هي أحاديث من أعمال القصاص» (1).
2 - ويقول الشوكاني عند قول تعالى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} (2): «وقد روي نحو هذا مما يتضمن المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم ولا فائدة في بسط ذلك، فغالبه من أكاذيب القصاص» (3).
وأما انتقاد الصحابة والتابعين رضي الله عنهم تفاسير القصاص، فمن وجوه:
الأول: انتقاد ضعف التأصيل العلمي لدى القصاص، وعدم أخذهم بالعلوم التي لا بد منها للمفسر كعلم الناسخ والمنسوخ مثلاً، فقد مر علي بن أبي طالب بقاص يقص فقال له: «أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ ، فقال: لا، قال: هلكت وأهلكت»، وجاء مثل ذلك عن ابن عباس (4).
الثاني: انتقاد القصاص على جرأتهم في تفسير القرآن وتعجلهم في تأويله دون استناد إلى دليل، فعن مسروق قال: «دخلنا المسجد فإذا رجل يقص على أصحابه،--------------------------------------------
(1) زاد المسير (4/ 209)
(2) سورة المائدة من الآية (23).
(3) فتح القدير (2/ 29)، وانظر: روح المعاني (7/ 238)، والتحرير والتنوير (8/ 292، 16/ 174، 20/ 105، 29/ 359، 30/ 282، 483)
(4) انظر ما تقدم (ص 131).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
ويقول: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} (1) أتدرون ما ذلك الدخان؟ ، ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ أسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، قال: فأتينا ابن مسعود، فذكرنا ذلك له وكان مضطجعاً، ففزع فقعد، فقال: إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (2)، إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، سأحدثكم عن ذلك إن قريشاً لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء، فلا يرون إلا الدخان، قال الله تبارك وتعالى: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فقالوا: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} (3)، قال الله جل ثناؤه: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} (4)، قال: فعادوا يوم بدر فانتقم الله منهم» (5).--------------------------------------------
(1) سورة الدخان الآية (10).
(2) سورة ص الآية (86).
(3) سورة الدخان الآيات (10 - 12).
(4) سورة الدخان الآيتان (15، 16).
(5) جامع البيان (21/ 14)، وقد أخرجه البخاري في صحيحه بنحو هذا السياق، في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} (6/ 40).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
والمعنى الذي ذكره القاص وإن كان هو الراجح في تأويل الآية (1)، فإن إنكار ابن مسعود رضي الله عنه يكشف لنا موقف الصحابة من القصاص، فقد أنكر ابن مسعود تكلف القاص وتجشمه ما لا علم له به، وإخباره عن أمر لا بد فيه من نقل عن المعصوم صلى الله عليه وسلم، وبين أنه لا حرج في الاعتراف بعدم العلم (2).
الثالث: يجتهد القصاص في إضفاء الصبغة الشرعية على مجالسهم ومواعظهم، وحشد أكبر عدد من الناس للاستماع إليه، وبسبب انتقاد الصحابة والتابعين لهم وانصراف الناس عنهم يقابل القصاص ذلك بترغيب الناس وحثهم على حضور مجالسهم، وينتزعون الأدلة من الكتاب والسنة، ويتأولونها بأن المعني بها هم ومن يجلس إليهم دون غيرهم، ويشيعون ذلك في الناس، ومن تلك الأدلة: قوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (3)، وقوله:--------------------------------------------
(1) وهو قول علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وهو ما رجحه ابن القيم وابن كثير، وهو أن الدخان سيقع قبل يوم القيامة، ودليله ما رواه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة (4/ 2225) برقم (2901) عن حذيفة بن أسيد الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات، وذكر منها الدخان»، وسياق الآيات يؤيده، انظر: جامع البيان (21/ 13 - 21)، وإعلام الموقعين (4/ 154)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (7/ 235).
(2) انظر تفسير الصحابة د. بدر (ص 43).
(3) سورة الأنعام من الآية (52).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} (1)، فجعلوا هذه الآيات وأمثالها فيمن يجلس إليهم ويحضر مواعظهم، وادعوا نزولها فيهم، وقد انتقد بعض التابعين هذا الفهم الضيق:
1 - فعن مجاهد قال: «صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم الإمام ابتدر الناسُ القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرعهم إلى هذا المجلس! ، قال مجاهد: فقلت: يتأولون ما قال الله تعالى، قال: وما قال؟ ، قلت: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، قال: وفي هذا ذا؟ ! ، إنما ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة».
2 - وعن إبراهيم النخعي قال في هذه الآية: «هي الصلوات الخمس الفرائض، ولو كان كما يقول القصاص هلك من لم يجلس إليهم».
3 - وقيل للحسن البصري: «يا أبا سعيد أرأيت قول الله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} أهم هؤلاء القصاص؟ ، قال: لا، ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة».
4 - وعن أبي جعفر أنه قال في هذه الآية: «كان يقرئهم القرآن، من الذي--------------------------------------------
(1) سورة الكهف من الآية (28).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
يقص على النبي صلى الله عليه وسلم؟ ! » (1).
5 - وعن طلحة بن عبيد الله بن كريز (2) قال: «رأيت عبيد بن عمير (3)
وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاص يقص، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ [يريد قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (4)] قال: فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت، فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة، فنظرا إلي، فقالا: إنما ذلك في الصلاة: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}» (5).
ومراده بالموعود الرحمة المذكورة في الآية، فإن الله تعالى وعد في الآية من--------------------------------------------
(1) تنظر هذه الآثار في جامع البيان (9/ 264 - 268).
(2) الخزاعي الكوفي، أبو المطرف، روى عن ابن عمر وأبي الدرداء، وعنه حميد الطويل، قال ابن سعد: «كان قليل الحديث»، ووثقه أحمد والنسائي.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 1/166)، وتهذيب التهذيب (2/ 241).
(3) هو أبو عاصم الليثي المكي، قاص أهل مكة، من كبار التابعين روى عن عمر وعلي وأبي بن كعب، وكان ابن عمر يجلس إليه ويقول: «لله در ابن قتادة ماذا يأتي به»، وحديثه في الكتب الستة، توفي سنة (68).
انظر: التاريخ الكبير (3/ 1/455)، وتهذيب التهذيب (3/ 38).
(4) سورة الأعراف آية (204).
(5) جامع البيان (10/ 659 - 660)، وانظر سنن سعيد بن منصور (5/ 182).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
أنصت واستمع للقرآن الكريم بالرحمة، وكان القصاص يروجون لمثل هذه التأويلات، فينزلون بعض النصوص على استماع قصصهم ومواعظهم.
ومن سمات القصاص أنهم يميلون إلى التشديد، والإكثار في المواعظ من ذكر آيات الوعيد والترهيب، فقد دخل ابن مسعود رضي الله عنه المسجد، فإذا قاص يذكر النار والأغلال، فجاء حتى قام على رأسه، فقال: «يا مذكر أتقنط الناس؟ {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية» (1).
وقالت عائشة رضي الله عنها لقاص: «إياك وتقنيط الناس وإهلاكهم» (2).--------------------------------------------
(1) سورة الزمر من الآية (53)، والأثر في جامع البيان (20/ 228)، والمعجم الكبير للطبراني (9/ 127).
(2) مصنف عبد الرزاق (3/ 220).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
سابعاً
نقد التكلف في التفسير
يتمتع الصحابة والتابعون رضي الله عنهم بقدر كبير من الجد والاهتمام بالعلم والعمل، والحرص على ما فيه ثمرة وفائدة، وبسببه انصرفوا عما لا يعنيهم، وانتقد بعضهم من تعرض لتفسير بعض الآيات أو حاول فهمها، معتبراً ذلك من التكلف المذموم.
وفي "مفردات ألفاظ القرآن": «التكلف اسم لما يفعل بمشقة أو تصنع أو تشبع، ولذلك صار التكلف على ضربين:
محمود: وهو ما يتحراه الإنسان ليتوصل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلاً عليه، ويصير كلفاً به ومحباً له، وبهذا النظر يستعمل التكليف في تكلف العبادات.
والثاني: مذموم وهو ما يتحراه الإنسان مراءاة، وإياه عنى بقوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (1)» (2).--------------------------------------------
(1) سورة ص آية (86).
(2) (ص 721 - 722)، وانظر: معجم مقاييس اللغة (ص 876)، ولسان العرب (5/ 3916)، والقاموس المحيط (ص 1099) مادة "كلف".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
ولا بد حين الحكم على تفسير بأنه متكلف من مراعاة أمرين:
الأول: النظر في حال من يفسر القرآن، أو يطلب تفسيره، ومعرفة هدفه وقصده، كأن يقصد الرياء والتصنع، أو إعياء من يسأله عن التفسير.
الثاني: النظر في الآيات المراد تفسيرها.
وبين أيدينا بعض الشواهد عن الصحابة والتابعين في نقد التكلف في تفسير القرآن، وهي لا تخرج عن الصور الآتية:
أولاً: أن يكون المراد من الآية معلوماً، فيتكلف المرء تفسير بعض الألفاظ الخفية مما لا يتوقف عليها فهم المراد من الآية، ومن شواهده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} (1)، وقال: «هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ، ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر»، وفي رواية قال: «وما عليك ألا تدري ما الأب؟ » (2).--------------------------------------------
(1) سورة عبس آية (31).
(2) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (2/ 211)، وسعيد بن منصور في سننه (1/ 181)، وابن أبي شيبة في المصنف (10/ 512)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (3/ 1/237)، وابن جرير في جامع البيان (24/ 123)، والحاكم في المستدرك (2/ 514) كلهم من رواية أنس بن مالك عن عمر، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 283) من طريق الزهري عن عمر، وأخرجه ابن وهب في الجامع (2/ 123) من رواية عبد الرحمن بن محمد الزهري عن عمر، وأخرجه البخاري في صحيحه من طريق أنس في كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه (8/ 143) مقتصراً على قوله: «نهينا عن التكلف».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
وقد علق ابن كثير على ذلك بقوله: «وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض» (1).
وبعبارة أوضح يقول الشاطبي: «إن علم التفسير مطلوب فيما يتوقف عليه فهم المراد من الخطاب، فإذا كان المراد معلوماً، فالزيادة على ذلك تكلف، ويتبين ذلك في مسألة عمر، وذلك أنه لما قرأ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} توقف في معنى الأب، وهو معنى إفرادي لا يقدح عدم العلم به في علم المعنى التركيبي في الآية؛ إذ هو مفهوم من حيث أخبر الله تعالى في شأن طعام الإنسان أنه أنزل من السماء ماءً، فأخرج به أصنافاً كثيرة مما هو من طعام الإنسان مباشرة، كالحب والعنب والزيتون والنخل، ومما هو من طعامه بواسطة، مما هو مرعى للأنعام على الجملة، فبقي التفصيل في كل فرد من تلك الأفراد فضلاً، فلا على الإنسان أن لا يعرفه، فمن هذا الوجه والله أعلم عد البحث عن معنى الأب من التكلف» (2).--------------------------------------------
(1) تفسير القرآن العظيم (8/ 348)، وانظر (1/ 16) من الكتاب نفسه، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (13/ 372).
(2) الموافقات (1/ 57 - 58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
ثانياً: ألا تعود معرفة تفسير الآية على المرء بفائدة في دينه وآخرته، بحيث يصبح الانشغال ببعض معاني الألفاظ القرآنية من قبيل الترف الفكري، ومن الشواهد:
1 - قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوماً: «سلوني، فقام ابن الكواء، فقال: ما السواد الذي في القمر؟ ، فقال له: قاتلك الله! سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً، ألا سألت عن شيء ينفعك في أمر دنياك أو أمر آخرتك؟ ! ، ثم قال: ذاك محو الليل» (1).
وقد علق عليه الآجري بقوله: «وقد كان العلماء قديماً وحديثاً يكرهون عضل المسائل ويردونها، ويأمرون بالسؤال عما يعني؛ خوفاً من المراء والجدال الذي نهوا عنه» (2).
2 - وسئل القاسم بن محمد رحمه الله عن معنى قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} (3)، فقيل له: «أنزل أو لم ينزل؟ ، فقال: لا أبالي أيَّ ذلك كان إلا أني آمنت به»، وفي رواية أنه قيل له: «يعلمان الناس ما أنزل--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (14/ 516)، والآجري في الشريعة (ص 80) واللفظ له، وفي أخلاق العلماء (ص 107)، وابن بطة في الإبانة "الإيمان" (1/ 418).
(2) الشريعة (80).
(3) سورة البقرة من الآية (102).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
عليهما، أم يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ ، فقال: ما أبالي أيتهما كانت» (1).
ثالثاً: أن يتكلم المرء فيما لا يحسن أو يتجاسر على تفسير ما يجهله من آيات الكتاب العزيز، فيؤدي به إلى الإخلال بفهم القرآن الكريم، ولما ذُكر لابن مسعود رضي الله عنه تفسير أحد القُصَّاص لبعض الآيات؛ قال حين رأى عدم صحة تفسيره: «إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (2) وإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم».
ومما يندرج تحته أن يطلب المرء تفسير ما استأثر الله تعالى بعلمه (3)، فعن الربيع بن خثيم (4)
قال: «يا عبد الله ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به فكله إلى عالمه، ولا تتكلف، فإن الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ--------------------------------------------
(1) جامع البيان (2/ 336 - 337).
(2) سورة ص آية (86).
(3) وذكر ابن عاشور في التحرير والتنوير (23/ 196) أن المتكلف هو: «الذي يتطلب ما ليس له، أو يدعي علم ما لا يعلمه».
(4) هو أبو يزيد الربيع بن خثيم بن عائذ الثوري الكوفي، الإمام العابد، قال عنه ابن مسعود: «لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآك لأحبك»، وكان من أصحابه، وله كلمات مأثورة في الزهد، توفي بالكوفة في إمرة عبيد الله بن زياد.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 127)، وحلية الأولياء (2/ 105)، والمعارف (ص 497).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}» (1).
واعتبار بعض التفسيرات من التكلف أو عدم اعتبارها مما تختلف أنظار العلماء حوله، فقد يرى البعض عدم الحاجة لتفسير ما لا يندرج تحته عمل، بينما يرى آخرون ضرورة العناية بكل ما ذكر في القرآن، حتى وإن لم يترتب عليه عمل أو يكون له ثمرة، فعمر عد تأويل الأب من التكلف المذموم، بينما جاء عن بعض الصحابة والتابعين تأويله (2).
وليعلم أن التكلف الذي حدث بعد عصر الصحابة والتابعين خاصة بعد انتشار الفرق وتشعبها أخذ أبعاداً خطيرة في تأويل النصوص، ومن صوره ما ذكره ابن تيمية أن بعضهم يجعل ظاهر اللفظ القرآني شيئاً يستحيل فهمه على عامة الناس ثم يتأوله (3)، ولذلك جعل العلماء البعد عن التكلف والتعسف في التفسير شرطاً لصحته وقبوله، فاشترطوا في التفسير الصحيح «أن يكون مطابقا لللفظ من حيث الاستعمال، سليماً من التكلف، عرياً من التعسف» (4).--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم وفضله (2/ 136).
(2) انظر: جامع البيان (24/ 121 - 123)، والدر المنثور (6/ 316 - 317).
(3) مجموع الفتاوى (5/ 106).
(4) التحرير والتنوير (1/ 28)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
ثامناً
نقد تدوين التفسير
يعد الكلام عن حكم تدوين العلوم - ومنها التفسير - جوازاً ومنعاً حديثاً تاريخياً، فالذي استقر عليه الناس وأجمع عليه العلماء جواز كتابة العلوم وتدوينها (1)، وقل أن تجد عالماً نُقل عنه نهي عن التدوين إلا ونقل عنه إباحة ذلك قولاً أو فعلاً، وتعود جذور النهي إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عنه صراحة النهي عن كتابة شيء غير القرآن، وفي المقابل جاء عنه الأذن بذلك (2)، فحمل العلماء نهيه صلى الله عليه وسلم على محامل من أحسنها: الخشية من اختلاط شيء بالقرآن الكريم مما يؤدي إلى ضياعه، فلما حفظ القرآن واستقر بين الدفتين بإجماع الأمة وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم لم يكن بين العلماء خلاف في جواز كتابة العلوم وتدوينها (3).--------------------------------------------
(1) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص 367)، وشرح النووي على مسلم (18/ 130)، والباعث الحثيث (ص 111).
(2) انظر: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم (1/ 36)، وصحيح مسلم، كتاب العلم (4/ 2298)، وسنن الترمذي، أبواب العلم (7/ 311 - 313)، وسنن الدارمي (1/ 126، 132 - 133).
(3) انظر: شرح النووي على مسلم (18/ 130)، والباعث الحثيث (ص 111)، وفتح الباري لابن حجر (1/ 208).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
وأما امتناع بعض الصحابة والتابعين رضي الله عنهم عن كتابة العلوم وكراهية تدوينها، فقد جاءت عنهم نصوص كثيرة في ذلك، وجاء أيضاً عنهم إباحتها (1)، ولذا حملت كراهيتهم على أوجه أوجزها ابن عبد البر بقوله: «من كره كتابة العلم، إنما كرهه لوجهين: أحدهما: ألا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهى به، ولئلا يتكل الكاتب على ما كتب، فلا يحفظ فيقل الحفظ» (2).
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في انتقاد تدوين التفسير:
1 - كتب رجل في عهد عمر مصحفاً، وكتب عند كل آية تفسيرها، فدعا به عمر فقرضه بالمقراضين (3).
2 - وسأل رجل سعيد بن جبير أن يكتب له تفسير القرآن، فغضب وقال:--------------------------------------------
(1) انظر في ذلك: سنن الدارمي (1/ 126 - 137)، وجامع بيان العلم وفضله (1/ 64 - 77)، وتقييد العلم (ص 36 - 63، 87 - 116).
(2) جامع بيان العلم وفضله (1/ 68)، وانظر تقييد العلم (ص 57، 58، 93)
(3) مصنف ابن أبي شيبة (10/ 513)، وأما ما جاء عن عمر أنه كتب كتاباً في تفسير الكلالة ثم استخار فيه، ثم محاه، فمحوه للكتاب ليس كراهية للكتابة، بل لأنه عدل عن رأيه في نشر الكتاب، ورأى أن بقاء الناس على ما هم عليه أولى؛ يقول رضي الله عنه: «إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتاباً، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه»، انظر ما تقدم (ص 86).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
«لأن يسقط شقي أحب إلي من ذلك» (1).
وكان رحمه الله يكره كتابة الحديث (2).
فهذه الروايات محمولة على ما تقدم، والذي استقر عليه الصحابة والتابعون جواز كتابة التفسير، ومما ورد عنهم في جواز تدوين التفسير:
1 - طلب عبد الملك بن مروان من سعيد بن جبير أن يكتب له تفسير القرآن ففعل، فوضعه عبد الملك عنده في الديوان (3).
2 - وعن سعيد بن جبير قال: «ربما أتيت ابن عباس فكتبت في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي، وربما أتيته فلم أكتب حديثاً حتى أرجع، لا يسأله أحد عن شيء» (4).
3 - وكان عزرة (5) يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب ومعه--------------------------------------------
(1) وفيات الأعيان (2/ 371).
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 179).
(3) انظر الجرح والتعديل (3/ 1/332).
(4) الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 179).
(5) هو عزرة بن عبد الرحمن الخزاعي الكوفي، روى عن أبي الشعثاء والشعبي، وعنه سليمان التيمي وقتادة، وثقه ابن معين وابن المديني، وخرج له مسلم.
انظر: الجرح والتعديل (3/ 2/21)، وتهذيب التهذيب (3/ 98).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
الدواة يغير (1).
فهذه الروايات الثلاث عن سعيد ترجح عدم صحة ما نقل عنه من الامتناع عن تدوين التفسير، أو أنه رجع عن رأيه في ذلك.
4 - وعن ابن أبي مليكة قال: «رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير كله» (2).
5 - وكان تلاميذ مجاهد يكتبون التفسير عنده (3).
6 - وجاء عن الحسن أنه أملى تفسير القرآن (4).
7 - وكتب رجل إلى عروة بن الزبير رحمه الله يسأله عن قول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} (5)، فكتب إليه--------------------------------------------
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 186)، والعلل لأحمد بن حنبل (2/ 429).
(2) جامع البيان (1/ 85).
(3) تاريخ ابن معين (2/ 550)، وسنن الدارمي (1/ 135)، وتقييد العلم (ص 105).
(4) جامع بيان العلم وفضله (1/ 74).
(5) سورة الممتحنة من الآية (10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
بتفسيرها (1).
8 - وكان لزيد بن أسلم كتاب في تفسير القرآن (2).--------------------------------------------
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 6)، وجامع البيان (22/ 579).
(2) تاريخ دمشق (19/ 282)، وتاريخ الإسلام حوادث سنة (121 - 140 ص 429).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
الفصل الثاني نقد رجال التفسير
وفيه:
أولاً: رجال التفسير المنتقدون.
ثانياً: أسباب نقد رجال التفسير.
ثالثاً: أثر نقد رجال التفسير على تفاسيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
تلقي التفسير وأخذه عن العلماء المعروفين به من الركائز المهمة في علم التفسير، وهو أحد الطرق المختصرة التي تمكن طلبة العلم من فهم القرآن على الوجه الصحيح؛ ولذا اهتم العلماء - ومنهم الصحابة والتابعون رضي الله عنهم برجال التفسير، وذلك من جهتين:
الأولى: الاهتمام برجال التفسير المعروفين به المتقنين لأصوله، والإشادة بالمبرزين منهم والحث على التلقي عنهم، وتقدم الكلام عن هذه الجهة في الباب الأول.
الثانية: انتقاد بعض مفسري القرآن، والكلام فيهم لأسباب ومبررات ظهرت لبعضهم، وكان هذا الأمر سائغاً في عصر الصحابة والتابعين، فقد عقد الطبري في مقدمة تفسيره باباً في «ذكر الأخبار عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محموداً علمه بالتفسير، ومن كان منهم مذموماً علمه به» (1)، ثم ذكر بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين في ذلك.
والحديث عن كلام الصحابة والتابعين في رجال التفسير حديث عن بدايات نقد الرجال بعامة قبل أن يتوسع العلماء فيه، وينبري له أساتذته ورجاله، فيفردوا--------------------------------------------
(1) جامع البيان (1/ 84).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
فيه المصنفات، ويضعوا أصوله وقواعده، وعليه فالنصوص المنقولة عن الصحابة والتابعين في نقد المفسرين قليلة جداً مقارنةً بالمنقول عمن جاء بعدهم، ولذا لا يوجد في عصرهم انتقاد لأحد من الصحابة سوى ما أخبر به ابن عمر عن عدم رضاه عن جرأة ابن عباس رضي الله عنهم في التفسير، ورجوعه عن ذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
والهدف من دراسة تلك النصوص إدراك واقع نقد المفسرين في عصر الصحابة والتابعين، وما هي المنطلقات التي انطلق منها النقاد؟ ، وما مدى تأثير نقدهم على تفسير المرء ومروياته؟ ، وما هو موقف العلماء من نقدهم؟ .
والكلام في هذه القضية لا يخلو من فوائد أخرى كمعرفة منازل أولئك القوم ومراتبهم في تفسير القرآن الكريم.
وقد ينفر بعض القراء عندما يرى القدح في بعض التابعين، وذكر أقوال مهجورة في أشخاص ثبتت عدالتهم عند العلماء، ولعل القارئ يلتمس العذر، فنحن ندون لمرحلة تاريخية مر بها نقد التفسير في بعض مجالاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)