قول الحنابلة:
قال الفتوحي في «الكوكب» (1) في تعريف «المندوب»:
«والمندوب شرعاً: ما أثيب فاعله - ولو قولاً وعملَ قلبٍ - ولم يعاقب تاركه مطلقاً.
ويُسَمَّى: سنَّةً، ومستحباً، وتطوُّعاَ، وطاعةً، ونفلاً، وقربةً، ومرغباً فيه، وإحساناً؛ وأعلاه: سنَّة، ثم فضيلة، ثم نافلة». اهـ.
وعرَّفه ابن بدران في «المدخل» (2) بتعريف الفتوحي السابق، وزاد:
«سواءُ تركه إلى بدلٍ، أو لا».
وهو: مرادف للسنة والمستحب.
فالسواك، والمبالغة في المضمضة، والاستنشاق، وتخليلُ الأصابع، ونحو هذا يقال له: مندوب، وسنَّة، ومستحب». اهـ.
وذكر الشيخ أبو طالب البصري في «الحاوي الكبير» (3) أن المندوب ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يعظم أجره، فيسمَّى سنةً.
والثاني: ما يقلُّ أجره، فيسمى: نافلةً.--------------------------------------------
(1) مع شرحه 1/ 402 - 403، ط أم القرى.
(2) ص: 152، ط الرسالة، تحقيق معالي الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن التركي.
(3) بواسطة نقل الفتوحي عنه في شرح الكواكب 1/ 404 - 405.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
والثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين، فيسمى: فضيلةً، ورغيبةً (1). اهـ.
وقال المرداوي في «التحرير» (2): «يسمى المندوب: سنَّةً ومستحباً». اهـ.
قول الشافعية:
قال البيضاوي في «المنهاج».
«والمندوب: ما يُحمد فاعله، ولا يذمُّ تاركه؛
ويسمى: سنَّةً، ونافلةً». اهـ.
وقال الرازي في «المحصول»:
«أما المندوب فهو: الذي يكون فعله راجحاً على تركه في نظر الشرع، ويكون تركه جائزاً».
وعدَّد الرازيُّ أسماءه، وفسَّر معانيها، فذكر منها:
«مُرَغّب فيه، ومستحب، ونفلٌ، وتطوُّع، وسنَّة، وإحسان».
قال: «ولفظ السنَّة مختص - في العرف - بالمندوب؛ بدليل أنه يقال هذا الفعل واجبٌ، أو سنَّة». اهـ (3).--------------------------------------------
(1) ذكر الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتابه (حجية السنة) ص: 67 أنه لم يعثر في كلام الحنابلة على تحديد لترتيبهم المندوب: سنَّة ثم فضيلة ثم نافلة.
(2) بواسطة نقل ابن بدران في شرح الروضة 1/ 113، ط 1 الملك عبد العزيز.
(3) المحصول 1 / ق 1/ 129 - 130، ثم ذكر بعد هذا خلاف بعضهم في إطلاق لفظ السنَّة وأنه لا يختص بالمندوب، بل هو عام في كل ما علم وجوبه أو ندبيته بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو بإدامة فعله … إلخ وهذا هو المعنى العام الذي سبق أن بيّناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
وفي «لطائف الإشارات»:
«ويُسَمَّى المندوبُ: السُّنَّة، والمستحبَّ، والتطوُّعَ ومثلها: الحَسَنُ والنَّفْلُ، والمرغبُ فيه.
فهذه الألفاظ مترادفةٌ عرفاً، خلافاً للقاضي حسين والبغوي والخوارزمي من أصحابنا نفيهم ترادفها، حيث قالوا:
السنَّة: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
والمستحب: ما فعله مرَّةَّ، أو مرتَّين.
والتطُّوع: ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد (1).
ولم يتعرَّضوا للمندوبِ لشموله الأقسام الثلاثة، فهو مرادفٌ لكلّ منها». اهـ (2).
قال السبكي في «جمع الجوامع»:
«والمندوب، والمستحب، والتطوع، والسنَّةُ: مترادفةٌ، خلافاً لبعض أصحابنا، وهو لفظيُّ». اهـ.--------------------------------------------
(1) أي الشرعية.
(2) لطائف الإشارات شرح نظم الورقات، للشيخ عبد الحميد بن محمد، ص: 11، ط الحلبي، عام 1369 هـ.
وينظر (المجموع) للنووي 4/ 2، ط 1 المنيرية و (مسائل ابن منقور) 1/ 92 - 93، ط 4، عام 1401 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
قال الجلالُ المحليُّ في شرحه (1):
«وهو» أي الخلاف «لفظيٌّ» أي عائداً إلى اللفظ، والتسمية.
إذْ حاصله: أن كلًّا من الأقسام الثلاثة كما يسمى باسمٍ من الأسماء الثلاثة - السنَّة والمستحب والتطوع كما ذُكرَ - هل يُسَمَّى بغيره منها؟
فقال البعض: لا، إذ السنَّة: الطريقة والعادة؛ والمستحب: المحبوب؛ والتطوع: الزيادة.
والأكثر: نعم، ويَصْدُقُ على كلّ من الأقسام الثلاثة أنه: طريقة وعادة في الدين، ومحبوب للشارع بطلبه، وزائد على الواجب». اهـ.
وقال الشَّرواني في حاشيته على «تحفة المحتاج» (2) بعد أن ذكر خلاف القاضي: «مع أنه لا خلاف في المعنى، فإن بعض المسنوناتِ أكد من بعضٍ قطعاً، وإنما الخلاف في الاسم نهاية ومعنى». اهـ.
قول المالكية:
قال القرافي في «شرح تنقيح الفصول» (3):
«والمندوب: ما رجع فعلُهُ على تركه شرعاً، من غير ذمٍّ». اهـ.
قال ابن رشد في «المقدمات» (4):--------------------------------------------
(1) 1/ 127 (بحاشية العطار)، ط 1 المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
(2) 2/ 219، تصوير: دار الفكر.
(3) ص: 71، ط مكتبة الكليات الأزهرية بمصر، ودار الفكر - بيروت.
(4) 1/ 64، دار الغرب الإسلامي، وينظر (نشر البنود على مراقي السعود) 1/ 38 - 40، وشرح الباجي على الموطأ 1/ 226، تصوير: دار الكتاب الإسلامي.
وقال في آخر المبحث: (وهذه كلها عبارات اصطلاح بين أهل الصنعة ولا خلاف في تأكد ركعتي الفجر …) إلخ.
وينظر أيضا (عارضة الأحوذي) لابن العربي 2/ 241.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
«والمستحب: ما كان في فعله ثوابٌ، لم يكن في تركه عقابٌ … وهو يَنْقَسِم على ثلاثة أقسامٍ:
سنن، ورغائبُ، ونوافل.
فالسننُ: ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، واقترن بأمره ما يدلُّ على أن مراده به: الندب: أو لم تقترن به قرينة على مذهب من يحمل الأوامر على الندب ما لم يقترن بها ما يدل أن المراد بها الوجوب.
أو ما داوم النبي صلى الله عليه وسلم على فعله بخلاف صفة النوافل.
والرَّغائب: ما داوم النبي صلى الله عليه وسلم على فعله بصفة النوافل، أو رغّب فيه بقوله: مَنْ فعل كذا فله كذا.
والنوافل: ما قرّر الشرع أن في فعله ثواباً، من غير أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم به، أو يُرَغِّب فيه، أو يداوم على فعله». اهـ.
قال التنوخي في شرحه لمتن الرسالة (1) على قول القيرواني: «وركعتا الفجر من الرغائب، وقيل من السنن»: وفائدة الخلاف تفاوت الثواب، فإن ثواب السنَّة أكثر من ثواب الرغيبة والنافلة … هذا في الفعل؛ وأما في الترك عمداً: فإن قلنا إنها سنَّة: جرى فيها الخلاف في تارك السنن عمداً: هل يأثم أم لا؟» اهـ.--------------------------------------------
(1) 2/ 337 - 338، ط 1 الحمالية بمصر، عام 1332 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
وبعد هذا العرض الموجز لهذه المذاهب نرى أنه لا خلاف بينها في الجملة، وإن اختلفت الألفاظ فإن المعنى واحدٌ.
ولذا قال السبكي في «الإبهاج» (1) على قول البيضاوي «ويسمى سنَّة ونافلة»:
«من أسمائه - أيضا - أنه مرغّب فيه، وتطوع، ومستحب، والترادف في هذه الأسماء عند أكثر الشافعية، وجمهور الأصوليين».
ثم ذكر خلاف القاضي حسين من الشافعية، وذكر كلام المالكية، ثم قال:
«وللحنفية اصطلاح آخر في الفرق بين السنَّة والمستحب». اهـ.
وقال صاحب كتاب (الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية» (2):
«يرى جمهور الأصوليين: أن كلمة «مندوب» ترادف في الاصطلاح: كلمة سنَّة، أو مستحب، أو نفل، أو تطوع.
وخالف في ذلك الحنفية، وفرَّقوا بين السنَّة والنفل، وجعلوا المندوب هو الذي يرادف النفل، كما جعلوا السنَّة أعلى منه مرتبة». اهـ.--------------------------------------------
(1) 1/ 57 - 58، ط الكليات الأزهرية، عام 1401 هـ.
وينظر فتاوى السبكي 1/ 159 - 160، فإنه مهم جداً.
(2) هو محمد البيانوني، ص: 163، ط دار القلم - دمشق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وهذا هو بيان اصطلاح الحنفية:
قال الكمال ابن الهمام في «التحرير» (1):
«السنَّة … في فقه الحنفية: ما واظب [صلى الله عليه وسلم] على فعله مع تركٍ مَّا بلا عذرٍ … وما لم يواظبْهُ: مندوبٌ ومستحبٌ وإن لم يفعله بعد ما رغب فيه». اهـ.
وهذا التعريف غير جامعٍ - على مذهب الحنفية - لأن الخطبة الثانية، والاعتكاف، والترتيب والموالاة في الوضوء، والمضمضة والاستنشاق، ونحوها سننٌ عندهم مع ثبوت المواظبة عليها من غير تركٍ، ولذا فإن شارحَ «مُسَلّم الثبوت» حذف جملة «مع تركٍ ما بلا عذرٍ» فكان التعريف جامعاً لجميع السنن في مذهبهم، لكنه يصير غير مانع: لشموله الفرضَ والواجب (2).
وقال في متن «مختصر المنار» (3) في مبحث تقسيم العزيمة إلى أربعة أنواع:
وسنة، وهي: الطريقة المسلوكة في الدين.
وحكمها: المطالبة بإقامتها من غير افتراضٍ ولا وجوب.
ونفلٌ: وهو: ما زاد على العبادات، وحكمه: إثابة فاعله، ولا معاقبة على تاركه، ويلزم بالشروع». اهـ.--------------------------------------------
(1) ص: 303، ط 1 الحلبي، عام 1351 هـ.
(2) شرح مسلم الثبوت ج 2/ 97 - 181، بواسطة (حجية السنة) ص: 55.
(3) ص: 14، تصوير مكتبة الشافعي بالرياض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
قال ابن نجيم في «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» (1):
«هي - أي السنَّة - اصطلاحاً: الطريقة المسلوكة في الدين، وكذا في «العناية» وفيه نظر؛ لشموله: الفرض والواجب.
فزاد في «الكشف» من غير افتراضٍ ولا وجوب.
وفيه نظر؛ لشموله: المستحب والمندوب.
والأولى أن يقال:
هي الطريقة المسلوكة في الدين، من غير لزومٍ، على سبيل المواظبة».
ثم أورد ابن نجيم بعض التعريفات، ونقضها، ثم قال:
«والذي يظهر للعبد الضعيف أن السنَّة: ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليه، لكن إن كانت لا مع الترك فهي دليل السنَّة المؤكدة، وإن كانت مع الترك أحياناً فهي دليل غير المؤكدة، وإن اقترنت بالإنكار على من لم يفعله فهي دليل الوجوب». اهـ. هذا وسيأتي حكم كلّ من السنَّة والمندوب، وتقسيمُ السنَّة عند الحنفية إن شاء الله في مبحث «حكم ترك السنن».--------------------------------------------
(1) 1/ 17، تصوير دار الكتاب الإسلامي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
مردّ الخلاف في الاصطلاحات السابقة
استعرضنا فيما مضى المصطلحات في السنَّة، وتبين لنا الاختلاف بينها.
«ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلافهم في الأغراض التي يعني بها كل فئة من أهل العلم».
فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام الهادي، الذي أخبر الله عنه أنه أسوةٌ لنا وقدوة؛ فنقلوا كلَّ ما يتصل به من سيرةٍ، وخلقٍ، وشمائل، وأخبارٍ، وأقوال، وأفعالٍ، سواءٌ أثبت ذلك حكماً شرعياً أم لا.
وعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله المشرِّع، الذي يضع قواعد للمجتهدين من بعده، ويبين للناسِ دستور الحياة، فَعُنُوا بأقواله، وأفعاله، وتقريراته التي تثبت الأحكام، وتقرِّرُها.
وعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا تخرج أفعاله عن الدلالة على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد، وجوباً أو حرمةً أو إباحة، أو غير ذلك» (1).--------------------------------------------
(1) السنُة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي، ص: 48 - 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
ونحن نريد بالسنَّة في بحثنا هذا ما عناه جمهور الفقهاء، وهي ما يطلق في مقابلة الواجب.
ومما يجدر التنبيه عليه أننا عندما نستدل بالأحاديث والآثار التي يرد فيها لفظ "السنَّة" فإنما نستدلّ بعمومها، لا أنها وضعت للدلالة على السنَّة بالمعنى الاصطلاحي الفقهيّ.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
فصلٌ
في الحث على التمسك بالسنَّة
"السنَةُ هي الجُنَّةُ الحَصِيْنَةُ لِمَنْ تَدَرَّعها، والشِّرْعة المَعِيْنَةُ لمن تَشَرَّعها، دِرْعُهَا صَافٍ، وَظِلُّها ضافٍ، وبيانها وافٍ، وبرهانُهَا شافٍ.
وهي الكافلة بالاستقامةِ، والكافية في السلامة، والسُّلَّمُ إلى درجاتِ المقامة، والوسيلة إلى الموافاةِ بصنوف الكرامة.
حافِظُهَا محفوظٌ، وملاحِظُها مَلْحُوْظٌ، والمقتدي بها على صراط مستقيم، والمهتدي بمعالمها صائرٌ إلى مَحَلِّ النَّعيْمِ المقيم" (1).
ولقد توافرت النصوص الشرعية وأقوال الصحابة والتابعين المرضية على الترغيب فيها، والحث على التمسك بها.
فمن الكتاب قوله تعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.--------------------------------------------
(1) من كتاب "ضوابط الأحاديث" للشيخ يحيى المَغْربي، مخطوط في إصطنبول، في مكتبة لا لَهْ لي/ برقم 622، والنقل عنه بواسطة محقق كتاب "تحفة الأخيار" تأليف: اللكْنَوِيْ. ط مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وقوله:
{قُلْ إِن كُنتُمْ تحِبُّونَ اَللهَ فَاَتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واَللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
وقوله تعالى:
{وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ}.
وقوله:
{وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.
وقد تقدَّم الكلام على هذه الآيات، وستأتي الإشارة إليها أيضاً.
* * *
ومن السنَّة ما رواه الإمام مسلم في «صحيحه» (1) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيشٍ، يقول: صبّحكم ومساكم … ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتابُ الله، وخير الهُدى هُدَى محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة».
وفي «المسند» عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب؛
قلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مُوَدِّعٍ، فما تَعْهَدُ إلينا؟
قال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي--------------------------------------------
(1) كتاب الجمعة 2/ 592، ط 1، محمد فؤاد عبد الباقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
إلا هالك؛ ومن يعشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين …» الحديث.
وفي لفظ له - أيضا - عنه رضي الله عنه، قال:
صلَّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب؛ قلنا: يا رسول الله! كأن هذه موعظةُ مودِّع؛ فأوصنا.
قال:
«أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه مَنْ يعش منكم يرى بعدي اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجِذِ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعةٌ، وإن كل بدعة ضلالة» (1).
* * *
وفي سنن ابن ماجه (1/ 4)، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:
خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: «الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبنَّ عليكم الدنيا صبًّا، حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغةً إلا هيه؛--------------------------------------------
(1) رواه أصحاب السنن إلا النسائي، قال الترمذي (5/ 45): حديث حسن صحيح، وقال الحاكم أبو عبد الله (1/ 96 - المستدرك): حديث صحيح ليس له علة، واقره الذهبي. وصححه شيخ الإسلام في (الاقتضاء) 2/ 579، وقال الحافظ ابن كثير في (تحفة الطالب) ص: 163: صححه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، والدغولي، وقال شيخ الإسلام الأنصاري: هو أجود حديث في أهل الشام، وأحسنه. اهـ. وصححه الضياء في (اتباع السنن واجتناب البدع) ص: 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وأيمُ الله! لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (1).
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: «لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحركُ طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً».
رواه أحمد، والطبراني وزاد:
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بقي شيءٌ يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّنَ لكم» (2).
* * *
وأما أقول الصحابة، والتابعين، والعلماء في الحث على السنَّة فكثيرةٌ جداً؛ منها:--------------------------------------------
(1) إسناده حسن.
(2) قال الهيثمي بعد ما ذكر هذا السياق: ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم، اهـ. انظر المسند 5/ 153.
وقد روى الطبراني - أيضاً - الموقوف منه، عن أبي الدرداء، وقال الهيثمي (8/ 264): ورجاله رجال الصحيح.
وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (3/ 1473) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
ما رواه الدارمي في سننه «1/ 44»، في باب «اتباع السنَّة» عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال:
«كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنَّة نجاة».
«وروى المروزي في كتاب السنَّة «ص: 29» عن هشام بن عروة، عن أبيه رحمه الله قال:
«السُّنَنَ السُّنَنَ؛ فإن السُّنَنَ قِوَامُ الدين».
وأخرج أبو نعيم في الحلية «6/ 142» عن الأوزاعي أنه قال:
«كان يقال: خمسٌ كان عليه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان.
لزوم الجماعة، واتباع السنَّة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله».
وأخرج البيهقي (1) من طريق مالك أن رجاءً حدَّثه «أن عبد الله بن عمر كان يتبع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثاره، وحاله، ويهتمّ به حق كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك».
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال:
«فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبَّع الدُّبَّاءَ من حوالي الصَّحْفَة، فلم أزل أحبّ الدباءَ من ذلك اليوم».--------------------------------------------
(1) كما في مفتاح الجنة للسيوطي (ص: 62)، وقد أخرج نحوه أبو نعيم في الحلية (1/ 310).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
وقد بوَّب النووي على هذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم، فقال: باب جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين .. اهـ.
* * *
وأخرج الدارمي في سننه «1/ 44» عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن الديلمي قال:
«بلغني أن أول ذهاب الدين ترك السنن، يذهب الدينُ سنَّةً سنَّةً، كما يذهب الحبل قوةً قوةً».
وأخرج المروزي في السنَّة «ص: 28» عن عبد الله بن عون أنه قال: «ثلاث أرضاها لنفسي ولإخواني:
أن ينظر هذا الرجل المسلم القرآنَ، فيتعلمه، ويقرأه، ويتدبره، وينظر فيه.
والثانية: أن ينظر ذاك الأثرَ والسنَّةَ؛ فيسأل عنه، ويتَّبِعَهُ جُهْدَه.
والثالثة: أن يدع الناس إلا من خير».
وأخرج اللالكائي في شرح اعتقاد أهل الحديث «1/ 65»، عن الفضيل بن عياض، أنه قال: «إن لله عباداً يحيي بهم البلادَ، وهم أصحاب السنَّة».
* * *
وأخرج أبو نعيم في الحلية «10/ 302»، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء أنه قال:
«من ألزم نفسه آداب السنَّة: غمر الله قلبه بنور المعرفة؛ ولا مقام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
أشرف من متابعة الحبيب في: أوامره، وأفعاله، وأخلاقه، بآدابه؛ قولاً، وفعلاً، ونية، وعقداً».
وفيها أيضاً «10/ 257»، عن الجنيد أنه قال:
«الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول؟؟؟؟؟ سنته ولزم طريقته، فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه».
وفيها أيضاً «10/ 190»، عن أبي محمد سهل بن عبد الله التُّستري، أنه قال: «أصولنا ستة أشياء:
التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق».
وقال: «على هذا الخَلْقِ مِنَ اللهِ: أن يلزموا أنفسهم سبعة أشياء:
فأولها: الأمر والنهي - وهو الفرض -، ثم السنَّة، ثم الأدب، ثم الترهيب، ثم الترغيب، ثم السَّعة.
فمن لم يلزم نفسه هذه السبعة، ولم يعمل بها لم يكمل إيمانه، ولم يتمَّ عقله، ولم يتهنَّأ بحياته، ولم يجد لذة طاعة ربه».
وجاء في «الشفاء» للقاضي عياض «2/ 558» عنه رحمه الله أنه قال:
«أصول مذهبنا ثلاثةٌ:
الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال.
والأكل من الحلال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وإخلاص النية في جميع الأعمال».
هذا طرفٌ مما جاء في هذا الأصل العظيم من أصول الدين، وهو اتباع السُّنَّةِ والعمل بها، وهو «بابٌ يطول تتبعه جداً» (1).
فليكن ما مرَّ حافزاً للمسلمِ على التعلق بأهداب السُّنَّةِ، ومراعاة تطبيقها في كلِّ شأنٍ من شؤونه، فعلى قدر محبته للرسول صلى الله عليه وسلم تكون متابعته؛ فليقلَّ أو ليستكثر.
* * *--------------------------------------------
(1) ابن القيم (مدارج السالكين) 3/ 122، في سياق كلام الشيوخ عن الأخذ بالسنة والشاطبي في (الاعتصام) 1/ 131، ط دار ابن عفان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
فوائد العمل بالسنَّة
ومتى حافظ المسلمُ على السُّنَّةِ محافظته على الطعام والشراب الذي به قوام البدن أو أشدَّ: غمرته الفوائد الدينية والدنيوية، كما قال ابن قدامة رحمه الله:
«وفي اتباع السنَّة: بركةُ موافقة الشرع، ورضى الربِّ سبحانه وتعالى ورفع الدرجات، وراحة القلب، وَدَعَةٌ البَدَنِ، وترغيمُ الشيطان، وسلوكُ الصراط المستقيم». اهـ (1).
وقد قال ابنُ حبَّان - رحمه الله تعالى - في مقدَّمة صحيحه:
وإِنَّ في لزوم سُنَّتِه: تمامَ السلامة، وَجِمَاعَ الكرامةِ، لا تطفأْ سُرُجُها، ولا تُدْحضُ حججُها، من لزمَهَا عُصِم، ومن خالفها نَدِمَ، إذْ هي الحصنُ الحصين، والركنُ الركين، الذي بان فضْلُه، ومَتُنَ حبْلُهُ، ومن تَمَسَّكَ به ساد، ومن رام خلافه باد.
فالمتعلِّقون به أهل السعادةِ في الأجل، والمغبوطونَ بين الأنام في العاجل. اهـ (2).
وقال الغزالي - في كلامٍ له متين بهذا الصدد -:--------------------------------------------
(1) ذم الموسوسين، لابن قدامة، ص: 41، ط الفاروق الحديثة - مصر.
(2) (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 1/ 102، ط الرسالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
«اعلم أن مفتاح السعادة: في اتباع السنَّة والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مصادره وموارده، وحركاته وسكناته؛ حتى في هيئة أكله وقيامه، ونومه وكلامه.
لستُ أقول ذلك في آدابه في العبادات فقط، لأنه لا وجه لإِهمالِ السنن الواردة في غيرها، بل ذلك في جميع أمور العادات: فَبِهِ الاتباع المطلق، كما قال تعالى:
{قُلْ إِن كُنتُمْ تحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.
وقال تعالى:
{وَمَآءَاتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ …}.
فهل - بعد ذلك يليق بعاقلٍ أن يتساهل في امتثال السنَّة، فيقول: هذا من قبيل العادات فلا معنى للاتباع فيه؟! فإن ذلك يغلق عنه باباً عظيماً من أبواب السعادة». اهـ (1).
وهذا الذي قاله أبو حامدٍ هو دأب السلف رضي الله عنهم كما قال القاضي عياض في «الشفا» (2).
«… وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس؛ وقد قال أنس حين رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يتتبع الدُّبَّاء من حوالي القصعة: فما زلت أحب الدُّباء من يومئذٍ.--------------------------------------------
(1) بواسطة نقل الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتابه (حجية السنة) ص: 80 - 81.
(2) 2/ 575.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)