان، إذ بعد تقعيد النحو صرنا ننطلق من قواعده لمعرفة المعنى.
والذي يدلُّ على أن المعنى هو الأصل أن تفسير السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم قد خلا من الإعراب، لكن لا يعني هذا أنهم لا يُعربون، بل كان الإعراب سجيَّة القوم، ولما قام علم النحو صار يُطلب به فهم المعاني، وهذا هو معنى قول المؤلف: (أو ما يفيد فهم المعنى)، وهذا الذي سار عليه المفسرون المعربون جيلاً بعد جيل، وإن لم تكن لهم عناية مستمرة بأثر الإعراب في المعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
العلم الثاني عشر: علم البيان
قال رحمه الله: وأما علم البيان، فهو علم شريف تظهر به فصاحة القرآن، وقد ذكرنا منه في هذا الكتاب فوائد فائقة، ونكتاً مستحسنة رائقة، وجعلنا في المقدمات باباً في أدوات البيان ليفهم به ما يرد منها مفرقاً في مواضعه من القرآن (1).
قول المؤلف: (علم البيان) يريد به «علم البلاغة»، وهذا العلم من العلوم التي حصل لها تطوُّر في المسمَّى حتى استقرَّت تسميته على «علم البلاغة» بأقسامه الثلاثة «البديع والبيان والمعاني»
وقد تكلم عنه المؤلف في (الباب العاشر)، وفَصَّل فيه، كما أشار إليه عند الحديث عن قصص القرآن؛ حيث قال في فوائد تكرار القصص: «الثاني: أنه ذكرت أخبار الأنبياء في مواضع على طريقة البيان، وفي مواضع على طريقة الإيجاز لتظهر فصاحة القرآن في الطريقتين».
أشار المؤلف بقوله: (فهو علم شريف تظهر به فصاحة القرآن) إلى أنَّ الهدف منه يظهر في أمرٍ آخر غير التفسير، وهو «إعجاز القرآن»، فهذا العلم أصلٌ في باب الإعجاز، فمن أراد أن يبين إعجاز القرآن فيلزمه أن يكون متقناً للبلاغة.--------------------------------------------
(1) التسهيل 1/ 70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)