الأخبار الإسرائيلية الباطلة من الانتقاص الظاهر للأنبياء، والحط من مقامهم، ومن أمثلة ذلك:
1 - عن ابن عباس قال في قول الله تعالى: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} (1): «هو ابنه ما بغت امرأة نبي قط».
وفسر قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي: الذين وعدتك أن أنجيهم معك (2).
وعن ابن جبير قال: «كان ابن نوح، إن الله لا يكذب، قال: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} (3)، قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط» (4).
2 - وفي قول الله تعالى على لسان لوط عليه السلام: {قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} (5).
قال ابن عباس: «ما عرض لوط عليه السلام بناته على قومه لا سفاحاً ولا نكاحاً، إنما قال: هؤلاء بناتي نساؤكم، لأن النبي إذا كان بين ظهري قوم فهو أبوهم» (6).--------------------------------------------
(1) سورة هود من الآية (46).
(2) جامع البيان (12/ 429، 430)، وانظر الدر المنثور (6/ 245).
(3) سورة هود من الآية (42).
(4) جامع البيان (12/ 430).
(5) سورة هود من الآية (78).
(6) الدر المنثور (3/ 342)، وعزاه لأبي الشيخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 582)
وعن مجاهد قال: «أمرهم أن يتزوجوا النساء، لم يعرض عليهم سفاحًا» (1).
3 - وفي قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} (2).
جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في معنى: {فَخَانَتَاهُمَا} «أما إنه ليس بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف، ثم قرأ: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}» (3).
اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الملائكة
شرف الله تعالى الملائكة وقربهم لديه فأسكنهم سمواته العلى، واصطفاهم لعبادته وطاعته، قال الله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (4)، وقال: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (5).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (12/ 503).
(2) سورة التحريم من الآية (10).
(3) سورة هود من الآية (46)، والأثر في تفسير عبد الرزاق (1/ 271)، وجامع البيان (12/ 430)، والمستدرك (2/ 496)، والدر المنثور (6/ 245).
(4) سورة التحريم من الآية (6).
(5) سورة الأنبياء آية (27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 583)
وقد استدل العلماء بهذه الآيات ونحوها على عصمة الملائكة، ونقل القاضي عياض (1) إجماع الأئمة على أن المرسلين من الملائكة معصومون كالأنبياء سواء بسواء، ثم نقل الخلاف في غير المرسلين منهم، واحتجاج من قال بعصمتهم بالآية السابقة وغيرها، وأن طائفة من العلماء قالوا: العصمة خاصة بالمرسلين منهم والمقربين، ورحج القول بعصمة الجميع (2)، وهو الأظهر فإن الله تعالى اصطفى الملائكة لعبادته وجبلهم على طاعته وأخبر أنهم لا يعصونه، فلا يجوز أن ينسب إليهم ما يزري بمناصبهم، ولو سلم بوقوع بعضهم في الذنوب، فمن غير اللائق جعل حادثة أو حادثتين سلماً للطعن بهم وانتقاصهم بذكر قصص يتعذر الوقوف على حقيقتها، ولما نقل الآلوسي عند قوله تعالى: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} (3) عن بعض القُصَّاص أن الملائكة كانت تمر على موسى عليه السلام فيلكزونه بأرجلهم، ويقولون: يابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة، قال: «وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه، فإن الملائكة عليهم السلام مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل--------------------------------------------
(1) هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي المالكي، أندلسي الأصل، وولد في سبتة سنة (476)، له عناية بعلم الحديث واللغة، من كتبه: الشفا، وإكمال المعلم، ومشارق الأنوار، توفي سنة (544).
انظر: وفيات الأعيان (3/ 483)، والديباج المذهب (ص 270).
(2) الشفا (2/ 851)، وانظر في عصمة الملائكة: البحر المحيط للزركشي (4/ 174).
(3) سورة الأعراف من الآية (143).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 584)
والغضِّ في الخطاب» (1).
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في نقد التفسير بهذا الأصل:
1 - في قول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (2).
أنكر الحسن البصري رحمه الله أن يكون إبليس من الملائكة فقال: «ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس» (3).
وفي رواية قال: «قاتل الله أقواماً يزعمون أن إبليس كان من الملائكة، والله تعالى يقول: { … كَانَ مِنَ الْجِنِّ}» (4).
وقد عرف عن الحسن موقفه من التأويلات التي تنتقص الأنبياء والملائكة، فيبدو أنه نفى كون إبليس من الملائكة، لمخالفته ما ثبت من عصمة الملائكة من الذنوب، ومن أعظمها كفر إبليس واستكباره عن السجود لله، وقد ذكر الله قصة السجود في سورة الكهف واستكبار إبليس ونعته بالفسوق، فقال: {وَإِذْ قُلْنَا--------------------------------------------
(1) روح المعاني (5/ 45).
(2) سورة البقرة آية (34).
(3) جامع البيان (1/ 539، 15/ 289).
(4) سورة الكهف من الآية (50)، والأثر في الدر المنثور (4/ 227) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 585)
لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (1).
وهذه إحدى الحجج التي احتج بها من قال: إن إبليس ليس من الملائكة، وهو قول كثير من العلماء (2)، والقول بأن إبليس من الملائكة قول جمهور العلماء (3)، وهم لا ينازعون في أصل عصمة الملائكة الذي استند إليه القائلون بأن إبليس من الجن، وإنما يعارضونه بأدلة أخرى، كقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (4)، ويجيبون عما ثبت من عموم عصمة الملائكة بأنه مخصوص بما وقع لإبليس (5).
وتوسط ابن تيمية فقال: «والتحقيق أنه كان منهم باعتبار صورته، وليس منهم باعتبار أصله، ولا باعتبار مثاله، ولم يخرج من السجود لآدم أحد من--------------------------------------------
(1) سورة الكهف من الآية (50).
(2) روح المعاني (8/ 277)، وأشار إلى هذه الحجة من المفسرين: ابن عطية في المحرر الوجيز (1/ 178)، وابن الجوزي في زاد المسير (5/ 153)، والماوردي في النكت والعيون (3/ 313)، والزمخشري في الكشاف (2/ 488)، والرازي في التفسير الكبير (1/ 429)، وأبو حيان في البحر المحيط (6/ 136)، والنسفي في مدارك التنزيل (1/ 34)، والشنقيطي في أضواء البيان (3/ 529).
(3) المحرر الوجيز (1/ 178)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 251).
(4) سورة البقرة آية (34).
(5) انظر فتح القدير (1/ 66).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 586)
الملائكة؛ لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا غيرهما» (1).
2 - قال الله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} (2).
للمفسرين من قصة هاروت وماروت وحقيقتهما أقوال:
فذهب كثير من السلف إلى أن هاروت وماروت ملكان، وأنهما كانا يعلمان السحر (3).
ومن التابعين من أنكر أنهما ملكان، فقال الحسن: «علجان، لأن الملائكة لا يعلمون السحر» (4).
وعن الضحاك قال: «هما علجان من أهل بابل»، وكانا يقرأان: الملِكين؛ بكسر اللام (5).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (4/ 346).
(2) سورة البقرة من الآية (102).
(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 198).
(4) معالم التنزيل (1/ 129)، وجاء عنه في رواية أخرى في تفسير ابن أبي حاتم (1/ 192) قال: «أنزل الملكين بالسحر ليعلموا الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس».
(5) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 189)، وانظر: معالم التنزيل (1/ 129)، وزاد المسير (1/ 122).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 587)
ومنهم من أنكر تعليمهما السحر، فعن أبي العالية: «لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما بالإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي» (1).
وأرجح الأقوال أنهما ملكان، وأنهما نزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس، وتحذيراً منه وتمييزاً بينه وبين المعجزة، والمنكر قصتهما مع الزهرة وما وقع منهما من شرب الخمر والزنا، فقد تسربت إليها من الأخبار الإسرائيلية، قال ابن كثير: «قصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال» (2).--------------------------------------------
(1) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 188).
(2) تفسير القرآن العظيم (1/ 203)، وانظر: التفسير الكبير (1/ 631، 7/ 218)، وأنوار التنزيل للبيضاوي (ص 45)، والإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة (ص 163).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 588)
ثالثاً
مخالفة الواقع
من الأمارات التي يستدل بها المفسر على ضعف التفسير مخالفته الواقع، وهذه الأمارة استخدمها المحدثون في نقد بعض الأحاديث، وقد يعبرون عنها بمخالفة الحديث للحس والمشاهدة، مثل الحديث الموضوع: «إذا عطس الرجل عند الحديث فهو دليل صدقه»، فإن «الحس يشهد بوضعه لأنا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله! ، ولو عطس مائة ألف رجل عند حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بصحته بالعطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق» (1).
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:
1 - جاء عن بعض التابعين في قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} (2) تفسير السيما بالتراب الذي يبقى في جبهة المرء بعد السجود:
فعن أبي العالية رحمه الله قال: «لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب» (3).--------------------------------------------
(1) المنار المنيف (ص 51)، وانظر تنزيه الشريعة المرفوعة للكناني (1/ 6).
(2) سورة الفتح من الآية (29).
(3) معالم التنزيل (7/ 324)، وزاد المسير (7/ 446).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 589)
وعن سعيد بن جبير رحمه الله قال: «ثرى الأرض وندى الطهور» (1).
وقد يظن بعض الناس أن المراد بالسيما ما يرى في جباه بعض الناس من كثرة السجود، ونسب القول به إلى بعض السلف (2).
وقد أنكر بعض الصحابة والتابعين هذا المعنى الأخير:
فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} قال: «أما إنه ليس بالذين ترون، ولكنه سيما الإسلام وسحنته وسمته وخشوعه» (3).
وفي رواية عنه قال: «ليس بندب التراب في الوجه، ولكنه الخشوع والوقار والتواضع» (4).
وسأل منصور مجاهداً عن هذه الآية، فقال: «هو الخشوع، فقال له منصور: هو أثر السجود، فقال: إنه يكون بين عينيه مثل ركبة العنز، وهو كما شاء الله» (5).
وفي رواية أخرى أن منصوراً قال له: «ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه،--------------------------------------------
(1) جامع البيان (21/ 325)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 287).
(2) فتح القدير (5/ 56).
(3) جامع البيان (21/ 323).
(4) زاد المسير (7/ 446)، وهو في: تفسير سفيان الثوري (ص 278)، وتفسير عبد الرزاق (2/ 185)، وجامع البيان (21/ 323) مختصراً.
(5) جامع البيان (21/ 324)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 287).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 590)
فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون» (1).
وربما تكلف بعض الناس ظهور هذا الأثر في وجهه رجاء الدخول في فضل هذه الآية، فأنكر ذلك بعض السلف مخافة الرياء عليه، فقد جاء رجل إلى السائب بن يزيد وفي وجهه أثر السجود، فقال: «لقد أفسد هذا وجهه، أما والله ما هي السيما التي سمّاها الله، ولقد صليت على وجهي ثمانين سنة ما أثَّر السجود بين عينيّ» (2).
علق عليه الآلوسي بقوله: «وربما يحمل على أنه استشعر من الرجل تعمداً لذلك، فنفى أن يكون ما حصل به هو السيما التي سمي الله تعالى» (3).
2 - وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (4).
اختلف أهل التفسير في المراد بالمطهرين على قولين:--------------------------------------------
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (7/ 342) وعزاه لابن أبي حاتم.
(2) المعجم الكبير للطبراني (7/ 158)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 287)، والدر المنثور (6/ 82).
(3) روح المعاني (13/ 277)، وقال البقاعي في نظم الدرر (18/ 340): «ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من هيئة أثر سجود في جبهته، فإن ذلك من سيما الخوارج»، وفي السنن الكبرى للبيهقي (2/ 286) أن أبا الدرداء رأى امرأة بوجهها أثر مثل ثفنة العنز، فقال لها: «لو لم يكن هذا بوجهك كان خيراً لك»، ونقل عن ابن عمر إنكار ذلك أيضاً.
(4) سورة الواقعة الآيات (77 - 79).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 591)
أ- أن المراد بهم المتطهرون من الأحداث، وجاء ذلك عن سلمان الفارسي وقتادة (1).
ب - أن المراد بهم الملائكة خاصة، وهذا قول جمهور المفسرين (2)، وأنكر بعض التابعين أن يراد به عموم الناس:
فعن أبي العالية رحمه الله قال: «الملائكة عليهم السلام ليس أنتم يا أصحاب الذنوب» (3).
وعن قتادة قال: «لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس، وقال: في حرف ابن مسعود: (مَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَرُوْن)» (4).
والآية عند هؤلاء على ظاهرها في الخبر، أما من رأى أن المراد بنو آدم فهي عنده نفي بمعنى النهي (5).--------------------------------------------
(1) المستدرك (2/ 477)، والنكت والعيون (5/ 464)، والجامع لأحكام القرآن (7/ 6396).
(2) التحرير والتنوير (27/ 305).
(3) مصنف ابن أبي شيبة (13/ 548)، والدر المنثور (6/ 162) واللفظ منه، وعزاه لابن المنذر.
(4) تفسير عبد الرزاق (2/ 221)، وجامع البيان (22/ 366) واللفظ له.
(5) قال ابن عطية في المحرر الوجيز (15/ 388): «والقول بأن {لَا يَمَسُّهُ} نهي قول فيه ضعف، وذلك أنه إذا كان خبراً فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك: {تَنْزِيلٌ}: صفة أيضاً، فإذا جعلناه نهياً جاء معنى أجنبياً معترضاً بين الصفات، وذلك لا يحسن في رصف الكلام فتدبره، وفي حرف ابن مسعود: (مَا يَمَسُّهُ)، وهذا يقوي ما رجحته من الخبر الذي معناه: حقه وقدره أن لا يمسه إلا طاهر».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 592)
والراجح - والله أعلم - أن المراد بالمطهرين الملائكة، وهذه الآية كقوله تعالى: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)} (1).
وهي وإن لم يكن المراد بها المتطهرين من الأحداث إلا أن فيها تنبيهاً للمسلم بأن لا يمسَّ القرآن إلا وهو طاهر اقتداءً بالملائكة الكرام (2).
والأمر بالطهارة لمسِّ المصحف يستفاد من أدلة أخرى (3).
3 - وفي قوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} (4).
أورد ابن جرير في معنى الآية أقوالاً، منها أن المراد بالحسن حسن الخلقة وجمالها، ونقل عن قتادة قوله: «حسَّنَ على نحو ما خلق» (5).
وقد أشار ابن عباس إلى ضعف هذا التأويل، ورجح أن المراد إحكام الخلق وإتقانه، فقال: «أما رأيت القردة ليست بحسنة، ولكن أحكم خلقها».--------------------------------------------
(1) سورة عبس الآيات (13 - 16).
(2) انظر: تيسير الكريم الرحمن (8/ 73)، والتحرير والتنوير (27/ 305).
(3) انظر: المغني لابن قدامة (1/ 202)، والجامع لأحكام القرآن (7/ 6395)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (8/ 22).
(4) سورة السجدة آية (7).
(5) جامع البيان (18/ 598)، وانظر تفسير عبد الرزاق (2/ 89).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 593)
وفي رواية عنه قال: «أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها» (1).
ورجح ابن جرير قول ابن عباس، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} بفتح اللام (2) قول من قال: معناه أحكم وأتقن؛ لأنه لا معنى لذلك إذ قرئ كذلك إلا أحد وجهين: إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسن، فلما كان في خلقه ما لا يشكّ في قُبحه وسماجته، علم أنه لم يُعن به أنه أحسن كلّ ما خلق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته» (3).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (18/ 597)، والدر المنثور (5/ 172).
(2) وهي قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ بقية العشرة بسكون اللام، انظر: السبعة (ص 516)، والتيسير (ص 177)، والنشر (2/ 374).
(3) جامع البيان (18/ 599).
ومن شواهد نقد التفسير بمخالفة الواقع:
إنكار سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يكون المراد بالسهو في قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5] حديث النفس والوسوسة؛ معللاً ذلك بأنه يقع لكل أحد، وقال: كلنا يحدث نفسه، انظر علل الحديث لابن أبي حاتم (2/ 336).
وإنكار الحسن البصري رحمه الله أن يكون المراد بقول الله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل آية 5] الثقل الحسي، وقال: إن الرجل لَيَهُذُّ السورة، ولكنّ العمل به ثقيل. انظر جامع البيان (23/ 365).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 594)
رابعاً
معارضة التفسير بالقياس
والقياس حجة في الجملة، والتعبد به جائز عقلاً وشرعاً، وهذا مذهب جمهور العلماء وهو المنقول عن الصحابة والتابعين رضي الله عنه، ونقل بعض العلماء إجماع الصحابة على العمل بالقياس (1).
وقد اعتبر الصحابة والتابعون القياس في التفسير، فأدخلوا بعض الأشياء في معنى الآية ودلالتها بطريق القياس، ففي قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} (2)، قال ابن عباس في معنى {سُكَارَى}: إنه النعاس، وقال الضحاك: سكر النوم (3).
علق على ذلك ابن تيمية بقوله: «وهذا إذا قيل: إن الآية دلت عليه بطريق الاعتبار أو شمول معنى اللفظ العام، وإلا فلا ريب أن سبب نزول الآية كان--------------------------------------------
(1) انظر في حجية القياس: المستصفى (2/ 234)، وروضة الناظر (3/ 806)، والإحكام للآمدي (4/ 5)، وإرشاد الفحول (199).
(2) سورة النساء من الآية (43).
(3) جامع البيان (7/ 48)، والدر المنثور (2/ 165).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 595)
السكر من الخمر، واللفظ صريح في ذلك، والمعنى الآخر صحيح أيضاً» (1).
ومن الأمثلة ما ذكره ابن القيم في " إعلام الموقعين" (2) أن الصحابة رضي الله عنهم جعلوا العبد على النصف من الحر في النكاح والطلاق والعدة؛ قياساً على ما نصَّ الله عليه في قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (3).
وكما استخدموا القياس في بيان الآيات، فقد استدلوا به على ضعف بعض التأويلات، ومن أمثلة ذلك:
1 - عن طاوس قال: «قيل لابن عباس: أتأمر بالعمرة قبل الحج، والله تعالى يقول: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (4)؟ ! ، فقال ابن عباس: كيف تقرؤون: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (5) فبأيهما تبدؤون؟ ، قالوا: بالدين، قال: فهو ذلك» (6).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (10/ 438)، وانظر فصول في أصول التفسير (ص 81).
(2) (1/ 209).
(3) سورة النساء من الآية (25).
(4) سورة البقرة من الآية (196).
(5) سورة النساء من الآية (11).
(6) الدر المنثور (1/ 209)، وانظر السنن الكبرى للبيهقي (4/ 351).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 596)
فالترتيب بين الحج والعمرة الذي فهمه المعترضون على ابن عباس من الآية غير مراد بالقياس على الآية الأخرى، والتي يتفق ابن عباس ومعارضوه على عدم إرادة الترتيب فيها.
2 - وقيل لمجاهد: «أليس الله عز وجل يقول: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} (1)، أفليس الأمة من النساء؟ ، فقال مجاهد: قد قال الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} (2) أفليس العبد من الرجال؟ ، أفتجوز شهادته؟ » (3).
فسائل مجاهد فهم من الآية أن الأَمَة داخلة في عموم النساء، والله يقول: {مِنْ نِسَائِهِمْ}، فيقع الظهار منها، وكان مجاهد لا يرى الظهار من الأمة، فلما عورض بهذه الآية، بيَّنَ أن العبد لا تجوز شهادته مع كونه داخلاً في عموم الرجال في قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}.
وعلق ابن عبد البر على كلام مجاهد بقوله: «كما كان العبد من الرجال غير--------------------------------------------
(1) سورة المجادلة من الآية (3).
(2) سورة البقرة من الآية (282).
(3) سنن سعيد بن منصور (3/ 991)، والسنن الكبرى للبيهقي (10/ 161)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 108).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 597)
المراد بالشهادة، فكذلك الأمة من النساء غير المراد بالظهار، وهذا عين القياس» (1).
ومذهب مجاهد هو مذهب شيخه ابن عباس رضي الله عنهما، فإنه كان لا يرى الظهار من الأمة شيئاً، ويقول: «من شاء باهلته أن الظهار ليس من الأمة، إنما قال الله عز وجل: { … مِنْ نِسَائِهِمْ}» (2)، وهو مذهب جمهور العلماء (3).
3 - وفي قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (4).
جاء عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، فقال رجل لعكرمة: أليس قد قال الله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}؟ ، فقال له: ألست ترى السماء؟ ، قال: بلى قال: فكلها ترى (5).
فالرجل فهم من الآية مجرد الرؤية، فغلطه عكرمة بأن الآية لا تدل على ذلك، واستدل بأن من يرى السماء لا يقال: إنه أحاط بها، ففرق بين الإحاطة وهو الذي يفيده قوله: {تُدْرِكُهُ}، وبين مجرد الرؤية.--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم وفضله (2/ 108).
(2) المصدر السابق (2/ 107)، والسنن الكبرى للبيهقي (7/ 383)
(3) انظر: المغني (11/ 67)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (8/ 65).
(4) سورة الأنعام آية (103).
(5) السنة لابن أبي عاصم (1/ 189)، وجامع البيان (22/ 32)، والرؤية للدار قطني (ص 353)، والشريعة للآجري (ص 291)، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (4/ 1363).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 598)
خامساً
أن يكون التفسير غير مفيد
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:
1 - في قول الله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} (1).
يرى جمهور المفسرين أن الجهرة في الآية متعلق برؤية الله تعالى، وأنهم طلبوا من موسى أن يريهم الله عياناً علانية.
وجاء عن ابن عباس في رواية عنه إنكار هذا المعنى، وقال: «إنهم إذا رأوه فقد رأوه، إنما قالوا جهرة: {أَرِنَا اللَّهَ}، قال: هو مقدم ومؤخر» (2).
قال ابن جرير: «وكان ابن عباس يتأول ذلك أن سؤالهم موسى كان جهرة» (3).
وابن عباس في هذه الرواية يرى أن قولهم: {أَرِنَا اللَّهَ} كاف في طلب--------------------------------------------
(1) سورة النساء من الآية (153).
(2) جامع البيان (7/ 642)، والدر المنثور (2/ 238) وعزاه لابن المنذر.
(3) جامع البيان (7/ 642).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 599)
الرؤية، فليس ثمة فائدة من قولهم: جهرة بمعنى عياناً.
وعن ابن عباس رواية أخرى أن معنى جهرة علانية (1)، وهذا رأي جماهير المفسرين، وهو الراجح في معنى الآية، وإنما طلب بنو إسرائيل من موسى عليهم السلام أن يريهم الله جهرة لتأكيد الرؤية، ولئلا يتوهم متوهم أنها مجرد لمحة، أو أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على نحو ما يراه النائم (2).
2 - وفي قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} (3).
يرى الحسن البصري أن الشجرة المضروب بها المثل ليست حقيقية، ويقول: «لو كانت في الأرض هذه الزيتونة كانت شرقية أو غربية، ولكن والله ما هي في الأرض، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره».
وفي رواية عنه قال: «هذا مثل ضربه الله، ولو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية» (4).--------------------------------------------
(1) جامع البيان (1/ 688).
(2) التفسير الكبير (1/ 519)، وانظر التحرير والتنوير (1/ 490).
(3) سورة النور من الآية (35).
(4) جامع البيان (17/ 312 - 313)، وتفسير ابن أبي حاتم (8/ 2602)، والدر المنثور (5/ 50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 600)
والقول الذي عليه الجماهير من المفسرين - وهو الصحيح - أن المثل حقيقي، وحقيقة وصف الشجرة بهذه الصفة أنها متوسطة؛ فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، والمراد بروزها وانكشافها لتصيبها الشمس طول النهار، والشجرة التي بهذه الصفة أجود ثمراً، فيكون زيتها أجود وأصفى (1).--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز (11/ 308)، والتحرير والتنوير (18/ 193).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 601)