سادساً
نقد التفسير بذكر ما يترتب عليه
ينتقد العلماء تفسير الآية بذكر ما يلزم عليه من لوازم باطلة، ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:
1 - قال رجل لابن عباس: «إني سألت ابن عمر عن الطوفان، فقال: ما أدري؛ موتاً كان أو ماءً؟ ، فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر "سورة العنكبوت" حين ذكر الله قوم نوح فقال: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} (1)، أرأيت لو ماتوا، إلى من جاء موسى عليهم السلام بالآيات الأربع بعد الطوفان؟ » (2).
فاستدل ابن عباس على ضعف تفسير الطوفان بالموت بأنه لو كان الأمر كذلك فلمن يُرْسَل موسى بالآيات الأربع المذكورة في سورة الأعراف بعد الطوفان في قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ}؟ (3)، وكأن ابن عباس يرى الترتيب بين الآيات المذكورة، واستدل ابن عباس على صحة تفسير الطوفان بالماء بما ذكره الله تعالى من--------------------------------------------
(1) سورة العنكبوت من الآية (14).
(2) جامع البيان (10/ 395).
(3) سورة الأعراف آية (133).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 602)
إغراق قوم نوح عليهم السلام بالطوفان، وهو الماء إجماعاً.
ويحتمل أن يكون مراد ابن عمر أن يسلط الموت عليهم، لكن لا يفنيهم، بل يبقى منهم بقية، والله أعلم.
2 - وفي قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (1).
اختلف سعيد بن جبير مع مجاهد وطاوس، فعن أبي بشر عن سعيد قال: «{الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}: هو الزوج، وقال مجاهد وطاوس: هو الولي، قال: قلت لسعيد: فإن مجاهداً وطاوساً يقولان: هو الولي؟ قال سعيد: فما تأمرني إذاً؟ ، ثم قال: أرأيت لو أن الولي عفا وأبت المرأة، أكان يجوز ذلك؟ ، فرجعت إليهما فحدثتهما، فرجعا عن قولهما وتابعا سعيداً» (2).
ورأي ابن جبير قال به جماعة من أهل العلم (3)، واستدل ابن جبير على ضعف قول مجاهد وطاوس بأن المرأة لو أبت التنازل عن حقها في الصداق لم يكن للولي إجبارها على ذلك، فالولي لا يستقل وحده بالعفو عن الصداق.--------------------------------------------
(1) سورة البقرة من الآية (237).
(2) سنن سعيد بن منصور (3/ 887)، وجامع البيان (4/ 329) واللفظ له، والسنن الكبرى للبيهقي (7/ 251).
(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 426)، وفتح القدير (1/ 254).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 603)
قال الطبري: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: المعني بقوله: {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}، الزوج، وذلك لإجماع الجميع على أن ولي جارية بكر أو ثيب، صبيةً صغيرةً كانت أو مدركةً كبيرةً، لو أبرأ زوجها من مهرها قبل طلاقه إياها، أو وهبه له أو عفا له عنه أن إبراءه ذلك وعفوه له عنه باطل، وأن صداقها عليه ثابت ثبوته قبل إبرائه إياه منه، فكان سبيل ما أبرأه من ذلك بعد طلاقه إياها سبيل ما أبرأه منه قبل طلاقه إياها»، ثم ذكر حججاً أخرى (1).
3 - وعن أبي بشر قال: «اختصم علي بن عبد الله بن عباس (2) ورجل من آل شيبة في يوم الحج الأكبر، فقال علي: هو يوم النحر، وقال الذي من آل شيبة: هو يوم عرفة، فأُرْسِل إلى سعيد بن جبير فسألوه، فقال: هو يوم النحر، ألا ترى أن من فاته يوم عرفة لم يفته الحج، فإذا فاته يوم النحر فقد فاته الحج؟ ».
وفي رواية فقال سعيد بن جبير: «أرأيت لو أن رجلاً فاته يوم عرفة، أكان يفوته الحج؟ ، وإذا فاته يوم النحر فاته الحج» (3).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (4/ 332)، وانظر الجامع لأحكام القرآن (2/ 1015).
(2) ابن عبد المطلب القرشي الهاشمي، ولد سنة (40) وروى عن أبيه وأبي هريرة، وهو أصغر ولد أبيه، وكان يلقب بالسجاد لكثرة صلاته، وكان أجمل قريش، توفي بالشام عام (118)، وقيل غير ذلك.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 229)، ووفيات الأعيان (3/ 274)، وتهذيب التهذيب (3/ 180).
(3) جامع البيان (11/ 328).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 604)
وإذا كان الحج لا يفوت بفوات يوم عرفة فلا يصح أن يكون هو يوم الحج الأكبر، وينبغي حمل كلام ابن جبير بأن الحج لا يفوت بفوات يوم عرفة، لأن الوقوف بعرفة يمتد إلى فجر يوم النحر، وقد بين ذلك عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: «الحج يفوت بفوت يوم النحر، ولا يفوت بفوت يوم عرفة، إن فاته اليوم لم يفته الليل، يقف ما بينه وبين طلوع الفجر» (1).
والقول بأن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر هو الراجح، وهو ما رجحه الطبري، وأشار إلى دليل ابن جبير، فقال: «إنما يحج الناس ويقضون مناسكهم يوم النحر، لأن في ليلة نهار يوم النحر الوقوف بعرفة غير فائت إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها يعمل أعمال الحج، فأما يوم عرفة فإنه وإن كان الوقوف بعرفة، فغير فائت الوقوف به إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، والحج كله يوم النحر» (2)، ورجحه كذلك ابن تيمية والشوكاني والشنقيطي (3)، والله أعلم.
4 - وفي قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} (4).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (11/ 335).
(2) المصدر السابق (11/ 336).
(3) مجموع الفتاوى (24/ 227)، وفتح القدير (2/ 333)، وأضواء البيان (2/ 383).
(4) سورة الكهف من الآية (28).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 605)
تأولها بعض الناس بأن المراد بالذين يدعون ربهم بالغداة والعشي القُصَّاص.
وأنكر أبو جعفر ذلك؛ معللاً بأن الآية تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن يكون المراد القُصَّاص، لأنه لا يتصور أن يقص أحد على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال منكراً هذا المعنى: «كان يقرئهم القرآن، من الذي يقص على النبي صلى الله عليه وسلم؟ ! » (1).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (9/ 268)، وعلق عليه الشيخ شاكر في (11/ 386) ط. دار المعارف، فقال: «وهذه حجة مبينة في فساد من تأول الآية على غير الوجه الصحيح الذي أجمعت عليه الحجة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 606)
الفصل الثاني أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير
وفيه:
أولاً: أثره في التفسير وأصوله.
ثانياً: أثره في علوم القرآن.
ثالثاً: أثره في العقائد.
رابعاً: أثره في المتلقين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 607)
مما يؤثر في العلوم باختلاف تخصصاتها ويساهم في ضبطها وتأصيلها وجود النقد الهادف في المجتمع العلمي؛ مثل قيام المناظرات والحوارات العلمية بين العلماء وطلابهم حول قضايا العلم المختلفة، والقيام بتقويم الآراء مع التزام جميع الأطراف بآداب المناظرة والحوار، ومن ذلك أيضاً قيام العلماء المتخصصين في فنهم بالرد على المخطئين فيه، وكشف ما يلتبس عليهم فهمه، وبيان الصواب في ذلك، ولا يقتصر أثر النقد الهادف على العلم وحده، وإنما يظهر على المتلقين وطلاب العلم أيضاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 608)
أولاً
أثره في التفسير وأصوله
من أهم الآثار الإيجابية لنقد التفسير حماية القرآن الكريم من الانحراف في فهمه، وقد سبق بيان أثر التحذير من الخطأ في التفسير وبيان خطره في دفع الأخطاء قبل وقوعها، أما إذا وقعت فإن قيام علماء التفسير بنقدها ورد المخطئ إلى جادة الصواب مؤثر في منعه ومنع غيره من التمادي في الخطأ، وبذلك تقل الأخطاء في التفسير، ولو اقتصر العلماء على تفسير القرآن فحسب، دون التعرض لنقد المخطئين لتمادى كثير من الناس في تفسير القرآن بلا علم.
إن انتقاد المخطئ وبيان الصواب له، وكشف ما يلتبس عليه فهمه يضعه على الجادة، ويحدد له المنهج السليم لفهم القرآن، فيدرك من خطئه أن طريقته في فهم القرآن لم تكن سديدة، وذلك أدعى لتصحيح منهجه فيما يستقبل من تفسير القرآن الكريم.
ومن الآثار الإيجابية للنقد: بيان التفسير الصحيح للآية، وكم من آية فهمت خطأً، وضل بها فئام من الناس، ولم يتبين وجهها إلا من خلال النقد.
وبيان المعنى الصحيح للآية هو مقصود الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من النقد.
وفيما يتعلق بأصول التفسير فقد ظهر أثر نقد الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 609)
ناحيتين:
الأولى: التأكيد على بعض قضايا أصول التفسير وعدم إغفالها عند تفسير القرآن الكريم، ومن تلك الأصول: تفسير القرآن بالقرآن، أو تفسيره بالسنة، أو باللغة العربية، وكذلك الحذر من مصادمة التفسير للعقائد والقواعد الثابتة، وقد توصل الصحابة والتابعون بهذه القضايا والقواعد إلى نقد بعض الآراء.
الثانية: تحرير المسائل المشكلة في تفسير القرآن، والتي تعارض النقل فيها عن الصحابة والتابعين قبولاً ورفضاً؛ تأييداً ورداً، كتفسير القرآن بالرأي، فقد جاء عن بعضهم فعله وإباحته، وجاء عن آخرين رده وإنكاره، ومثله تفسير المتشابه وتفسير القرآن بالإسرائيليات، وعند جمع النصوص بطرفيها نستطيع تمييز الحق فيها من الباطل، وقد استنبط العلماء من النصوص المتعارضة الحالات التي يجوز فيها التفسير بالرأي أو التفسير بالإسرائيليات، والحالات التي لا تجوز، ومر شيء من ذلك في موطنه، ولولا كلام النقاد فيها لالتبس أمرها على كثير من الناس، وربما استسهل بعضهم الكلام فيها فجرتهم إلى محاذير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 610)
ثانياً
أثره في علوم القرآن
ترتبط بعض علوم القرآن ارتباطاً قوياً بالتفسير، ولها أثر ظاهر في فهم الآيات، وقد جاء عن الصحابة والتابعين شواهد نقدية متعلقة بها، وهي إما أن تتأثر بنقد التفسير، أو يتأثر تفسير الآية بنقدها، ومن أبرزها:
أ- القراءات:
من فوائد تعدد القراءات تعدد معاني الآية، فتفيد قراءة فوائد وأحكاماً لا تفيدها القراءة الأخرى، ومن ثَمَّ عد بعض العلماء اختلاف القراءات بمثابة تعدد الآيات (1).
وقد قرأ الصحابة والتابعون رضي الله عنهم القرآن بقراءات مختلفة؛ يقرأ كل واحد منهم بما سمع وتلقى عن شيوخه، ومما جاء عنهم الترجيح بين القراءات، فيرجح أحدهم قراءة، ويستدل لرجحانها بانتقاد معنى القراءة الأخرى، لكون المعنى الذي يفهم منها غير صحيح، فينتقد القراءة بها ويرجح ما يقرأ به، وبخاصة إذا كانت هي القراءة التي تلقاها عن أشياخه وتواترت لديه بخلاف الأخرى التي من--------------------------------------------
(1) انظر: التحرير والتنوير (1/ 55).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 611)
المحتمل عدم سماعه بها من قبل.
ومذهب الترجيح بين القراءات أخذ به بعض المفسرين، ومنهم ابن جرير الطبري، فهو كثير الترجيح بين القراءات، ويستدل في بعض ذلك بنقد معنى القراءة المرجوحة (1).
ويرد عن بعض الصحابة والتابعين ما هو أشد من الترجيح، فيردُّ أحدهم قراءة متواترة وينكرها، ويحتج لذلك بعدم صحة معناها، وهذا من الأمور المشكلة، فكيف يقدم أحدٌ على إنكار قراءة متواترة؟ ! ، وللعلماء عن ذلك عدة أجوبة، من أهمها:
أ - أن تلك القراءات التي طعن فيها الصحابة والتابعون رضي الله عنهم وأنكروها لم تواتر لديهم، والقراءةُ قد تواتر عند قوم دون قوم، وبخاصة إذا علمنا أن عصرهم سابق لزمن استقرار القراءات وإجماع الأمة على تواتر القراءات السبع (2).
ب - تضعيف الروايات التي فيها جاء فيها رد القراءة وإنكارها كما صنع ابن الأنباري (3)
مع ما ورد عن ابن عباس، وعارضها بروايات صحيحة عنه تثبت تلك--------------------------------------------
(1) وسيأتي التمثيل من كلامه، وانظر تفسيره (1/ 285، 561).
(2) انظر: جمال القراء (2/ 569)، وفتح الباري لابن حجر (8/ 743).
(3) هو أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد الأنباري المقرئ النحوي، ولد سنة (271)، كان آية في الحفظ، صنف كتباً كثيرة في علوم القرآن وغريب الحديث، من كتبه: المذكر والمؤنث، والأضداد، توفي سنة (328).
انظر: تاريخ بغداد (3/ 181)، ووفيات الأعيان (4/ 341)، وإنباه الرواة (3/ 201)، وغاية النهاية (2/ 230).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 612)
القراءات (1).
ج - أنهم لا يريدون حقيقة التضعيف والتخطئة، وإنما يريدون الترجيح والاختيار، وأن القارئ خالف ما هو أولى وأحسن (2).
وبكل حال فهذه القراءات المنتقدة قد تواترت لدى العلماء وتلقتها الأمة بالقبول، ولها عند علماء التفسير والقراءات معانٍ صحيحة، فينبغي أن لا يضيق بها صدر القارئ، وبين أيدينا عدة شواهد عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم استدلوا بضعف معنى القراءة على نقد القراءة نفسها، وهي كلها في نقد قراءات متواترة، لكن تارة يرجح عليها قراءة متواترة، وأخرى يرجح عليها شاذة:
فمن شواهد ترجيح القراءة المتواترة:
1 - ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت قراءة التخفيف في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} (3)، ولما قال لها عروة: لعلها--------------------------------------------
(1) الإتقان (1/ 242).
(2) انظر: المصدر السابق، وتفسير التابعين (2/ 774).
(3) سورة يوسف من الآية (110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 613)
{كُذِبُوا} مخففة؟ ، قالت: معاذ الله (1)، وسبب إنكارها القراءة أن المعنى الذي تفضي إليه قراءة التخفيف انتقاص الأنبياء والإخلال بمقامهم كما تقدم (2).
قال ابن حجر تعليقاً على قول عائشة: "معاذ الله": «وهذا ظاهر في أنها أنكرت القراءة بالتخفيف بناءً على أن الضمير للرسل، وليس الضمير للرسل، ولا لإنكار القراءة بذلك معنى بعد ثبوتها، ولعلها لم يبلغها ممن يرجع إليه في ذلك» (3).
2 - وفي قول الله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (4) قالت عائشة: «كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة، ولكن قالوا: يا عيسى (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)» (5).
وفي رواية قالت: «كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}، إنما قالوا: هل تستطيع أنت ربك، هل تستطيع أن تدعوه؟ » (6).--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ {(5/ 218).
(2) انظر (ص 574).
(3) فتح الباري (8/ 367 - 368)، وانظر نحوه في التحرير والتنوير (12/ 129).
(4) سورة المائدة آية (112).
(5) وهي قراءة الكسائي من بين العشرة، فإنه قرأ: (تَسْتَطِيعُ) بالخطاب، ونصب (رَبَّكَ). انظر: السبعة (ص 249)، والنشر (2/ 256)، وأثر عائشة رضي الله عنها في جامع البيان (9/ 118).
(6) تفسير ابن أبي حاتم (4/ 1243)، والدر المنثور (2/ 346).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 614)
وعن سعيد بن جبير: أنه قرأها كذلك: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) وقال: تستطيع أن تسال ربك؟ ، وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟ (1).
ووجه الإشكال في قراءة {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} ما بينته عائشة وسعيد من أن الحواريين مؤمنون بالله، كما أخبروا بذلك في الآية التي قبلها: {قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} (2)، وسؤالهم عن قدرة الله تعالى على إنزال المائدة ينافي ما حكوه عن أنفسهم، ولما استعظم عيسى عليه السلام هذا السؤال منهم، وقال لهم: {اتَّقُوا اللَّهَ}، بينوا له أنهم يريدون الاطمئنان إلى صدقه، فقالوا: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} (3).
وأجيب بأن سؤالهم كان في مبدأ أمرهم قبل استحكام الإيمان في قلوبهم، وقد كره منهم عيسى عليه السلام ذلك، وأمرهم بالتوبة ومراجعة إيمانهم، فقال: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، أو أن سؤالهم لم يكن عن شك في قدرة الله، وإنما طلبوا الطمأنينة كما طلبها إبراهيم عليه السلام في قوله: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (4).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (9/ 117 - 118).
(2) سورة المائدة من الآية (111).
(3) سورة المائدة من الآية (113)، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز (5/ 234): «نزهتهم عائشة عن بشاعة اللفظ، وإلا فليس يلزمهم منه جهل بالله تعالى».
(4) سورة البقرة من الآية (260)، وانظر: جامع البيان (9/ 119)، والبحر المحيط (4/ 53)، وفتح القدير (2/ 92).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 615)
وذهب ابن جرير إلى نقيض قول عائشة، فرجح قراءة الجمهور مستدلاً بضعف معنى قراءة: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) (1).
والصواب ثبوت كلا القراءتين، ولكل منهما معنى صحيح.
3 - قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (2).
ذُكر لابن عباس أن ابن مسعود قرأ بالضم: (يُغَل) (3) فقال: بلى ويقتل! ، ثم ذكر أنها نزلت في قطيفة؛ قال بعض الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلها يوم بدر (4).
وعن خصيف قال: «سألت سعيد بن جبير كيف تقرأ هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أو: (يُغَل)؟ ، قال: لا بل (يَغُل) فقد كان النبي - والله - يُغَل ويُقْتل» (5).
ومراد ابن عباس وابن جبير أن قراءة الضم تنفي أن يُتَهم نبيٌ بالغلول من--------------------------------------------
(1) جامع البيان (9/ 119).
(2) سورة آل عمران من الآية (161).
(3) قرأ بفتح الياء وضم الغين ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، وقرأ بقية العشرة بضم الياء وفتح الغين انظر: السبعة (ص 218)، والنشر (2/ 243).
(4) جامع البيان (6/ 195).
(5) المصدر السابق (6/ 194).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 616)
قبل أتباعه، والواقع يشهد بخلاف ذلك؛ لأنهم إذا كانوا يفعلون معه ما هو أشد من ذلك كالقتل، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة في الغنيمة؟ ! ، والآية على هذه القراءة تنفي نسبة النبي إلى الخيانة، فالمعنى - عند ابن عباس وابن جبير - غير سديد (1).
ولابن جرير نقد لمعنى هذه القراءة وترجيح الأخرى عليها (2).
وقراءة الضم ثابتة بالتواتر، ولها معنى صحيح، فتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بعدم تخوينه في الغنيمة مع حرمته مع غيره لشناعة الحال مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المعاصي تعظم مع حضرته لتعين توقيره (3).
4 - وعن شريح رحمه الله أنه كان يقرأ هذه الآية: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} (4) بالنصب، وكان ينكر قراء الرفع، ويقول: إن الله لا يعجب من الشيء، إنما يعجب من لا يعلم، قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: إن شريحاً كان معجباً برأيه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان أعلم منه، كان يقرأها: (بَلْ عَجِبْتُ) (5).--------------------------------------------
(1) انظر التفسير الكبير للرازي (3/ 413).
(2) جامع البيان (6/ 200 - 201).
(3) المحرر الوجيز (3/ 285)، وفتح القدير (1/ 394).
(4) سورة الصافات آية (12).
(5) تقدم الكلام عن هذه القراءة (ص 454)، ولمزيد شواهد انظر: جامع البيان (9/ 102)، والدر المنثور (4/ 9).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 617)
ومن شواهد ترجيح القراءة الشاذة على المتواترة:
1 - عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه كان يقرأ: (أَنَا آتِيْكُم بِتَأْوِيْلِه)، فقيل له: «{أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} (1) فقال: أهو كان ينبئهم؟ » (2).
وجاء عن الحسن أنه قرأها كذلك (3)، فقيل له: «يا أبا سعيد: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ}، فقال: أهو كان ينبئهم» (4).
والمعنى على قراءة الجمهور أن الرجل يخبرهم بتأويل الرؤيا بتلقيه عمن لديه علمه لا من تلقاء نفسه، ولذا لم يقل أفتيكم في ذلك، ويدل على صحة هذا التوجيه قوله تعالى بعد ذلك: {فَأَرْسِلُونِ}، أي: أرسلون إلى من عنده علمه (5).
2 - وفي قوله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} (6) روى عمرو بن دينار عن ابن--------------------------------------------
(1) سورة يوسف من الآية (45).
(2) الدر المنثور (4/ 22).
(3) وقرأ بها أيضاً يحيى بن يعمر، انظر: شواذ القرآن لابن خالويه (ص 68)، وشواذ القراءات للكرماني (ص 248)، والبحر المحيط (5/ 315)، وإتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربع عشر (2/ 148).
(4) تفسير ابن أبي حاتم (7/ 2152).
(5) روح المعاني (6/ 443).
(6) سورة الأعراف من الآية (127).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 618)
عباس «أنه قرأ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) (1)، قال: عبادتك، وقال: إنه كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُد» (2).
وسمع الضحاك رجلاً يقول: {وَآلِهَتَكَ} فقال: «إنما هي (وَإِلَاهَتَكَ) أي: عبادتك؛ ألا ترى أنه قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}» (3).
وحجة ابن عباس والضحاك أن فرعون كان يدعي الربوبية فكيف يعبد غيره؟ ! .
وأما على قراءة الجمهور، فإن فرعون كان للناس في زمنه آلهة من بقر وأصنام وغيرها، وكان فرعون شرع لهم ذلك، وجعل نفسه الإله الأعلى بقوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (4).
وجاء عن بعض السلف أنه كان يعبد الأصنام، فعن الحسن قال: «كان--------------------------------------------
(1) وهي من الشواذ قرأ بها أيضاً علي وابن مسعود وابن محيصن والحسن، انظر: شواذ القرآن لابن خالويه (ص 50)، وشواذ القراءات للكرماني (ص 192)، وإتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربع عشر (2/ 60).
(2) جامع البيان (10/ 368)، وتفسير ابن أبي حاتم (5/ 1538)، والدر المنثور (3/ 107).
(3) سورة النازعات من الآية (24)، والأثر في جامع البيان (10/ 369)، وعزاه في الدر المنثور (3/ 107) أيضاً إلى عبد بن حميد.
(4) المحرر الوجيز (7/ 137).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 619)
لفرعون إله يعبده في السر» (1).
وجاء عن ابن عباس أن فرعون كانت له بقرة يعبدها (2)، وهذا يرجح رجوع ابن عباس عن قوله الأول، والله أعلم (3)
والمتقرر لدى العلماء أن القراءة الشاذة لا تجوز القراءة بها لخروجها عن إجماع المسلمين، ولفقدها شرط التواتر الذي تثبت به القراءة (4)، وإنما ذكرناها هنا جمعاً لأطراف الموضوع، والمهم لدينا بيان أثر نقد معنى القراءة في نقد القراءة نفسها.
ب - الناسخ والمنسوخ:
تكلم الصحابة رضي الله عنهم في النسخ كثيراً إثباتاً ونفياً، ولا يخفى على القارئ أهمية كلامهم، فقد عد بعض العلماء النقل الصريح عنهم أحد الطرق في معرفة الناسخ--------------------------------------------
(1) جامع البيان (10/ 367)، وتفسير ابن أبي حاتم (5/ 1538).
(2) انظر المصدرين السابقين.
(3) ومن الشواهد: قول ابن عباس في قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور من الآية: 35] هي خطأ من الكاتب؛ هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة ، قال: مثل نور المؤمن كمشكاة. تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2595)، وللمزيد أيضاً انظر: جامع البيان (2/ 600)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 244)، والمصاحف لابن أبي داود (1/ 350)، والدر المنثور (4/ 170).
(4) جمال القراء (2/ 579).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 620)
والمنسوخ (1)، وتقدم في الباب الأول بيان اهتمامهم بمعرفة الناسخ والمنسوخ للوصول إلى فهم سليم للقرآن الكريم.
ويتأثر معنى الآية بالنسخ سلباً وإيجاباً، فقد يتخذ البعض النسخ دليلاً لانتقاد معنى أو حكم مستنبط من الآية، وبالمقابل فإن التوفيق بين ما ظاهره التعارض، وتوجيه معاني الآيات وجهة سليمة مما يوهي القول بالنسخ.
وسنبقى في عرض الشواهد النقدية مع مفهوم الصحابة والتابعين الواسع للنسخ، والذي يشمل كل تغير يطرأ على النص بدليل آخر، كتقييد المطلق وتخصيص العام، وبيان المجمل والمهمل، ورفع الحكم بجملته، وسنبين في تلك الشواهد المراد بالنسخ في الاصطلاح المتأخر، والأمثلة التي بين أيدينا على قسمين:
القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:
1 - قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (2).
يرى بعض الصحابة والتابعين أن هذه الآية منسوخة، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «نسختها {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}» (3).--------------------------------------------
(1) الإتقان (2/ 32).
(2) سورة آل عمران من الآية (102).
(3) سورة التغابن من الآية (16).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 621)