وأما قوله عز وجل: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ}(1) نسخها قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}(2) قال ذلك معمر عن قتادة(3)، والله أعلم بما أراد من ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي(4).--------------------------------------------
(1) [سورة البقرة: الآية 191]
(2) [سورة التوبة: الآية 5]
(3) رواه عبدالرزاق في تفسيره: 1/ 73، وابن أبي شيبة في مصنفه: 7/ 353 باب غزوة بدر الأولى من طريق سعيد عن قتادة، وابن جرير في تفسيره: 2/ 192 من طريق همام عن قتادة، 2/ 193 من طريق معمر به، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: 1/ 520 عن سعيد عن قتادة، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: 217 عن شيبان عن قتادة.
(4) رواه البخاري في صحيحه: 1/ 53 العلم باب كتابة العلم، و 2/ 452 الجنائز باب الإذخر والحشيش في القبر، ومسلم في صحيحه: 2/ 988 كتاب الحج حديث: 447، 448.
اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ بل عدها بعضهم من المعضلات، قال النحاس: هذه الآية من أصعب ما في الناسخ والمنسوخ، فزعم جماعة من العلماء أنها غير منسوخة، واحتجوا بها وبأشياء من السنن، وزعم جماعة أنها منسوخة، واحتجوا بآيات غيرها، وبأحاديث من السنن. [الناسخ والمنسوخ: 1/ 519]
وممن رجح إحكام الآية الجصاص في أحكام القرآن: 1/ 356، وابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 153، … وابن الجوزي في نواسخ القرآن: 220، والقرطبي في تفسيره: 2/ 351، وابن كثير في تفسيره: 2/ 336، … وابن سعدي في تفسيره: 71.
وممن رجح أنها منسوخة ابن جرير في تفسيره: 2/ 193، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: 1/ 521، ومكي في الإيضاح: 157.

ولعل الصواب - إن شاء الله - هو أن هذه الآية محكمة، وأنه لا يجوز القتال في البلد الحرام إلا إذا بدأوا القتال هم، فإنهم يقاتلون جزاء لهم.
وعلى هذا فإنه لا تعارض بين هذه الآية وما ذكروه من الآيات، قال ابن الجوزي: إنما يكون النسخ مع تضاد اجتماع الناسخ والمنسوخ، وقد أمكن الجمع بين ما ادعوه ناسخاً ومنسوخاً، وصح العمل بهما، فيكون قوله … تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] في غير البلد الحرام بدليل قوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة: 191]، وكذلك قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أي في غير الحرم، بدليل قوله تعالى عُقيب ذلك: {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} ولو جاز قتلهم في الحرم لم يحتج إلى ذكر الإخراج، فقد بان بما أوضحنا إحكام الآية وانتفاء النسخ عنها. [نواسخ القرآن: 220]
وقال ابن كثير: وقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] أي: من الأرض، وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ}. [تفسير القرآن العظيم: 2/ 336].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)