رسول الله صلى الله عليه وسلم مما تَسَاهَل الناس بتركِ العمل به، من الأمور التي يثاب الإنسان على فعلها، ولا يعاقب على تركها - إذا أَخْبَرَ بها مُخْبِرٌ أنها سُنَّةٌ مهجورة غير معمولٍ بها: أن المخبر بذلك مشوشٌ على الناسِ إذا عَمِلَ به … لانْسدَّ باب العلم، وأُميتت السُّنَن؛ وفي ذلك من المفاسِدِ ما لا يحصيه إلا الله». اهـ.
ولقد صدق رحمه الله فأي مفسدةٍ أعظم على أهل الإسلام والسنَّةِ من موتِ سُنَّةٍ كانت من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى لا تعلم الأجيال بها، ولو فعلتْ عندهم لأنكروها.
وقد روى الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1) أن عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى رَبِيْعَةَ، قال: فتذاكروا يوماً السُّنَن، فقال رجلٍ كان في المجلس: ليس العَمَلُ على هذا.
فقال عبد الله: أرأيت إن كَثُرَ الجُهَّال حتى يكونوا هم الحكام أَفَهُم الحجَّة على السنُّةِ؟!
فقال ربيعةُ: أشهد أنَّ هذا كلامُ أبناء الأنبياء. اهـ.
وما موت السنَّة إلا علامةُ ظهور البدع وفشوّها، كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «ما يأتي على الناس من عامٍ إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنَّة، حتى تحيا البدعُ وتموت السنن».
رواه ابن وضاح في «البدع والنهي عنها» (2).--------------------------------------------
(1) 1/ 146.
(2) ص: 38 - 39، وأخرجه الطبراني في الكبير (10610)، وقال الهيثمي (1/ 188) رجاله موثقون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
وترك السنن يفضي إلى عدم معرفتها، كما هو مشاهدٌ، وقد قال شيخ الإسلام:
«يجوز ترك المستحب من غير أن يجوز اعتقاد تركِ استحبابه؛ ومعرفة استحبابه فرضٌ على الكفاية؛ لئلا يضيع شيءٌ من الدين». اهـ (1).
ورحم الله ابنَ القيم إذْ يقول:
«ولو تركتِ السُّنَنُ لِلعَمَلِ لتعطَّلَت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودرسَتُ رسومها وعفتْ آثارها.
وكم من عملٍ قد اطرد بخلاف السنَّة الصريحة على تقادم الزمان، وإلى الآن.
وكل وقتٍ تتركُ سنَّة، ويعمل بخلافها، ويستمرُّ عليها العمل، فتجد يسيراً من السنَّة معمولاً به على نوع تقصير.
وخُذُ ما شاء الله من سُنَنٍ قد أُهملتْ، وعُطِّلَ العَمَلُ بها جملة فلو عمل بها مَنْ يعرفها لقال الناس: تركتِ السنَّة …» اهـ (2).
فاللَّه الله يا أَمَّة الإسلام في سنن رسولكم صلى الله عليه وسلم، مَنْ لها سواكم؟ أحيوها جُهْدَكُمْ، وأرشدوا الناسَ إلى العَمَل بها، فهي عنوان المحبّةِ الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلامة المتابعة الصادقة له صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 4/ 436.
(2) إعلام الموقعين 2/ 395، ط الكليات الأزهرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شنآن المتعصبين، ولا تهويل المبطلين، ولا حيصة الَعوَامِّ المفْتونين، فإنَ السنَّة اليومَ غريبةٌ، معاولُ الهدمِ تخدشها من كلِّ جانب، فهي اليوم في أشدِّ الحاجة إلى أبنائها المخلصين، الذين يتحملون في سبيلها المشاق، ويؤثرونها على حظوظ أنفسهم، قائدهم في ذلك الرِّفقُ واللين، والمجادلة بالتي هي أحسن، وسيكون التوفيق حليفهم، والعاقبة الحسنى لهم، متى ما أخلصوا النيَّة لله عز وجل، واحتسبوا منه وحده الثواب على هذا العَمَلِ الجسيم.
وما أحوجنا هنا أن نُذَكَّرهم بتلك التجربة التي جرتْ على يَدِ الإمام الشاطبي رحمه الله عندما عقد العزم على إحياء السنَّة والتجرُّدِ لها وإن خالفها الناس، فتعرض بسببِ ذلك لمقتِ الناس، وإزرائِهم به، واتِّهامِهِ بكلَّ سوء ولكنَّ العاقبة للمتقين:
{وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن ينَصُرُهُ إِنَ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
قال الشاطبي في «الاعتصام» (1):
«… فتردَّد النظر بين أن أتبعَ السنَّة على شرط مخالفةِ ما اعتاد الناس؛ فلا بُدَّ من حصولِ نحوٍ مما حصل لمخالفي العوائد - لا سيما إذا ادعى أهلُها أن ما هم عليه هو السنَّة لا سواها - إلا أن في ذلك العِبْءِ الثَّقِيْلِ ما فيه من الأجر الجزيل. وَبَيْنَ أن أتّبعهم على شرط مخالفةِ السنَّة والسلف الصالح، فأدخلُ تحت ترجمة الضُّلالِ - عائذاً--------------------------------------------
(1) 1/ 34 - 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
بالله من ذلك - إلا أني أُوافق المعتادَ، وأُعَدُّ من المؤالفين لا من المخالفين.
فرأيتُ أن الهلاكَ في اتباع السنَّةِ هو النجاة، وأنّ الناس لن يغنوا عني من الله شيئاً …». اهـ.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
القاعدة الثانية:
تُبيَّن السُنَّةُ ولا يخاصم عليها
والمقصود بالمخاصمةِ الجَدَلُ المورث للضغائن، ولاشَكَّ أن هذا الجدلَ عقابٌ من الله تعالى، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه: «ما ضلَّ قومٌ بعد ...... ى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» رواه أحمد وغيره عن أبي أمامة، وقد كثرت عبارات الأئمة في التحذير من الجدلِ وبيانِ آفاته، حتى قال الإمام مالك رحمه الله: «الجدال في الدين ينشِّىءُ المِراءَ، ويذهب بنور العلم من القلب، ويُقَسِّي، ويورث الضَّغْنَ» (1).
فعلى طالب الهدى أن يبيِّن للناسِ السُّنَّةَ، ويقيم عليها الحجج، ويتخذ في سبيل ذلك: أسلوب الإقناع، فإن لم يقبل منه «فما على الرسول إلا البلاغ المبين».
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: «أخبر بالسُّنَّةِ، ولا تخاصم عليها» (2).
وقال الهيثم بن جميل، قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله،--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء 8/ 106، ونحوه عن الشافعي، كما في السير (10/ 28).
(2) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/ 236، ط الشيخ محمد حامد الفقي، وينظر كلام الشيخ سليمان بن سمحان في (تحقيق الكلام) ص: 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
الرجل يكون عالماً بالسُّنَّة؛ أيجادل عنها؟ قال: «لا، ولكن يخبر بالسنَّة، فإن قبلتْ منه وإلا سكت». اهـ (1).
وهذا كلُّه في المخاصمة المذمومة، التي تنشأ عنها المفاسِدُ، حتى تتلاشى المصلحة في جنبها.
أما المجادلة بالتي هي أحسن، وهي: ما كان الحق فيها هدفاً للطرفين، ولم تشتمل على ما يخرجها عن هذا المقصد: فَنِعِمَّا هي، تُبِيْنَ الحقَّ، وتهدي السبيل، وترشد إلى مواطن الصواب (2).
وإذا حصلتِ المناظرة فحذار أن تكون سبباً للشقاق والنزاع، والعداوة بين الإخوان، وقلَّ أن تخلو مناظرة من هذا، نسأل الله العافية والسلامة.
قال يونس الصَّفدي: «ما رأيتُ أعقلَ من الشافعيّ، ناظرتُهُ يوماً في مسألةٍ ثم افترقنا، ولقيني فأخَذَ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإنْ لم نَتَّفِق في مسألةٍ؟».
قال الذهبي تعليقاً على هذه الحادثة:
«قلتُ: هذا يدلُّ على كمال عقلِ هذا الإمام، وفقهِ نَفْسِهِ، فما زال النُّظَراءُ يختلفون». اهـ (3).--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم وفضله 2/ 94.
(2) وانظر لآداب المناظرة كتاب الخطيب البغدادي (الفقيه والمتفقه)، ص: 222، ط الامتياز.
(3) سير أعلام النبلاء 10/ 16 - 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
وأخرج ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (1):
«عن العباس بن عبد العظيم العنبري: قال: كنت عند أحمد بن حنبل، وجاءه علي بن المديني راكباً على دابة؛ قال: فتناظرا في الشهادة، وارتفعت أصواتهما، حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة، وعليُّ يأبى ويدفعُ؛ فلمّا أراد عليُّ الانصراف: قام أحمد، فأخذ بركابِهِ». اهـ.
قال شيخ الإسلام:
«وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله:
{فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ …} الآية.
وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورةٍ ومناصحةٍ، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وإخوة الدين.
نعم: من خالف الكتاب المستبين، والسنَّة المستفيضة، وما أجمع عليه سلف الأمة خلافاً لا يعذر فيه: فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع». اهـ (2).
وقد نعى شيخ الإسلام رحمه الله على أولئك الذين يتعصبون لما يرونه من السنن الاجتهادية ويعادون مَنْ خالفهم فيها، فقال:--------------------------------------------
(1) 2/ 107، ط المنيرية.
(2) مجموع الفتاوى 24/ 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
«وأما التعصُّب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنه؛ إذ الداعي لذلك هو ترجيحُ الشعائِر المفترقةِ بين الأمة، وإلا فهذه المسائل من أخفّ مسائل الخلاف جداً، لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة». اهـ (1).
* * *--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 22/ 405.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
القاعدة الثالثة:
الموازنة بين المصالح والمفاسد
القاعدة الشرعية؛ أنه «إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما».
ونظيرها: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح».
فإذا تعارضت مفسدةٌ ومصلحةٌ قُدِّمَ دفع المفسدة غالباً «إلَاّ أن تكون المفسدةُ مغلوبةً» لأن اعتناء الشارع بالمنهياتِ أشدُّ من اعتنائه بالمأمورات (1).
وأدلة هذه القاعدة في الشريعة كثيرة.
منها ما اتفق عليه الشيخان - واللفظ لمسلم - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجَدْرِ؟ أَمِنَ البيت هو؟ قال: «نعم»، قلتُ: فلم لم يُدْخلوهُ في البيت؟ قال: «إن قومكِ قَصَّرَتْ بهمُ النفقة»، قلتُ: فما شأنُ بابِهِ مرتفعاً؟ قال: «فَعَلَ ذلك قومُكِ ليُدخْلوا من شاؤُوا، ويمنعوا من شاؤوا؛ ولولا أنَّ قومك حديثٌ عهدُهُمْ في الجاهليَّةِ فأخاف أن تنكِرَ قلوبُهُمْ: لنظرتُ أن أُدخل الجَدْرَ في البيت،--------------------------------------------
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: 87)، ط الحلبي، 1378 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
وأن أُلزق بابَهُ بالأرض» (1).
وقد بوَّب البخاري على حديث عائشة، فقال:
«باب ترك بعض الاختيار مخافةً أن يَقْصُرَ فهم بعضِ الناس عنه فيقعوا في أشدَّ منه». اهـ.
قال الحافظ في «الفتح»: «ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة». اهـ.
قال شيخ الإسلام في مَعْرِضِ ذكر بعض المستحبات:
«ويسْتَحَبُّ للرجل أن يَقصِدَ إلى تأليف القلوب بتركِ هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليفِ في الدينِ أعظمُ من مصلحة فعل مثل هذا.
كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تَغْيِيرَ بناءِ البيت لِمَا في إبقائهِ من تأليفِ القلوب، وكما أنكر ابنُ مسعودٍ على عثمانَ إتمامَ الصلاة في السَّفر، ثم صَلّى خَلْفَهُ مُتمًّا، وقال: الخلافُ شَرٌّ». اهـ (2).
وقال رحمه الله في موضعٍ آخر:
«فالعمل الواحد يكون فعله مستحباً تارة، وتركه تارة، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه، بحسب الأدلة الشرعية.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في العلم (1/ 224) وفي الحج، وفي الأنبياء، وفي التفسير، وفي التمني، ومسلم (2/ 968 - 973) من كتاب الحج.
(2) (1/ 224).
مجموع الفتاوى 22/ 407.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فسادٌ راجحٌ على مصلحته، كما تركَ النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم … فتركَ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح، وهو: حِدْثَانُ عهدِ قريش بالإسلام، لما في ذلك من التنفير لهم، فكانت المفسدة راجحة على المصلحة.
ولذلك استحب الأئمةُ: أحمد وغيرُه: أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين، مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل بأن يُسَلِّم في الشفعِ ثم يصلي ركعةَ الوترِ، وهو يؤمُّ قوماً لا يرون إلا وَصْلَ الوتر، فإذا لم يمكنْهُ أن يتقدَّمَ إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقتِهِ لهم بوصلِ الوترِ أرجح من مصلحة فَصْلِهِ مع كراهتهم للصلاة خَلْفَهُ.
وكذلك لو كان ممن يرى المخافتَةَ بالبَسْمَلَةِ أفضلَ أو الجهرَ بها، وكان المأمومون على خلاف رأيه، ففعل المفضول عنده لمصلحةِ الموافقةِ والتأليف التي هي راجحةٌ على مصلحة تلك الفضيلة كان جائزاً حسناً». اهـ (1).
وكل ما قَرَّرْتُهُ تحت هذه القاعدة، لا ينفي ما سبق بيانُه من العناية بالسنَّة، والحرص عليها.
فإن هذه القاعدة إنما سيقت لأمرٍ عارضٍ، لا أن تُقْتَلَ السنَّةُ، وتدفَنَ من أَجْلِهَا.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 24/ 195 - 196.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
فإذا ما تَمَسَّكَ بها من يرى أن السنَّة عائقٌ من عوائِق تصحيح المسار - باعتبار أنها جالبةٌ للخلاف والنزاع - فإننا نردُّ عليه: بأنَّ تركَ السنَّةِ بالكلِّيةِ مفسدةٌ عظيمةٌ، بها يَضِيْعُ شيءٌ من شرع الله تعالى، وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
«يجيء قومٌ يتركون من السنَّة مثل هذا - يعني مِفْصَل الإصبع - فإن تركتموهم جاءوا بالطامة الكبرى، وإنه لم يكن أهلُ كتابٍ قطُّ إلَاّ كان أول ما يتركون السنة، وإن آخر ما يتركون الصلاةَ، ولولا أنهم يَسْتَحْيُوْنَ لتركوا الصلاة».
رواه اللالكائي في «شرح اعتقاد أهل الحديث» 1/ 91.
إذاً فالمفهوم الصحيح للقاعدة: أنه إذا ترتب على إظهار سنَّة من السنُّنِ مفسدةٌ راجحة على مصلحةِ إظهار السنَّةِ، فَيُكَفُّ عن السُّنَّةِ في هذا الموطنِ، مع مراعاة ما يلي:
أولاً: وجوب المناصحة، والتذكيرِ بعظم السنَّةِ، وكبير مكانها.
ثانياً: ألا تتركَ السنَّة إلى الأَبد.
ثالثاً: إذا عُلِمَ من حالِ المشوِّشِ على إقامةِ السنَّة، أنه إنما دفعها رغبةً عنها، إما تعصباً لمذهب، أو اتباعاً لمنهجٍ، فإِنَّ السنة تقام - وإن رَغِمَ أَنْفُه وأنفُ ألفٍ مثله - لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال:
«… ومن رغب عن سنَّتي فليس مني».
والمصلحة الكبرى التي كُنَّا نريد إبقاءها، إنما هي: المودَّة بين أهل السنَّة، وتلافي وقوع البغضاء والعداوة بينهم، فلما كان هذا الرجل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
أو هذه الجماعة راغبين عن السنَّة، سقطت مودَّتهم، ووجب هجرهم وكراهتهم في الله تعالى.
وهذا بخلاف من كان جاهلا - ككثير من العامة - فإنَّ تِرْكَ السنَّةِ درءاً لجهله على القائم بها، أو الوقوع في شيءٍ من محظورات الألفاظ، أمرٌ مطلوب، حتى يُعَلَّم برفق ويستعان عليهِ بمن يَثقُ به من أهل العلم، فإن أصرَّ بعد ذلك؛ فألحقه بإخوانه السابقين، أهل البدع.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
القاعدة الرابعة:
هل في المسائل الاجتهادية إنكارٌ؟
الكلام على مثل هذه القضية يحتاج إلى مؤلَّفٍ مستقلٍّ، إلَاّ أننا هنا نختصر قدر ما يحصلُ به البيان، فنقول:
يخطئ كثير من الناسِ حينما يعتقدون أنَّ مسائِلَ الخلافِ هي مسائل الاجتهاد، ولذا وقعوا في مزلقٍ خطيرٍ حيث قالوا:
«إن مسائل الخلافِ لا إنكار فيها».
وهذا باطل من القولِ، يلزم عليه من اللوازم الفاسدة ما يعطِّلُ جملةٍ كبيرةً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد أجاد العلامة ابن القيم رحمه الله في ردِّ هذه المقولةِ في كتابه «إعلام الموقعين» (1) حيث قال:
وقولهم: «إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها» ليس بصحيح، فإن الإنكار إمَّا أن يتوجَّه إلى القولِ والفتوى، أو العمل:
أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنةً، أو إجماعاً شائعاً: وَجَبَ--------------------------------------------
(1) 3/ 288، وقد نقل العلامة ابنُ مفلح هذا الكلام في كتابه (الآداب الشرعية) 1/ 189 منسوباً إلى شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (إبطال الحيل)، وعنه السفاريني في كتابه (غذاء الألباب شرح منظومة الآداب) 1/ 219.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
إنكارُه اتفاقاً، إن لم يكن كذلك فإنَّ بيان ضعفه ومخالفتِهِ للدليل إنكار مثله.
وأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة، أو إجماعٍ: وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار.
وكيف يقول فقيهٌ: لا إنكار في المسائل المختلفِ فيها، والفقهاءُ في سائر الطوائف قد صرَّحوا بنقض حكم الحاكمِ إذا خالفَ كتاباً أو سنَّة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماءِ؟
وأمَّا إذا لم يكن في المسألة سنةٌ ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغٌ: لم تنكرْ على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائِل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم.
والصواب ما عليه الأئمة: أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العَمَل به وجوباً ظاهراً مثل حديثٍ صحيح لا معارض له جنسه فَيَسُوْغُ فيها - إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العَمَلُ به - الاجْتِهَادُ: لتعارض الأدلَّة، أو لخفاء الأدلة فيها.
وليس في قول العالم: «إنَّ هذه المسائل قطعية أو يقينية ولا يسوغ فيها الاجتهاد»، طعن على مَنْ خالفها، ولا نسبة له إلى تعمُّد خلال الصواب.
والمسائل التي اختَلَفَ فيها السلفُ والخلفُ وقد تيقنّا صحةَ أحدِ القولين فيها كثير:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة … إلى أضعافِ أضعافِ ذلك من المسائل.
ولهذا صرَّح الأئمة: بنقض حُكمَ مَنْ حَكَمَ بخلافِ كثيرٍ من هذه المسائل، مِنْ غيرِ طعنٍ منهم على من قال بها.
وعلى كلِّ حالٍ: فلا عذر عند الله يوم القيامة لمنْ بَلَغَهُ ما في المسألةِ من هذا البابِ وغيرِه من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نَبَذَها وراء ظهرِه، وقلَّدَ من نهاهُ عن تقليده، وقال له: لا يحل لك أن تقول بقولي إذا خالف السنة …». اهـ كلامه رحمه الله وهو في غاية الوضوح والإتقان.
وإنَّ من المعلومِ عند أهل العلم: أن المسائل الشرعية قسمان:
قسمٌ مجمعٌ عليه.
وآخر مختلفٌ فيه:
والمختلفُ فيه درجاتٌ، فمنه ما يعود الخلاف فيه إلى اللفظ، ومنه ما يكونُ أحدُ جانبي الخلافِ فيه واضحَ الضَّعفِ والسقوطِ: فلا ريب هنا أنه يجب إنكار القول الضعيف ونقض حكمِ مَنْ حَكَمَ به من القضاة.
ومن مسائل الخلاف: تلك المسائل التي تتقارب فيها المدارك وتتكافأ فيها الأدلة، ويكون الحكمُ موكولاً إلى الاستنباطِ من النصِّ الشرعي، وهذا هو المعروف بالمسائل «الاجتهادية» والحكمُ فيها:
أ - التناصح بين المختلفين، ويكون بالمناقشات العلمية المثمرةِ للصواب، وبيان وجهَةِ وحجَّةِ كلِّ قولٍ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
ب - إذا لم يَقْنَع أحدُ الجانبين بحجَّة الآخر وجهتِهِ، فلا يكون ذلك داعياً إلى التغليظ والإنكار والفرقة.
ج - إذا كان عدم الاقتناع مبنياً على غيرِ حجَّةٍ، كأن يكون لتعصب مذهبي، أو هوى، أو نحو ذلك، فيغلّظ وينكر على صاحبِهِ، إذ العِبْرة في المخالفة بالحُجَّة، لا بسواها.
ومن أمثلة هذه المسائل الاجتهادية ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى في أصحابه يوم انْصَرَفَ عن الأحزاب: أنْ لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ الظهرَ إلَاّ في بني قريظة، فتخَّوفَ ناسٌ فوتَ الوقتِ فَصَلُّوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنْ فاتنا الوقتُ.
قال: فما عنَّفَ - أي النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من الفريقين.
هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري «العصر» بَدَلَ «الظهر» (1).
ففي هذا الحديث نرى اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في فهم النصِّ الذي سمعُوه من النبي صلى الله عليه وسلم، فاكتفى كلُّ فريقٍ بذكر مستنده في توجيه النصِّ ودلالته، فلما لم يقنعْ كلُّ واحدٍ من الفريقين بفهم صاحبه عمل كلُّ واحدٍ منهما بما تبيَّن أنه الحقُّ عنده.
ولم يحصل لومٌ ولا تعنيف من بعضهم لبعضٍ، ولا من صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم لهم.
وهذا له نظائر كثيرة - في المسائل الاجتهادية - في سير الصحابة وتابعيهم يطول حصرها.--------------------------------------------
(1) البخاري (7/ 407 - فتح) ومسلم (12/ 97 - نووي).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
وفي مثل هذه المسائل يقول سفيان الثوري رحمه الله:
«إذا رأيت الرجل يَعْمَلُ العَمَلَ الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تَنْهَهُ» (1). اهـ.
ويقول يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله:
«ما بَرِحَ أُلو الفتوى يفتونَ، فيحلُّ هذا، ويحرِّم هذا، فلا يرى المحرِّم أنَّ المُحِلَّ هَلَكَ لتحلِيْلِهِ، ولا يرى المُحِلُّ أن المُحَرِّمَ هَلَكَ لتحريمه» (2).اهـ.
وجاء في «كشف الخفا» (3): أن الخطيب أخرج في «رواة مالك» عن إسماعيل بن أبي المجالد، قال: قال هارون الرشيد لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله نكتب هذه الكتب - يعني مؤلفات الإمام مالك - ونفرِّقها في آفاق الإسلام لنَحْملَ عليها الأمة؟
قال: يا أمير المؤمنين! إنَّ اختلاف العلماءِ رحمةٌ من اللهِ تعالى على هذه الأمَّةِ، كلٌّ يَتَّبعُ ما صحَّ عنده، وكلٌّ على هدى، وكلٌّ يريد الله تعالى. اهـ.
وهذه الكلمات وأمثالها محمولةٌ على المسائل الاجتهادية، لأن واقع مَنْ قالها، وغيرِه من السلفِ: الإنكار على مَنْ أخطأ في الفتوى--------------------------------------------
(1) الفقيه والمتفقه للخطيب 2/ 69 تحقيق إسماعيل الأنصاري.
(2) جامع بيان العلم وفضلة لابن البر 2/ 80، والبيهقي في (المدخل) كما في (المقاصد الحسنة) ص: 27، ط الخانجي والمثنى.
(3) 1/ 67 - 68 على حديث (اختلاف أمتي رحمة).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
والأحكام، إلا ما كان من المسائل الاجتهاديَّة فيقْتصر على المناقشاتِ والمناصحة.
قال ابن القيم رحمه الله:
«… بل عند فقهاء الحديث: أنَّ مَنْ شَرِبَ النبيذ المُخْتَلَفَ فيه: حُدَّ، وهذا فوقَ الإنكار باللسانِ.
بل عند فقهاءِ أهلِ المدينةِ: يَفْسُقُ، ولا تُقْبَلْ شهادتُهُ.
وهذا يردُّ قول مَنْ قال: «لا إنكار في المسائل المختلفِ فيها».
وهذا خلاف إجماع الأئِمَّةِ، ولا يُعْلَمْ إمامٌ من أئمَّةِ الإسلامِ قال ذلك …» اهـ.
ولنقتصر على مثالٍ واحدٍ مما ذكره ابن القيم - رحمه الله تعالى - في هذا الباب.
فقد ذكر أنَّ عبد الله المبارك - رحمة الله - قال:
كنت بالكوفةِ، فناظروني في النَّبيْذِ المختلَفِ فيه، فقلت لهم: تعالوا فلْيحتَجَّ المحتجُّ منكم عمَّن شاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالرخصة، فاحتجُّوا فما جاءوا عن أحدٍ برخصةٍ إلا جئناهم بسندٍ، فلما لم يبقَ في يَد أحدٍ منهم إلا عبد الله بن مسعود - وليس احتجاجُهُمْ عنه في شدة النبيذ بشيءٍ يصح عنه، إنما يصحُّ عنه أنه لم ينتَبذْ له في الجرِّ الأخضر - قال ابنُ المبارك: فقلتُ للمحتجِّ عنه في الرخصةِ:
يا أحمق، عُدَّ أنَّ ابنَ مسعودٍ لو كان ههنا جالساً فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الشِّدَّةِ كان ينبغي لك أن تحذر وتخشى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن: فالنَّخعي، والشَّعبي - وسمَّى عدَّة معهما - كانوا يشربون الحرام؟
فقلتُ لهم: دعوا عند المناظرةِ تسميةَ الرجال، فَرُبَّ رجلٍ في الإسلامِ مناقبه كذا وكذا، وعسى أن تكون منه زلَّة، أفيجوزُ لأحدٍ أن يحتجَّ بها؟
فإن أبيتُمْ فما قولكم في: عطاء وطاووسٍ، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير وعكرمة؟
قالوا: كانوا خياراً.
قلتُ: فما قولكم في الدِّرْهم بالدِّرهمين يداً بيدٍ؟
قالوا: حرامٌ.
فقلت: إن هؤلاءِ رأوهُ حلالاً، أَفَماتوا وهم يأكلون الحرام؟
فبهتوا وانقطعت حجتهم. اهـ.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)