تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (1): «أنا ممن يعلم تأويله» (2).
وقال رضي الله عنه عند قوله تعالى: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} (3): «أنا من القليل، سبعةٌ وثامنهم كلبهم» (4).
وقال: «كل القرآن أعلمه إلا أربعاً: غسلين، وحناناً، والأواه، والرقيم» (5).
قال ابن قتيبة (6): «كان هذا من قول ابن عباس في وقت، ثم عَلِمَ بعد ذلك» (7).--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران من الآية (7).
(2) جامع البيان (5/ 220)، وتفسير ابن المنذر (1/ 132).
(3) سورة الكهف من الآية (22).
(4) تفسير القرآن لعبد الرزاق (1/ 337)، والطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 2/120)، وجامع البيان (15/ 219 - 220).
(5) تفسير عبد الرزاق (1/ 334)، وجامع البيان (15/ 160)، والدر المنثور (3/ 285).
(6) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ولد ببغداد سنة (213)، تولى قضاء دينور مدة فنسب إليها، مؤلفاته كثيرة يغلب عليها اللغة والأدب، منها: عيون الأخبار، وغريب القرآن، توفي فجأة سنة (276).
انظر: تاريخ بغداد (10/ 170)، ووفيات الأعيان (3/ 42)، وإنباه الرواة (2/ 143).
(7) تأويل مشكل القرآن (ص 99).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
4 - ويخبر مجاهد عن منزلته في علم التفسير، وأن تعلم القرآن قد استفرغ جهده ووقته، فيقول: «استفرغ علمي القرآن» (1).
وعنه قال: «عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها» (2).--------------------------------------------
(1) المعرفة والتاريخ (1/ 712).
(2) مصنف ابن أبي شيبة (10/ 559)، وسنن الدارمي (1/ 270 - 271)، وجامع البيان (1/ 85)، والمستدرك للحاكم (2/ 279)، وحلية الأولياء (3/ 279 - 280)، وأسباب النزول للواحدي (ص 52).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
ثانياً
الحث على ما يعين على فهم القرآن
من الأولويات لدى الناقد قبل القيام بنقد الأقوال وتصحيحها أن يبادر بالاحتراز من الأخطاء في التفسير قبل وقوعها، وهذا لا يتأتى إلا بمعرفة الطريقة الصحيحة لفهم القرآن؛ لذا يسعى الناقد جاهداً لتحقيق ذلك بوضع الضوابط والقواعد المعينة على فهم القرآن، وقد أولى العلماء هذا الأمر عناية خاصة، فأفردوا فيه كتباً تحت اسم أصول التفسير أو علوم القرآن، وكان للصحابة والتابعين أفضلية السبق في ذلك، فأرشدوا إلى القواعد والآداب التي تعين على فهم القرآن، ومنها:
أولاً: الاستعانة بالسياق القرآني في فهم الآيات.
فمما يعين المفسر على فهم القرآن نظره في سياق الآيات والموضوع الذي تتحدث عنه، وربط الآيات بما قبلها وما بعدها، فـ «السياق يرشد إلى تبيين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات» (1).
«والدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية» (2).
وقد اهتم الصحابة والتابعون بالسياق في تفسير القرآن، وحثوا على النظر فيما قبل الآية وما بعدها، فعن مسلم بن يسار (3)
قال: «إذا حدثت عن الله حديثاً، فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده» (4).
ولأهميته استعانوا به في تفسير الآيات، ومن أمثلة ذلك:
1 - ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} (5) قال: «فمنهن: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، ومنهن: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ--------------------------------------------
(1) البحر المحيط في الأصول للزركشي (6/ 52).
(2) مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/ 14).
(3) هو أبو عبد الله مسلم بن يسار البصري الفقيه الزاهد، روى عن عبادة وابن عباس، وعنه ابن سيرين وقتادة وأيوب، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز عام (100) أو (101).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 1/135)، وحلية الأولياء (2/ 290)، وتاريخ الإسلام حوادث سنة (81 - 100 ص 475).
(4) فضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 214)، ومصنف ابن أبي شيبة (14/ 25)، وحلية الأولياء (2/ 292).
(5) سورة البقرة من الآية (124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} (1)، ومنهن الآيات في شأن المنسك، والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في ذريتهما صلى الله عليهم» (2).
وهذه التي ذكرها ابن عباس مذكورة في الآيات بعد قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}.
وجاء نحو ذلك عن مجاهد، فإنه قال في هذه الآية: «ابتلي بالآيات التي بعدها» (3).
2 - وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} (4)، قال: «عيسى ناداها، أما تسمع الله يقول: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ}» (5).
3 - وعن مجاهد أنه قال في قول الله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (6): هي: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا--------------------------------------------
(1) سورة البقرة من الآية (127).
(2) جامع البيان (2/ 503).
(3) المصدر السابق (2/ 502).
(4) سورة مريم من الآية (24).
(5) سورة مريم من الآية (29)، والأثر في جامع البيان (15/ 504).
(6) سورة الأنعام آية (83).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} (1)، وقال مرة: إنها قوله تعالى: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (2).
وسيأتي انتقاد الصحابة والتابعين تأويلات لمخالفتها سياق الآيات.
ثانياً: الاستعانة بالسنة في فهم القرآن.
من المهام التي كلف بها النبي صلى الله عليه وسلم بيان الوحي الذي أنزل عليه وتفسيره {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (3)، وليس أحد أتم إيضاحاً ولا أكمل بياناً من النبي صلى الله عليه وسلم، فسنته من أحسن ما يفسر به القرآن، لأن ما يأتي به وحي من الله تعالى، وقد أدرك الصحابة والتابعون هذه الحقيقة، فاعتنوا بالسنة النبوية في بيان القرآن، وأكدوا على أهميتها، وعدوها من أهم المصادر التفسيرية، ومن أقوالهم في ذلك:
1 - أتى رجل عمران بن حصين رضي الله عنه (4)،
فسأله عن شيء، فحدثه، فقال--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام من الآية (82).
(2) سورة الأنعام من الآية (81)، والأثران عنه في جامع البيان (9/ 379)، وللمزيد من الأمثلة انظر: جامع البيان (5/ 297، 21/ 397، 432)، وفتح الباري لابن حجر (13/ 111).
(3) سورة النحل من الآية (44).
(4) هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، يكنى أبا نجيد، من فقهاء الصحابة، أسلم عام خيبر، وحمل راية خزاعة يوم فتح مكة، ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها عام (52 أو 53).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 4)، والإصابة (7/ 155).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
الرجل: «حدثوا عن كتاب الله، ولا تحدثوا عن غيره، فقال: إنك امرؤ أحمق! ، أتجد في كتاب الله عز وجل الظهر أربعاً لا يجهر فيها بالقراءة؟ ، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحوهما، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله عز وجل مفسراً؟ ، إن كتاب الله - جل وعلا - أحكم ذلك، وإن السنة تفسر ذلك» (1).
وفي رواية أن عمران قال للرجل: «القرآن والله نعم، أرأيت لو رفعنا إليه، وقد وجدت في القرآن: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، ثم لم نر رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف سن لنا؛ كيف نركع، كيف كنا نسجد، كيف كنا نعطي زكاة أموالنا؟ ! ، فأفحم الرجل» (2).
2 - وقال رجل لمطرف بن عبد الله بن الشخير (3): «لا تحدثونا إلا بالقرآن،--------------------------------------------
(1) الشريعة للآجري (ص 56)، والإبانة لابن بطة "كتاب الإيمان" (1/ 236)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 191)، والفقيه والمتفقه (1/ 237)، والكفاية للخطيب البغدادي (ص 48).
(2) الفقيه والمتفقه (1/ 237).
(3) هو أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري البصري، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، روى عن عثمان وعلي، وعنه الحسن، كان من عباد أهل البصرة، وحديثه في الكتب الستة، توفي سنة (95).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 103)، وتهذيب التهذيب (4/ 90).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
فقال مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا» (1).
3 - وعن مكحول (2)
قال: «القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن» (3).
4 - وعن حسان بن عطية (4)، قال: «كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخبره جبريل عليه السلام بالسنة التي تفسر ذلك» (5).
5 - وقال يحيى بن أبي كثير (6): «السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب--------------------------------------------
(1) العلم لأبي خيثمة (ص 42)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 191) واللفظ له.
(2) هو أبو عبد الله، ويقال: أبو أيوب الشامي، فقيه أهل الشام، أصله من فارس، أرسل عن عدد من الصحابة، وسمع أنساً وواثلة، وهو معلم الأوزاعي، وعداده في أوساط التابعين، توفي سنة (112).
انظر: التاريخ الكبير (4/ 2/21)، ووفيات الأعيان (5/ 280)، وسير أعلام النبلاء (5/ 155).
(3) السنة للمروزي (ص 33)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 191)، والكفاية (ص 47).
(4) هو أبو بكر حسان بن عطية المحاربي الدمشقي، روى عن أبي أمامة وابن المسيب، وعنه الأوزاعي، وثقه أحمد وابن معين، وحديثه في الكتب الستة، عاش إلى حدود ثلاثين ومائة.
انظر: التاريخ الكبير (2/ 1/33)، وسير أعلام النبلاء (5/ 466).
(5) سنن الدارمي (1/ 152)، والسنة للمروزي (ص 33)، والإبانة لابن بطة "الإيمان" (1/ 255)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 83)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 191) واللفظ له، والكفاية (ص 47)، والفقيه والمتفقه (1/ 266 - 267).
(6) هو أبو نصر يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، رأى أنساً، وحدث عنه أيوب والأوزاعي، فضله بعض العلماء في الرواية على الزهري، توفي سنة (129).
انظر: تذكرة الحفاظ (1/ 128)، وتهذيب التهذيب (4/ 383).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
بقاض على السنة» (1).
قال ابن قتيبة: «أراد أنها مبينة للكتاب منبئة عما أراد الله تعالى فيه» (2).
ولا يفهم من كلام مكحول ويحيى أنهما يفضلان السنة على القرآن؛ معاذ الله! ، وإنما أرادا أهمية بيان القرآن بالسنة وحاجة آياته إلى تفسيرها بالسنة، وكأنَّ في عبارة يحيى بن أبي كثير شدة؛ ولذا لما سئل عنها الإمام أحمد قال: «ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن السنة تفسر الكتاب، وتعرف الكتاب وتبينه» (3).
وسيأتي أن الصحابة والتابعين انتقدوا أقوالاً في التفسير لمخالفتها السنة.
ثالثاً: معرفة سبب نزول الآية.
من الطرق القوية لفهم معاني القرآن معرفة سبب النزول «لامتناع معرفة--------------------------------------------
(1) سنن الدارمي (1/ 152)، والسنة للمروزي (ص 33)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 191)، والكفاية (ص 47).
(2) تأويل مختلف الحديث (ص 181).
(3) الكفاية (47)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 191).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
تفسير الآية، وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها» (1).
ومن أسباب النزول ما لا يستغني المفسر عن معرفته؛ لأن فيها بيان المجمل وإيضاح الخفي والموجز، ومنها ما يكون وحده تفسيراً، ومنها ما يدل المفسر على طلب الأدلة التي بها تأويل الآية ونحو ذلك (2).
قال ابن تيمية: «ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» (3).
والمراد بسبب النزول: ما نزل بشأنه قرآن وقت وقوعه (4).
وقد أشار الصحابة والتابعون إلى أهمية معرفة سبب في بيان القرآن، ومن الشواهد عنهم:
1 - قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم فيم أنزلت؟ » (5).--------------------------------------------
(1) أسباب النزول للواحدي (ص 3).
(2) التحرير والتنوير (1/ 45).
(3) مجموع الفتاوى (13/ 339).
(4) مناهل العرفان (1/ 99)، ومباحث في علوم القرآن للقطان (ص 78).
(5) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة (4/ 1912 - 1913).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
قال الشاطبي (1) معلقاً على قوله: «وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالماً بالقرآن» (2).
2 - وعن ابن سيرين قال: «سألت عبيدة عن شيء من القرآن، فقال: اتق الله، وعليك بالسداد، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن؟ » (3).
ويدل قوله على أن من علم السبب الذي من أجله أنزلت الآية علم تفسيرها.
3 - وعن الحسن البصري قال: «ما أنزل الله عز وجل آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت، وما أراد بها؟ » (4).
قال الشاطبي: «يشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب» (5).
وسيأتي - إن شاء الله - انتقاد الصحابة والتابعين تأويلاتٍ لمخالفتها سبب--------------------------------------------
(1) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، فقيه أصولي محقق، أخذ عن علماء الأندلس، له عناية بمؤلفات المتقدمين، من تصانيفه: الموافقات والاعتصام والمجالس، توفي عام (790).
انظر: نيل الابتهاج (ص 48)، وفهرس الفهارس (1/ 191)، والأعلام للزركلي (1/ 75).
(2) الموافقات (4/ 153).
(3) سبق تخريجه (ص 82).
(4) فضائل القرآن لأبي عبيد (1/ 276).
(5) الموافقات (4/ 153).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
النزول.
رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ.
ومعرفته من الشروط التي تجب على المفسر؛ ولذا «قال الأئمة: لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ» (1).
ومن الشواهد عن الصحابة في بيان أهميته لمن أراد تفسير القرآن:
1 - مر علي بن أبي طالب رضي الله عنه على قاص يقص، فقال له: «أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ ، قال: لا، قال: هلكت وأهلكت» (2).
وفي بعض الروايات أن علياً رضي الله عنه قال للقاص: «اخرج من مسجدنا، ولا تذكر فيه» (3).
2 - وجاء عن ابن عباس نحو فعل علي رضي الله عنهم فقد مر بقاص، فقال له:--------------------------------------------
(1) البرهان (2/ 158)، وانظر بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي (1/ 117).
(2) مصنف عبد الرزاق (3/ 220 - 221)، ومصنف ابن أبي شيبة (8/ 746)، وفهم القرآن للمحاسبي (ص 327)، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (1/ 411)، والعلم لأبي خيثمة (ص 53)، والسنن الكبرى للبيهقي (10/ 117)، والفقيه والمتفقه (1/ 244)، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي (ص 6).
(3) الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (1/ 410).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
«أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال ابن عباس: هلكت وأهلكت» (1).
وإنما سأل علي وابن عباس رضي الله عنهم القاص عن معرفته بالناسخ والمنسوخ؛ لأن من شأن القاص أنه يعظ الناس ويذكرهم، ويحتاج في ثنايا وعظه إلى بيان ما يحل ويحرم، وقد يستدل على ما يذكره بالقرآن الكريم ويقوم بتفسيره، أو يستدل به على أمر معين، فإذا لم يكن عالماً بالناسخ والمنسوخ فقد يستدل بآية منسوخة، فيقع في الخطأ في فهم القرآن، فبينا له أهمية العلم بالناسخ والمنسوخ لئلا يقع في الخطأ فيضل ويُضل.
3 - وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: «إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه، قالوا: ومن ذاك؟ ، قال: عمر بن الخطاب، قال: وأمير لا يخاف، أو أحمق متكلف» (2).
والمفتي إذا لم يكن عالماً بالناسخ والمنسوخ قد يفهم من آية منسوخة دلالتها على أمر معين، فيفتي به مع كون الآية منسوخة.
ولا تقتصر أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ على المفسر فقط، بل هو ضروري لكل من تكلم في شيء من أمور الشريعة كالقضاء والإفتاء، قال الشافعي: «لا يحل--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (1/ 414)، والاعتبار (ص 7).
(2) سنن الدارمي (1/ 66)، ومصنف عبد الرزاق (11/ 231)، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (1/ 415)، والفقيه والمتفقه (2/ 331)، والاعتبار (ص 7).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
لأحد يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله؛ ناسخه ومنسوخه» (1).
ومن المهم هنا معرفة مفهوم السلف للنسخ، إذ يختلف عن المفهوم الذي اصطلح عليه المتأخرون، فالنسخ عند السلف أعم من النسخ الاصطلاحي، الذي يراد به رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه (2)، فيشمله ويشمل كل تغير يطرأ على النص بدليل آخر.
قال ابن تيمية: «والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف العام كل ظاهر تُرك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام وتقييد المطلق» (3).
وقال ابن القيم معلقاً على قول حذيفة رضي الله عنه: «مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ: رفع الحكم بجملته تارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة؛ إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخاً لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه» (4).--------------------------------------------
(1) الفقيه والمتفقه (2/ 331).
(2) انظر في تعريفه: المستصفى (1/ 106)، وروضة الناظر (1/ 283)، والإحكام للآمدي (3/ 104)، وشرح مختصر الروضة (2/ 251)، وشرح الكوكب المنير (3/ 526)، وإرشاد الفحول (ص 184).
(3) مجموع الفتاوى (13/ 272)، وانظر: (13/ 29، 14/ 101) من الكتاب نفسه.
(4) إعلام الموقعين (1/ 35)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (1/ 454)، والموافقات (3/ 344).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
خامساً: معرفة اللغة العربية.
نزل القرآن الكريم باللغة العربية، فلا عجب أن تكون هي المرجع في فهمه وتأويله، وقد عُني الصحابة والتابعون رضي الله عنهم باللغة وفسروا بها القرآن، وكان هذا الأمر متقرراً لديهم، وحكى بعض العلماء إجماع الصحابة على جواز تفسير القرآن باللغة (1)، وإدراكاً منهم لأهميتها في فهم القرآن تمنى بعض مفسري التابعين لو كان يحسن العربية، فعن عطاء قال: «وددت أني أحسن العربية، وهو يومئذ ابن تسعين سنة» (2).
ومن أوجه عنايتهم بالعربية في بيان القرآن ما يأتي:
الوجه الأول: بيان أن اللغة العربية أساس مهم، وركن أصيل لمن أراد تفسير القرآن، ولما قسم ابن عباس رضي الله عنهما التفسير إلى أربعة أقسام جعل اللغة العربية أول تلك الأقسام التي يفسر بها القرآن الكريم، فقال: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء،--------------------------------------------
(1) مقدمتان في علوم القرآن (ص 201).
(2) تاريخ دمشق (40/ 403)، وسير أعلام النبلاء (5/ 87).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
وتفسير لا يعلمه إلا الله» (1).
الثاني: تحذير من لم يكن ملماً باللغة العربية أن يتكلم في تفسير القرآن، وبيان أن الإخلال باللغة العربية سبب للإخلال بفهم القرآن، ومن أقوالهم في ذلك:
1 - قول مجاهد: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب» (2).
2 - وعن الحسن أن رجلاً سأله فقال: «يا أبا سعيد، الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق، ويقيم بها قراءته؟ ، قال: حسن يا بن أخي فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية، فيعيى بوجهها فيهلك» (3).
وقوله: يعيى بوجهها؛ يريد لا يهتدي إلى تفسيرها (4).
3 - وترك بعض المفسرين الرواية عمن لم يكن متقناً للعربية، فقيل لقتادة:--------------------------------------------
(1) تفسير عبد الرزاق (1/ 59)، وجامع البيان (1/ 70) واللفظ له، ومسند الشاميين للطبراني (2/ 302).
(2) البرهان للزركشي (1/ 396).
(3) الجامع لابن وهب (3/ 443)، وفضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 179)، وسنن سعيد بن منصور (1/ 167)، والفقيه والمتفقه (1/ 198).
(4) أساس البلاغة (ص 443).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
«مالك لا تروي عن نافع، ورويت عن غيره؟ ، فقال: إن نافعاً كان علجاً لحاناً» (1).
الثالث: الرجوع إلى اللغة العربية حينما يشكل على أحدهم فهم آية قرآنية، والاحتكام إليها عند الاختلاف، وجعلها فيصلاً في النزاع وحكماً على المختلفين، ومن أمثلته:
1 - أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} (2) بنصب راء {حَرَجًا}، وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (ضَيِّقاً حَرِجاً)، فقال عمر: «ابغوني رجلاً من كنانة، واجعلوه راعياً، وليكن مدلجياً، فأتوا به، فقال له عمر رضي الله عنه: يا فتى ما الحرجة؟ ، قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية، ولا وحشية، ولا شيء، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير» (3).
2 - وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا تعانيتم في شيء من القرآن فانظروا في الشعر،--------------------------------------------
(1) العلل لأحمد (3/ 83).
(2) سورة الأنعام من الآية (125).
(3) جامع البيان (9/ 544 - 545)، ومعالم التنزيل (3/ 186)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (3/ 45) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ، وهو بنحوه في الجامع لابن وهب (2/ 95 - 96)، وروى عن ابن عباس نحو قصة عمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
فإن الشعر عربي» (1).
3 - وعنه قال: «إذا خفي عليكم شيء من القرآن، فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب» (2).
4 - وأشكل على ابن عباس معنى آية، فلم يعرف معناها حتى سمع الأعراب؛ يقول رضي الله عنه: «كنت لا أدري ما {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (3) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها» (4).
5 - وعنه رضي الله عنه قال: «ما كنت أدري ما قوله: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} (5)، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفاتحك، تعني: أقاضيك» (6).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (16/ 642).
(2) المستدرك للحاكم (2/ 499)، والأسماء والصفات للبيهقي (2/ 80)، وعزاه في الدر المنثور (6/ 254) إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(3) في أكثر من موضع في القرآن، أولها في سورة الأنعام من الآية (14).
(4) فضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 174)، وجامع البيان (9/ 175)، وفضائل القرآن لابن كثير (ص 125).
(5) سورة الأعراف من الآية (89).
(6) مصنف ابن أبي شيبة (8/ 717، 10/ 474)، وجامع البيان (10/ 320) واللفظ له، وتفسير ابن أبي حاتم (5/ 1523)، والأسماء والصفات للبيهقي (1/ 114).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
6 - وعن الحسن قال: «كنا لا ندري ما الأرائك حتى لقينا رجلاً من أهل اليمن، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحَجَلة فيها السرير» (1).
الرابع: إحالة السائل عن تفسير القرآن إلى اللغة العربية، والتأكيد على أنه لو كان عربياً ما أشكل عليه معنى الآية، فعن الحسن البصري أن رجلاً سأله عن قوله تعالى: {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ} (2)، فقال له: «لو كنت عربياً لعرفت ما هي، إنما هي فاستمرت به» (3).
الخامس: الرجوع إلى اللغة العربية عند تفسير الآيات، وقد أكثر الصحابة والتابعون الاحتجاج بالشعر على غريب القرآن ومشكله (4)، ومن شواهد ذلك:
1 - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (5)
قال: «شهدت ابن عباس، وهو--------------------------------------------
(1) فضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 172)، وهو في جامع البيان (19/ 466) مختصراً، ولمزيد شواهد انظر الجامع للقرطبي (5/ 3726)، والحجلة بيت كالقبة يستر بالثياب، وتكون له أزرار كبار. النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 346) مادة "حجل".
(2) سورة الأعراف من الآية (189).
(3) العلل لأحمد (1/ 165)، وجامع البيان (10/ 618) واللفظ له.
(4) الإتقان (1/ 157).
(5) هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، أحد الفقهاء السبعة، عمه ابنُ مسعود، لقي كثيراً من الصحابة، وروى عنه أبو الزناد والزهري، وهو مؤدب عمر بن عبد العزيز، توفي عام (98).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 185)، ووفيات الأعيان (3/ 115)، وتذكرة الحفاظ (1/ 78).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
يسأل عن عربية القرآن، فينشد الشعر» (1).
2 - وعن عكرمة أن ابن عباس قال: «إذا سألتموني عن عربية القرآن، فالتمسوه بالشعر، فإن الشعر ديوان العرب» (2).
3 - وعن يوسف بن مهران (3) وسعيد بن جبير أن ابن عباس كان يسأل عن القرآن كثيراً، فيقول: هو كذا وكذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا (4).
ولو استعرضنا الآيات التي فسرها الصحابة والتابعون باللغة العربية شعراً ونثراً لطال بنا المقام (5).--------------------------------------------
(1) سنن سعيد بن منصور (2/ 316)، وغريب الحديث للخطابي (1/ 61)، وانظر: فضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 173)، وفضائل الصحابة لأحمد (2/ 981)، وروى عكرمة عن ابن عباس نحو ذلك كما في فضائل الصحابة لأحمد (2/ 974).
(2) الجامع لأخلاق الراوي والسامع (2/ 198).
(3) هو يوسف بن مهران البصري، روى عن ابن عباس وابن عمر وجابر، ثقة قليل الحديث، قال عنه أبو زرعة: ثقة. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 1/161)، والجرح والتعديل (4/ 2/229)، وتهذيب التهذيب (4/ 461).
(4) الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 2/121)، والجامع لأخلاق الراوي والسامع (2/ 198).
(5) انظر على سبيل المثال: جامع البيان (13/ 745، 19/ 510، 24/ 416)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 346، 8/ 2721)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 345، 7/ 228، 8/ 290)، والدر المنثور (3/ 329، 4/ 58، 6/ 102، 370)، والإتقان (1/ 149) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)