وقد يبدو هذا الحديث متعارضاً مع ظاهر قوله تعالى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (1)، وما ورد في سبب نزولها من أن المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة فيه هو مسجد قباء كما هو قول جماعة من السلف، وكذلك ما جاء في أن الرجال الذين يحبون أن يتطهروا هم أهل قباء، وقد جمع العلماء بأنه لا منافاة بين ما ورد في سبب نزول الآية والحديث المتقدم، فإذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى (2).
2 - وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «اختلف في ذلك (3) رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، فقال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لي، فقلت لها: يا أماه - أو يا أم--------------------------------------------
(1) سورة التوبة الآية (108).
(2) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (17/ 506، 22/ 461)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/ 152)، وفتح الباري لابن حجر (7/ 245).
(3) يريد الجماع دون إنزال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
المؤمنين - إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك، فقالت: لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ ، قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختانُ الختانَ، فقد وجب الغسل» (1).
3 - وعن سعيد بن جبير قال: «ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس، فقلت: إن ناساً من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع. قال: من أي الفريقين كنت؟ ، قلت: كنت من الموالي، قال: غُلب فريق الموالي، إن المس واللمس والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء» (2).
ثالثاً: الرجوع إلى الحق.
كان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم يختلفون، لكن إذا تبين لأحدهم أن الحق مع غيره فإنه سرعان ما يعود إليه، ذلك أن اختلافهم لم يكن مصدره الهوى أو التعصب، أو حباً للمخالفة ومنازعة الآخر، وإنما دافعه طلب الحق، فإذا تبين لأحدهم أن الحق مع غيره لم يكن بد من الرجوع إليه، وتروي الكتب مراجعات--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحيض (1/ 271) برقم (349).
(2) جامع البيان (7/ 63 - 64)، وانظر (ص 566).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
كثيرة للصحابة والتابعين رضي الله عنهم في شتى العلوم الشرعية؛ في التفسير والحديث والفقه، بعضها صادر عن كبارهم، فقد ذكر ابن القيم مراجعات كثيرة لبعض الصحابة - وعلى رأسهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما عندما خفي عليهم بعض ما قضى الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض تلك المراجعات يخفى عليهم الحق فيستشيرون من يحضرهم من الصحابة، وفي بعضها يقولون بقول يظهر لهم أنه خلاف السنة فيرجعون عنه، ولما ذكر ابن القيم تلك المراجعات عقب بقوله: «وهذا باب واسع لو تتبعناه لجاء سفراً كبيراً» (1).
ومن تلك المراجعات:
1 - اختلف تلاميذ ابن عباس في المراد بقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (2)، فقال سعيد بن جبير: «هو الزوج، وقال مجاهد وطاوس: هو الولي، قال أبو بشر (3) - الراوي للخبر - فقلت لسعيد: فإن مجاهداً وطاوساً يقولان: هو الولي، قال سعيد: أرأيت لو أن الولي عفا، وأبت المرأة، أكان يجوز ذلك؟ ،--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين (2/ 271 - 272).
(2) سورة البقرة من الآية (237).
(3) هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية اليشكري الواسطي، روى عن الصحابي عباد بن شراحيل، وعطاء ومجاهد، وعنه الأعمش وشعبة، وحديثه في الكتب الستة، توفي في الطاعون سنة (123 أو 124).
انظر: التاريخ الكبير (1/ 2/186)، وتهذيب التهذيب (1/ 300).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
فرجعت إليهما فحدثتهما، فرجعا عن قولهما وتابعا سعيداً» (1).
2 - وفي هذه الآية أيضاً اختلف الشعبي والقاضي شريح (2)، حين رفعت قضية إلى شريح في رجل طلق زوجته قبل الدخول بها، فعفا أخوها عن المهر، فأجاز ذلك شريح، وقال: أنا أعفو عن نساء بني مرة، فقال الشعبي: لا والله ما قضي قضاء قط أحمق منه أن يجيز عفو الأخ! ، ثم رجع شريح، فجعل الذي بيده عقدة النكاح الزوج (3).
3 - وعن الشعبي أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، فجاءت منه بحمل، فانتفى منه، فقال: يلاعنها، فقال رجل: يا أبا عمرو إن الله قال في كتابه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} (4) أفتراها له زوجة وقد طلقها ثلاثاً؟ ! ، فقال الشعبي: إني لأستحي إذا رأيت الحق أن رجع إليه (5).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (4/ 329)، والمحلى لابن حزم (9/ 624)، والسنن الكبرى للبيهقي (7/ 251).
(2) هو أبو أمية شريح بن الحارث الكندي الكوفي القاضي، أدرك الجاهلية، واستقضاه عمر على الكوفة؛ فبقي بها خمساً وسبعين سنة، ثم استعفى من الحجاج فأعفاه، توفي سنة (79 أو 80) وقيل غير ذلك.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 90)، ووفيات الأعيان (2/ 460)، وسير أعلام النبلاء (4/ 100).
(3) جامع البيان (4/ 319 - 320)، والسنن الكبرى للبيهقي (7/ 251).
(4) سورة النور من الآية (6).
(5) مصنف عبد الرزاق (7/ 104)، وسنن سعيد بن منصور (3/ 1/409) برقم (1576) ط. الدار السلفية، واللفظ له، ومصنف ابن أبي شيبة (10/ 101)، وفيه: «إني لأستحي إذا رأيت الحق إلا رجعت إليه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
ويبلغ التواضع للحق بأحدهم إلى أن يصوب من هو دونه، ويرجع عن قوله، فقد جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: إني نذرت أن أنحر نفسي، فتجهمه ابن عمر وأفف منه، ثم أتى ابن عباس رضي الله عنهما فقال له: أهد مائة بدنة، ثم أتى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (1) رحمه الله، فقال له: أرأيت لو نذرت أن لا تكلم أباك أو أخاك؟ إنما هذه خطوة من خطوات الشيطان استغفر الله وتب إليه، ثم رجع إلى ابن عباس فأخبره، فقال: أصاب عبد الرحمن، ورجع ابن عباس عن قوله (2).--------------------------------------------
(1) هو أبو محمد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي المدني، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، من كبار التابعين، روى عن عمر وعثمان وعلي، وعنه ابنه أبو بكر وأبو قلابة وعكرمة، عينه عثمان لكتابة المصحف، توفي في خلافة معاوية.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 1)، وسير أعلام النبلاء (3/ 484)، وتهذيب التهذيب (2/ 497).
(2) المغني (13/ 478).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
الباب الثاني دواعي نقد الصحابة والتابعين للتفسير، وأساليبه ومميزاته
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: دواعي النقد عند الصحابة والتابعين.
الفصل الثاني: أساليب الصحابة والتابعين في نقد التفسير.
الفصل الثالث: مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
الفصل الأول دواعي النقد عند الصحابة والتابعين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
من أبرز العوامل والأسباب التي أسهمت في ظهور النقد في التفسير وقوع الخطأ في فهم القرآن الكريم، فهو المحرك الأول للنقد، وعليه مدار جميع الأسباب الأخرى، والخطأ في فهم القرآن قد يعرض للمرء مع صحة القصد وسلامة المنهج، إما بسبب خفاء الدليل المفسر للآية على بعض الناس، فيفسر الآية بخلافه، ومن ذلك ما وقع لعلي بن أبي طالب وابن عباس، فقد ذهبا إلى أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين من وضع الحمل أو بلوغ أربعة أشهر وعشراً، واستدلا بمجموع قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (1)، وقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (2)، وخفي عليهما حديث سبيعة رضي الله عنها (3)، وكان زوجها توفي عنها وهي حامل، فلم تنشب--------------------------------------------
(1) سورة البقرة من الآية (234).
(2) سورة الطلاق من الآية (4)، وانظر قول علي وابن عباس في: جامع البيان (23/ 56 - 57)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (8/ 175).
(3) هي سبيعة بنت الحارث الأسلمية، امرأة سعد بن خولة، توفي عنها في مكة في حجة الوداع، روى عنها فقهاء المدينة وفقهاء الكوفة.
انظر: أسد الغابة (7/ 137)، والإصابة (12/ 296).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
أن وضعت حملها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بأنها قد حلت حين وضعت، وأمرها بالتزوج إن شاءت (1).
وإما بسبب حداثة السن وقلة التحصيل العلمي، التي قد توقع في الخطأ في فهم القرآن، ومن شواهده:
1 - عن عروة (2) قال: «قلت لعائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (3)، فلا أرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما؟ ، فقالت عائشة: كلا لو كانت كما تقول كانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ--------------------------------------------
(1) خرج حديثها البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدراً (5/ 13)، ومسلم في كتاب الطلاق (2/ 1122) برقم (1484).
(2) هو أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام القرشي المدني، أحد فقهاء المدينة السبعة، ولد سنة (22)، روى عن أبيه وعائشة وأبي هريرة، وروى عنه الزهري، توفي بالفرع قرب المدينة عام (93) أو (94).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (132)، والمعرفة والتاريخ (1/ 550)، ووفيات الأعيان (3/ 255).
(3) سورة البقرة من الآية (158).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
يَطَّوَّفَ بِهِمَا}» (1).
2 - عن جبير بن نفير (2) قال: «كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (3)؟ ، فأقبلوا علي بلسان واحد، وقالوا: أتنتزع آية من القرآن لا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها؟ ! ، قال: حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حديث السن، وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي» (4).
وهناك عوامل أسهمت في تفشي الخطأ وازدياده بين الناس، وكان لها أثر بارز في نشاط الحركة النقدية لدى الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، ومن أبرزها ما يأتي:--------------------------------------------
(1) سورة البقرة من الآية (158)، والحديث أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب يفعل في العمرة ما يفعل في الحج (2/ 202)، ومسلم في كتاب الحج (2/ 928) برقم (1277).
(2) هو أبو عبد الرحمن جبير بن نفير بن مالك الحضرمي الحمصي، أسلم في خلافة الصديق، وفي سماعه من عمر نظر، ويعد من كبار تابعي أهل الشام، خرج له مسلم وأهل السنن، توفي عام (80).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 2/151)، وتذكرة الحفاظ (1/ 52)، وتهذيب التهذيب (1/ 292).
(3) سورة المائدة من الآية (105).
(4) جامع البيان (9/ 46).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
أولاً: ظهور الفتن والبدع.
أحدثت الفتن التي ظهرت في عصر الصحابة رضي الله عنهم بلبلة فكرية بين أوساط كثير من الناس، فضعف تمييزهم بين الحق والباطل، والتبس عليهم فهم نصوص الكتاب والسنة، مما هيأ أرضاً خصبة لنشوء البدع والأهواء، فبدأت البدع بالظهور والتنامي، وأصبح لها أربابها ومنظروها، ولكي تجد تلك البدع والأهواء رواجاً بين الناس اجتهد أصحابها في تأييدها، ولم يجدوا لتأييدها أفضل من القرآن الكريم لأسبابٍ من أبرزها: ما يحظى به القرآن الكريم من المكانة العظيمة في قلوب الناس عامة، وأيضاً ما يجده أهل البدع في القرآن من الآيات المتشابهة، التي تخفى على العامة فيتأثرون بها.
ومما هيأ للبدع أن تجد قبولاً بين الناس قوة أربابها أحياناً واشتداد شوكتهم في بعض الأمصار، فقوي تأثيرهم في الناس، أضف إلى ذلك انتساب بعض المبتدعة للعلم واجتهادهم في العبادة، وظهورهم بمظهر الصالحين مما أسهم في انخداع كثير من الناس بمظهرهم مما أوجب على العلماء التصدي لهم والرد عليهم.
وفيما يتعلق بالقرآن الكريم، فقد اتخذ المبتدعة طرقاً مختلفة في تأييد بدعهم بالقرآن، مما استدعى يقظة الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، فقاموا بالرد عليهم سواءٌ فيما يتعلق بانحراف منهجهم في الاستدلال بالقرآن، كقول ابن عمر عن الخوارج:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
«انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين» (1).
أم فيما يتعلق بكشف الشبه التي يلقيها أهل البدع في القرآن، وبيان الآيات المتشابهة التي يعترضون بها لزعزعة عقائد أهل السنة ومسلماتهم، ومن أمثلته ما جاء عن نافع بن الأزرق (2)
أنه سأل ابن عباس فقال: «يا بن عباس قولَ الله تبارك وتعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} (3)، وقوله: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (4)؟ ، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحده، فيقولون: تعالوا نقل، فيسألهم فيقولون: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، قال: فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت--------------------------------------------
(1) انظر (ص 289).
(2) هو أبو راشد نافع بن الأزرق الحروري الحنفي، من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة الأزارقة، خرج بالعراق في أواخر دولة يزيد بن معاوية، فاشتدت شوكته بالبصرة إلى أن قتل سنة (65).
انظر: المعارف (ص 622)، والفرق بين الفرق (ص 82)، ولسان الميزان (6/ 173).
(3) سورة النساء آية (42).
(4) سورة الأنعام من الآية (23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
بهم، ولا يكتمون الله حديثاً» (1).
كما ردوا عليهم فهمهم واستدلالهم بالقرآن، ومن أمثلته ما وقع لجابر بن عبد الله رضي الله عنه، فقد جاءه نفر من الخوارج، وهو يحدث بخروج عصاة الموحدين من النار فاعترضوا عليه، واستدلوا على تخليدهم في النار بقوله تعالى: {إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} (2)، وقوله: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} (3)، فرد عليهم جابر، وبيَّنَ خطأ استدلالهم (4)، وسيأتي حديث مفصل عن هذه القضايا وغيرها في المبحث المخصص لذلك.
ثانياً: مخالطة أهل الكتاب.
نزح بعض اليهود إلى الجزيرة العربية، وأقام كثير منهم في المدينة وما حولها، وقدموا بعلومهم وكتبهم، وفيها تفاصيل لأخبار أنبيائهم وما وقع لهم، وبحكم مجاورتهم للعرب الأميين كان أهل الكتاب يقرؤون ما في كتبهم المشتملة على الغرائب والعجائب والتفاصيل الدقيقة مما يستظرفه أكثر الناس ويرغبون سماعه، وقد جاء في الأخبار أن اليهود كانوا يقرؤون تلك الأخبار على المسلمين، فعن أبي--------------------------------------------
(1) جامع البيان (7/ 43 - 44)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 306 - 307) مختصراً.
(2) سورة آل عمران من الآية (192).
(3) سورة السجدة من الآية (20).
(4) صحيح مسلم، كتاب الإيمان (1/ 179) برقم (191).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
هريرة رضي الله عنه قال: «كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم وقولوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية» (1).
ومن وجه آخر دخل بعض أهل الكتاب في الإسلام، وجلبوا معهم كثيراً من الروايات والأخبار التي يتداولونها، التي تتحدث عما حصل للأمم السابقة؛ خاصة بني إسرائيل، فاجتهد بعض مسلمة أهل الكتاب في سرد تلك الأخبار والقصص، وفسروا بها القرآن الكريم؛ يدفعهم لذلك حرص بعض المسلمين على سماعها، وتلقيها عنهم، غير أن كثيراً من هذه القصص شابها التحريف والتبديل، واشتملت على أمور باطلة مما ينزه الله تعالى عنه، وانتقاص ظاهر للأنبياء، فدخلت على المسلمين دون أن يتنبهوا إلى ما فيها، وراجت لدى بعض المفسرين فرواها عنهم اعتماداً على الأدلة المرخصة في ذلك (2)، وهذا الأمر دعا الأئمة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم إلى نقدها والتحذير منها، وانتقاد من يرويها ويذيعها في الناس، وسلكوا في ذلك اتجاهين:
الأول: التحذير المجمل من روايات أهل الكتاب، وبيان أن أخبار بني إسرائيل قد تحمل في طياتها الباطل، وحث الناس على الاكتفاء بما جاء في القرآن--------------------------------------------
(1) سورة البقرة آية (136)، والحديث في صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} (5/ 150).
(2) انظر تفسير الصحابة د. بدر (64) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
والسنة، عملاً بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (1).
والاتجاه الثاني: النقد التفصيلي لبعض الروايات الإسرائيلية التفسيرية، وسيأتي مبحث مستقل لذلك.
ثالثاً: دخول الأعاجم في الإسلام.
باتساع الفتوحات الإسلامية دخلت أمم كثيرة الإسلام، وهي تجهل مبادئ اللغة العربية، ومع رغبتهم في تعلم اللغة العربية واجتهاد المسلمين في تعليمهم إلا أنه بقيت فيهم بقايا كثيرة تجهل مسائل اللغة، فالتبس عليهم فهم القرآن الكريم، ويبدو أن أخطاءهم لم تكن قليلة، كما أنها لم تكن فرعية فبعضها يتعلق بالعقائد، ويظهر ذلك من خلال شكوى التابعين منهم، فقد ذكر عند الحسن البصري الاختلاف في التفسير، فقال: «إنما أُتي القوم من قبل العجمة» (2).
وعنه قال: «أهلكتهم العجمة يتأولون القرآن على غير تأويله» (3).--------------------------------------------
(1) سورة العنكبوت آية (51).
(2) فضائل القرآن لأبي عبيد (1/ 179)، والسنة للمروزي (ص 8)، والفقيه والمتفقه (1/ 198).
(3) الجامع لابن وهب (3/ 44)، وهو في التاريخ الكبير (3/ 1/93)، وخلق أفعال العباد للبخاري (ص 101) مختصراً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
وجاء عمرو بن عبيد (1) إلى أبي عمرو بن العلاء رحمه الله (2) فقال: «يا أبا عمرو يخلف الله وعده؟ ، قال: لا، قال: أفرأيت إن وعده على عمل عقاباً يخلف وعده؟ ، فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت يا أبا عثمان! ، إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تَعُدُّ خلفاً ولا عاراً أن تَعِدَ شراً ثم لا تفعله؛ ترى أن ذاك كرماً وفضلاً، إنما الخلف أن تَعِدَ خيراً ثم لا تفعله» (3).
رابعاً: تصدر بعض من لا علم عنده لتفسير القرآن.
وينطبق هذا السبب على القُصَّاص، فقد حظي هؤلاء بمكانة اجتماعية بين الناس، فالتفوا حولهم وتحلقوا عندهم، وكان للقُصَّاص تأثير بارز فيهم، وكثير منهم غير مؤهلين علمياً، ومهمتهم الرئيسة وعظ الناس وتذكيرهم، وكثيراً ما--------------------------------------------
(1) هو أبو عثمان البصري شيخ القدرية والمعتزلة، من أبناء فارس، صحب الحسن ثم اعتزله مع واصل بن عطاء، ضعفه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل، وكان يظهر الزهد والتقشف، توفي سنة (142).
انظر: تاريخ بغداد (12/ 166)، والكامل لابن عدي (6/ 174)، والبداية والنهاية (13/ 343).
(2) هو العُرْيان وقيل: زَبَّان بن العلاء بن عمار التميمي البصري، الإمام المقرئ النحوي، أحد القراء السبعة، ولد سنة (68)، قرأ على ابن جبير ومجاهد، وانتهت إليه الإمامة في القراءة بالبصرة، توفي سنة (154 أو 157).
انظر: طبقات النحويين (ص 35)، ووفيات الأعيان (3/ 466)، ومعرفة القراء الكبار (1/ 100).
(3) تاريخ بغداد (12/ 175 - 176)، والإبانة لابن بطة " كتاب القدر " (2/ 301)، وإعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه (1/ 54).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
يعظون الناس بآيات القرآن، وقد يحتاج المقام إلى تفسيرها، فربما أخطأ أحدهم في البيان، أو خلط التفسير ببعض الحكايات والغرائب، وهذا جعل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ينشطون لنقد آرائهم في التفسير، وسيأتي تخصيص مبحث مستقل في نقدهم.
خامساً: مؤثرات سياسية.
أفضى التنافس على الحكم والخلافة، وما تبعه من صراعات واقتتال بين المسلمين إلى تبني بعض السياسين آراء باطلة في فهم القرآن لتحقيق مكاسب سياسية، إما غضاً من قدر منافسيهم وحطاً من مكانتهم، وإما تأييداً لآخرين، وقد تسربت تلك التأويلات إلى بعض الولاة والخلفاء، ومن المحتمل أن الذي قام بتسريبها بعض من يحب التزلف إليهم، فحكاها لهم فأخذوها عنه، مما دعا الصحابة والتابعين إلى الرد عليهم، وبيان التأويل الصحيح للقرآن، ومما يستشهد به هنا:
1 - استعمل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه مروان بن الحكم على الحجاز، فخطب الناس، فجعل يذكر يزيد بن معاوية؛ لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه (1) شيئاً، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة رضي الله عنها فلم يقدروا--------------------------------------------
(1) هو عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي، أكبر ولد أبي بكر وشقيق عائشة، شهد بدراً وأحداً مع الكفار، ثم أسلم أيام الهدنة وحسن إسلامه، وتوفي فجأة ودفن بمكة سنة (53 أو 54).
انظر: أسد الغابة (3/ 466)، والإصابة (6/ 295).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
عليه، فقال مروان: إن هذا أنزل فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} (1)، فقالت عائشة رضي الله عنها من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري (2).
2 - وقرأ الوليد بن عبد الملك سورة النور، وعنده الزهري، فلما بلغ: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (3) قال للزهري: «يا أبا بكر، من تولى كبره؟ ، أليس علي بن أبي طالب؟ ، فقال الزهري: لا يا أمير المؤمنين، فضرب الوليد بقضيبه السرير مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: فمن؟ ، فقال الزهري: يا أمير المؤمنين! عبد الله بن أبي بن سلول» (4).
3 - وعن حيان بن سريج (5): «أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في--------------------------------------------
(1) سورة الأحقاف من الآية (17).
(2) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي} (6/ 42).
(3) سورة النور من الآية (11).
(4) المعجم الكبير للطبراني (23/ 97)، والقصة في: المعرفة والتاريخ (1/ 393)، وحلية الأولياء (3/ 369)، وذكرها البخاري مختصرة في صحيحه، في كتاب المغازي، باب حديث الإفك (5/ 60).
(5) والي عمر بن عبد العزيز على مصر، له ترجمة مختصرة في التاريخ الكبير (2/ 1/56)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/ 2/ 247).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
اللصوص، ووصف له لصوصيتهم، وحبسهم في السجون، وقال: قال الله في كتابه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ}، وترك: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} (1)، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإنك كتبت إليَّ تذكر قول الله جل وعز: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ}، وتركت قول الله: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}، فنبيٌّ أنت يا حيان؟ ! ، لا تحرك الأشياء عن مواضعها، أتجردت للقتل والصلب كأنك عبد بني عقيل (2)، من غير ما أشبهك به إذا أتاك كتابي هذا، فانفهم إلى شغب» (3).
سادساً: مؤثرات اجتماعية.
جلبت الفتوحات الإسلامية إلى المسلمين خيرات وغنائم كثيرة غيرت حياة--------------------------------------------
(1) سورة المائدة من الآية (33).
(2) يريد به الحجاج بن يوسف الثقفي.
(3) جامع البيان (8/ 387)، وشَغْب مكان قريب من وادي القرى شمال المدينة النبوية، وهو يعد حد الحجاز مما يلي الشام، وقد أقطعه بنو أمية الإمام الزهري، وهو الآن يتبع إمارة ظبا، انظر: معجم البلدان (3/ 352)، ومعجم ما استعجم للبكري (1/ 11، 802)، والمعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية (شمال المملكة) (2/ 734).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
الناس من الفقر والحاجة إلى العز والرخاء، ودخل على المسلمين مع تلك الفتوحات بعض العادات والتقاليد الاجتماعية، فركن الناس إلى الدنيا، وتوسعوا في المباحات، وارتكب بعضهم المحرمات، ولدفع اللوم عن أنفسهم اتخذوا الآيات القرآنية ذريعة لارتكاب المحرمات والتقصير في الواجبات، وقد دفع ذلك الصحابة والتابعين للرد عليهم وانتقادهم، ومن الشواهد:
1 - قيل لأبي العالية: «إن أناساً يزعمون أنهم يتمنون أن يستكثروا من الذنوب قال: ولم ذاك؟ ، قالوا: يتأولون هذه الآية: {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (1)، فقال أبو العالية: وكان إذا أخبر بما لا يعلم قال: آمنت بما أنزل الله من كتاب، ثم تلا هذه الآية: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا}» (2).
2 - وعن الحسن قال: «لما بعث الله محمداً قال: هذا نبيي، هذا خياري، استنوا به، خذوا في سننه وسبيله، لم تغلق دونه الأبواب، ولم تقم دونه الحجبة، ولم يغد عليه بالجفان، ولم يرجع عليه بها، وكان يجلس بالأرض ويأكل طعامه بالأرض، ويلعق يده ويلبس الغليظ، ويركب الحمار ويردف بعده، وكان يقول:--------------------------------------------
(1) سورة الفرقان من الآية (70).
(2) سورة آل عمران (30)، والأثر في: تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2733)، والدر المنثور (5/ 80) وعزاه إلى عبد بن حميد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)