فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}، {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا}؟ ، فقال الحسن: إنك والله لا تسطو علي بشيء، إن للنار أهلاً لا يخرجون منها كما قال الله، فقال الرجل: يا أبا سعيد فيم دخلوها ثم خرجوا؟ ، قال: كانوا أصابوا ذنوباً في الدنيا، فأخذهم الله بها، فأدخلهم بها، ثم أخرجهم بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به» (1).
ثانياً: الشيعة.
أهم القضايا التي انتقد الصحابة والتابعون الشيعة فيها مما يتعلق بتفسير القرآن الغلو في أهل البيت، فبسبب غلو الشيعة فيهم تأولوا بعض الآيات على أن المراد بها أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأشاعوها في الناس، ومما جاء في نقدهم:
1 - عن محمد بن الحنفية (2) قال: «قلت لأبي: يا أبت أنت التالي في: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} (3) قال: لا والله، يابني وددت أني كنت أنا هو، ولكنه لسانه» (4).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (6/ 312 - 313).
(2) هو أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، والحنفية أمه، قيل: إنها من سبي اليمامة، ولد في العام الذي مات فيه أبو بكر، وكان من الشجعان، غلت فيه الشيعة، ومات سنة (81).
انظر: المعارف (ص 216)، ووفيات الأعيان (4/ 169)، وسير أعلام النبلاء (4/ 110).
(3) سورة هود من الآية (17).
(4) جامع البيان (12/ 354)، وتفسير ابن أبي حاتم (6/ 2014)، والمعجم الأوسط للطبراني (6/ 424).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
2 - وقال رجل لابن عباس: «إن ناساً بهذا العراق يزعمون أن علياً مبعوث قبل يوم القيامة، ويتأولون هذه الآية: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (1)، فقال ابن عباس: كذب أولئك، إنما هذه الآية للناس عامة، ولعمري لو كان علي مبعوثاً قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه» (2).
3 - وعن الشعبي رحمه الله قال: «أكثر الناس علينا في هذه الآية: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (3)، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط بيت في قريش، ليس بطن من بطونهم إلا قد ولده، فقال الله عز وجل: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} إلى ما أدعوكم إليه إلا أن تودوني بقرابتي منكم وتحفظوني بها» (4).
4 - وعن عكرمة في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} (5) قال: «ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم» (6).--------------------------------------------
(1) سورة النحل آية (38).
(2) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (1/ 307)، وابن جرير في جامع البيان (14/ 220) واللفظ له، وهو بنحوه في سنن سعيد بن منصور (2/ 594 - 595)، والمستدرك للحاكم (2/ 265) دون ذكر الآية، وانظر مسند أحمد (1/ 148).
(3) سورة الشورى من الآية (23).
(4) تقدم تخريجه (ص 242).
(5) سورة الأحزاب من الآية (33).
(6) انظر (ص 226).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
* ومما اشتهر به الشيعة إيجاب مسح الرجلين في الوضوء، واستدلوا بقول الله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} (1) حيث عطف الأرجل على الرؤوس الممسوحة، ورُد عليهم هذا الفهم بأنه لم يوافقهم أحد عليه، بل العمل على خلافه مع كونهم يقرؤون بجر أرجلكم (2):
1 - فعن عطاء رحمه الله أنه قال عند تفسير هذه الآية: «لم أر أحداً يمسح على القدمين» (3).
2 - وعن الأعمش رحمه الله قال: «كانوا يقرؤونها: (بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) بالخفض، وكانوا يغسلون» (4).
ثالثاً: القدرية.
والمراد بهم نفاة القدر، وظهر هؤلاء في عهد الصحابة رضي الله عنهم، وتقدم عن--------------------------------------------
(1) سورة المائدة من الآية (6)، وانظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/ 48).
(2) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة وشعبة عن عاصم، السبعة (ص 242 - 243)، والنشر (2/ 254).
(3) جامع البيان (8/ 194)، وانظر مصنف ابن أبي شيبة (1/ 20).
(4) السنن الكبرى للبيهقي (1/ 71)، والدر المنثور (2/ 262)، وعزاه لعبد بن حميد، وقد روي المسح على الرجلين عن بعض أهل السنة، انظر: المغني (1/ 184)، والجامع لأحكام القرآن (3/ 2088)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/ 48).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
يحيى بن يعمر أنه قال لابن عمر: «يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُف» (1).
والقدرية في بداية ظهورهم أنكروا علم الله تعالى بالأشياء، وزعموا أن الأمر أنف، وأن الله تعالى لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه إلا بعد وقوع ذلك منه، وقد اشتد إنكار الصحابة عليهم كأبي هريرة وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم مما أدى إلى انقراض قولهم (2)، ومما جاء فيهم (3):
أنه قيل لعلي رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين إن ها هنا قوماً يقولون: إن الله لا يعلم ما يكون حتى يكون، فقال: ثكلتهم أمهاتهم من أين قالوا هذا؟ ، قيل: يتأولون القرآن في قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (4)، فقال علي رضي الله عنه: من لم يعلم هلك، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس تعلموا العلم واعملوا به وعلموه، ومن أشكل عليه شيء--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم، كتاب الإيمان (1/ 36) برقم (1).
(2) انظر في نشأة مذهبهم: الفرق بين الفرق (18)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (8/ 228)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص 250)، والقضاء والقدر د. عبد الرحمن المحمود (ص 117) وما بعدها.
(3) وتقدم قول القرظي فيهم: «والذي نفس محمد بيده لوددت أن يميني هذه تقطع على كبر سني، وأنهم أتوا من كتاب الله عز وجل آية، ولكنهم يأخذون بآخرها ويتركون أولها».
وقول ابن سيرين: «إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به».
(4) سورة محمد آية (31).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
من كتاب الله فليسألني، إنه بلغني أن قوماً يقولون: إن الله لا يعلم ما يكون حتى يكون لقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ} الآية، وإنما قوله: {حَتَّى نَعْلَمَ} يقول: حتى نرى من كتب عليه الجهاد والصبر إن جاهد وصبر على ما نابه وأتاه مما قضيت عليه» (1).
فهؤلاء القوم فهموا من قوله تعالى: {حَتَّى نَعْلَمَ} أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، وقد خَطَّأ عليٌّ فهمهم ورده عليهم لدلالة النصوص الكثيرة على أن الله يعلم كل شيء - ما كان وما سيكون - دون استثناء، فلا بد لهذه الآية من معنى آخر غير ما فهموه كي يتفق مع الآيات الأخرى، وهو ما بينه علي رضي الله عنه من أن العلم المذكور هو علم الوقوع والوجود (2).
ويفيد أثر علي رضي الله عنه أن القول بالقدر بدأ في عهده، وجاء عن يحيى بن يعمر أنه قال: «كان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني» (3)، فيحتمل أنه وأصحابه--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 465) [ط. دار ابن الجوزي] معلقاً على أبي سنان، وقال محقق الكتاب: «رجاله ثقات».
(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن (7/ 6074)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (8/ 496)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (7/ 304).
(3) صحيح مسلم، كتاب الإيمان (1/ 36) برقم (1)، ومعبد هو ابن عبد الله ويقال: ابن خالد الجهني، أخذ القدر عن سوسن النصراني، روى عن ابن عمر وابن عباس، قال الذهبي: «صدوق في نفسه، لكنه سن سنة سيئة»، قتله الحجاج عام (80) بعدما عذبه لخروجه مع ابن الأشعث.
انظر: المجروحين (2/ 375)، وتاريخ الإسلام حوادث سنة (81 - 100 ص 199)، وميزان الاعتدال (5/ 266)، والبداية والنهاية (12/ 302).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
كانوا يثيرون مسائل القدر في خلافة علي رضي الله عنه كما في الأثر المتقدم، ثم تبنى معبد القول بالقدر بعد ذلك، وعرف به واشتهر عنه، فإنه شهد يوم التحكيم، ولقي أبا موسى رضي الله عنه ووصاه في أمر التحكيم، ثم اجتمع بعمرو بن العاص ووصاه في ذلك، فقال له عمرو رضي الله عنه: «إيهاً تيسَ جهينة! ما أنت وهذا، لست من أهل السر ولا من أهل العلانية، والله ما ينفعك الحق ولا يضرك الباطل» (1)، والله أعلم.
ثم ظهر بعد هؤلاء الغلاة قوم أخف بدعة منهم، فكانوا يقرون بعلم الله بالأشياء، لكنهم ينكرون تقديره لها، ويزعمون أن العبد يستقل بفعل الخير والشر (2)، وكان السلف يحتجون علىهم بالعلم، كما جاء عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال لغيلان: «ألست تقر بالعلم؟ ، قال: بلى، قال: فما تريد؟ ! ؛ إن الله يقول: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ}» (3).
* وينتهز بعض القدرية الفرصة لإخراج بعض الأشياء عن أن تكون داخلة في القدر، وذلك عند ورود الآيات العامة في أن كل شيء بتقدير الله، فعن عبيد الله بن عمر قال: «كان يحيى بن سعيد يحدثنا، فيسيح علينا مثل اللؤلؤ، فإذا--------------------------------------------
(1) تاريخ دمشق (59/ 316)، والبداية والنهاية (12/ 303) وعلق ابن كثير على قول عمرو بقوله: «وهذا توسم فيه من عمرو بن العاص».
(2) انظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني (1/ 300 - 302).
(3) سورة الصافات الآيات (161 - 163)، والأثر أخرجه الفريابي في كتاب القدر (ص 203)، وعبد الله بن أحمد في السنة (2/ 428 - 429).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
طلع ربيعة [يعني ربيعة الرأي (1)]
قطع يحيى حديثه إجلالاً لربيعة، وإعظاماً له، قال عبيد الله: فتلا يحيى بن سعيد هذه الآية يوماً: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (2)، فقال جميل بن نباتة العراقي (3): يا أبا سعيد أرأيت السحر من خزائن الله التي تنزل؟ ، فقال يحيى: مه ما هذا من مسائل المسلمين، وأُفْحِمَ القوم، فقال عبد الله بن أبي حبيبة (4): إن أبا سعيد ليس من أصحاب الخصومة، إنما هو إمام من أئمة المسلمين، ولكن عليَّ فأقبل، أما أنا فأقول: إن السحر لا يضر إلا بأذن الله، فتقول أنت غير ذلك؟ ، قال: فسكت ولم يقل شيئاً، قال عبيد الله: فكأنما كان علينا جبل فوضع عنا» (5).
ويظهر أن الرجل السائل من أهل القدر الذين ينفون أن تكون أعمال العباد كلها داخلة تحت مشيئة الله تعالى.--------------------------------------------
(1) هو أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي مولاهم المدني، سمع أنساً، وروى عنه مالك والثوري، أقدمه أبو العباس السفاح إلى العراق ليوليه القضاء، فمات بالأنبار سنة (136).
انظر: المعارف (ص 496)، وتاريخ بغداد (8/ 420)، ووفيات الأعيان (2/ 288).
(2) سورة الحجر آية (21).
(3) لم أقف على ترجمته.
(4) لم أقف على ترجمته كذلك.
(5) المعرفة والتاريخ (1/ 648)، وكتاب القدر للفريابي (ص 219 - 220)، والشريعة (ص 253)، والقضاء والقدر للبيهقي (323 - 324).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
رابعاً
نقد تفسير المتشابه
ورد في الكتاب والسنة ذم تتبع متشابه القرآن وطلب تأويله، فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (1).
ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما تلا الآية السابقة: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم» (2).
وعلى هذا المنهج سار السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، فحذروا من اتباع المتشابه وتأويله.
وكي ندرك - بوضوح - موقف الصحابة والتابعين من تفسير المتشابه وتأويله؛ ينبغي أولاً معرفة مفهومهم له.--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران آية (7).
(2) تقدم تخريجه (ص 32).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
فأكثر تعريفات الصحابة والتابعين ومن بعدهم تتفق على أن المتشابه هو ما كان في معناه خفاء، وهذا موافق لمعنى المتشابه في اللغة؛ حيث يطلق على الملتبس، فيقال: اشتبهت الأمور وتشابهت: إذا التبست وأشبه بعضها بعضاً، ويقال: شبه عليه الأمر: إذا لبس عليه (1).
وإذا تأملنا تعريفات السلف الاصطلاحية للمتشابه أمكن تقسيمه إلى قسمين (2):
القسم الأول: المتشابه المطلق، وهو ما لا يتمكن أحد من تأويله، كأن يكون الله تعالى استأثر بعلمه، وهذا القول مروي - أيضاً - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه (3).
وعلى هذا المعنى يحمل قول ابن عباس رضي الله عنهما عندما قسم التفسير إلى أربعة أوجه،--------------------------------------------
(1) أساس البلاغة (ص 320)، ولسان العرب (4/ 2190) مادة "شبه".
(2) انظر هذا التقسيم في: مجموع الفتاوى (3/ 62، 13/ 144، 17/ 380 - 383)، والموافقات (3/ 315)، والتيسير في قواعد التفسير (ص 40)، وأصول في التفسير (ص 49).
(3) انظر: زاد المسير (1/ 351)، والجامع لأحكام القرآن (2/ 1251)، ومجموع الفتاوى (17/ 419)، وجابر بن عبد الله هو ابن رئاب الأنصاري السلمي، شهد بيعة العقبة الأولى، قال ابن عبد البر: «شهد بدراً، وأحداً، والخندق، وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أول من أسلم من الأنصار قبل العقبة الأولى».
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 2/114)، والاستيعاب "بذيل الإصابة" (2/ 108)، وأسد الغابة (1/ 306).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
فذكر منها: «وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب» (1).
ويندرج تحت هذا القسم صور:
الصورة الأولى: حقيقة صفات الله والإحاطة بكنهها وكيفيتها، وهي متشابهة من هذه الجهة، أما من حيث معرفة معانيها ودلالتها فهي من المحكم، كما قال الإمام مالك عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول (2).
ومما يدل على دخولها في المتشابه ما جاء عن طاوس قال: «سمعت رجلاً يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة هذا (3)، فقام رجل فانتفض، فقال: ما فرق--------------------------------------------
(1) تفسير عبد الرزاق (1/ 59)، وجامع البيان (1/ 70)، وأخرجه ابن جرير في (1/ 70)، وابن المنذر في تفسيره (1/ 131) عن ابن عباس مرفوعاً، ولفظه عند ابن جرير: «ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب»، وذكر أن في إسناده نظراً، قال ابن كثير في تفسيره (1/ 18): «والنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي، فإنه متروك الحديث، لكن قد يكون إنما وهم في رفعه، ولعله من كلام ابن عباس».
(2) انظر تفصيل ذلك في: مجموع الفتاوى (3/ 57 - 59، 13/ 306، 17/ 373، 379، 426)، والرسالة التدمرية مع التحفة المهدية (ص 232) وما بعدها، والقواعد الكلية للأسماء والصفات (ص 303)، وسيأتي تخريج قول مالك قريباً.
(3) هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فأما النار فإنهم يلقون فيها، وتقول: هل من مزيد؟ ، فلا تمتلئ حتى يضع رجله - أو قال: قدمه - فيها، فتقول: قط، قط، قط، فهنالك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض»، أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، باب: {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} (6/ 47 - 48).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
هؤلاء يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟ ! » (1).
الصورة الثانية: ما أخبر الله به عن الساعة وأشراطها وما يقع فيها، فإنه لا يعلم وقته وقدره ونوعه وصفته إلا الله عز وجل (2).
الصورة الثالثة: الحروف المقطعة عند من يرى أنه لا سبيل إلى معرفة المراد بها، فابن عباس في بعض أقواله يرى أنها من المتشابه (3).
وعن داود بن أبي هند (4) قال: «كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، فيقول: يا داود إن لكل كتاب سراً، وإن سر هذا القرآن فواتح السور فدعها، وسل--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (11/ 423)، وابن أبي عاصم في السنة (1/ 212)، قال الألباني في تعليقه عليه: «إسناده صحيح»، وقوله: «ما فرق هؤلاء؟ ! » أي: ما خوفهم وفزعهم عند ذكر أحاديث الصفات، وانتفض الرجل استنكاراً للحديث والصفة المذكورة فيه؛ إما لأن عقله لم يحتمله، أو لاعتقاده عدم صحته، وأنكر عليه ابن عباس؛ لأن الواجب الإيمان والتسليم لما صح عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإن لم يحط به علماً. انظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص 515)، والقول المفيد لابن عثيمين (2/ 304).
(2) انظر: جامع البيان (5/ 199)، ومجموع الفتاوى (13/ 278، 17/ 372 - 373).
(3) معالم التنزيل للبغوي (2/ 8).
(4) هو داود بن دينار القشيري، أبو بكر البصري، رأى أنساً، وروى عن كبار التابعين، كان من حفاظ البصرة، قال الذهبي: «كان رأساً في العلم والعمل»، توفي سنة (139 أو 140).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 2/20)، وتذكرة الحفاظ (1/ 146).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
عما بدا لك» (1).
القسم الثاني: المتشابه النسبي الذي يتفاوت الناس في معرفته، فيعرفه بعضهم ويخفى على آخرين، ويندرج تحت هذا القسم صور:
الصورة الأولى: المنسوخ، والقول بأنه من المتشابه مروي عن ابن مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك والسدي (2).
وقد سبق بيان مفهوم المنسوخ عند السلف وأنه أعم من المنسوخ الاصطلاحي، فيشمله ويشمل كل نص تُرك ظاهره لمعارض راجح، مثل: المطلق إذا جاء ما يقيده، والعام إذا جاء ما يخصصه، والمجمل إذا ورد ما يبينه.
ووجه كون هذه الثلاثة من المتشابه احتمالها أكثر من معنى، ووجود الاحتمال مظنة الاشتباه عند بعض الناس، وتوهم إرادة بعض المعاني، فإذا جاء التقييد والتخصيص والبيان رفع ما يتوهم دخوله في معنى الآية، ولذا عُدت هذه الأشياء قبل ورود مبيناتها من المتشابه.
وأما وجه دخول المنسوخ الاصطلاحي في المتشابه؛ فلأن الناس مأمورون بالإيمان المجمل به دون الوقوف على تفصليه بخلاف الناسخ، فإنهم مأمورون--------------------------------------------
(1) الدر المنثور (1/ 23) وعزاه لابن المنذر.
(2) جامع البيان (5/ 193 - 196، 205).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
بالعمل به، فيلزمهم معرفة تفصليه (1).
وجاء في كلام السدي ما يدل على أن المنسوخ بمعناه الواسع داخل في المتشابه، ففي قوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} قال رحمه الله: «يتبعون المنسوخ والناسخ، فيقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا مكان هذه الآية، فتركت الأولى وعمل بهذه الأخرى، هلاّ كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نسخت؟ ! ، وما باله يعد العذاب من عمل عملاً يعذبه في النار، وفي مكان آخر من عمله فإنه لم يوجب النار؟ » (2).
الصورة الثانية: ما احتمل أوجهاً من التأويل، وعدم القطع بأحد احتمالات التأويل يجعل الآية مشتبهة خفية المعنى عند من لم يقطع بشيء فيها، وقد صنف الطبري تحت هذه الصورة قول محمد بن جعفر بن الزبير (3) في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، قال: «فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت--------------------------------------------
(1) انظر في ذلك: مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/ 272، 14/ 101، 133، 17/ 388)، وإعلام الموقعين (1/ 35)، والموافقات (3/ 306، 344).
(2) جامع البيان (5/ 205).
(3) ابن العوام القرشي الأسدي، روى عن عمه عبد الله بن الزبير ولم يسمع منه، وروى عنه ابن إسحاق وابن جريج، وكان من فقهاء المدينة وقرائهم، وحديثه في الكتب الستة، توفي بعد سنة عشرٍ ومائة.
انظر: التاريخ الكبير (1/ 1/54)، وتهذيب التهذيب (3/ 530).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
عليه، {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق» (1).
والآيات التي تحتمل أكثر من وجه في التأويل يحتاج المفسر فيها إلى بعض المرجحات ليصل إلى المعنى المراد.
الصورة الثالثة: الآيات التي يظهر منها التعارض، وهذه تشتبه على بعض الناس، فلا يعرف - بدقة - وجه تأويلها، ولا يمكنه الوقوف على معناها الصحيح إلا بالنظر في الأدلة الأخرى للترجيح أو الجمع بينها (2).
ولما سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن بعض الآيات التي ظاهرها التعارض، قال له ابن عباس: «إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن» (3).
ومما تقدم يتبين سعة مفهوم المتشابه عند الصحابة والتابعين، فهم يعتبرون كل ما أشكل معناه والتبس على بعض الناس فهمه متشابهاً، قال ابن تيمية: «ولهذا كان السلف رضي الله تعالى عنهم يسمون ما أشكل على بعض الناس حتى فهم منه--------------------------------------------
(1) جامع البيان (5/ 197).
(2) فتح القدير (1/ 317).
(3) سيأتي ذكره كاملاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
غير المراد متشابهاً» (1).
والتقسيم المتقدم للمتشابه من حيث معرفة تأويله.
وهناك تقسيم آخر للمتشابه من حيث حكم الخوض في تفسيره وتأويله، وهو مقصود البحث ومحط الاهتمام، وهو وثيق الارتباط بالتقسيم السابق؛ إذ لا يمكن معرفة الجائز من تأويل المتشابه من غير الجائز عند الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وغيرهم إلا بالتصور التام لمرادهم به.
والمتشابه الذي انتقد الصحابة والتابعون طلب تأويله، وعليه تحمل النصوص الواردة عنهم في ذمه هو:
* المتشابه المطلق الذي لا يمكن إدراك معناه، والمنع من تأويل هذا النوع ظاهر.
* والمتشابه النسبي الذي يتفاوت الناس في معرفته، وانتقاد الصحابة والتابعين لمن طلب تأويل هذا النوع ليس على إطلاقه، وإنما في بعض الحالات، كمن يبحث في معنى المتشابه أو يسأل عنه على سبيل التعنت وضرب القرآن بعضه ببعض؛ لا على سبيل الاسترشاد وطلب فهم المعنى، وحين ذم القرآن الكريم--------------------------------------------
(1) بيان تلبيس الجهمية (8/ 499)، وانظر: تأويل مشكل القرآن (ص 102)، والاعتصام (1/ 233)، والبرهان (2/ 200).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
متبعي المتشابه ذكر صفتهم المنفرة عنهم، وهي زيغ قلوبهم وانحرافها، وذكر علتهم ومقصدهم في اتباع المتشابه، وهي اتباعه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وهذان الأمران - أعني زيغ القلوب وابتغاء الفتنة - يمنعان المرء من الوصول إلى المعنى الصحيح للآية (1).
ومن صور الفتنة التي يسعى إليها من يطلب تفسير المتشابه ويثير الأسئلة حوله: اتباع المتشابه للاستدلال به على أهوائه وآرائه، وتفسيره بما يتفق مع مذهبه ومعتقده، وفي المقابل مجادلة أهل السنة ومخاصمتهم به، والتشكيك في قناعات ومعتقدات عامة الناس، ومما يؤكد إرادته الفتنة أنه في مقابل اتباع المتشابه يدع الآيات الواضحة البينة المحكمة التي لا لبس فيه ولا غموض، ولا تحتاج إلى تكلف تأويلها، كمن يترك قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (2)، وقوله تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} (3)، وقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} (4)، وقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (5)، فيدع هذه الآيات المحكمات الصريحة في--------------------------------------------
(1) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/ 275).
(2) سورة البقرة آية (163).
(3) سورة طه من الآية (14).
(4) سورة المؤمنون من الآية (91).
(5) سورة الصمد الآيتان (3، 4).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
وحدانية الله، ويزعم أن الله تعالى ثالث ثلاثة، أو أن المسيح ابن الله، ويستدل بالمتشابه من آيات الكتاب كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} (1)، وفي مثل هؤلاء نزل قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (2)، وهؤلاء النصارى لهم نظير من أهل البدع؛ فكم تركوا من الآيات المحكمات وتعلقوا ببعض المتشابه، وردوا بها نصوصاً صريحة صحيحة.
ومن أمثلة ذلك:
1 - اتباعُ القدرية قوله تعالى: { … اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} (3)، وقوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (4)، وتركُ الآيات التي بينتها، مثل قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (5).
2 - اتباع الخوارج لقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} (6)، وترك مبينه وهو--------------------------------------------
(1) سورة النساء من الآية (171).
(2) انظر ما تقدم في التمهيد (ص 32)، وانظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/ 277).
(3) سورة فصلت من الآية (40).
(4) سورة الكهف من الآية (29).
(5) سورة الإنسان من الآية (30).
(6) سورة الأنعام من الآية (57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
قوله: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} (1)، وقوله: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} (2).
وقد علق الشاطبي على هذه الأمثلة بقوله: «وهكذا سائر من اتبع هذه الأطراف من غير نظر فيما وراءها، ولو جمعوا بين ذلك، ووصلوا ما أمر الله به أن يوصل لوصلوا إلى المقصود» (3).
طرق الصحابة والتابعين في نقد تأويل المتشابه:
سلك الصحابة والتابعون رضي الله عنهم طرقاً مختلفة في انتقاد متبعي المتشابه؛ نظراً للخطر الكبير الذي يمثله من يتبع المتشابه ويطلب تأويله وأثره السيئ على الفهم السليم للقرآن الكريم، وما يتبع ذلك من انحراف بعض الناس عن الحق، ووقوعهم تحت تأثير تأويلاتهم الباطلة، والطرق التي سنذكرها عنهم ليس المستهدف فيها من يتبع المتشابه فحسب، وإنما يدخل في بعضها أهل الحق على سبيل وقايتهم وحمايتهم من تتبع المتشابه وطلب تأويله، ومن الطرق التي سلكها الصحابة والتابعون ما يأتي:--------------------------------------------
(1) سورة النساء من الآية (35).
(2) سورة المائدة من الآية (95).
(3) الموافقات (3/ 313 - 314).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
أولاً: التشنيع على متبعي المتشابه والإنكار عليهم، وبيان سوء سبيلهم ومسلكهم، وقد يصل الأمر إلى تأديبهم، ومن شواهده:
1 - تأديب عمر رضي الله عنه لصبيغ، وجاء في بعض الروايات أنه كان يسأل عن متشابه القرآن (1)، وسياق القصة يدل على أنه كان معروفاً بهذا الأمر، ففي بعض الروايات: أنه قيل لعمر: «يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن، فقال: اللهم أمكني منه، فبينما عمر رضي الله عنه ذات يوم يغدي الناس؛ إذ جاءه رجل عليه ثياب وعمامة يتغدى، حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} (2)؟ ، فقال عمر رضي الله عنه: أنت هو! » (3)، ثم ضربه وحبسه، وأمر المسلمين بهجره (4).
وقد بين ابن تيمية وجه كون الآيات التي سأل عنها صبيغ من المتشابه، فقال: «والذاريات، والحاملات، والجاريات، والمقسمات فيها اشتباه، لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم والملائكة، ويحتمل غير ذلك، إذ ليس في اللفظ ذكر الموصوف، والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو أعيان السحاب وما تحمله من--------------------------------------------
(1) جاء ذلك في سنن الدارمي (1/ 58)، والشريعة للآجري (ص 79).
(2) سورة الذاريات الآيتان (1، 2).
(3) أخرج هذه الرواية الآجري في الشريعة (ص 78)، وفي سنن الدارمي (1/ 59) أن صبيغاً كان يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين، فبُعث به إلى عمر.
(4) تقدم تخريج القصة (ص 75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
الأمطار ومتى ينزل المطر؟ ، وكذلك في الجاريات والمقسمات، فهذا لا يعلمه إلا الله» (1).
وقال ابن كثير: «وكأنه - والله أعلم - إنما ضربه لما ظهر من حاله أن سؤاله سؤال استشكال، لا سؤال استرشاد واستدلال، كما يفعله كثير من المتفلسفة الجهال والمبتدعة الضلال، فنسأل الله العافية في هذه الحياة الدنيا وفي المآل» (2).
2 - وسأل ابن الكواء (3) علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: «يا أمير المؤمنين ما {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} (4)؟ ، فقال: ويلك سل تفقهاً، ولا تسأل تعنتاً» (5).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (13/ 312).
(2) مسند الفاروق (2/ 606 - 607)، وانظر تعليق الآجري على هذه القصة في الشريعة (ص 79).
(3) هو عبد الله بن عمرو اليشكري، اشتهر بصحبة على رضي الله عنه، قال ابن حجر: «له أخبار كثيرة مع علي، وكان يلزمه ويعييه في الأسئلة، وقد رجع عن مذهب الخوارج، وعاود صحبة علي».
انظر: المعارف (ص 535)، ولسان الميزان (3/ 406).
(4) سورة الذاريات الآيات (1 - 4).
(5) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 195)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (1/ 114)، وهو في الجامع لابن وهب (2/ 65 - 66) بلفظ: «ثكلتك أمك يا بن الكواء».
والقصة - دون قوله: "ويلك … " - أخرجها: ابن جرير في جامع البيان (21/ 481)، والحاكم في المستدرك (2/ 466 - 467)، وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (5/ 47، 7/ 391)، وفتح الباري (8/ 599).
وقد ذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوى (13/ 312) الفرق بين فعل عمر مع صبيغ، وفعل علي مع ابن الكواء؛ فذكر أن علياً لم يؤدب ابن الكواء كما فعل عمر مع صبيغ؛ لأن رعيته كانت ملتوية عليه، ولم يكن مطاعاً فيهم طاعة عمر حتى يؤدبه، وانظر تعليق محمد رشيد رضا على القصة في الاعتصام (1/ 81).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)