النصوص الواردة عن الصحابة والتابعين في العمل به.
صور الرأي المذموم:
أما عندما يكون الرأي مخالفاً للأدلة والقواعد الشرعية المقررة، أو يكون مجرد ظن وتخمين، فهذا الذي حذر منه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم، وله صور منها:
الأولى: أن يكون للمفسر في شيءٍ ما هوى ورأي، فيتأول القرآن على وفق ما يرى ويهوى، ويحتج به على تصحيح غرضه، فيكون الدافع إلى المعنى هواه، ولولاه لظهر له معنى آخر، فالرأي له تأثير مباشر في فهم النص القرآني، وقد يكون عالماً بأن المراد بالآية على خلاف ما ذكره، لكن وجود الهوى والبدعة والتعصب المقيت يمنعه من فهم القرآن حق فهمه، وهو الذي يدفعه دفعاً للمعنى الآخر الموافق لهواه، وقد تكون الآية محتملة لأكثر من وجه، فيرجح ما يتفق مع هواه، مع أن الحق في غير ما ذهب إليه (1).
يقول ابن تيمية: «إن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين؛ لا في رأيهم ولا في تفسيرهم» (2).--------------------------------------------
(1) إحياء علوم الدين للغزالي (1/ 292)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 28)، والاعتصام للشاطبي (1/ 102)، والتحرير والتنوير (1/ 29).
(2) مجموع الفتاوى (13/ 358).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
ومما ينطبق عليه هذا الكلام البدع التي أحدثها بعض الناس مخالفين بها ما في الكتاب والسنة، مثل: من زعم أن الله تعالى لا يرى يوم القيامة، وكمن أنكر الشفاعة والحوض والميزان، ويستدل لها بأمور عقلية وقياسات يرد بها الأدلة الصحيحة أو يتأولها (1).
الثانية: المسارعة إلى تفسير القرآن الكريم دون بحث ونظر فيما يؤيد تفسيره من الكتاب والسنة أو إجماع السلف، وإنما يبادر بالتفسير بما ظهر له من العربية من غير نظر في المنقول مما يوقعه في الغلط والخطأ (2)، ولذلك لما ذكر ابن عباس اختلاف الأمة ذكر أن قوماً يقرؤون القرآن ويجهلون المنقول في معناه، فيقولون فيه بآرائهم فيخطئون.
الثالثة: أن لا يعطي الآية حقها من التدبر والتأمل، وإنما يفسر بما خطر في باله في بادئ الأمر، ويكون غير محيط بجوانب الآية ومواد التفسير، «كمن يفسر قوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} الآية (3) على ظاهر معناها، يقول: إن الخير من الله، والشر من فعل الإنسان بقطع النظر عن الأدلة الشرعية التي تقتضي أن لا يقع إلا ما أراد الله؛ غافلاً عما سبق من قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} (4)، أو بما يبدو من ظاهر اللغة دون استعمال العرب، كمن يقول في قوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ--------------------------------------------
(1) انظر جامع بيان العلم وفضله (2/ 138).
(2) انظر: إحياء علوم الدين (1/ 292)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 29).
(3) سورة النساء من الآية (79).
(4) سورة النساء من الآية (78).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} (1)، فيفسر {مُبْصِرَةً} بأنها ذات بصر لم تكن عمياء، فهذا من الرأي المذموم لفساده» (2).
الرابعة: أن يفسر الآية مستنداً إلى اللفظ، ثم يزعم أنه المراد دون غيره ويقطع بذلك، فيضيق على غيره من المفسرين (3).
فهذه الصور من الرأي ونحوها هي التي ينزل عليها ذم الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وقد امتلأت بها كثير من كتب التفسير كتفاسير المبتدعة، وكأن بوادر تلك الآراء في التفسير ظهرت في وقتهم، فحذروا منها وممن يروج لها، وسيأتي ذكر نماذج منها في مواطنها إن شاء الله تعالى.
وبعدُ … فلو وجدنا كلاماً عن بعض الصحابة والتابعين يوحي بذم الرأي عامة؛ محموداً كان أو مذموماً، فينبغي حمله على خشية أن يؤدي الإكثار من الرأي المحمود إلى الوقوع في الرأي المذموم، وخشية أن يصرف صاحبه عن العناية بالآثار ونقلها وتأملها، فمنعوا منه مطلقاً سداً للذريعة، ومن «عادة الشرع أنه إذا نهى عن شيء وشدد فيه منع ما حواليه، وما دار به ورتع حول حماه» (4).--------------------------------------------
(1) سورة الإسراء من الآية (59).
(2) التحرير والتنوير (1/ 28 - 29)، وانظر إحياء علوم الدين (1/ 292).
(3) التحرير والتنوير (1/ 29)، والإتقان في علوم القرآن (2/ 234).
(4) الاعتصام للشاطبي (1/ 104).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
ثانياً
نقد التفسير بالإسرائيليات
علاقة الروايات الإسرائيلية بتفسير القرآن قوية، فكثير مما ذكره القرآن الكريم موجود فيها؛ فالقرآن تحدث عما وقع للأمم السابقة مع أنبيائهم لكنه لم يخض في التفاصيل الدقيقة؛ مكتفياً بالإشارة إلى ما فيه عظة وفائدة، والتفاصيل التي أغفلها القرآن موجودة في الروايات الإسرائيلية، غير أنه شابها كثير من التحريف والتبديل.
والنفوس بما جبلت عليه من حب المعرفة والاستطلاع تتشوف إلى معرفة تلك التفاصيل، وهذا أتاح للإسرائيليات مكاناً خصباً وبيئة مناسبة لذيوعها وانتشارها في كتب التفسير (1).
ومما يؤكد قوة العلاقة بين الإسرائيليات والقرآن الكريم أن الصحابة عارضوا الأخبار الإسرائيلية بالقرآن، فيعترضون على من يسأل أهل الكتاب أو ينقل عنهم بالآيات المخبرة بأن قصص القرآن وأخباره أدق وأصدق من أخبار بني إسرائيل.--------------------------------------------
(1) انظر التفسير والمفسرون (1/ 167).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
ولقوة هذه العلاقة أُفرد فيها مصنفات خاصة (1).
والمراد بالإسرائيليات: الروايات المنقولة عن أهل الكتاب سواء كانوا يهوداً أو نصارى، وإنما سميت بالإسرائيليات لأن غالب ما يُنقل مصدره بنو إسرائيل (2)، وهذا كما يطلق كثير من السلف التوراة على كتب أهل الكتاب، فهي عندهم أعم من التي أنزلها الله على موسى عليه السلام (3).
وموقف الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من الروايات الإسرائيلية يشبه إلى حد كبير موقفهم من التفسير بالرأي، فكما جاء عن بعضهم نقد الإسرائيليات وذمها والتحذير منها جاء عن آخرين روايتها وتفسير القرآن بها، وسؤال علماء أهل الكتاب عنها، وهذان الموقفان قد يردان عن شخص واحد، فينقل عنه نقد رواية الإسرائيليات، وينقل عنه التحديث بها.
وهذا التعدد في المواقف يشبه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في إباحته التحديث عن بني إسرائيل، وما ورد عنه من النهي عن سؤالهم، ومعاتبة من تتبع الروايات--------------------------------------------
(1) منها على سبيل المثال: الإسرائيليات في التفسير والحديث، د. محمد الذهبي، والإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير لأبي شهبة، والإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، د. رمزي نعناعة، وقد وقفت في فهارس الرسائل الجامعية على تسع رسائل مختصة بالحديث عن الإسرائيليات في التفسير؛ منها خمس رسائل دكتوراه.
(2) انظر في تعريفها: الإسرائيليات في التفسير والحديث، د. الذهبي (ص 13)، والإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة (ص 12).
(3) البداية والنهاية (3/ 546).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
الإسرائيلية كما تقدم الكلام عنه في التمهيد.
وهذا التعدد في المواقف لا يعني التناقض البتة، بل ينبغي حمل كل موقف على حالة بعينها.
والذي نريد الكلام عليه هنا هو نقد الصحابة والتابعين للأخبار الإسرائيلية وروايتها، ودوافعهم في ذلك، وعلى أي شيء يحمل انتقادهم للإسرائيليات وذم التحديث بها؟ .
والنقد المنقول عنهم منه ما هو خاص بالإسرائيليات التفسيرية، ومنه ما هو نقد للإسرائيليات بعامة، سواء في التفسير أو غيره، وهذا الأخير فيه عدة آثار، وهي وإن لم تشر إلى تفسير القرآن الكريم إلا أنه أول ما يندرج تحتها؛ لما تقدم من قوة العلاقة بين المرويات الإسرائيلية والتفسير.
صور نقد الإسرائيليات:
وانتقاد الصحابة والتابعين للإسرائيليات لا يخرج عن الصور الآتية:
الأولى: النهي الصريح عن رواية الإسرائيليات وسؤال أهل الكتاب، ومن أقوالهم في ذلك:
1 - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فتكذبوا بحق وتصدقوا الباطل، وإنه ليس من أحد من أهل الكتاب إلا في قلبه تالية تدعوه إلى الله وكتابه كتالية المال».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
زاد بعض الرواة عنه: «إن كنتم سائليهم لا محالة، فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه» (1).
2 - ويبدي ابن عباس دهشته من سؤال بعض الناس لأهل الكتاب مع أن معهم القرآن غضاً طرياً لم يشب بشوائب التحريف والتبديل، بينما كتب أهل الكتاب غيرها أهلها بأيديهم زاعمين أنها التي أنزلها الله على أنبيائه، يقول رضي الله عنه: «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث تقرؤونه محضاً لم يشب؟ ! ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله، وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ! ، لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم» (2).
ومما يزيد في دهشة ابن عباس أن المسلمين يسألون أهل الكتاب في حين أن الآخرين لا يبادلونهم هذا الأمر، فيسألونهم عما أنزل إليهم.
والنهي عن سؤال أهل الكتاب يدخل فيه بالدرجة الأولى سؤال من لم يسلم منهم ممن لا يبالي بالتحريف والتبديل، ولذلك أورد البخاري قول ابن عباس في--------------------------------------------
(1) مصنف عبد الرزاق (6/ 112)، ومصنف ابن أبي شيبة (9/ 48)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 42)، وفتح الباري لابن حجر (13/ 334)، وفي مصنف عبد الرزاق تفسير التالية بأنها البقية.
(2) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء» (8/ 160)، وكتاب الشهادات، باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها (3/ 163).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها (1)، وهذا واقع فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل أهل الكتاب عما في التوراة كتموا، ووضع أحدهم يده مخفياً ما في التوراة (2).
الصورة الثانية: تكذيب الإسرائيليات، ومن شواهده:
1 - أن كعب الأحبار قال: «إن قوله: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} (3) ليس بهارون أخي موسى، فقالت له عائشة: كذبت، فقال: يا أم المؤمنين إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله، فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة فسكتت» (4).
2 - وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال له: «من أين جئت؟ ، قال: من الشام قال: من لقيت؟ ، قال: لقيت كعباً، فقال: ما حدثك كعب؟ ، قال: حدثني أن السموات تدور على منكب ملك، قال: فصدقته أو كذبته؟ ، قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، وكذب كعب! إن الله يقول: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ}» (5).--------------------------------------------
(1) انظر فتح الباري (13/ 334).
(2) انظر تفصيل القصة في صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (5/ 170).
(3) سورة مريم من الآية (28).
(4) جامع البيان (15/ 523)، وانظر (ص 552).
(5) سورة فاطر من الآية (41)، والأثر أخرجه ابن جرير في جامع البيان (19/ 391).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
3 - وكان ابن مسعود رضي الله عنه شديد الإنكار لما يأتي به كعب، فقد كان يوماً هو وجماعة في المسجد، فأتاهم رجل وقال: «إن أخاكم كعباً يقرئكم السلام، ويبشركم أن هذه الآية ليست فيكم: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (1)، فقال له عبد الله: وأنت فأقره السلام، وأخبره أنها نزلت وهو يهودي» (2).
4 - وسأل معاوية رضي الله عنه كعب الأحبار عن قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} (3)، وقال: «تقول إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ ! ، قال له كعب: إن كنت قلت ذاك فإن الله قال: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}» (4).
وكان معاوية رضي الله عنه يقول عنه: إن كنا لنبلوا عليه الكذب (5).
وقد علق ابن كثير على قصة معاوية مع كعب بقوله: «وهذا الذي أنكره معاوية رضي الله عنه على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار» (6).
ولا يفهم من تكذيب ابن مسعود ومعاوية لكعب أنه متعمد للكذب لا يوثق--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران من الآية (187).
(2) جامع البيان (6/ 296).
(3) سورة الكهف من الآية (84).
(4) تفسير ابن أبي حاتم (6/ 2383).
(5) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء» (8/ 160).
(6) تفسير القرآن العظيم (5/ 186).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
بروايته مطلقاً، وإنما أرادا أنه يخطئ أو ينقل عن أهل الكتاب ما هو كذب، فتكذيبهما في الحقيقة تكذيب للروايات الإسرائيلية التي غالبها محرف مبدل
قال ابن كثير معلقاً على قول معاوية: إن كنا لنبلوا عليه الكذب: «يعني فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحيفته، ولكن الشأن في صحيفته أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق» (1).
ومما يؤكد ذلك أن معاوية أثنى على كعب في كلامه المتقدم، فقال: «إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب».
ومراده بالمحدثين: أنداد كعب ممن كان من أهل الكتاب وأسلم، فكان يحدث عنهم، وكان كعب أشد منهم بصيرة وأعرف بما يتوقاه (2).
وقال عنه أيضاً: «ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لعلم كالثمار، وإن كنا فيه لمفرِّطين» (3).--------------------------------------------
(1) تفسير القرآن العظيم (5/ 186)، وانظر فتح الباري (13/ 335)، ونقل ابن حجر في المصدر السابق (13/ 334) عن ابن عباس أنه قال في حق كعب الأحبار: بدل من قبله فوقع في الكذب، وقال ابن كثير (6/ 206) فيه وفي وهب بن منبه: «سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان ومما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا الله - سبحانه - بما هو أصح منه، وأنفع وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنة».
(2) فتح الباري لابن حجر (13/ 334).
(3) الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 2/115).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
5 - وعن ابن عباس قال: «المفدي إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود» (1).
الصورة الثالثة: انتقاد بعض الناس بسبب روايتهم الإسرائيليات وتتبعهم لها، ومن الآثار في ذلك:
1 - أن عبد الله بن عامر بن كريز (2) أهدى إلى عائشة هدية، فظنت أنه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، فردتها وقالت: «يتتبع الكتب! ، وقد قال الله عز وجل: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} (3)، فقيل لها: إنه عبد الله بن عامر فقبلتها» (4).
فعائشة لم تخف غضبها من ابن عمرو لاهتمامه بالإسرائيليات، لكنها في جانب آخر تبدي إعجابها الشديد بعلمه وعنايته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، لما تعلمه من--------------------------------------------
(1) جامع البيان (19/ 594)، وانظر أثراً آخر عنه في تكذيب الإسرائيليات في المرجع السابق (15/ 324)، وأثراً عن الحسن البصري في تكذيب أهل الكتاب في تفسير عبد الرزاق (1/ 268)، وجامع البيان (12/ 427).
(2) القرشي العبشمي، ابن خال عثمان بن عفان، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتفل في فيه، كان كريماً شجاعاً ولاه عثمان على البصرة، وله خمس وعشرون سنة، ثم بلاد فارس، وفتح بلاداً كثيرة، توفي عام (57 أو 58).
انظر: المعارف (ص 320)، والبداية والنهاية (11/ 327)، والإصابة (7/ 204).
(3) سورة العنكبوت من الآية (51).
(4) تاريخ دمشق (52/ 170)، والدر المنثور (5/ 149).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
كتابته لأحاديثه، فقد قالت لعروة: «يا بن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج، فالقه فسائله، فإنه قد حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً» (1).
2 - وتجنب بعض التابعين تفسير مجاهد بسبب سؤاله أهل الكتاب، فقد قيل للأعمش: «ما بالهم يتقون تفسير مجاهد؟ ، فقال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب» (2).
وقد يصل الأمر إلى تأديب من يروي الأخبار الإسرائيلية ويعتني بها، فقد ضرب عمر رضي الله عنه رجلاً نسخ كتاب دانيال كما سيأتي قريباً.
وقال لكعب الأحبار: «لتنتهين أو لألحقنك بأرض القردة» (3).
الرابعة: الأمر بإتلاف الصحف المشتملة على الأخبار الإسرائيلية، ومن شواهده:
1 - أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب رجلاً نسخ كتاب دانيال (4)، وقرأ عليه--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم، كتاب العلم (4/ 2059) برقم (2673).
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 344)، وتاريخ دمشق (57/ 29)، وتهذيب التهذيب (4/ 26)، وطبقات المفسرين للداودي (2/ 308).
(3) تاريخ أبي زرعة (1/ 544)، وتاريخ دمشق (50/ 172).
(4) أحد أنبياء بني إسرائيل كان صغيراً حين غزا بختنصر بيت المقدس، فأخذ مع السبايا وأقام ببابل، ثم انتقل عنها، ودفن بالسوس من بلاد خوزستان.
أخباره في: الكامل في التاريخ (1/ 265 - 268)، والبداية والنهاية (2/ 43).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
قوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} إلى قوله: {لَمِنَ الْغَافِلِينَ} (1)، فقال الرجل: «مالي يا أمير المؤمنين؟ ! ، فقال له: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ ! ، قال: مرني بأمرك أتبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف، ثم لا تقرأه، ولا تقرئه أحداً من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنك عقوبة»، ثم ذكر ما جرى له مع النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى في يده صحيفة من التوراة (2).--------------------------------------------
(1) سورة يوسف الآيات (1 - 3).
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (7/ 2100)، والخطيب في تقييد العلم (ص 51)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (1/ 215)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (4/ 3) إلى أبي يعلى، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف، انظر: مجمع الزوائد (1/ 182)، وإتحاف الخيرة المهرة للبوصيري (1/ 317 - 318)، وتقريب التهذيب (ص 336)، وإرواء الغليل (6/ 36)، وله شاهد منقطع عن إبراهيم النخعي في مصنف عبد الرزاق (6/ 114)، وفضائل القرآن لابن الضريس (ص 54)، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 161).
وهناك شاهد آخر رواه الطبراني في مسند الشاميين (3/ 85)، وعنه أبو نعيم في الحلية (5/ 135)، وعزاه ابن كثير في تفسيره (4/ 297) للإسماعيلي عن جبير بن نفير «أن رجلين اكتتبا من اليهود ملء صفينة [وهي الوعاء] فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين .... فقالا: يا أمير المؤمنين إنا بأرض فيها أهل الكتابين، وإنا نسمع منهم كلاماً تقشعر منه جلودنا أفنأخذ منه أم نترك؟ ، فقال: لعلكما اكتتبتما منه شيئاً؟ ، قالا: لا، .... إلى أن قال عمر رضي الله عنه: لو أعلم أنكما اكتتبتما منهم شيئاً جعلتكما نكالاً لهذه الأمة، فقالا: والله لا نكتب منهم شيئاً أبداً، فخرجا بصفنتهما فحفرا لها في الأرض، فلم يألوا أن يعمقا فدفناها، فكان آخر العهد منهما»، فلعل هذه الشواهد تقوي الخبر المذكور، وقد ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (17/ 41 - 42) في سياق الاستدلال به، وهذا الحديث هو أحد شواهد الحديث المتقدم (ص 40).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
2 - وأتى الأسود بن يزيد النخعي (1) وعلقمة بصحيفة إلى ابن مسعود، وقالا له: «هذه صحيفة فيها حديث حسن، فقال ابن مسعود لجاريته: هاتي بطست واسكبي فيه ماء، فجعل يمحوها بيده، ويقول: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} (2)، فقالا له: انظر فيها، فإن فيها حديثاً عجيباً، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره.
قال أبو عبيد: يُرى أن هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب، فلهذا كره عبد الله النظر فيها» (3).
3 - وعن عمرو بن ميمون (4) قال: «كنا جلوساً في مسجد الكوفة، فأقبل من--------------------------------------------
(1) هو أبو عمرو النخعي الكوفي، فقيه الكوفة وعالمها، وهو ابن أخي علقمة وخال إبراهيم النخعي، أخذ عن معاذ وابن مسعود وحذيفة، وكان على جانب كبير من العبادة والزهد، توفي سنة (75).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 46)، وتذكرة الحفاظ (1/ 50).
(2) سورة يوسف من الآية (3).
(3) جامع بيان العلم وفضله (1/ 66)، وتقييد العلم (ص 53)، وقول ابن مسعود: إن هذه القلوب .... إلخ أخرجه الإمام أحمد في الزهد (ص 162)، وابن أبي شيبة في المصنف (10/ 484)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (1/ 131).
(4) الأودي المذحجي، أبو عبد الله، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع عمر ومعاذاً وابن مسعود، وروى عنه الشعبي، حج ستين حجة ما بين حجة وعمرة، سكن الكوفة، وبها توفي سنة (74).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 80)، والتاريخ الكبير (3/ 2/367)، وتاريخ الإسلام حوادث سنة (61 - 80 ص 496).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
نحو الجسر رجل معه كتاب، قلنا: ما هذا؟ ، قال: هذا كتاب، قلنا: وما كتاب؟ ، قال: كتاب دانيال، فلولا أن القوم تحاجزوا لقتلوه، وقالوا: كتاب سوى القرآن؟ ! أكتاب سوى القرآن؟ ! » (1).
دواعي نقد الإسرائيليات:
لم يكن انتقاد الصحابة والتابعين للإسرائيليات غير ذي معنى، وإنما كانت له مبرراته ودواعيه الصحيحة المتفقة مع النصوص والقواعد الشرعية، ومنها ما يلي:
أولاً: الخشية من مزاحمة المرويات الإسرائيلية لما مع المسلمين من الكتاب والسنة؛ إذ الانشغال بها يؤثر - ولا بد - على ارتباط المسلم بكتاب ربه خاصة إذا وافق قصوراً في الحصيلة الشرعية عند بعض الناس، ولذلك لما ضرب عمر الرجل الذي نسخ كتاب دانيال قرأ عليه صدر سورة يوسف؛ تنبيهاً له على الاشتغال بقصص القرآن وأخباره عن غيرها.
ولما محا ابن مسعود الصحيفة اليهودية قال: «إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره» (2).
ثانياً: الخشية من تصديق أهل الكتاب والوثوق بأقوالهم والركون إليهم مع--------------------------------------------
(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 162).
(2) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (17/ 42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
ثبوت التحريف والتبديل في كتبهم، وهذا جعل الصحابة يحذرون منهم، وينهون عن سؤالهم؛ ومن آثار الوثوق بالمرويات الإسرائيلية أنه يؤدي إلى تكذيب الحق وتصديق الباطل، وقد أشار ابن مسعود إلى ذلك بقوله: «فتكذبوا بحق وتصدقوا الباطل».
ومن توابع ذلك تكذيب ما جاء في الكتاب والسنة ومعارضتهما بتلك المرويات.
ثالثاً: أن الصحابة ينتقدون من يتتبع الأخبار الإسرائيلية ويبحث عنها، ويهتم بمعرفتها، أو يكثر من التحديث بها مع وجود ما ينكر فيها:
فعمر رضي الله عنه ينهى كعب الأحبار عن التحديث بالأخبار الإسرائيلية كما سبق، لكنه في أثر آخر يسأله ويقول: «ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فيقول كعب: كتب الله كتاباً لم يكتبه بقلم ولا مداد، ولكن كتبه بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: أنا الله لا إله إلا أنا، سبقت رحمتي غضبي» (1).
وقد ذكر ابن كثير أن كعباً لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه من كتبه القديمة، فربما استمع له، فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا عنه الروايات غثها وسمينها (2).
فكأن عمر - والله أعلم - استمع لكعب أول الأمر تأليفاً له، وبناء على--------------------------------------------
(1) جامع البيان (9/ 171).
(2) تفسير القرآن العظيم (7/ 28).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
الرخصة في ذلك، ثم لما أكثر من التحديث نهاه وقال له: «لتنتهين أو لألحقنك بأرض القردة» (1).
ويستفاد ذلك أيضاً من كلام عائشة رضي الله عنها في ابن عمرو، وقولها: إنه يتتبع الكتب، وتتبعه الكتب يفيد مزيد عنايته بها، فهي ليست مجرد رواية عابرة، وإنما تتبع واهتمام، وقد اشتهر ابن عمرو بالتحديث عن بني إسرائيل، فقد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما (2).
رابعاً: أن المستهدف من النقد بالدرجة الأولى عامة الناس ونقلة الأخبار ممن ليس لديهم الحصيلة العلمية الكافية للتعامل الصحيح مع الروايات الإسرائيلية، فلا يستطيعون التمييز بين الحق والباطل، وقد يضعون تلك الروايات في غير موضعها، فتحدث خللاً في عقائدهم وتصوراتهم (3).
إن هؤلاء لو لم يطرق أسماعهم سوى الإذن بالتحديث عن بني إسرائيل لأصبح لهم شأن آخر مع الروايات الإسرائيلية، فقد يبالغون في التصديق بها واعتمادها، ويكثرون من تتبعها والاهتمام بها، ومما يدل على ذلك:--------------------------------------------
(1) انظر البداية والنهاية (11/ 371).
(2) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/ 366)، والبداية والنهاية (1/ 52، 3/ 546)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 14)، والزاملة هي: البعير التي يحمل عليها المتاع، والمراد أنه أصاب حملي بعير من كتب أهل الكتاب، انظر لسان العرب (3/ 1864) مادة "زمل".
(3) انظر: البداية والنهاية (11/ 371)، والإسرائيليات في التفسير والحديث، د. الذهبي (76).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
1 - ما جاء عن ابن عباس في عدة روايات أنه سأل أهل الكتاب، وسبق تشديده في النهي عن سؤالهم، لكنه خاطب فيه عامة المسلمين فقال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب … إلخ (1).
2 - وكعب الأحبار مع كونه من المكثرين من الأخبار الإسرائيلية يستشعر هذا الخطر فيقول: «عليكم بالقرآن فإنه أحدث الكتب عهداً بالرحمن».
وفي رواية أخرى عنه أنه قال: «وإن الله تعالى قال في التوراة: يا موسى إني منزل عليك توراة حديثة، أفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً» (2).
وكأنه شعر بكثرة الأسئلة التي ترد إليه عما في الكتب السابقة، فأراد لفت انتباه المسلمين إلى أن ما بأيديهم أحسن من التوراة القديمة، والتي تعرضت للتحريف مع تقادم الزمن، وقد أنزل الله على المسلمين ما هو أحدث منها، فكيف يقبلون على القديم ويتركون الحديث؟ ! .
ووقوف العالم القوي ضد الإسرائيليات مؤثر في أتباعه، وقد ظهر ذلك جلياً في شدة موقف ابن مسعود رضي الله عنه من الإسرائيليات، وتأثر أتباعه بمنهجه، فقد اتقوا تفسير مجاهد لما رأوه يسأل أهل الكتاب.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يسأل أهل الكتاب عن الشهادة وغيرها (3/ 163)، وانظر تفسير التابعين، د. الخضيري (2/ 886).
(2) عزاه ابن حجر في فتح الباري (13/ 499) لابن أبي حاتم، وحسن إسناده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
وبعد … فإن من آثار انتقاد الصحابة والتابعين للإسرائيليات كبح جماح النقل عن بني إسرائيل وتتبع أخبارهم ومساءلتهم، فقد ولد شعوراً لدى المتلقين بالحذر من الإسرائيليات.
توجيه الرواية عن أهل الكتاب وسؤالهم:
والمعنيُ بذلك بدرجة أخص من انتقدوا الإسرائيليات وحدثوا بها؛ إذ لا ننكر أن بعض السلف - وبخاصة من التابعين - تسامح في نقل الإسرائيليات إلى درجة التساهل (1)، لكن من نقل عنهم انتقادها وروايتها، فلا بد من حمل روايتهم لها على محامل من أهمها ما يلي:
أولاً: ألاّ تعارض المرويات الإسرائيلية النصوص الشرعية، لأنها إذا كانت كذلك فهي داخلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (2)، أما إذا عارضت النصوص الشرعية ردوها وكذبوها، ومن شواهده:
1 - ما تقدم عن ابن مسعود رضي الله عنه وقوله: «إن كنتم سائليهم لا محالة، فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه».
وسبق تكذيب ابن مسعود لكعب في قوله: إن السموات تدور على منكب--------------------------------------------
(1) انظر الكلام عن السدي (ص 441).
(2) سبق تخريجه (ص 39)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
ملك، فرد عليه بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} (1).
2 - ما وقع بين أبي هريرة وكعب الأحبار في تحديد ساعة الجمعة، فعن أبي هريرة قال: «خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيما حدثته أن قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة (2) يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم - وهو يصلي - يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه»، فقال كعب: ذلك في كل سنةٍ يومٌ، فقلت: بل في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول صلى الله عليه وسلم …
ثم قال أبو هريرة: «ثم لقيت عبد الله بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار، وما حدثته به في يوم الجمعة، فقلت: قال كعب ذلك في كل سنةٍ يومٌ، قال: قال عبد الله بن سلام: كذب كعب، فقلت: ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة، فقال عبد الله بن سلام: صدق كعب، ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي؟ ، قال أبو هريرة: فقلت له: أخبرني بها ولا تضنَّ علي، فقال: هي آخر ساعة في يوم الجمعة، فقال أبو هريرة: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا--------------------------------------------
(1) سورة فاطر من الآية (41).
(2) أي: مستمعة منصتة، النهاية في غريب الحديث (3/ 64) مادة "صيخ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)