يستقسم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما للمشركين - قاتلهم الله - وما شأن إبراهيم وشأن القِدَاح))، ثم دعا بجفنة فيها ماء فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل؛ رواه ابن مردويه.
الحديث الثالث والعشرون: عن جابر رضي الله عنه قال: كان في الكعبة صور فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمحوها قبل عمر رضي الله عنه ثوبًا ومحاها به، فدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيها منها شيء؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود وهذا لفظ أحمد.
ولفظ أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم حتى مُحِيَت كل صورة فيها.
الحديث الرابع والعشرون: عن شيبة بن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا شيبة، امحُ كلَّ صورة في البيت))؛ ذكره البخاري في "تاريخه".
الحديث الخامس والعشرون: قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطَمْس الصور التي كانت في البيت؛ رواه عمر بن شبة في "أخبار مكة".
وقال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، ورأى إبراهيم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
مصورًا في يده الأزلام يستقسم بها فقال: ((قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام، {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ})) [آل عمران: 67]، ثم أمر بتلك الصور كلها فطُمِسَت.
الحديث السادس والعشرون: عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة ورأى صورًا، قال: فدعا بدلو من ماء فأتيته به، فجعل يمحوها ويقول: ((قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون))؛ رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" بإسناد جيد، وعمر بن شيبة في "أخبار مكة" والحافظ الضياء المقدسي في "المختارة".
وفي معنى قوله: ((قاتلهم الله)) أقوال:
أحدها: لعنهم الله، قاله ابن عباس رضي الله عنهما واختاره الإمام البخاري - رحمه الله تعالى.
الثاني: قتلهم الله، قاله ابن جريج.
الثالث: أنه ليس هو على تحقيق المقاتلة، ولكنه بمعنى التعجب، حكاه البغوي في "تفسيره".
قال الراغب الأصفهاني: والصحيح أن ذلك هو المفاعلة، والمعنى صار بحيث يتصدَّى لمحاربة الله، فإن مَن قاتل الله فمقتول، ومَن غالَبه فهو مغلوب، انتهى.
ويظهر لي أن المراد به هاهنا اللعن المقرون بالإنكار على المصورين،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
والتعجب من سوء صنيعهم وجراءتهم على المضاهاة بخلق الله - تعالى - مع عجزهم عن نفخ الروح فيما يصورونه، والله أعلم.
فإن قيل: إن في هذه الأحاديث شيئًا من التعارض؛ ففي الرواية الأولى عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالآلهة فأُخْرِجت، وفي روايته الأخرى أنه أمر بها فمُحِيت، ومثله ما في حديث جابر وأسامة بن زيد وعمرو بن دينار.
وأيضًا ففي رواية كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، ونحوه ما في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما وما ذكره ابن هشام وهذا يعارض رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، ونحوه ما في حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى مُحِيَت كل صورة فيها.
والجواب أن يقال: ليس بين هذه الروايات تعارض بحمد الله - تعالى - فأما التي يفهم منها التعارض بين المحو والإخراج فوجه الجمع بينها أنه صلى الله عليه وسلم أمر بمحو ما كان منقوشًا في أعمدة الكعبة وحيطانها، وأمر بإخراج ما كان مجسدًا ليكسر خارج الكعبة مع الأصنام التي كانت حولها؛ ليرى المشركين ما يصيب ألهتهم من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
الإهانة والإذلال، وليعلموا أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تدفع عن أنفسها شيئًا فضلاً عن عابديها؛ وعلى هذا فمَن قال من الرواة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصور فمُحِيت فمراده الصور المنقوشة، ومَن قال أمر بها فأُخْرِجت فمراده الصور المجسدة، والله أعلم.
وأما التي يفهم منها التعارض بين دخوله صلى الله عليه وسلم الكعبة مع وجود الصور فيها وبين امتناعه من الدخول حتى محيت الصور كلها فوجه الجمع بينها أنه صلى الله عليه وسلم أراد دخول الكعبة، فلما رأى ما فيها من الصور رجع وأمر بإخراج ما كان مجسدًا ومحو ما كان منقوشًا في الأعمدة والحيطان، فلما أخبروه بإزالة الصور كلها دخل فوجد بقية خَفِيت على المأمورين بالمحو والإخراج، فمنها حمامة من عيدان كسرها بيده الكريمة ثم طرحها، ومنها صور منقوشة محاها بالماء، وعلى هذا فمَن قال من الرواة: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وفيها صور فمراده ما وجده النبي صلى الله عليه وسلم مما خفي على المأمورين بإتلاف الصور، ومَن قال: إنه لم يدخلها حتى محيت كل صورة فيها فعمدته ما أخبر به المأمورون من محو الصور كلها، وخفي على الراوي ما خفي على المأمورين بالإتلاف، والله أعلم.
الحديث السابع والعشرون: عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك؛ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
الحديث الثامن والعشرون: عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النوح، والشعر، والتصاوير، وجلود السباع، والتبرج، والغناء، والذهب، والخز والحرير؛ رواه الإمام أحمد والبخاري في "تاريخه" بأسانيد جيدة.
الحديث التاسع والعشرون: عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه؛ رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ أحمد: لم يكن يدع في بيته ثوبًا فيه تصاليب إلا نقضه.
ولفظ أبي داود: كان لا يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا قضبه، قال الخطابي: معناه: قطعه، والقضب: القطع، والتصليب: ما كان على صورة الصليب.
وذكر الحافظ ابن حجر أن في رواية الكشميهني "تصاوير" بدل "تصاليب"، فلعل البخاري - رحمه الله تعالى - أشار إلى هذه الرواية؛ حيث ترجم على هذا الحديث بقوله: (باب نقض الصور).
وقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أنه استنبط من نقْض الصليب نقْض الصورة التي تشترك مع الصليب في المعنى وهو عبادتها من دون الله، فيكون المراد بالصور خصوص ما يكون من ذوات الأرواح، بل أخص من ذلك.
ثم نقل الحافظ عن ابن بطَّال أنه قال: في هذا الحديث دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينقض الصورة سواء كانت مما له ظل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
أم لا، وسواء كانت مما تُوطَأ أم لا، وسواء في الثياب وفي الحيطان وفي الفرش والأوراق وغيرها، انتهى.
الحديث الثلاثون: عن أبي الهياج الأسدي - واسمه: حيان بن حصين - قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته؛ رواه الإمام أحمد ومسلم، وأهل السنن إلا ابن ماجه.
وفي رواية لمسلم: ولا صورة إلا طمستها، ونحوه رواية النسائي.
وفي رواية لأحمد: أن عليًّا رضي الله عنه قال: أبعثك فيما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرني أن أسوِّي كل قبر، وأطمس كل صنم.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: هذا يدل على طمس الصور في أيِّ شيء كانت، وهدم القبور المشرفة وإن كانت من حجارة أو آجر أو لبن.
قال المروذي: قلت لأحمد: الرجل يكتري البيت فيرى فيه تصاوير، ترى أن يحكها؟ قال: نعم.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: وحجته هذا الحديث الصحيح، انتهى.
الحديث الحادي والثلاثون: عن أبي محمد الهذلي ويكنى أيضًا بأبي مورع عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: ((أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنًا إلا كسره، ولا قبرًا إلا سوَّاه، ولا صورة إلا لطخها؟))، فقال رجل: أنا يا رسول الله، فانطلق فهاب أهل المدينة فرجع، فقال علي رضي الله عنه: أنا انطلق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
يا رسول الله، قال: ((فانطلق))، فانطلق ثم رجع فقال: يا رسول الله، لم أدع بها وثنًا إلا كسرته، ولا قبرًا إلا سوَّيته، ولا صورة إلا لطختها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن عاد لصنعة شيء من هذا فقد كفر بما أُنْزِل على محمد)) صلى الله عليه وسلم رواه الإمام أحمد وابنه عبدالله في "زوائد المسند" وأبو داود الطيالسي في "مسنده".
وفي هذا الحديث والأحاديث التسعة قبله عدة فوائد:
الأولى منها: امتناع الملائكة من دخول البيت إذا كان فيه صورة.
الثانية: أن تصوير ذوات الأرواح واتخاذ الصور من أفعال المشركين وسننهم، فمَن صنع الصور من هذه الأمة أو اتخذها عنده فهو متشبه بهم، ومَن تشبه بقوم فهو منهم.
الثالثة: كراهة دخول البيت الذي فيه صورة، وقد تقدم ما روي عن عمر وأبي مسعود وابن مسعود رضي الله عنهم في ذلك.
الرابعة: مشروعية تغيير الصور بالمحو ونحوه إن أمكن، وإلا فبالتلطيخ بما يغير هيئتها.
الخامسة: كراهة الصلاة في الموضع الذي فيه صورة.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: وهو أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام؛ لأن كراهة الصلاة في الحمام إما لكونه مظنَّة النجاسة، وإما لكونه بيت الشيطان وهو الصحيح.
وأما محل الصور فمظنَّة الشرك، وغالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور، انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وقال البخاري في "صحيحه": وكان ابن عباس رضي الله عنهما يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وصله البغوي في "الجعديات"، وزاد فيه: فإن كان فيها تماثيل خرج فصلى في المطر.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: المنصوص عن أحمد والمذهب الذي نص عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة التي فيها التصاوير، والصلاة فيها وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهة، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا شك، انتهى.
السادسة: أنه لا فرق بين الصور المجسَّدة وغير المجسدة، فكل من النوعين يجب تغييره.
وتُكْرَه الصلاة في الموضع الذي هو فيه، وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - على حكِّ التصاوير التي ليست بمجسدة، ونقدم قريبًا ما نقله المروذي عنه في ذلك.
وقال المروذي أيضًا: قلت لأبي عبدالله: فإن دخلت حمامًا فرأيت فيه صورة ترى أن أحك الرأس؟ قال: نعم.
وقد روي عن الحسن وعمر بن عبدالعزيز نحو ذلك، فأما الحسن البصري فذكر المروذي في كتاب "الورع" عن عيسى بن المنذر الراسبي قال: سمعت الحسن وقال له عقبة الراسبي: في مسجدنا سابحة فيها تصاوير فقال الحسن: أنجروها.
وأما عمر بن عبدالعزيز فذكر الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - عن حسين بن وردان قال: مر عمر بن عبدالعزيز بحمام عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
صورة، فأمر بها فطمست وحُكَّت، ثم قال: لو علمت مَن عمل هذا لأوجعته ضربًا، ويتخرج على هذه الرواية عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - أن تغيير الصور المجسَّدة مطلوب كغير المجسدة بل أولى.
السابعة: إنكار المنكر باليد لِمَن قدر على ذلك.
الثامنة: لعن المصورين، والدعاء عليهم.
التاسعة: أن متخذ الصورة شريكٌ لصانعها في الوزر واللعنة؛ لأن اتخاذها دليل على الرضا بصناعتها، والراضي بالذنب كفاعله.
وقال الحافظ ابن حجر: إن المتخذ أَوْلَى بالوعيد، وتقدم كلامه في ذلك مع فوائد الحديث الثاني، فيراجع.
العاشرة: التصريح بعجز المصورين عن نفخ الروح فيما يصورون.
الحادية عشرة: الرد على صاحب الأغلال ومَن شاكَلَه من الزنادقة الذين يخشون أو يرجون أن يأتي زمن يوجد فيه إنسان صناعي وحيوان صناعي.
الثانية عشرة: الرد على مَن زعم أن المنع خاص بالصور المجسدة؛ فإن الصور التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحوها ومحا هو بنفسه الكريمة ما بقي منها قد كانت من غير المجسدة قطعًا.
وأما المجسدة فقد كان صلى الله عليه وسلم يطعنها بعود معه أو يشير به إليها إشارة فتخر على وجوهها وأقفائها، كما جاء ذلك في أحاديث صحيحة عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
وذكر ابن إسحاق في "السيرة" أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، فقد سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصور المجسدة وغير المجسدة في الإنكار والتغيير، فمَن فرق بينهما فمنع المجسدة وأوجب تغييرها وأجاز غير المجسدة ولم يرَ تغييرها فقد فرق بين متماثلين، وآمن ببعض ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك وردَّ بعضه.
الثالثة عشرة: النهي الصريح عن اتخاذ الصور في البيوت وعن صناعتها.
الرابعة عشرة: أن النهي يقتضي التحريم وهذا هو الصحيح من قولي العلماء، وقد نُقِل هذا عن مالك والشافعي وهو قول الجمهور، واختاره البخاري - رحمه الله تعالى - قال في آخر كتاب الاعتصام من "صحيحه": (باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم على التحريم إلا ما تعرف إباحته).
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": أي: بدلالة السياق، أو قرينة الحال، أو قيام الدليل على ذلك، انتهى.
الخامسة عشرة: مشروعية نقض الصور والتصاليب من الثياب ونحوها إذا أمكن ذلك، فإن لم يمكن فالواجب تلطيخها بما يغير هيئتها.
السادسة عشرة: الأمر الصريح بطمس الصور وأن لا يترك منها شيء، ومن الواجب المتعين على ولاة أمور المسلمين أن يفعلوا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما فعل الخليفة الراشد علي رضي الله عنه فيبعثوا رجالاً يطمسون الصور التي عند رعاياهم ولا يتركوا منها شيئًا، ويجب عليهم أيضًا أن يمنعوا من صناعة التصاوير في سائر بلاد ولايتهم، ومَن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
جلبها إليهم من خارج ولايتهم.
ولو سلكوا منهاج الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى - في تأديب المصورين لكان ذلك خيرًا لهم، وليعلم أولو الأمر أنهم مسؤولون يوم القيامة عن رعاياهم فليعدُّوا للسؤال جوابًا.
السابعة عشرة: عموم الأمر بطمس الصور، فيدخل في ذلك كل صورة من صور ذوات الأرواح، سواء كان لها ظل أو لم يكن، وسواء كانت تامة أو ناقصة إذا كان فيها رأس؛ لأن النكرة في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تدع صورة إلا طمستها)) تقتضي العموم، ويدخل في عمومها الرأس المصور وحده؛ لأن تصوير الرأس هو أعظم مقصود بالنهي كما يدل على ذلك قول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: "مُرْ برأس التمثال فليقطع فيصير كهيئة الشجرة".
وقد قال بعض الفقهاء إذا فرق بين الرأس والجسد فقد زال المحذور، وكذلك إذا قطع من الصورة ما لا يبقى الحيوان بعد ذهابه كصدره أو بطنه، وكذلك إذا كانت الصورة رأسًا بلا بدن.
وهذا القول ليس بشيء لمخالفته لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة جبريل عليه السلام -ولمخالفته أيضًا لعمومات كثير من الأحاديث التي سبق ذكرها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
والصحيح أن المحذور في الصورة الرأس وحده نص عليه الإمام أحمد - رحمه الله تعالى.
وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة، قال أبو داود سمعت أحمد - رحمه الله تعالى - يقول: الصورة الرأس.
وقد تقدم قريبًا ما نقله المروذي عن أحمد - رحمه الله تعالى - من حكِّ الرأس وحده.
ثم قال أبو داود: حدثنا محمد بن محبوب قال: حدثنا وهيب - يعني: بن خالد الباهلي - عن خالد - يعني: الحذاء - عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فليس هو صورة؛ إسناد صحيح على شرط البخاري.
وقال أيضًا: حدثنا أحمد - يعني: الإمام أحمد بن حنبل - قال: حدثنا إسماعيل - يعني: ابن عُلَيَّة - عن خالد، عن عكرمة نحوه، لم يذكر ابن عباس رضي الله عنهما إسناده صحيح على شرط البخاري.
وفي "المسند" من حديث شعبة بن دينار مولى ابن عباس رضي الله عنهما أن المسور بن مخرمة رضي الله عنهما دخل على ابن عباس رضي الله عنهما يعوده من وجع وعليه برد إستبرق، فقال: يا أبا عباس، ما هذا الثوب؟ قال: ما هو؟ قال: هذا الإستبرق، قال: والله ما علمت به، وما أظن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا حين نهى عنه إلا للتجبر والتكبر، ولسنا بحمد الله كذلك، قال: فما هذه التصاوير في الكانون؟ قال: ألا ترى قد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
أحرقناها بالنار، فلما خرج المسور قال: انزعوا هذه الثوب عنِّي، واقطعوا رؤوس هذه التماثيل، قالوا: يا أبا عباس، لو ذهبت إلى السوق كان أنفق لها مع الرأس، قال: لا، فأمر بقطع رؤوسها، وهذا حديث حسن قال أحمد وابن معين: شعبة بن دينار لا بأس به، وبقية رجاله "الصحيح".
قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: الكانون الموقد؛ يعني: الموضع الذي توقد فيه النار.
قلت: وهو معروف بهذا الاسم إلى زماننا، ولكنه لنوع من المواقد لا لجميعها.
وفي هذا الحديث والذي قبله دليل على أن حكم الصورة متعلق بالرأس وحده؛ والأصل في هذا قول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: مر بالرأس فليقطع فيصير كهيئة الشجرة، فدلَّ على أن المحذور كله في تصوير الرأس، ودلَّ على أن قطع غيره لا يقوم مقامه ولا يكفى في التغيير، ولو كان المقطوع مما لا تبقى الحياة بعد ذهابه كصدره أو بطنه.
وعلى هذا فتحريم التصوير والاتخاذ متعلق بوجود الرأس، وكذلك وجوب الطمس متعلق بوجود الرأس، والله أعلم.
وأما قياس قطع الصدر أو البطن على قطع الرأس فهو قياس مع وجود الفارق؛ لأنها وإن شاركاه في ذهاب الحياة بذهابهما فقد اختفى هو دونهما ودون سائر الأعضاء بشيئين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
أحدهما: أنه إذا قطع صار باقي الجسم كهيئة الشجرة، وخرج عن شكل ذوات الأرواح.
الثاني: أنه مشتمل على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء ومجمع المحاسن، وأعظم فارق بين الحيوان وبين غيره من النباتات والجمادات، وبطمسه تذهب بهجة الصورة ورونقها، وتعود إلى مشابهة النباتات والجمادات؛ ولهذا قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: "مر برأس التمثال فليقطع فيصير كهيئة الشجرة".
وبهذا يعرف أن غير الرأس لا يساويه، وأن مَن قاس شيئًا من الأعضاء على الرأس فقياسه غير صحيح فلا يعتدُّ به، والله أعلم.
وقد قال بهذا القياس الفاسد كثير من فقهاء الحنابلة، فخالفوا نص أمامهم مع مخالفتهم لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة جبريل عليه السلام ولما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فليس بصورة، ولعمومات الأحاديث التي تقدم ذكرها، وخليق بهذا القول أن يضرب به الحائط ولا يعول عليه، والله الموفق.
ويدخل في عموم النكرة أيضًا الوجهُ المصوَّر وحده؛ لإطلاق لفظ الصورة عليه في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام أصحابه رضي الله عنهم وكلام أهل اللغة.
فأما إطلاق ذلك عليه في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ففي عدة أحاديث:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
الأول منها: عن سالم بن عبدالله، عن أبيه رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضرب الصور يعني: الوجه؛ رواه الإمام أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وقال البخاري - رحمه الله تعالى - في "صحيحه": (باب الوسم والعلم في الصورة) حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كره أن تعلم الصورة، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تضرب، تابعه قتيبة قال: حدثنا العنقري، عن حنظلة، وقال: تضرب الصورة.
قوله: "أن تعلم الصورة"؛ أي: يجعل في الوجه علامة من كي أوسمة.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": المراد بالصورة الوجه، قال: وقد أخرج الإسماعيلي الحديث من طريق وكيع عن حنظلة بلفظ أن تضرب وجوه البهائم، ومن وجه آخر عنه أن تضرب الصورة؛ يعني: الوجه.
وأخرجه أيضًا من طريق محمد بن بكر البرساني وإسحاق بن سليمان الرازي كلاهما عن حنظلة قال: سمعت سالمًا يسأل عن العلم في الصورة فقال: كان ابن عمر رضي الله عنهما يكره أن تعلم الصورة، وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تضرب الصورة يعني بالصورة الوجه.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر))؛ الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
والمراد بالصور هاهنا الوجوه خاصة؛ لما في الصحيحين عن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليدخلن الجنة من أمتي سبعون - أو سبعمائة - ألف - لا يدري أبو حازم أيهما قال - متماسكون، آخذ بعضهم بعضًا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم وجوههم على صورة القمر ليلة البدر)).
وفي "المسند" و"صحيح مسلم" عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فذكر الحديث وفيه -: ((فتنجوا أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا لا يحاسبون)) الحديث.
وفي "المسند" أيضًا من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أُعْطِيت سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر)).
الحديث الثالث: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر …)) الحديث؛ رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي هذا الحديث والذي قبله تشبيه صور الزمرة الأولى من أهل الجنة بصورة القمر، ومعلوم أن القمر ليس فيه إلا صورة الوجه وحده فدل على أن الوجه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
وحده يسمى صورة على الحقيقة، فيحرم تصويره مطلقًا سواء كان معه جسم أو بعض جسم أو كان مفردًا بالتصوير، والله أعلم.
الحديث الرابع: عن أبي سعيد الخدري أيضًا رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو يصف يوسف حين رآه في السماء الثالثة قال: ((رأيت رجلاً صورته كصورة القمر ليلة البدر، فقلت: يا جبريل، مَن هذا؟ قال: هو أخوك يوسف))؛ رواه الحاكم في "مستدركه".
وفي هذا الحديث إطلاق لفظ الصورة على الوجه وحده؛ لأنه هو الذي يشبه صورة القمر.
الحديث الخامس: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أما يخشى أحدكم أو إلا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمارٍ، ويجعل الله صورته صورة حمار))؛ رواه الإمام أحمد والشيخان وأهل السنن، وهذا لفظ البخاري، والمراد بالصورة هاهنا الوجه؛ لما في رواية لمسلم: ((أن يجعل الله وجهه وجه حمار))، ففي هذه الرواية بيان المراد بالصورة في الرواية الأولى، والله أعلم.
الحديث السادس: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يقول: ((اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره فأحسن صورته، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين))؛ رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
والنسائي والدارقطني، وهذا لفظ النسائي.
الحديث السابع: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)) الحديث بطوله وفيه: ((حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا، كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا مَن عرفتم فتحرم صورهم على النار))؛ الحديث متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
والمراد بالصور هاهنا الوجوه؛ والدليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة)).
وأما إطلاق لفظ الصورة على الوجه في كلام الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فقد رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث سالم بن عبدالله، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يكره العلم في الصورة، وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب الوجه.
وقد رواه البخاري في "صحيحه" والإسماعيلي بنحوه، وتقدم ذكره قريبًا.
وروى مسلم في "صحيحه" والبخاري في "الأدب المفرد" من حديث هلال بن يساف قال: كنا نبيع البز في دار سويد بن مقرن فخرجت جارية فقالت لرجل شيئًا فلطمها ذلك الرجل، فقال له سويد بن مقرن: لطمت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
وجهها! لقد رأيتُني سابع سبعة وما لنا إلا خادم فلطمها بعضنا فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتقها؛ هذا لفظ البخاري.
وفي رواية لمسلم فقال له سويد بن مقرن عجز عليك إلا حر وجهها، وفي رواية لهما عن محمد بن المنكدر قال: حدثني أبي شعبة العراقي، عن سويد بن مقرن، أن جارية له لطمها إنسان فقال له سويد: أما علمت أن الصورة محرمة؟ وذكر تمام الحديث بنحو رواية هلال بن يساف، والمراد بالصورة الوجه كما صرح به في الرواية الأولى، وأشار سويد رضي الله عنه بقوله: أما علمت أن الصورة محرمة؟ إلى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه))؛ رواه الإمام أحمد ومسلم في "صحيحه" والبخاري في "الأدب المفرد" وأبو داود وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وأما إطلاق لفظ الصورة على الوجه في كلام أهل اللغة فقال ابن الأثير في "النهاية" وتبعه ابن منظور في "لسان العرب": وفي حديث ابن مقرن: "أما علمت أن الصورة محرمة"، أراد بالصورة الوجه، وتحريمها المنع من الضرب واللطم على الوجه، ومنه لحديث كره أن تعلم الصورة؛ أي: يحمل في الوجه كي أوسمة.
وقال مرتضى الحسيني في "تاج العروس": والصورة الوجه، ثم ذكر ما ذكره ابن الأثير وابن منظور.
ومما ذكرنا يعلم أن تصوير الوجه حرام سواء كان مفردًا أو غير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
مفرد، وأن اتخاذ ما فيه صورة الوجه حرام إلا فيما يداس ويمتهن؛ كالبساط والوسادة ونحوهما، ويعلم أيضًا أنه يجب طمس صورته أينما وجدت عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تدع صورة إلا طمستها)).
الثامنة عشرة من فوائد الأحاديث التي تقدم ذكرها: إطلاق اسم الصنم على كل صورة سواء كانت مجسدة وغير مجسدة، وسواء كانت تامة أو ناقصة إذا كان فيها رأس.
التاسعة عشرة: أن صناعة التصوير من الكبائر.
العشرون: تكفير المصورين، والمراد به - والله أعلم - كفر دون كفر، إلا في ثلاث صور فإنه يكون كفرًا أكبر:
الأولى: أن يصنع الصور ليعبدها غيره، ومن عبادتها رجاء جلب النفع أو دفع الضر منها، ولقد ذُكِر لنا أن بعض السفهاء في بعض البلاد المجاورة كانوا يمشون في الأسواق بصورة أحد الفراعنة في زماننا يبيعونها وينادون عليها: مَن يشتري صورةً تحفظه في بيته بثمن قليل أو كلمة نحوها، وهذا هو الشرك الأكبر.
الثانية: مَن يستحل صناعتها مع اعتقاده للتحريم؛ لأن من استحل محرمًا فقد كفر.
الثالثة: مَن يصنعها قاصدًا بذلك مضاهاة الباري تبارك وتعالى والله سبحانه وتعالى أعلم.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)