كذَّب صادقًا لا يجوز عليه الكذب، فإذا ليس أحد أظلم ممن يكذب على الله بالشرك، ويكذب الله في تصديقه نبيه صلى الله عليه وسلم ويكذب النبي في رسالة ربه، ويكذب القرآن المنزل من الله تعالى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم
ثم بين سوء مغبة أعمالهم بطريق الاستفام التقريري، وهو أبلغ في إثبات المطلوب، وهددهم وتوعدهم، فقال: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى} ومنزل ومأوى {لِلْكَافِرِينَ}؛ أي: مكان يستقرون فيه؛ أي: ألا يستوجب هؤلاء الكافرون من أهل مكة الثواء والإقامة في جهنم، فقد افتروا على الله الكذب، فكذبوا بالكتاب أو الرسول لما جاءهم بلا توقف ولا تأمل.
والخلاصة: أن مثوى هؤلاء، وأشباههم جهنم وبئس المصير، فهو (1) تقرير لثواثهم وإقامتهم فيها، فإن همزة الاستفهام الإنكاري إذا دخلت على النفي صار إيجابًا؛ أي: ألا يستوجبون الإقامة والخلود في جهنم، وقد فعلوا ما فعلوا من الافتراء والتكذيب بالحق الصريح مثل هذا التكذيب الشنيع، أو إنكار واستبعاد لاجترائهم على الافتراء والتكذيب؛ أي: ألم يعلموا أن في جهنم مثوًى للكافرين، حتى اجترؤوا هذه الجرأة، وقوله (2): {لِلْكَافِرِينَ} من وضع الظاهر موضع المضمر؛ أي: مثواهم.

‌‌69 - وبعد أن بين عاقبة أولئك الكافرين، ذكر عاقبة المؤمنين الذين اهتدوا بهُدى الله، وجاهدوا في سبيله، فقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا}؛ أي (3): والذين جدوا واجتهدوا في طاعتنا، وبذلوا وسعهم، وطاقتهم في شاننا وحقنا، وأخلصوا عملهم لوجهنا، والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، وأطلق المجاهدة ليعم جهاد الأعداء الظاهرة والباطنة، أما الأول فكجهاد الكفار المحاربين، وأما الثاني فكجهاد النفس والشيطان. وفي الحديث: "جاهدوا أهواءَكم كما تجاهدون أعداءَكم". ويكون الجهاد باليد واللسان. كما قال عليه السلام: "جاهدوا--------------------------------------------
(1) روح البيان.
(2) البحر المحيط.
(3) روح البيان.

(খণ্ড: 22) (পৃষ্ঠা: 48)