محاسن ما قيل في ذلك، فمما قيل في هذا المعنى:
تصبر إن عقبى الصبر خير … ولا تجزع لنائبة تنوب
فإن اليسر بعد العسر يأتي … وعند الضيق تنكشف الكروب
ولبعضهم:
وكم جزعت نفوس عن أمور … أتى من دونها فرج قريب
ولبعضهم:
عسى فرج يكون عسا … نعلل أنفسنا بعسى
وأقرب ما يكون المرء … من فرج إذا يئسا
ولغيره:
إذا تضايق أمرٌ فانتظر فرجا … فأضيق الأمر أدناه من الفرج
ولبعضهم:
فلا تجزع وأن أعسرت يومًا … فقد أيسرت في الزمن الطويل
ولا تظنن بربك ظنّ سوء … فإن الله أولى بالجميل
ولا تيأس فإن اليأس كفر … لعل الله يغني عن قليل
فإن العسر يتبعه يسار … وقيل الله أصدق كل قيل
ولبعضهم:
مفتاح باب الفرج الصبر … وكل عسر بعده يسر
والدهر لا يبقى عَلَى حالة … والأمر يأتي بعده الأمر
ولغيره:
إذا اشتملت عَلَى اليأس القلوب … وضاق لما به الصدر الرحيب
وأوطأت المكاره وأطمأنت … وأرست في أماكنها الخطوب
ولم ترى لانكشاف الضر وجها … ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك عَلَى قنوط منك غوث … يمن به اللطيف المستجيب
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 169)
وكل الحادثات وإن تناهت … فموصول بها الفرج القريب
ولبعضهم:
عسى ما ترى أن لا يدوم وأن ترى … له فرجًا مما ألج به الدهر
عسى فرج يأتي به الله إنه له … كل يوم في خليقته أمر
إذا لاح عسر فارج يسرًا فإنَّه … قضى الله أن العسر يتبعه اليسر
ولنختم الكتاب بذكر نبذة يسيرة من لطائف البلايا وفوائدها وحكمها، فمنها: تكفير الخطايا بها، والثواب عَلَى الصبر عليها، وهل يثاب عَلَى (البلايا) (*) بنفسه؟ فيه اختلاف بين العُلَمَاء.
ومنها: تذكر العبد بذنوبه؛ فربما تاب ورجع منها إِلَى الله عز وجل.
ومنها: زوال قسوة القلوب وحدوث رقتها.
قال بعض السَّلف: إن العبد ليمرض فيذكر ذنوبه فيخرج منه مثل رأس الذباب من خشية الله فيغفر له.
ومنها: انكسار العبد لله عز وجل وذله له، وذلك أَحَبّ إِلَى الله من كثير من طاعات الطائعين.
ومنها: أنها توجب للعبد الرجوع بقلبه إِلَى الله عز وجل، والوقوف ببابه والتضرع له والاستكانة، وذلك من أعظم فوائد البلاء، وقد ذم الله من لا يستكين له عند الشدائد، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76].
وقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42].
وفي بعض الكتب السابقة: إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه.
وقال سعيد بن عبد العزيز: قال داود عليه السلام: سبحان مستخرج--------------------------------------------
(*) البلاء: "نسخة".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 170)
الدعاء بالبلاء، وسبحان مستخرج الشكر بالرخاء.
ومرَّ أبو جعفر محمد بن علي بمحمد بن المنكدر وهو مغموم، فسأل عن سبب غمه، فقِيلَ لَهُ: الدّين قد فدحه، فَقَالَ أبو جعفر: أفتح له في الدعاء؟ قيل: نعم. قال: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها من دعاء ربه كائنة ما كانت.
وكان بعضهم إذا فتح له في الدعاء عند الشدائد لم يحب تعجيل إجابته خشية أن ينقطع عما فتح له.
وقال ثابت: إذا دعا الله المؤمن بدعوة وكل الله جبريل بحاجته يقول: لا تعجل بإجابته، فإني أَحَبّ أن أسمع صوت عبدي المؤمن.
ورُوي مرفوعًا من وجوه ضعيفة (1).
رأى بعض السَّلف رب العزة في نومه فَقَالَ: يا رب، كم أدعوك ولا تجيبني؟.
قال: إني أَحَبّ أن أسمع صوتك (2).
ومنها: أن البلاء يوصل إِلَى قلبه لذة الصبر عليه والرضا به، وذلك مقام عظيم جدًّا، وقد تقدمت الإشارة إِلَى فض ذلك وشرفه.
ومنها: أن البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إِلَى مخلوق ويوجب له الإقبال عَلَى الخالق وحه.--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (8442) وقال: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة تفرد به سويد بن عبد العزيز.
وذكره الهيثمي في "المجمع" (10/ 151) وقال: … وفيه إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة، وهو تروك.
(2) قال الشيخ محمد ناصر العجمي- حفظه الله- في تعليقه على هذه الرسالة ص 122: كان الأولى بالمصنف رحمه الله الإعراض عن ذكر مثل هذه الحكاية، وقد شحن كتابه هذا من الحكايات التي جلها لا أصل لها في الكتاب والسنة الصحيحة، بل مبنية عَلَى الحيال، وكفى بما صح من السنة وأقوال السَّلف واعظًا، فنسأل الله أن يتجاوز عنا وعنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 171)
وقد حكى الله عن المشركين إخلاص الدعاء له عند الشدائد؛ فكيف بالمؤمن؟!.
فالبلاء يوجب للعبد تحقيق التوحيد بقلبه وذلك أعلى المقامات وأشرف الدرجات.
وفي الإسرائيليات يقول الله عز وجل: "البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك".
***
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 172)
فصل
وإذا اشتد الكرب وعظم الخطب كان الفرج حينئذٍ قريبًا في الغالب.
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110] وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
وأخبر عن يعقوب عليه السلام أنَّه لم ييأس من لقاء يوسف، وقال لإخوته: {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87] وقال: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83].
ومن لطائف أسرار اقتران الفرج باشتداد الكرب أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وجد الإياس من كشفه من جهة المخلوق ووقع التعلق بالخالق وحده، ومن انقطع عن التعلق بالخلائق وتعلق بالخالق، استجاب الله له وكشف عنه؛ فإن التوكل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين، كما قال الإمام أحمد، واستدل عليه بقول إبراهيم لما عرض له جبريل في الهواء وقال: ألك حاجة؟ فَقَالَ: أما إليك فلا!.
والتوكل من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].
قال الفضيل: والله لو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئًا لأعطاك مولاك كل ما تريد.
ومنها: أن العبد إذا اشتد عليه الكرب فإنَّه يحتاج حينئذٍ إِلَى مجاهدة الشيطان؛ لأنّه يأتيه فيقنطه ويسخطه، فيحتاج العبد إِلَى مجاهدته ودفعه، فيكون ثواب مجاهدة عدوه ودفعه: دفع البلاء عنه ورفعه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 173)
ولهذا في الحديث الصحيح:
"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي! فيدع الدعاء" (1).
ومنها: أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إِلَى نفسه باللائمة ويقول لها: إِنَّمَا أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت!.
وهذا اللوم أَحَبّ إِلَى الله من كثير من الطاعات؛ فإن يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه فلذلك يسرع إِلَيْهِ حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنَّه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، عَلَى قدر الكسر يكون الجبر.
قال وهب: تعبد رجل زمانًا ثم بدت له إِلَى الله حاجة فصام سبعين سبتًا يأكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة، ثم سأل الله حاجته فلم يعطها فرجع إِلَى نفسه فَقَالَ: منك أتيت، لو كان فيك خير أعطيت حاجتك. فنزل إِلَيْهِ عند ذلك ملك، فَقَالَ: يا ابن آدم؛ ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت وقد قضى الله حاجتك.
أهين لهم نفسي لكي يكرمونها … ولن تكرم النفس التي لا تهينها
فمن تحقق هذا وعرفه وشاهده بقلبه، علم أن نعم الله عَلَى عبده المؤمن بالبلاء أعظم من نعمه في الرخاء، وهذا تحقيق معنى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ» (2).
ومن ها هنا كان العارفون بالله لا يختارون إحدى الحالتين عَلَى الأخرى، بل--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (6340)، ومسلم (2735).
(2) أخرجه مسلم (2999).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 174)
أيهما قدر الله رضوا به وقاموا بعبوديته اللائقة به.
وفي "المسند" (1) والترمذي (2) عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عَرْضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا؛ فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ".
وقال عمر: ما أبالي أصبحت عَلَى ما أَحَبّ أو عَلَى ما أكره لأني لا أدري الخير فيما أَحَبّ أو فيما أكره (3)؟
وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت يومًا وما لي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر.
يا هذا، لِمَ نستدعيك إلينا وأنت تفر منا؟! نسبغ عليك النعم فتشتغل بها عنا وتنسانا! فنفرغ عليك البلاء لترد إلينا! وتقف عَلَى بابنا ونسمع تضرعك! البلاء يجمع بيننا وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك.
إن جرى بيننا وبينك عتب … أو تناءت منا ومنك الديار
فالوداد الَّذِي عهدت مقيم … والأيادي التي عهدت غزار
كم لنا في طي البلايا من منح … وعطايا وفي الزوايا خبايا
يا هذا! إن شكرت نعمنا عليك فتوفيقك للشكر من جملة نعمنا فاشكره! وإن صبرت عَلَى بلائنا فالصبر من جملة فضلنا فاذكره، فكل ما تقلب فيه فهو من نعمنا فلا تكفره {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ--------------------------------------------
(1) (5/ 254).
(2) برقم (2347) وقال: هذا حديث حسن … إِلَى أن قال: وعلي بن يزيد ضعيف الحديث.
قلت: وفي الإسناد عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد الألهاني عن القاسم أبي عبد الرحمن، وقد قال ابن حبان عنهم: إنهم إذا اجتمعوا في إسناد، فهو مما عملت أيديهم.
(3) أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في الفرج بعد الشدة ص 21.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 175)
كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34].
إذا كان شكري نعمة الله نعمةً … عَلَيَّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف وقوع الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا مس بالسراء عم سرورها … وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلا له فيه منة … تضيق لها الأوهام والبر والبحر
آخره والحمد ولله وحده، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا يا رب العالمين.
ووافق الفراغ منه في ليلة يسفر صباحها عن ليلة الثلاثاء خامس شهر ربيع الأولى من شهور سنة ثلاث وتسعين وثماني مائة، عَلَى يد فقير عفو ربه الممجد عيسى بن علي بن محمد الحوراني الشافعي، عامله الله بلطفه الخفي وغفر له ولوالديه، ولمن نظر فيه ودعا لي بالمغفرة وحسن الخاتمة، إنه بر رحيم جواد لا يخيب من دعاه.
***
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 176)