Arabic source text

📘 নাকদুস সাহাবা ওয়াত তাবিঈন লিত-তাফসীর (আব্দুস সালাম বিন সালিহ আল-জার আল্লাহ)

📘 نقد الصحابة والتابعين للتفسير (عبد السلام بن صالح الجار الله)

📘 নাকদুস সাহাবা ওয়াত তাবিঈন লিত-তাফসীর (আব্দুস সালাম বিন সালিহ আল-জার আল্লাহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌سادساً: التدرج في تعلم التفسير.
اتبع الصحابة والتابعون في تعلم تفسير القرآن منهجاً فريداً، حيث كانوا يتعلمونه شيئاً فشيئاً، وآية آية، فكانوا لا يتجاوزون قدراً يسيراً من الآيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، ثم ينتقلوا إلى غيرها، وقد ساعدهم هذا التدرج على فهم القرآن والتأمل في آياته، والوقوف على المعاني الصحيحة لها، ويصف ابن مسعود رضي الله عنه هذه الطريقة بقوله: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» (1).
وعن أبي عبد الرحمن السلمي (2): «حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى، حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (1/ 74) وصححه في (1/ 83)، والحاكم في المستدرك (1/ 557).
(2) هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الكوفي المقرئ، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، قرأ على عثمان وعلي وحدث عن عمر، وقرأ عليه عاصم وابن وثاب، أقرأ في خلافة عثمان إلى أن توفي عام (74 أو 73).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 119)، والمعرفة والتاريخ (2/ 589)، ومعرفة القراء الكبار (1/ 52).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

والعمل» (1).
وهذه الطريقة في تعلم القرآن لها أثر في فهمه، والإلمام بتفاصيل أحكامه، والوقوف على بديع أسراره ومعانيه، والإنسان إنما يُؤتى من قبل العجلة وعدم التريث في فهم النصوص.
ولكون هذه الطريقة هي المتبعة لديهم يمكث أحدهم في تعلم السورة الواحدة مدة طويلة (2)، فقد مكث ابن عمر رضي الله عنهما في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها (3)، ويدل هذا على أن الأمر عندهم لم يكن مجرد حفظ للآيات دون فهم وتعلم لفقهها، وإلا لما بقي ابن عمر هذه المدة الطويلة في سورة واحدة مع ما مَنَّ الله عليهم من قوة الحفظ وحدة الذاكرة، فلم يكن صنيع ابن عمر لبطء حفظه أو ضعف ذاكرته، وإنما لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها وما يتعلق بها (4).--------------------------------------------
(1) مسند الإمام أحمد (5/ 410)، ومصنف عبد الرزاق (3/ 380)، والطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 119)، ومصنف ابن أبي شيبة (10/ 460)، وجامع البيان (1/ 74).
(2) مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/ 331).
(3) رواه مالك بلاغاً كما في الموطأ، رواية يحيى الليثي (1/ 282)، والبيهقي في شعب الإيمان (4/ 511)، ووصله ابن سعد في الطبقات الكبرى (4/ 121)، لكن ذكر أنه تعلمها في أربع سنين، وفي شعب الإيمان للبيهقي (4/ 512) عن ابن عمر قال: «تعلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما أتمها نحر جزوراً»، وانظر الدر المنثور (1/ 21).
(4) تنوير الحوالك للسيوطي (1/ 208).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

ولارتباط الحفظ بالفهم والعمل كان الصحابة ينظرون لمن يحفظ سورة البقرة وآل عمران نظرة إجلال وتقدير، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدَّ فينا، أي: عظم، وفي رواية أخرى: يعد فينا عظيماً (1).

سابعاً: التدبر لكتاب الله والتأمل في معانيه:
والتدبر للقرآن الكريم إلى جانب كونه يفيد القارئ في اتعاظه بالقرآن، وانتفاعه بأوامره ونواهيه وزواجره، فإنه يفتح له آفاقاً أوسع في فهم القرآن، ويطلع بسببه على معاني وفوائد وحكم لم تكن لتظهر له لولا تمهله في قراءته وتدبره لكتاب الله.
والتدبر في معناه اللغوي يعود إلى التأمل في الشيء، والنظر والتفكر في عاقبته (2)، وقد ذم الله تعالى الكفار على إعراضهم عن تدبر القرآن الكريم، مما ترتب--------------------------------------------
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند (3/ 120 - 121)، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (2/ 62)، والبغوي في شرح السنة (13/ 305 - 306)، وقول أنس رضي الله عنه ورد في قصة النصراني الذي أسلم ثم ارتد ثم مات كافراً، والقصة دون الشاهد هنا في صحيح البخاري، في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (4/ 181)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (4/ 2145) برقم (2781).
(2) انظر الجامع لأحكام القرآن (3/ 1860)، والقاموس المحيط (ص 499) مادة "دبر".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

عليه عدم فهم معانيه، حتى شبه الله قلوبهم التي لا تعي القرآن ولا تدرك معانيه بأنها كالقلوب التي عليها الأقفال قد أحكم غلقها، فلا يمكن أن يصل إليها شيء من معاني القرآن، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (1).
يقول قتادة عند هذه الآية: «إذاً والله يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله، لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك» (2).
ولما أمر تعالى بتدبر القرآن في سورة النساء، ذكر امتناع الاختلاف والاضطراب في القرآن؛ تنبيهاً على أن التدبر التام المفضي إلى فهم القرآن يمتنع معه وجود الاختلاف والتناقض، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (3)، وبالمقابل عدم تدبر القرآن الكريم يؤدي إلى الخلل في فهمه، ومن ثم الظن بأن في القرآن اختلافاً وتناقضاً، فعلم بذلك أن الخطأ في فهم القرآن سببه عدم التدبر لآياته (4).
يقول القرطبي (5): «دلت هذه الآية على وجوب تدبر القرآن ليعرف--------------------------------------------
(1) سورة محمد آية (24)، وانظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (6/ 203).
(2) جامع البيان (21/ 216).
(3) سورة النساء آية (82).
(4) انظر البرهان (2/ 319).
(5) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي فرح الأنصاري القرطبي المالكي المفسر، كتابه الجامع أشهر مصنفاته، وله: التذكرة، والتذكار في أفضل الأذكار، والكتاب الأسنى، توفي في شوال سنة (671).
انظر: الديباج المذهب (ص 406)، وطبقات المفسرين للسيوطي (ص 79)، وطبقات المفسرين للداودي (2/ 69).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

معانيه» (1).
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:
1 - قال رجل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «قرأت المفصل البارحة، فقال: هَذَّاً كهَذِّ الشعر! ، إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم» (2).
والمراد بقوله: هذاً كهذِّ الشعر؛ سرعة القراءة من غير تأمل كما ينشد الشعر (3).
2 - وقال رجل لابن عباس: «إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن أقرأ البقرة في ليلة، فأدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول» (4).--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن (3/ 1860).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب فضائل القرآن، باب الترتيل في القراءة (6/ 109 - 110) واللفظ له، وأخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها (1/ 563) برقم (822).
(3) فتح الباري لابن حجر (9/ 90).
(4) فضائل القرآن لأبي عبيد (1/ 326)، وسنن سعيد بن منصور (2/ 477، 480)، وأخلاق حملة القرآن وأهله للآجري (ص 98)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 396).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)

فالصحابة رضي الله عنهم عابوا السرعة في قراءة القرآن؛ لأنها تفضي إلى عدم التدبر، وما يترتب عليه من الخلل في فهم القرآن الكريم.
3 - وعن محمد بن كعب قال: «لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بإذا زلزلت، والقارعة لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما وأتفكر، أحب إلي من أن أهذَّ القرآن ليلتي هَذَّاً، أو قال: أنثره نثراً» (1)، ولذلك انتفع بهذه القراءة المتدبرة، فقال عن أثرها: «إن عجائب القرآن تورد علي أموراً، حتى إنه لينقضي الليل، ولم أفرغ من حاجتي» (2).
ثامناً: سؤال المختصين بتفسير القرآن الكريم.
ومن الأمور التي عُني بها الصحابة والتابعون للوصول إلى الفهم السليم لمعاني القرآن الكريم أن أحدهم إذا مر بآية وأشكل عليه معناها سأل علماء التفسير؛ لأنهم هم المؤهلون للبت في معني الآيات، وبيان المعنى الصحيح، واللجوء إلى المتخصصين بتفسير القرآن هو السبيل الأمثل والطريق الأقصر لمعرفة المراد بآيات الكتاب العزيز، وشواهد هذا الأمر كثيرة جداً، وتقدم بعضها.--------------------------------------------
(1) الزهد لابن المبارك (ص 87)، وفضائل القرآن للفريابي (ص 222)، وحلية الأولياء (3/ 214).
(2) حلية الأولياء (3/ 214)، وسير أعلام النبلاء (5/ 66).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)

‌‌الفصلُ الثالث الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين
وفيه:
أولاً: طبيعة الاختلاف عند الصحابة والتابعين.
ثانياً: أدب الاختلاف عند الصحابة والتابعين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)

سنة الاختلاف بين الناس من السنن التي أجراها الله تعالى في الخلق {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (1)، واختلاف الناس وتباين آرائهم لا يختص بالأمور الدينية، وإنما يشمل الأمور الدنيوية، والحديث هنا عن اختلاف الناس في عقائدهم وأديانهم، الذي يشتد أحياناً فيصل إلى تعدد الأديان والملل، وقد يكون في الملة الواحدة باختلاف أهلها في فهم دينهم، وما يحل فيه ويحرم.
ولم تكن المجتمعات الإسلامية بمعزل عن هذه السنة الربانية، فقد وقع فيها الاختلاف؛ متخذاً - أحياناً - أشكالاً خطيرة بوقوعه في أركان الدين وثوابته، غير أن اختلاف الصحابة والتابعين لهم بإحسان اختص بخصائص، واتسم بسمات ميزته عن الاختلاف الذي حدث في العصور المتأخرة.
والحديث عن الاختلاف مهم، وتتأكد أهميته عند الحديث عن النقد، إذ لا يتصور وجود النقد بمعناه الشائع دون اختلاف، فالمرء ينتقد من يعتقد خطأه أو يختلف معه، فالبحث في النقد جزء من البحث في الاختلاف، لكنه خاص فيما فيه نقد، فارتباط النقد بالاختلاف وثيق، وإنما نبهنا على هذا لئلا يظن من يقرأ هذا البحث أنه لا يعدو حديثاً عن الاختلاف بين الصحابة والتابعين.
ومما يؤكد الكلام عن الاختلاف بين الصحابة والتابعين رضي الله عنهم عند الحديث عن--------------------------------------------
(1) سورة هود الآيتان (118 - 119).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)

النقد ألاّ يقع في نفس الناظر في نقدهم أن الخلاف بينهم كان شديداً، وأنهم تفرغوا للنزاعات والردود، والاختلاف مع هذا وذاك، فنبهنا في هذا الفصل إلى حجم الاختلاف بينهم، وموقفهم منه، والتزامهم بضوابطه وآدابه، وأنه ليس بالصورة التي قد تنشأ بسبب قراءة هذا البحث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)

‌‌أولاً
طبيعة الاختلاف عند الصحابة والتابعين
طبيعة الاختلاف في التفسير عند الصحابة والتابعين وأدبياته لا تختلف كثيراً عن طبيعة اختلافهم في العلوم الفرعية الأخرى كالحديث والفقه؛ وما يقال فيها يقال في التفسير، سوى أشياء يسيرة يأتي التنبيه عليها.
ومن أبرز سمات اختلاف الصحابة والتابعين ما يأتي:

‌‌أولاً: الاختلاف في الفروع دون الأصول.
لم يختلف الصحابة والتابعون رضي الله عنهم في الأصول والثوابت، سواء في التفسير أم العقائد أم الفقه، ومن الأمور التي تشهد على أن الخلاف الذي وقع بينهم لم يكن في الأصول، الاطلاع على الاختلاف الذي اتسع بعدهم واتخذ أشكالاً خطيرة حيث تشعبت المذاهب وكثرت البدع، وما ترتب على ذلك من تأويل القرآن والانحراف في فهمه ليوافق معتقدات أهله.
وفي تفسير القرآن الكريم لم يختلف الصحابة والتابعون في معاني آيات الصفات مثلاً، وقد نص العلماء على ذلك:
فقال ابن تيمية: «إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)

الصحابة اختلاف في تأويلها»، ثم ذكر أنه قرأ ما يزيد على مائة كتاب في التفسير من الكتب الكبار والصغار، فلم يجد عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات، ثم قال: «وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} (1)، فروي عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، وأن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في آيات الصفات»، ثم قرر أن ظاهر القرآن لا يدل على أنها من الصفات (2).
وعندما ذكر ابن القيم تنازع الصحابة في تفسير بعض الآيات عقب بقوله: «ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها» (3).
وهناك أصول يعتمد عليها في فهم القرآن الكريم، كالاعتماد على القرآن والسنة في التفسير، أو الأخذ باللغة العربية، وهذه لم يختلف فيها الصحابة والتابعون، ونقلت عنهم نصوص كثيرة تارةً بالأخذ بها والاستفادة منها في فهم الآيات، وأخرى بالحث عليها (4).--------------------------------------------
(1) سورة القلم من الآية (42).
(2) مجموع الفتاوى (6/ 394).
(3) الصواعق المرسلة (1/ 210)، وانظر: إعلام الموقعين (1/ 49)، والموافقات (2/ 141 - 142).
(4) انظر مقدمتان في علوم القرآن (ص 201).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)

‌‌ثانياً: قلة الاختلاف عند الصحابة والتابعين.
ومن الأمور التي تميز بها اختلاف الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أنه كان قليلاً؛ مقارنةً بالاختلاف الذي حصل بعد ذلك، وهذا عام في جميع العلوم كالحديث والفقه، لكنه في تفسير القرآن الكريم أقل، وقد ذكر ابن تيمية أن الاختلاف بين الصحابة في التفسير قليل جداً، وهو بين التابعين أكثر، إلا أنه أيضاً قليل إذا قورن بالخلاف الذي حدث بعد ذلك، وذكر أن اختلاف السلف في الأحكام أكثر من اختلافهم في التفسير (1).

‌‌وهناك أسباب أدت إلى قلة اختلاف الصحابة والتابعين في التفسير، ومن أهمها (2):
1 - وهو سبب يختص به الصحابة رضي الله عنهم، فوجود النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، وقيامه ببيان القرآن الكريم، ومشاهدتهم التنزيل، ثم احتكامهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند الاختلاف؛ كل ذلك أسهم في قلة الاختلاف بينهم.
2 - كراهيتهم للاختلاف عامة وبغضهم له ونهيهم عنه، وسيأتي تفصيل ذلك.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (13/ 332 - 333).
(2) انظر في هذه الأسباب: فتح الباري لابن حجر (11/ 307)، وأسباب اختلاف المفسرين د. محمد الشايع (ص 8 - 9)، والتفسير في عصر الصحابة (مصادره ومزاياه) (ص 216).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)

3 - اتفاقهم في مسائل الاعتقاد، ولذلك اتفقت كلمتهم في تفسير آيات الصفات، على حين أخذت جانباً كبيراً من اختلافات المفسرين فيما بعد.
4 - اهتمامهم الشديد بالعمل وانكبابهم عليه، مما صرفهم وشغلهم عن الاختلاف والنزاع.
5 - ترك الحديث عما لم يقع، والنهي عن السؤال عنه؛ لكونه من التنطع والتكلف في الدين، والرجم بالظن من غير ضرورة ملحة.
يقول النووي (1)
معلقاً على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كثرة السؤال (2): «قيل: المراد به الإكثار من السؤال عما لم يقع، ولا تدعو إليه حاجة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك، وكان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف المنهي--------------------------------------------
(1) هو أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي، محدث فقيه، ولد سنة (631)، كان رأساً في العلم والورع والزهد، صنف: المجموع شرح المهذب، والأذكار، والتقريب، والتبيان، توفي سنة (676).

انظر: تذكرة الحفاظ (4/ 1470)، وطبقات الشافعية للسبكي (8/ 395)، وشذرات الذهب (5/ 354).
(2) رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} (2/ 131)، وفي كتاب الاستقراض، باب ما ينهى عن إضاعة المال (3/ 87)، ومسلم في كتاب الأقضية (3/ 1340 - 1341) برقم (1715) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)

عنه» (1).
ومن أقوال الصحابة والتابعين في كراهية السؤال عما لم يقع:
1 - قول عمر رضي الله عنه: «أحرج بالله على رجل سأل عما لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن» (2).
2 - واستفتى رجل أبي بن كعب رضي الله عنه فقال: «يا أبا المنذر ما تقول في كذا وكذا؟ ، قال: يا بني أكان الذي سألتني عنه؟ ، قال: لا، قال: فأجلني حتى يكون، فنعالج أنفسنا حتى نخبرك»، وفي رواية قال: «فأعفنا حتى يكون» (3).
3 - وعن ميمون بن مهران قال: «سألت ابن عباس عن رجل أدركه رمضانان، فقال: أكان هذا أو لم يكن؟ ، قلت: لم يكن بعد، قال: اترك بلية حتى تنزل» (4).
4 - وعن القاسم بن محمد قال: «إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها، وتنقرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها، وتسألون عن أشياء ما أدري ما هي، ولو--------------------------------------------
(1) شرحه على مسلم (12/ 11) بتصرف يسير.
(2) سنن الدارمي (1/ 54)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 141).
(3) سنن الدارمي (1/ 60)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 58).
(4) سنن الدارمي (1/ 61).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)

علمناها ما حل لنا أن نكتمكموها» (1).
وهذا المنهج العام الذي اتبعه الصحابة والتابعون في الامتناع عن الإفتاء في مسائل لم تقع، أو إبداء الرأي في أمر اجتهادي قد يخطئ وقد يصيب قلل من المسائل الخلافية بينهم، وقلل من حديثهم في المسائل التي لا طائل تحتها.
والأقوال السابقة وإن كانت تتعلق بالفتيا فإنها تعطينا تصوراً واضحاً عن مدى الجدية التي كان عليها الصحابة والتابعون، واهتمامهم بالأمور النافعة المثمرة، وهذا المنهج الذي اتبعوه أثر في موقفهم من تفسير بعض الآيات، ومن ذلك الخوض في تفسير بعض الآيات التي لا فائدة تعود من الكلام في تفاصيلها؛ كالتفاصيل الدقيقة لما وقع للأمم الماضية مما أعرض القرآن الكريم عن ذكره؛ لأجل ذلك أعرض الصحابة والتابعون في الجملة عن الخوض فيها، وعاملوها معاملة المسائل التي لم تقع.

‌‌ثالثاً: اختلاف تنوع لا تضاد.
ومن السمات البارزة لما وقع بين الصحابة والتابعين من الاختلاف في التفسير اعتبار أكثره من اختلاف التنوع الذي يمكن الجمع بين أقواله، وهذا النوع من الاختلاف أشار إليه ابن تيمية، وجاء في كلام المتقدمين ما يدل عليه، فقال أبو--------------------------------------------
(1) سنن الدارمي (1/ 53).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)

الدرداء رضي الله عنه (1): «لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً كثيرة» (2).
وعن سفيان بن عيينة (3) قال: «ليس في تفسير القرآن اختلاف، إنما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا» (4).
وهذا النوع أحد نوعي الخلاف اللذين ذكرهما ابن تيمية في تفسير السلف.
والنوع الثاني خلاف التضاد، والمقصود به: القولان المتنافيان الذي يلزم من--------------------------------------------
(1) هو عويمر بن عامر وقيل ابن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، تأخر إسلامه قليلاً فأسلم يوم بدر وشهد أحداً وما بعدها، انتقل إلى الشام وولاه معاوية قضاءها، وتوفي بدمشق في خلافة عثمان عام (32).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 2/117)، وأسد الغابة (6/ 97)، والإصابة (7/ 182).
(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (11/ 255)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (2/ 2/114)، والإمام أحمد في الزهد (ص 134)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (1/ 211)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (47/ 173)، وانظر فتح الباري لابن حجر (13/ 383).
(3) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي الكوفي، ولد سنة (107)، روى عن عمرو بن دينار والزهري، وعنه الأعمش والشافعي وأحمد، قال الشافعي: «لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز»، توفي عام (198).
انظر: التاريخ الكبير (2/ 2/94)، وتذكرة الحفاظ (1/ 262)، وتهذيب التهذيب (2/ 59).
(4) سنن سعيد بن منصور (5/ 312) برقم (1061)، والسنة للمروزي (ص 7)، والدر المنثور (1/ 15، 3/ 306).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)

القول بأحدهما نفي القول الآخر (1)، وذكر ابن تيمية أن هذا النوع موجود بين السلف (2)، إلا أن غالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف التنوع (3).
والمراد باختلاف التنوع: ما لا تنافي بين الأقوال، فيمكن حمل الآية على جميع ما قيل فيها من غير تعارض (4).
وذكر الشاطبي من ضروب الخلاف الذي لا يعتد به «ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك، وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة؛ فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالاً مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل، فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه» (5).
وهذا النوع من الاختلاف له صور، منها:
1 - أن يعبر كل واحد من السلف عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 151)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (19/ 139).
(2) مجموع الفتاوى (13/ 343).
(3) المصدر السابق (13/ 333).
(4) انظر المصدر السابق (19/ 139).
(5) الموافقات (5/ 210).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)

على معنى في المسمّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمّى، فهي في حقيقتها ترجع إلى شيء واحد، لكن يوهم نقلها على اختلاف اللفظ على أنه خلاف محقق (1).
مثل اختلاف عبارات السلف في المراد بالصراط المستقيم، فعن علي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله عنهما أن الصراط المستقيم كتاب الله تعالى.
ورواية أخرى عن ابن مسعود وجابر وابن عباس رضي الله عنهم أنه الإسلام.
وعن أبي العالية والحسن قالا: «هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده» (2).
وعند تأمل هذه الأقوال نجدها متفقة، فكلها من الصراط المستقيم، فالإسلام لا يكون إلا بإتباع القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم.
قال ابن تيمية بعدما ذكر الأقوال في معنى الصراط المستقيم: «فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها» (3).
2 - أن يذكر كل واحد منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، ومن أمثلته:--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/ 333)، والموافقات (5/ 211).
(2) جامع البيان (1/ 173 - 175)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 30).
(3) مجموع الفتاوى (13/ 336).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)

الخلاف في معنى المنّ الوارد في قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (1).
فعن بعض السلف أنه كان ينزل عليهم مثل الثلج.
وعن آخرين: أنه مثل العسل، وقيل: خبز الرقاق مثل الذرة، وقيل: الزنجبيل (2).
قال الشاطبي معلقاً على هذا الاختلاف: «فهذا كله يشمله اللفظ؛ لأن الله منَّ به عليهم، ولذلك جاء في الحديث: «الكمأة من المنِّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل» (3)، فيكون المنُّ جملة نعم، ذكر الناس منها آحاداً» (4).
3 - ومنها أن يكون اللفظ المفسر محتملاً للأمرين، كأن يكون مشتركاً--------------------------------------------
(1) سورة البقرة من الآية (57).
(2) انظر: جامع البيان (1/ 700 - 703)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 115، 5/ 1591 - 1592).
(3) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه؛ في كتاب الأشربة (3/ 1620) برقم (2049) عن سعيد بن زيد رضي الله عنه وتمامه: «وماؤها شفاء للعين»، وأخرجه البخاري عنه بلفظ: «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين». صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} (5/ 148).
(4) الموافقات (5/ 211).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)

لفظياً، أو متواطئاً (1).
مثال المشترك: لفظ "قسورة" في قوله تعالى: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} (2)، فعن ابن عباس وأبي موسى ومجاهد وعكرمة أن المراد به الرماة.
وعن أبي هريرة ورواية عن ابن عباس، وهو قول زيد بن أسلم (3) أن المراد به الأسد (4).
ومثله لفظ "عسعس" في قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} (5)، فعن علي وابن عباس وقتادة والضحاك أن المراد به إدبار الليل، وعن الحسن أنه إقباله (6).--------------------------------------------
(1) اللفظ المشترك هو: اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعاً أولاً من حيث هما كذلك، وأما المتواطئ فيطلق على أشياء متغايرة بالعدد متفقة بالمعنى الذي وضع الاسم عليها، انظر في تعريفهما: المستصفى للغزالي (1/ 31)، وروضة الناظر (1/ 100)، والتعريفات للجرجاني (ص 252، 269).
(2) سورة المدثر آية (51).
(3) هو أبو عبد الله زيد بن أسلم القرشي العدوي، مولى عمر بن الخطاب، روى عن ابن عمر وجابر وأنس، وروى عنه الثوري وابن عيينة، وكانت له حلقة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، توفي عام (136).
انظر: التاريخ الكبير (2/ 1/387)، وتذكرة الحفاظ (1/ 132)، وطبقات المفسرين للداودي (1/ 182).
(4) انظر: جامع البيان (23/ 455 - 460)، والدر المنثور (6/ 286).
(5) سورة التكوير آية (17).
(6) جامع البيان (24/ 159 - 161).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)