ذلك (1).
ومما يؤكد أن مراده بالزعم القول ما رواه حبيب بن أبي عمرة (2)، قال: «كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد عند الحجاج جالسين، فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد: نزلت في قومك بني تميم: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} (3)، فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: إنه لو علم بآخر الآية أجابه: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا}؛ قالوا: أسلمنا ولم نقاتلك، بنو أسد» (4).
ثالثاً: أخطأت التأويل.
ومن أمثلته أن عمر رضي الله عنه حينما أراد إقامة حد شرب الخمر على قدامة بن مظعون (5)،
قال: «لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني، فقال عمر: لم؟ ،--------------------------------------------
(1) جامع البيان (21/ 397).
(2) هو أبو عبد الله حبيب بن أبي عمرة الحماني القصاب الكوفي، روى عن ابن جبير ومجاهد، وعنه الثوري وشعبة، خرج له البخاري ومسلم، توفي سنة (142).
انظر: الثقات لابن حبان (6/ 177)، وتهذيب التهذيب (1/ 352).
(3) سورة الحجرات من الآية (4).
(4) جامع البيان (21/ 397).
(5) هو قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب القرشي الجمحي، أخو عثمان، يكنى أبا عمرو، أحد السابقين الأولين، هاجر الهجرتين وشهد بدراً، استعمله عمر على البحرين، وتوفي رضي الله عنه في خلافة علي سنة (36) وعمره (68) سنة.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 1/291)، والإصابة (8/ 144).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
قال قدامة: قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} الآية (1)، فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك» (2).
رابعاً: لم تصب.
ومن أمثلته:
1 - عن عكرمة قال: «جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس، فسأله رجل: أرأيت قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} (3)؟ ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تصب المسألة، اقرأ ما قبلها: {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ}، حتى بلغ: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (4)، فقال ابن--------------------------------------------
(1) (93) من سورة المائدة.
(2) مصنف عبد الرزاق (9/ 243)، وانظر تفصيل القصة (ص 530).
(3) سورة الإسراء من الآية (72)، وفي معاني القرآن لأبي جعفر النحاس (4/ 177) أن الرجل قال لابن عباس: كيف يكون في الآخرة أعمى؟ .
(4) سورة الإسراء الآيات (66 - 70).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
عباس رضي الله عنهما: فمن كان أعمى عن هذا النعيم الذي قد رأى وعاين، فهو في أمر الآخرة التي لم تر ولم تعاين: {أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا}» (1).
2 - وسأل سعيد بن المسيب رجلاً عن {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} (2)، فقال: «الصلاة والصيام، فقال سعيد: لم تصب، فقال الرجل: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (3).
3 - وعن القاسم بن محمد «أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر (4) قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية، فلم يدع في الدار مسكيناً، ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، وتلا: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} الآية (5)، قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له» (6).--------------------------------------------
(1) الدر المنثور (4/ 194) وعزاه لابن أبي حاتم.
(2) سورة الكهف من الآية (46).
(3) جامع البيان (15/ 279).
(4) الصديق القرشي التيمي، عداده في أهل المدينة، روى عن أبيه عبد الرحمن وأم سلمة، مات قبل سنة (80).
انظر: التاريخ الكبير (3/ 1/131)، والثقات لابن حبان (5/ 10)، وتهذيب التهذيب (2/ 371).
(5) سورة النساء من الآية (8).
(6) تفسير عبد الرزاق (1/ 150)، وجامع البيان (6/ 436)، وتفسير ابن أبي حاتم (3/ 875)، وفتح الباري لابن حجر (8/ 242).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
خامساً: بئسما قلت.
ومن أمثلته:
1 - عن سعيد بن جبير، قال: «كنا عند ابن عباس فحدث حديثاً، فتعجب رجل، فقال: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (1)، فقال ابن عباس: بئسما قلت، الله العليم، وهو فوق كل عالم» (2).
2 - وقال عروة: «سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (3)، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟ ، قالت: بئسما قلت يا بن أختي» (4).--------------------------------------------
(1) سورة يوسف من الآية (76).
(2) تفسير عبد الرزاق (1/ 283)، وجامع البيان (13/ 268)، وتفسير ابن أبي حاتم (7/ 2177).
(3) سورة البقرة من الآية (158).
(4) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة وجُعِلَ من شعائر الله (2/ 169).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
سادساً: تَأَوَّلَ الآية على غير تأويلها.
ومن أمثلته:
1 - قال ابن عباس في قوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (1): «قد غفر له؛ إنهم يتأولونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب فكيف بالحج؟ » (2).
2 - وفي قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (3) قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «أما والله إن كثيراً من الناس يتأولون هؤلاء الآيات على ما لم ينزلن عليه» (4).
سابعاً: وَضَعَ الآية على غير موضعها.
ومن أمثلته:--------------------------------------------
(1) سورة البقرة من الآية (203).
(2) جامع البيان (3/ 562).
(3) سورة المائدة من الآيات (44، 45، 47).
(4) جامع البيان (8/ 461)، وانظر شاهداً ثالثاً لهذه العبارة في الدر المنثور (5/ 5).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
1 - قول أبي بكر رضي الله عنه المتقدم في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (1): «إنكم تضعونها على غير موضعها».
2 - وقال عون بن عبد الله في قول الله تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (2): «إن قوماً يضعونها على غير موضعها، {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}: تعمل فيها بطاعة الله» (3).
ثامناً: لقد حملتموها على غير المحمل.
ومن أمثلته قول أبو بكر رضي الله عنه لأصحابه: «ما تقولون في هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} (4) قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا من ذنب، فقال أبو بكر: لقد حملتموها على غير المحمل {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}، الذين لم يعدلوها بشرك ولا غيره» (5).--------------------------------------------
(1) سورة المائدة من الآية (105).
(2) سورة القصص من الآية (77).
(3) جامع البيان (18/ 322 - 323).
(4) سورة فصلت من الآية (30).
(5) جامع البيان (20/ 423)، والمستدرك للحاكم (2/ 440)، وحلية الأولياء (1/ 30)، وأخرجه مختصراً: عبد الرزاق في تفسيره (2/ 152)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (6/ 56).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
تاسعاً: ليس بالذي تذهبون إليه.
فعن عكرمة رحمه الله في قول الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} (1) قال: «ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم» (2).
ومراده بالذي تذهبون إليه، ما ذهب إليه بعض الناس من أن المراد بأهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، وأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخلن في الآية، وهو مروي عن بعض السلف (3).
عاشراً: ما لكم ولهذه الآية.
ومن أمثلته أن مروان أرسل إلى ابن عباس، وقال له: «لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً، لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ ! ، إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن--------------------------------------------
(1) سورة الأحزاب من الآية (33).
(2) الدر المنثور (5/ 198) وعزاه لابن جرير وابن مردويه، وقد أخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص 267) من طريق ابن جرير بهذا اللفظ، والذي في جامع البيان (19/ 108) أن عكرمة كان ينادي في السوق: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، ويقول: «نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة».
(3) الجامع لأحكام القرآن (6/ 5264)، وفتح القدير (4/ 278).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
عباس: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (1) هذه الآية، وتلا ابن عباس: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} (2)، وقال: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه» (3).
حادي عشر: لا تغرنكم هذه الآية.
ومن أمثلته:
1 - قال عمر رضي الله عنه في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} (4): «لا تغرنكم هذه الآية، فإنها كانت يوم بدر، وأنا فئة لكل مسلم» (5).--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران من الآية (187).
(2) سورة آل عمران من الآية (188).
(3) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} (5/ 174)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (4/ 2143) برقم (2778) واللفظ له، وهناك مثال آخر على هذا الأسلوب في الدر المنثور (2/ 227 - 228).
(4) سورة الأنفال آية (15).
(5) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1671). وجاء عنه بلفظ: «أنا فئة كل مسلم» دون أوله في: تفسير الثوري (ص 116)، وسنن سعيد بن منصور (5/ 203)، وتفسير عبد الرزاق (1/ 154)، ومصنف عبد الرزاق (5/ 252)، ومصنف ابن أبي شيبة (12/ 536)، وجامع البيان (11/ 81).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
2 - وقال سعيد بن المسيب: «لا تغرنكم هذه الآية: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} (1) إنما عُني بها الإماء، ولم يُعن بها العبيد» (2).
والقول بأن الآية تشمل العبيد والإماء مروي عن بعض الصحابة والتابعين، فيجوز للمرأة أن تكشف لرقيقها، وهو قول أكثر العلماء (3).
ثاني عشر: الضحك.
قد يكون نقداً، فعن أبي الشعثاء قال: «قعدت إلى ابن مسعود وحذيفة، فقال حذيفة: ذهب النفاق فلا نفاق، وإنما هو الكفر بعد الإيمان، فقال عبد الله: تعلم ما تقول؟ ، قال: فتلا هذه الآية: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} حتى بلغ: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (4)، قال: فضحك عبد الله، قال شعبة: فلقيت أبا الشعثاء بعد ذلك--------------------------------------------
(1) سورة النور من الآية (31).
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (4/ 269، 335)، وابن أبي حاتم في تفسيره (8/ 2577) مختصراً.
(3) انظر: جامع البيان (17/ 266)، وتفسير ابن أبي حاتم (8/ 2577)، والمحرر الوجيز (11/ 297)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (6/ 50).
(4) سورة النور الآيات (51 - 55).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
بأيام، فقلت: من أي شيء ضحك عبد الله؟ ، قال: لا أدري، إن الرجل ربما ضحك من الشيء الذي يعجبه، وربما ضحك من الشيء الذي لا يعجبه، فمن أي شيء ضحك؟ لا أدري» (1).
وتقدم ضحك ابن عباس حين ذُكر له أن ابن عمر رضي الله عنهما تلا هذه الآية: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} (2)، وقال: «والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن! ، ثم بكى حتى سمع نشيجه، فضحك ابن عباس وقال: يرحم الله ابن عمر! أو ما يدري فيم أنزلت؟ وكيف أنزلت؟ » (3)، وهو هنا بمعنى النقد.--------------------------------------------
(1) جامع البيان (17/ 349)، وتفسير ابن أبي حاتم (8/ 2627).
(2) سورة البقرة من الآية (284).
(3) انظر (ص 629).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
الفصل الثالث مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير.
المبحث الثاني: أبرز نقاد الصحابة والتابعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
المبحث الأول مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير
أولاً: أهليتهم للنقد.
التأهل العلمي مهم للناقد في فنه ليتمكن من الحكم على الأقوال وتمييز الصحيح من الضعيف، فقد تلتبس المناهج والأقوال على من لم يكن مؤهلاً علمياً، وتخفى عليه الأهداف والتوجهات، وقد حاز الصحابة والتابعون قصب السبق في ذلك، فاجتمعت فيهم صفات علمية وشخصية مهمة للناقد، فكانوا على قدر كبير من صحة القصد وسلامة الهدف وكمال النصح، مع ما هم عليه من التمكن العلمي، وما اختص به بعضهم من التبحر في علم التفسير وجمع أطرافه، وملازمة تعلمه وتعليمه مما أهله ليكون مرجعاً علمياً معتبراً في تفسير القرآن، ومما اختص به الصحابة دون غيرهم أنهم شهدوا التنزيل، وعرفوا السبب الذي من أجله نزلت الآيات، فهم في أكثر من واقعة ينتقدون التفسير، ويستدلون بما شاهدوه من نزول الآية، ومن أمثلته: رد أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه (1) على من تأول قوله تعالى: {وَلَا--------------------------------------------
(1) هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي النجاري، شهد العقبة وبدراً وما بعدها، ونزل عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة حتى بنى بيوته ومسجده، وآخى بينه وبين مصعب بن عمير، توفي في غزاة القسطنطينية سنة (52).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 2/49)، والإصابة (3/ 56).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (1)، ونَزَّلها على من دخل في صفوف الأعداء في الجهاد، فقال أبو أيوب منكراً: «أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (2)، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو» (3).
وقد يأخذ الصحابة رضي الله عنهم نقدهم مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلته أن رجلاً قال لأبي بن كعب رضي الله عنه: «قول الله تبارك وتعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} (4)، والله إن كان كل ما عملنا جزينا به هلكنا؟ ! ، فقال أبيّ: والله إن كنت لأراك أفقه مما أرى! ، لا يصيب رجلاً خدش ولا عثرة إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، حتى--------------------------------------------
(1) سورة البقرة من الآية (195).
(2) سورة البقرة من الآية (195).
(3) انظر هذا المثال وغيره (ص 526).
(4) سورة النساء من الآية (123).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
اللدغة والنفحة».
وهذا النقد أخذه أبيّ من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر حين قال له: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية، فكل سوء عملناه جزينا به؟ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ، ألست تنصب، ألست تحزن؟ ، ألست تصيبك اللأواء؟ »، قال: بلى، قال: «فهو ما تجزون به» (1).
ثانياً: الاطلاع الواسع على المناهج والأقوال.
واطلاع الصحابة والتابعين على المناهج والأقوال مكنهم من سبرها والتأمل في أدلة أصحابها والمقارنة بينها، ومما ساهم في سعة اطلاعهم مخالطتهم للناس، وتصديهم للتعليم والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أفسح المجال أمامهم لمعرفة ما يدور بين الناس من مفاهيم خاطئة حول الآيات القرآنية، وساعد في عرض الناس ما لديهم من إشكالات واستفسارات على علماء الصحابة والتابعين.
وهناك أمور أخرى ساهمت بشكل مباشر في اطلاعهم على المناهج والأقوال، ومنها:--------------------------------------------
(1) انظر هذا المثال وغيره (ص 59).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
الأول: الاستفسارات التي ترد إلى الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من طلابهم وتلاميذهم، وهذا أمثلته كثيرة جداً، ومنها:
1 - ما ذكره الشعبي «أنه شهد شريحاً - وسأله رجل عن الإيلاء - فقال: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} (1) وقرأ عليه الآيتين، قال: فقمت من عنده، فأتيت مسروقاً، فقلت: يا أبا عائشة! ، وأخبرته بقول شريح، فقال: يرحم الله أبا أمية، لو أن الناس كلهم قالوا مثل هذا، من كان يفرج مثل هذا؟ ! ، ثم قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة» (2).
2 - وعن عمران القطان (3)
قال: «سمعت الحسن يقول في قوله: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} (4): والله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت، قال عمران: فذكرت ذلك لقتادة، فأنكر ذلك، وقال: كان والله يكثر الصلاة في--------------------------------------------
(1) سورة البقرة من الآية (226).
(2) أخبار القضاة لوكيع (2/ 236)، وسنن سعيد بن منصور (3/ 2/60 - 61) ط. الدار السلفية، وجامع البيان (4/ 70).
(3) هو أبو العوام عمران بن دوار العمي البصري، روى عن ابن سيرين وحميد الطويل، وعنه ابن مهدي وأبو داود الطيالسي، حديثه عند أهل السنن.
انظر: الثقات لابن حبان (7/ 243)، وتهذيب التهذيب (3/ 318)
(4) سورة الصافات آية (143).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
الرخاء» (1).
الثاني: النقاش العلمي الذي يقع للعلماء مع أقرانهم وطلابهم، ومن أمثلته:
1 - عن فروة بن نوفل الأشجعي (2) قال: «قال ابن مسعود: إن معاذاً كان أُمَّة قانتاً لله حنيفاً، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} (3)، فأعادها علي، فقال: إن معاذ بن جبل كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، فعرفت أنه تعمد الأمر تعمداً، فسكت، فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ ، فقلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الناس الخير، والقانت المطيع لله ولرسوله، وكذلك كان معاذ، كان يعلم الناس الخير، وكان مطيعاً لله ولرسوله» (4).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (19/ 630)، وعزاه في الدر المنثور (5/ 289) إلى ابن أبي حاتم.
(2) الكوفي، روى عن علي بن أبي طالب وعائشة، وعنه أبو إسحاق السبيعي وهلال بن يساف، خرج له مسلم وأهل السنن.
انظر: التاريخ الكبير (4/ 1/127)، والثقات لابن حبان (5/ 297)، وتهذيب التهذيب (3/ 385).
(3) سورة النحل من الآية (120).
(4) الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 2/108)، وجامع البيان (14/ 394)، والمعجم الكبير للطبراني (10/ 60)، وحلية الأولياء (1/ 230)، وقول فروة: فقلت في نفسي؛ أي بصوت منخفض، بدلالة الرواية الأخرى في جامع البيان عن مسروق قال: «فقال رجل من أشجع يُقال له فروة بن نوفل: نسي إنما ذاك إبراهيم .... ».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
2 - وقال الشعبي: «أرسل إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن (1)، وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش (2)، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكراً ليس كما ذكرا، فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا: هات، فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف، فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صُرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (3)، فبينا هم كذلك، اطلع إليهم ربك تبارك وتعالى فقال: اذهبوا وادخلوا الجنة، فإني قد غفرت لكم» (4).
الثالث: سؤال من يريدون الاطلاع على رأيه، أو إرسال من يسأله، وسؤالهم هنا ليس سؤال من يبحث عن إجابة، وإنما من يريد معرفة رأي غيره، ومن أمثلته:--------------------------------------------
(1) هو أبو عمر عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي المدني، روى عن أبيه وابن عباس، وعنه الزهري وقتادة، وحديثه في الكتب الستة، توفي في خلافة هشام بن عبد الملك.
انظر: التاريخ الكبير (3/ 2/50)، وتهذيب التهذيب (2/ 478).
(2) من فقهاء المدينة ومحدثيهم، سمع أنساً وأبا أمامة، وعنه صالح بن كيسان والأعمش، وحديثه في الكتب الستة، توفي سنة (131).
انظر: التاريخ الكبير (3/ 1/83)، وتذكرة الحفاظ (1/ 134).
(3) سورة الأعراف من الآية (47).
(4) جامع البيان (10/ 212)، والبعث والنشور للبيهقي (ص 82).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
1 - سأل رجل ابن عمر عن قول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} (1)، فقال لسائله: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني ما قال لك، فذهب الرجل إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: نعم كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلاً فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال: الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً، صدق، هكذا كانت (2).
2 - وأرسل مجاهد رجلاً إلى عكرمة يسأله عن قول الله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (3)، فقال عكرمة: أجره في الدنيا أن كل ملة تتولاه، وهو عند الله من الصالحين، فرجع الرجل إلى مجاهد، فقال: أصاب (4).
وتصويب ابن عمر لابن عباس ومجاهد لعكرمة يدل على معرفتهما بالتفسير، وإنما أرادا معرفة رأيهما.--------------------------------------------
(1) سورة الأنبياء آية (30).
(2) حلية الأولياء (1/ 320)، وعزاه ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (5/ 332) إلى ابن أبي حاتم.
(3) سورة العنكبوت من الآية (27).
(4) جامع البيان (387).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
وعلى هذا تحمل بعض أسئلة الصحابة والتابعين لأهل الكتاب عن معاني القرآن، فكأنهم - والله أعلم - يريدون اختبارهم، ومعرفة خلفياتهم عن القرآن وتأويله، فقد قال علي رضي الله عنه لرجل من اليهود: «أين جهنم؟ ، فقال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقاً {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} (1)، {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}» (2).
ثالثاً: الاستدلال للنقد.
النقد المبني على أدلة ومبررات أقوى إقناعاً وأشد تأثيراً من النقد المجرد، وقد جاء عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم روايات كثيرة نصوا فيها على وجه النقد ودليله، وهي تدل على أنه الأصل لديهم، وأن المنهج العام الذي ساروا عليه ضرورة انطلاق الناقد من معايير واضحة وأسس صحيحة، وهي تحكم على الروايات التي خلت من بيان وجه النقد ومأخذه، فلا يعني خلو بعض الروايات من الدليل أن النقد صادر عن هوى، أو أنه عارٍ في نفس الأمر عن الأدلة والبراهين، فقد يكون عدم ذكر دليل النقد لظروف ودواع اقتضت ذلك.
والأدلة التي يستند إليها الصحابة والتابعون في نقدهم متنوعة، وقد--------------------------------------------
(1) سورة الطور آية (6).
(2) سورة التكوير آية (6)، والأثر أخرجه الطبري في جامع البيان (21/ 568، 24/ 138) غير أنه قرأ (سُجِرَت) بالتخفيف، وهو في البعث والنشور للبيهقي (ص 251)، والدر المنثور (6/ 118)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
أصبحت فيما بعد أصولاً يُحتكم إليها، مثل الاستدلال بالقرآن الكريم، أو السنة أو اللغة العربية، أو الرجوع إلى الأصول الشرعية التي لا يجوز مخالفتها بحال، وكذا الرجوع إلى الحقائق التاريخية الثابتة، وغير ذلك مما سيأتي تفصيله في الباب الرابع.
رابعاً: بيان الرأي الصحيح.
ومما تميز به نقد الصحابة والتابعين أنهم لا يكتفون بنقد الرأي وتضعيفه، وإنما يذكرون الرأي الراجح لديهم، وهذا أقوى في إقناع المخطئ ورجوعه عن قوله، فلو اقتصر الناقد على تضعيف التفسير فحسب دون إرشاد المخطئ إلى التفسير الصحيح عنده لما كان للنقد أي أثر، ولربما أوقع صاحب القول في حيرة، فلا هو بقي على قوله، ولا ظفر بقول آخر راجح، وهذا شواهده كثيرة، وقد خصص لذلك مبحث مستقل (1).--------------------------------------------
(1) ينظر (ص 474).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)